You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

عبد الفتاح ماضي - ملخص تنفيذي للدراسة

الأربعاء، 25 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 3510 مرة

ملخص تنفيذى

الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو ثمرة اللقاء السنوي الثامن عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي انعقد في كلية سانت كاثرين بجامعة أوكسفورد في 26 تموز/يوليو 2008.

وتناول اللقاء موضوع هام هو "الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية: دراسة مقارنة لدول عربية مع دول أخرى"، وذلك بهدف أساسي هو معرفة الأسباب التي كانت وراء نجاح الكثير من حالات الانتقال من نظم حكم الفرد أو القلة إلى نظم الحكم الديمقراطي في جنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وإفريقيا، والأسباب التي تقف دون إتمام حالات انتقال مماثلة في الدول العربية.

ولتحقيق هذه الهدف عَرَضَ عدد من الباحثين العرب مجموعة من الدراسات والمداخلات والتعقيبات حول مداخل الانتقال إلى نظم الحكم الديمقراطي وعقبات الانتقال في عدد من الدول العربية وغير العربية. ويضم هذا الكتاب كل هذه الدراسات والمداخلات والتعقيبات، وكذلك دراسة ومداخلة أرسلتا إلى منسق المشروع بعد انتهاء أعمال اللقاء. وفي السطور التالية أبرز مضامين تلك الأوراق والمداخلات.

في مستهل اللقاء أشار الدكتور رغيد كاظم الصلح إلى أن بقاء المنطقة العربية المنطقة الوحيدة في العالم التي تتردد الديمقراطية في ولوجها أو ظلت علي أبوابها لا يجب أن يكون مدعاة لليأس وإنما إلى مزيد من البحث حول أسباب تراجع العرب عن ما بلغته دول أخرى.

أما الدكتور على خليفة الكواري فقد أوضح أن الدراسات المقدمة تستخدم منهج المقارنة بين الحالات العربية وتجارب دول أخرى لمعرفة الأسباب التي منعت الانتقال إلي نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية، مشيراً إلى أن الفرضية التي تنطلق منها هذه الدراسات هي أن من أهم مداخل الانتقال هو التوافق بين القوي التي تنشد التغيير الديمقراطي على نظام حكم ديمقراطي بديل للنظام القائم.

مداخل الانتقال: لماذا وكيف انتقلت دول غير عربية إلى الديمقراطية؟

تصدى كاتب هذه السطور، في الفصل الأول من الكتاب، لموضوع مداخل الانتقال إلى نظم الحكم الديمقراطي خارج العالم العربي، عارضاً ثلاثة مداخل رئيسة وإحدى عشرة حالة تطبيقية من مناطق جنوب وشرق أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وإفريقيا بهدف الاستفادة من تجارب الآخرين واستخلاص العبر والدروس التي تساعد صناع القرار والنشطاء السياسيين وكل الراغبين في رؤية حالات انتقال حقيقية.

وقد انتهى هذا الفصل إلى أن تطور مرحلة الانفتاح السياسي إلى انتقال حقيقي يعتمد، بدرجة كبيرة، على توافق القوى السياسية التي تنشد التغيير السلمي على نظام حكم ديمقراطي بأسسه ومبادئه وآلياته وضوابطه وضماناته المتعارف عليها كنظام بديل لنظام حكم الفرد أو القلة.

ويستلزم هذا التوافق إيمان القوى السياسية ذاتها بالديمقراطية، قولاً وفعلاً، واعتدال خطابها السياسي وانفتاحه على كافة القوى، والتكتل من أجل توسيع قاعدة المؤمنين بالديمقراطية كنظام سياسي وكآلية لحل الصراعات السياسية بطرق سلمية، والضغط على النخبة الحاكمة بغرض خلخلة تماسكها ودفعها إلى التنازل والقبول بالديمقراطية.

ولعل غياب هذا التوافق من أبرز العقبات التي تحول دون اتمام الانتقال إلى الديمقراطية في عدد من الدول العربية التي شهدت نوعاً من الانفتاح السياسي في السابق. كما انتهى الفصل إلى أنه كلما استطاعت القوى الديمقراطية الاستفادة من مساحة الانفتاح المتاحة كلما اتسعت المساحة المتاحة لها وقلت المساحة التي يتواجد فيها النظام, وكلما اعتدلت القوى المعارضة في مطالبها وانفتحت على كافة التيارات كلما اكتسبت مزيداً من الشرعية في الشارع كبديل محتمل للنظام القائم ونجحت في التوافق على قواسم مشتركة مع بعضها البعض.

هذا بجانب أن نوعية القيادة ومهارات السياسيين الإصلاحيين تعد أحد أهم عوامل نجاح الانتقال إلى الديمقراطية في معظم الحالات محل الدراسة. وهنا عرض الفصل لدور الآباء المؤسسيين في الهند وماليزيا، ودور مانديلا وديكليرك في جنوب إفريقيا وفاونسا في بولندا وأكينو في الفلبين وسواريز في إسبانيا، وغيرهم.

وفي بعض الحالات كان كَفْ المؤسسات العسكرية والأمنية - أو جناح منها – عن دعم النظام، من أبرز العوامل التي أثرت في ممانعة الفئات الحاكمة، بل إن الجيش أنقذ بلاده من سطوة الأجهزة الأمنية كما حدث في البرازيل والبرتغال ورومانيا وغيرها. وخلص الكاتب إلى استنتاج قوامه إن توافق القوى السياسية على القواسم المشتركة، واعتدال خطابها وتكتلها وقيادتها لعمليات التعبئة ضد السلطة، كفيل، أيضاً، بدفْع القوى الدولية الداعمة للنظام إلى التخلي عن دعمها له ومساندة المطالب الديمقراطية، أو على الأقل عدم الممانعة في الانتقال الديمقراطي، وذلك في حالة وجود هذا الداعم الخارجي.

وفي المناقشات التي تلت ذلك أشار رغيد الصلح إلى أن العامل الخارجي يلعب دوراً مزدوجاً مشيراً إلى أن سياسة الولايات المتحدة تتسم بالتناقض تجاه الديمقراطية في العالم العربي. أما مندر الويس فقد اعتبر أن البحث في حالات الانتقال غير العربية أمر غير مجد، معتبراً أن العقبة الأهم هو الدعم الخارجي والازدواجية الدولية في التعامل مع الدول العربية.

واهتم عبدالنبي العكري بالأسباب التي دفعت أوروبا إلى دعم التحول الديمقراطي في الدول غير الإسلامية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي السابق دون الدول الإسلامية، وتساءل جورج قصيفي، في مداخلته، عن إمكانية التركيز على العوامل الحاسمة، أو العوامل الأساسية المشتركة، في الانتقال والتي يجب أخذها في الحسبان عند الحديث عن الانتقال في العالم العربي.

كما تحدث أحمد الشاهي عن أسباب عدم وجود إصلاحيين عرب ودوافع ما أسماه هيمنة المثقفين العرب على الشعوب العربية، واعتبر منصور العجب أن الدراسة مهمة في فهم الأوضاع في السودان مؤيداً ما جاء فيها عن أهمية العامل الداخلي في حالات الانتقال، كما أشار إلى أهمية التمييز بين النظم العقائدية وغير العقائدية، وأهمية العامل الاقتصادي، أو ما أسماه "الديمقراطية الاقتصادية" وانتهى إلى القول إلى أن المرحلة الحالية تشبه مرحلة الانتقال من حكم الاستعمار إلى الاستقلال.

أما خديجة صفوت فقد أشارت إلى أهمية العامل الاقتصادي، والثورة كطريقة للتحول، واعتبرت أن ما أسمته الخشية من الجماهير أو كراهية الشعوب أمراً سلبياً. أما جمعة القماطي فقد رأى أن من الأهمية مقارنة الحالات العربية بالحالات غير العربية، واعتبر أن من الأهمية أيضاً تناول المشترك مع حالات أخرى مثل تركيا وماليزيا وإيران. وانطلاقاً من حقيقة أن الديمقراطية لا تُبنى إلا على مؤسسات تساءل القماطي عن أهمية مدخل بناء الدولة كمدخل للانتقال، مشيراً إلى أن العالم العربي لم يصل بعد إلى مرحلة الدولة.

أما أسامة رشدي فقد أكد على أهمية التركيز على العوامل المتشابهة حتى يتم الإستفادة منها في العالم العربي، منوهاً إلى عوامل تنفرد بها المنطقة أهمها زرع "إسرائيل" ودورها في منع الديمقراطية وتعاظم دور المؤسسة الأمنية وتفشي الفساد الأمر الذي يحتاج إلى دراسات أخرى مفصلة. واعتبر نبيل الحيدر أن من الأهمية تنوع الحالات العربية التي يعرضها المؤتمر.

الكويت: هل من فرصة حقيقية للانتقال إلى الديمقراطية؟

وفي الفصل الثاني كتب الدكتور علي الزميع عن تجربة الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في الكويت، عارضاً في البداية، أهم ما يميز هذه التجربة عن غيرها من التجارب في الخليج العربي، وشارحاً باقتضاب التطور التاريخي للممارسة الديمقراطية الكويتية وأهم العقبات التي تعترض هذه الممارسة، والتي منها التوافق بين قوى المعارضة، ودور القبيلة، ودور المال في شراء الأصوات، وعدم وجود برامج سياسية للنواب، ومؤكداً على أن النص الدستوري لا مشكلة فيه.

ثم تناول الكاتب أثر الأوضاع الإقليمية والدولية على عملية الإصلاح السياسي في الكويت، عارضاً بعض المقارنات بين الكويت والتجربة الماليزية. وانتهى إلى استعراض بعض الشروط اللازمة لتفعيل عملية الإصلاح السياسي، والتي من أبرزها التبني المجتمعي للديموقراطية والإصلاح السياسي، وتوافر الإرادة السياسية للإصلاح لدى مؤسسة الحكم، وإدارة عملية التغيير وفقاً للأسس العلمية.

وفي المداخلات، اختلف نبيل الحيدري مع الكاتب حول الدستور معتبراً أن الدستور الكويتي مشكلة في حد ذاته، نظراً لأنه يعطي الأمير صلاحيات واسعة. أما ضياء الفلكي فقد لفت الانتباه إلى أن من المهم أن نركز على جوهر عمل المجلس التشريعي والدستور وآليات العمل به، وتساءل عن كيفية توزيع الثروة في الكويت.

واعتبر أحمد الشاهي أنه لا يمكن فصل القبيلة عن الحكم وأن التطور الحالي قاده الشيوخ والحكام وأن سيطرة الدولة على مواردها أفضل من هيمنة فرد واحد. أما جورج قصيفي فقد اعتبر أن مؤشر حرية الصحافة أهم من مؤشر الانتخابات، كما نادى بضرورة البحث عن أشكال جديدة لربط الدولة بالمواطن معتبراً أن المطلوب هو خلق المواطن وليس شراؤه، كما تساءل عن رؤية الكاتب حول التجديد الإسلامي بالنظر إلى أن الكاتب كان وزيراً للأوقاف.

ورأى عبدالوهاب الأفندي أن الديمقراطية تعني التوازن السلمي بين القوى متسائلاً عن الأسباب التي تقف وراء اعتبار الاستجوابات خطاً أحمراً لدى الحكومة الكويتية، وداعياً إلى التفكير في حلول خلاقة لتعايش الديمقراطية مع القبيلة.

وتساءل عبدالجليل كاظم الوالي عن أسباب عدم تغيير الدستور بعد نحو خمسين عاماً من وضعه، فى حين تحدثت خديجة صفوت عن عدم وجود أية إشارة في الدراسة عن الوجود الأمريكي بالكويت وعلاقة هذا بالديمقراطية.

وقد انتقد ناصر الخليفة الحكم في دول مجلس التعاون معتبراً أنه في السابق كانت السلطة مستمدة من الشعب أما الآن فالحكم يستند إلى الوجود الأجنبي، مشيراً إلى أن لدى هذه الأنظمة الكثير من الفوائض المالية بينما دول عربية أخرى تعاني، وداعياً إلى مقارنة الدول الخليجية بالنرويج ولوكسبرج وليس بالدول العربية التي تعاني من الكثير من المشكلات.

وأشار علي خليفة الكواري إلى أن الكويت تنفرد عن غيرها من الدول المحيطة بأن لديها مشروع دولة ومن ثم فهناك فرصة حقيقية لدفع هذه التجربة وتصحيح مسارها في اطار الدستور الحالي.

وأثار آخرون مسائل أخرى مثل مشكلة البدون ومشكلة تكرار حل المجلس التشريعي (سعيد الشهابي)، وقضية العدالة والديمقراطية، وبناء الدولة وموقع الدين واللغة والعرق (منصور العجب)، إمكانية تطور الكويت إلى ملكية دستورية (جمعة القماطي)، عدم وجود أحزاب سياسية وعدم تصور ديمقراطية بلا أحزاب وقيام الحكومة بدور الأب في كل القطاعات عدا التنمية البشرية (غسان إبراهيم)، مسألة المشاركة السياسية للمرأة، ومسألة توزيع عوائد النفط والاستفادة من التجربة النرويجية (عبدالنبي العكري).

وفي رده على هذه المداخلات والتساؤلات، أشار علي الزميع إلى أن مقارنة الكويت مع الدول في الخليج وبقية الدول والعربية تشير إلى أن التجربة الكويتية هي الأكثر تقدماً، مؤكداً، من جديد، على أن لا مشكلة في الدستور، وإنه استناداً إلى الدستور فإن دور الأسرة الحاكمة دور جيد، والمشكلة الأساسية هي في الممارسة السياسية ومواقف القوى السياسية، منوهاً إلى أن مرتب الأمير يصدر به قانون من مجلس الأمة.

وأكد الكاتب على أن الوجود الأمريكي هو واقع تعيشه المنطقة وهو ليس شيئاً جيداً، مشيرا إلى أن الخوف من الأسوأ هو الذي يدفع الشعب العراقي إلى قبول الوجود الأمريكي الآن. وأضاف أن مشكلة البدون مشكلة عالمية وهي مشكلة إنسانية في الأساس، وتستغلها بعض القوى السياسية. كما أشار إلى أن ثمة حاجة إلى الإسلام المستنير وإرادة التغيير والمزيد من حرية الإعلام.

لبنان: اختلال التوازنات وفشل التوافقية

وفي الفصل الثالث قدم الدكتور رغيد كاظم الصلح دراسته عن تجربتي لبنان وسويسرا في الديمقراطية التوافقية، مشيراً، في البداية، إلى أن الديمقراطيين التوافقيين يرون أن تطبيق النظام الأكثري علي المجتمعات التعددية لن يؤدي دوماً إلى قيام ديمقراطية الأكثرية، وإنما إلى ظهور نظام ديكتاتورية الأكثرية.

كما أوضح الكاتب الخصائص الأساسية للديمقراطية التوافقية، والعوامل الموضوعية المساعدة علي الانتقال إلى الديمقراطية التوافقية، والتي منها حجم الدولة الصغير، ووجود التحدي الخارجي أمام النخبة السياسية بحيث يدفعها إلي التفاهم مع بعضها البعض، وميزان القوة المناسب بين الفئات المجتمعية بحيث لا تكون هناك فئة تملك أرجحية واسعة وحاسمة علي الفئات الأخرى، ووجود تباينات واضحة بين هذه الفئات.

هذا بجانب عوامل أخرى أبرزها دور النخبة السياسية وقدرتها علي القيام بنوع من الهندسة السياسية من أجل الانتقال الديمقراطي. ثم تناول الكاتب الحالة اللبنانية موضحاً الفارق بينها وبين الحالة السويسرية من حيث عدد السكان ومساحة الدولة والتكوين الطبيعي الطبوغرافي، وندرة الموارد الطبيعية، هذا إلى جانب التوازن النسبي بين الفئات المجتمعية.

ثم قارن بين الأوضاع والظروف التي أدت إلى دستور 1848 في سويسرا ودستور 1943 في لبنان، منتهياً إلى عدد من الدروس المستفادة، أهمها أن العلاقة بين الوطنية والديمقراطية لم تتبلور بشكل كاف في المنطقة العربية، على عكس ما حدث في سويسرا التي بها عدد من القوميات لكن بها أيضاً وطنية سويسرية.

ونوّه الكاتب إلى أن الدول تنجح في تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية عندما يكون الخارج مشغولاً عنها، وإلى أنه من الأفضل للعرب خوض الديمقراطية بأنفسهم دون فرض من الخارج، وذلك حتى لايخسرون الديمقراطية والمصالح الوطنية معا.

وأعرب الكاتب عن أن الصيغة الديمقراطية التوافقية التي اعتمدت في لبنان هي حل مؤقت وأنه يجب قيام نظام أكثري يقوم علي المواطنة، واحترام الحرية الفردية، والخلاص من الطائفية والنزاعات الفئوية التي تتحدي السلطة الوطنية، وعلى أن يحدث هذا الانتقال دون السماح بقيام ديكتاتورية الأكثرية المستندة لعرق أو دين ما أو حتى التزام سياسي أو عقائدي معين.

وتساءل جورج قصيفي عن رأي الكاتب في الفترة الزمنية التي يجب أن نتركها للديمقراطية التوافقية قبل الانتقال إلى مبدأ المواطنة ولبنان غير الطائفي. أما عبد الوهاب الأفندي فقد أثار قضية وضع القبلية في النظام السياسي العربي، مشيراً إلى أن الديمقراطية التوافقية تتعامل مع الكيانات المكونة علي أساس أنها دول في حين أن الديمقراطية العادية تتعامل مع الأفراد، ومتسائلاً عن كيفية خلق نظام ديمقراطي يتعامل مع هذه الظواهر: التعددية، الطائفية، القبلية.

وأشارت خديجة صفوت إلى أهمية الاهتمام بالبعد الاقتصادي، وتحدث كامل مهدي عن تغير الفئات ووجود توازن غير مستقر في لبنان، وعن كيفية استمرار الديمقراطية التوافقية في ظل هذا الوضع. أما جمعة القماطي فقد تحدث عن تغير الاستقطاب الطائفي إلى استقطاب سياسي مع تحالف ميشيل عون مع حزب الله، وتحالف عائلة الجميل مع الحريري، متسائلاً عن إمكانية حدوث نوع من التحول في الاستقطاب وضعف الاستقطابات الطائفية المذهبية لحساب الاستقطابات علي أساس البرامج السياسية، وهل هذا سيخدم التحول إلي الديمقراطية علي أساس المواطنة.

كما تناول القماطي في مداخلته دور العائلات الغنية والمال، متسائلاً عن ما إذا كان للمال نتائج سلبية على الديمقراطية، وأثار مسألة التغيير الديموغرافي وأثره علي الديمقراطية التوافقية وقضية التوازنات التي عُرفت تاريخيا في لبنان. أما ناصر الخليفة فقد أكد على أن المال في سويسرا يصنعه السويسريون، أما مشكلة لبنان فإنه علي مدي خمسين عاماً يعاد ترتيب الأمور من خلال المال القادم من الخارج وبهدف الإبقاء على نفس الأقطاب، مشككاً في إمكانية أن يكون هناك ديمقراطية توافقية في ظل وجود أربع أو خمس عائلات تمتلك المال والسلطة السياسية.

أما عبد الفتاح ماضي فقد تساءل عن إمكانية الاستفادة من تجربة المنظمات العابرة للقوميات والأديان في دول أخرى متنوعة السكان مثل ماليزيا والهند، أو من استراتيجية بوتقة الصهر كما في الولايات المتحدة واستراليا وكندا.

وقد تحدث علي خليفة الكواري في مداخلته عن أن الديمقراطية التوافقية هي ديمقراطية قبل أي شيء أخر وإنه لابد أن يكون بها كل الضوابط والآليات والمؤسسات الموجودة في الديمقراطية، موضحاً أن أي توافق لابد أن يكون مرحلياً تكتيكياً لحل مشكلة آنية، ولتعود الديمقراطية القائمة على المواطنة في المستقبل. ويستند هذا الفهم على حقيقية أن الديمقراطية هي تعاقد اجتماعي متجدد، قادر على الاستمرار عبر والأجيال عندما تتغير التوازانات. ولهذا فالتوافق الذي حدث في لبنان عام 1943 كان ضرورياً لبقاء لبنان كدولة, أن ذالك مشيراً إلى أن التوازن اختل فيما بعد وقامت اضطرابات سياسية أكثر من مرة، ثم اختفى التوازن في السبعينيات واندلعت الحرب الأهلية.

وتطرق سعيد الشهابي إلى العلمانية وقيام الديمقراطية الغربية علي العلمانية على عكس الحال في العالم العربي حيث هناك ولاء للدين وللقبيلة وللمذهب ولا يمكن الفكاك من هذه الولاءات، متسائلاً عن كيفية التوفيق بين تعدد الولاءات والديمقراطية.

وفي رده على المداخلات أشار الكاتب إلى مقاربتين، الأولى يرى أنصارها إنه إذا طُبقت التوافقية بدقة وعناية فإن الديمقراطية التوافقية تنتقل إلي ديمقراطية الأكثرية. أما المقاربة الثانية فيعتقد أصحابها أنه من الأفضل أن يحدث الانتقال من التوافقية إلى الأكثرية عن طريق النخبة السياسية بعد أن تصل إلى درجة عالية من الوعي السياسي والانتماء الوطني، وممارسة ما يشبه الهندسة الوطنية لتذويب العوامل الطائفية، كما فعل نهرو في الهند.

وأوضح الكاتب أن النظام الأفضل عنده هو النظام الذي يكرس الحريات الفردية ويقف ضد استبداد الفرد أو القلة أو الكثرة ويضمن التداول على السلطة. وحول المتغيرات قال هناك فعلاً متغيرات, وهناك قوة شعبية صاعدة في لبنان لم تجد لها مكاناً في الإطار الديمقراطي بحيث تستطيع أن تتعامل مع النظام تعاملاً كاملاً من خلالها.

السودان: صراع النخب وتدخل الجيش يؤجل الديمقراطية

وخُصص الفصل الرابع لعدة مداخلات حول عقبات الانتقال في كل من السودان والبحرين ومصر واليمن. حيث تحدث عبد الوهاب الأفندي عن الحالة السودانية، مشيراً إلى أن السودان – الذي يتسم بالتعددية العرقية واللغوية والدينية والطائفية والسياسية - شهد انتقالاً ديمقراطياً مرتين في الماضي، ومشيراً إلى أن بعض الأحزاب السياسية قامت علي بنية طائفية، وأنه كان من الممكن تفادي الكثير من مشكلات السودان لو اعتمدت الديمقراطية التوافقية.

واستعرض الكاتب أسباب الانتقال إلى الديمقراطية وعوامل انتكاسها، مؤكداً على أن المشكلة الأساسية التي كانت تهدد وجود السودان والعملية السياسية هي مشكلة الجنوب، وأن مطالب جنوب السودان كانت في البداية بسيطة وتتعلق بنوع من الحكم الفيدرالي، وحق الفيتو في بعض الأمور كجزء من الديمقراطية الفيدرالية، لكن الساسة في ذلك الوقت تجاهلوا هذه المطالب لاعتقادهم أن الدولة الحديثة هي دولة واحدة والجميع متساوون ولا يوجد أفضلية لأحد علي آخر. وعلى الرغم من ذلك فلم يكن هذا الأمر هو الذي أدي إلى سقوط الديمقراطية، فالسبب هو الصراع داخل النخب الحاكمة نفسها حتى في داخل الحزب الواحد، لأن بعض الأحزاب قامت علي أسس طائفية، وهيمنة زعيم الطائفة على مقاليد الأمور.

هذا إلى جانب البنية غير الديمقراطية للأحزاب، فالأحزاب وراثية، وهذا ما دفع بالنخبة إلي التفكير في الانقلاب العسكري للتغلب علي هذه القضية. وكان سبب الانقلاب الأول الصراع داخل الائتلاف الحاكم وداخل حزب الأمة نفسه.

غير أن إمساك الجيش بالسلطة، عند الأفندي، أدى إلى مشكلات عدة، فحرب الجنوب تصاعدت الأمر الذي أفضي بدوره إلى تقويض شرعية النظام العسكري ذاته فسقوطه مرتين بسبب الحرب في الجنوب. وفي الحالتين شهدت البلاد نوعاً من التوحد بين الطوائف السياسية فتوافق على التحرك نحو الديمقراطية، التي استعيدت مرتين، وسقطت ثلاث مرات.

وأوضح الكاتب أن الحالات التي سقطت فيها الديمقراطية كان السبب داخلياً، حيث كان هناك استعجال من العسكريين والسياسيين للانقضاض علي الديمقراطية، ولم يتوفر الوقت للديمقراطية لإصلاح مشكلاتها بنفسها. كما أن فشل الحكومات الديمقراطية كان دائماً فشلاً اقتصادياً من ناحية، وفشلاً في حل مسألة الجنوب من ناحية أخرى. وأشار إلى أنه، كما كتب أحد السفراء الأمريكيين، فالولايات المتحدة والدول الغربية لم تدعم الديمقراطية السودانية في ذلك الوقت لدرجة أنه في أواخر عهد الصادق المهدي كانت الحكومة السودانية تدفع خدمة ديون للولايات المتحدة أكثر مما تحصل عليه من معونات.

البحرين: فرص ضائعة وإصلاح متعثر

كتب الأستاذ عبدالنبي العكري عن تجربة البحرين التي أطلق عليها "ديمقراطية معاقة وإصلاح متعثر"، مشيراً إلى أن ثلاث فرص أتيحت للديمقراطية في البحرين، مع الأخذ في الاعتبار معني الديمقراطية في كل مرحلة تاريخية. ففي الخمسينيات كانت تعني التشاور وكانت هيئة الاتحاد الوطني المكونة من تحالف وطني من السنة والشيعة وعلماء دين.

وقد أفشل المستعمر الإنجليزي هذه التجربة بعد أن تحالفت الهيئة مع عبد الناصر. أما التجربة الثانية فقد جاءت في أعقاب قرار بريطانيا بالانسحاب من الخليج وظهور فجوة بين الحكم والشعب، وبعد الاستفتاء الذي أبقى البحرين كدولة مستقلة عربية إسلامية في ظل حكم آل خليفة وعدم إلحاقها بإيران، حيث تم تشكيل مجلس تأسيسي ووضع الدستور، فولدت تجربة جديدة أحبطها الصدام مع السلطة المنتخبة، ثم تم حل المجلس النيابي عام 1975، وتعطلت الحياة الديمقراطية وبدأت مرحلة القمع.

وأضاف الكاتب أن البلاد شهدت بعد ذلك في التسعينيات انتفاضة أهلية، وبعد الغزو العراقي للكويت حدث تحول في فكر المعارضة السياسية من استهداف قلب النظام إلى المطالبة بالإصلاح. وحلت الفرصة التاريخية الثالثة عام 1999 مع مجيء الملك الحالي، وبدء المشروع الإصلاحي للملك في مرحلة جديدة بمتغيرات جديدة منها انهيار الاتحاد السوفيتي وانتكاس الماركسية، والاتجاه العالمي نحو الإصلاح والديمقراطية.

ثم تطرق الكاتب إلى معوقات هذه التجرية، فمواد ميثاق العمل الوطني تحتمل تفسيرات مختلفة كما أن هناك غياب للإرادة السياسية وعدم اكتمال للمشروع الإصلاحي. هذا بجانب أن أكبر عشيرة في البحرين هي الأسرة الحاكمة التي لها مصالح ممتدة ومتشعبة وتجمع بين السلطة والثروة، كما أنه ليس هناك توافق داخل الأسرة الحاكمة علي التحول الديمقراطي.

هذا فضلاً عن انقسام وتشتت المعارضة وتفتت التيار الوطني إلي خمسة أو ستة تنظيمات، وظهور تحالفات ضعيفة تقوم كلها علي قضايا وقتية وليس على برامج محددة. كما تناول الكاتب الانقسام الطائفي في التنظيمات السياسية والجمعيات الأهلية والصحافة، مؤكداً على أنه لا يمكن، بوجود هذا الانقسام، أن يحدث إصلاح ديمقراطي حقيقي.

مصر: سلطة تجدد آليات سيطرتها ومعارضة غير توافقية

أما في المداخلة الثالثة والأخيرة فقد تحدث عبدالفتاح ماضي عن أبرز العقبات أمام التجربة المصرية، ومنها ازدواجية التعامل مع القضايا المتصلة بالديمقراطية والانتقال، وخاصة فيما يتصل بالعامل الخارجي، وبدور الدين وموقعه من الديمقراطية، وبالديمقراطية ذاتها كمفهوم وكنظام للحكم.

وقد أوضح الكاتب أن هناك الكثير من قوى المعارضة في مصر تهتم بعيوب الديمقراطية في الغرب أكثر من عيوب النظام الحاكم أو عيوب أنفسها، كما أن الكثير من هذه القوى تخلط بين الديمقراطية الغربية، بل والسياسة الخارجية الأمريكية في بعض الأحيان، والديمقراطية كنظام للحكم تطبقه الكثير من الدول خارج دول الغرب.

كما تطرقت المداخلة إلى أن سلوك الحكومة ذاتها يتسم بالازدواجية إلى الحد الذي أصبحت فيه الديمقراطية مسألة أمن قومي تهدد باختراق خارجي. ويتفق مع هذه الرؤية، بشكل غير مباشر، عدد من أنصار التيارات المعارضة عندما يصرون على الخلط بين الديمقراطية وبين حدوث اختراق خارجي. هذا فضلاً عن وجود لبس آخر متصل بعلاقة الدين بالديمقراطية، فالبعض يدقق في مدى توافق مبادئ الديمقراطية مع القرآن والسنة في الوقت الذي تخترق فيه سلوكيات الكثير من الأفراد للكثير من أبجديات الإسلام في المعاملات.

وشدد الكاتب على أهمية استفادة القوى الوطنية والإسلامية من تجارب الانتقال إلى الديمقراطية وبخاصة الأمور المتصلة بثلاث أسئلة محورية، هي كيف اعتدل الخطاب السياسي للمعارضين والمناضلين من أجل الديمقراطية؟ كيف اتفق هؤلاء على قواسم مشتركة وعلى نظام ديمقراطي بديل؟ وكيف نجحوا في التكتل للضغط علي الحكومة ودفعها للتنازل؟ وانتهت المداخلة بالتأكيد على أهمية التوافق بين التيارالإسلامي وغيره من التيارات، وأهمية تنقية الخطاب السياسي للمعارضة من اتهام الآخر في المعارضة وتنحية الاختلافات الإيديولوجية مؤقتاً من أجل الاتفاق على قواسم مشتركة حول نظام ديمقراطي بديل وبلورة مطالب سياسية محددة، فضعف المعارضة وتشرذمها هو الوصفة الحقيقية لعدم الانتقال وليس الانتقال.

اليمن: غياب المشروع الوطني الحداثي

أما فؤاد الصلاحي، فقد كتب عن معوقات الانتقال إلى الديمقراطية في اليمن مستعرضاً، في البداية، التجربة اليمنية في الانفتاح السياسي من حيث الإطار العام والظروف المحيطة به من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وآليات هذه الانفتاح، ثم متناولاً بشيء من التفصيل للمعوقات المختلفة التي تقف أمام الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، والتي منها ضعف البناء المؤسسي في الدولة والمجتمع، وطبيعة المجتمع اليمني وتركيبه الاجتماعي، وضعف الآليات القانونية الحديثة وضعف المشروع التنموى الوطنى بشكل عام.

هذا فضلاً عن ضعف النمو الاقتصادى والآثار السلبية الناتجة عن برنامج الإصلاح الاقتصادى، وضعف نشاط هيئات المجتمع المدنى. وقد انتهى الكاتب إلى أنه على الرغم من أن المجتمع في اليمن يشهد، منذ ستينيات القرن العشرين، جملة من المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المطالبة بالتغيير والمناصرة للديمقراطية، غير أنها "تتم بشكل متناثر دون مشروع وطني عام ودون اعتماد الدولة لمشروع حداثي يكون عنوان لمسار تطورها.." كما جاء في المداخلة التي كتبت بعد اللقاء ولم يتيسر تقديمها للمناقشة.

وفي التعقيبات تحدث إبراهيم كمال الدين عن ما اعتبره تكملةً لتجربة البحرين مستعرضاً انتفاضة التسعينيات وملابسات سن الدستور الحالي ورفض الجمعيات السياسية لجملة من القوانين المعيقة للديمقراطية. أما أسامة رشدي فقد أكد على أن التجربة المصرية تشهد خطوات للخلف - وليس خطوتين للخلف وخطوة للأمام - كما أنها أثبتت أنه لا يمكن إصلاح الأوضاع بإجراءات ملفقة وواجهات شكلية.

أما علي الزميع فقد اعتبر أن هناك تطور في حريات الإعلام في الكثير من الدول العربية، وهناك نمو للمجتمع المدني، غير أن القضية الرئيسة هي قضية الصراع الداخلي بين قوي الإصلاح السياسي وما استتبع ذلك من إحباط لدي الجماهير العربية والتي صارت تخشي من التجربة الديمقراطية. ورأى الزميع أن قضية العلمانية يجب أن ُتطرح لحاجة العرب إليها وعلى اعتبار أن العلمانية بمفهومها العلمي لا تتعارض مع الدين.

أما جمعة القماطي فقد اعتبر أن المداخلات لم تتعمق كثيراً في الجذور الرئيسة لأسباب عدم التحول، طارحاً خمسة موضوعات، هي: ثقافة القبلية والتعصب القبلي علي حساب الثقافة المدنية والمجتمع المدني، نظام وفلسفة التعليم في العالم العربي وما إذا كانا يهتمان بالكم أم بتخريج أجيال تحمل عقلية نقدية وتطالب بحقوق المواطن، وهيمنة حاكم واحد في الدول النفطية على ثروات الدولة واحتياج هذا الحاكم إلى التفاوض مع شركات النفط فقط وليس مع شعبه، قضية الإسلام والديمقراطية وتطرف الجانبين، وأخيراً مصداقية الأحزاب والنخب السياسية المعارضة في العالم العربي فيما يتصل بثقافة التوافق والديمقراطية مقابل ثقافة الإقصاء.

أما خديجة صفوت فقد شددت على أهمية تناول المراحل المختلفة للتجربة المصرية ودور المجتمع المدني في مصر. وفي الشأن السوداني اعتبرت أنه من الأهمية وضع التجربة بأكملها في سياقها العام منذ مطلع القرن العشرين وسياسات التنمية ودور أمريكا المبكر بالسودان وصراع الأسر المختلفة. وشدد أحمد الشاهي على أهمية المساواة والتكافؤ والعدالة بين الشعوب العربية.

وأكد عبد الوهاب الأفندي، في تعقيب ختامي، على أهمية إنهاء الخلاف بين الإسلاميين واليساريين حتى يتحقق الانتقال الديمقراطي، مشيراً إلى أن سبب الديكتاتورية في العالم العربي هو أننا نخطئ ونتهم الشعوب العربية المظلومة ونعتبرهم المذنبين، ومؤكداً على إن عدم وجود ديمقراطية في الكثير من العواصم العربية سببه عدم سماح الحكام بذلك وليس لأن الشعوب لا تريد الديمقراطية.

واعتبر أن السودان مقبل على انتقال ديمقراطي جديد حسب اتفاقية نيفاشا، وأن المشكلة الآن هي في وضْع الدولة نفسها، فمؤسساتها (الجيش، البيروقراطية، الأجهزة الأمنية) مسيسة وهذا قد يعوق الانتقال.

أما عبدالفتاح ماضي فقد أشار إلى أهمية العوامل الثقافية والتعليمية، غير أنه اعتبر أن وضعها في صدارة الأمر قد يؤدي إلى تعقيد الانتقال الديمقراطي، مشيراً إلى أن دول الغرب ذاتها لم تنتقل بعد الوصول إلى أنظمة تعليمية وثقافية ديمقراطية، فهذه الأشياء جاءت بعد الديمقراطية في كثير من المجتمعات، وفي تركيا والهند جاءت المؤسسات الديمقراطية أولاً، ثم قامت هذه المؤسسات بعمليات التنشئة السياسية.

كما أضاف أن بعض حالات الانتقال التي جاءت في الفصل الأول أوضحت أن الكثير من الأمور الخلافية قد تم تأجيلها إلى ما بعد الانتقال، ففي بولندا تم الانتقال بين عامي 1988 و1989 وأجريت انتخابات ديمقراطية، لكن مسألة النص على هوية الدولة البولندية في الدستور أجلت حتى عام 1996، وفي إفريقيا كان التفاوض والدائرة المستديرة ثم انتخابات 1994 ثم دستور 1996 والتعديلات التي تمت عليه في السنوات التالية.

هل من سبيل لبناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية؟

واحتوى الفصل الخامس على مجمل المناقشات والآراء حول أهمية وكيفية بناء كتلة تاريخية تعمل من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الأقطار العربية، حيث قدم على خليفة الكواري رؤيته مشيراً إلى أن هذا مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية سيصل إلى نهايته بحلول اللقاء العشرين.

وأكد أن لقاء هذا العام جاء بشكل مخطط بحيث تستخدم المقارنة للإجابة على سؤال محوري هو لماذا انتقلت دول أخرى ولم ننتقل نحن العرب، موضحاً أن الفرضية التي قام عليها الموضوع هي أن كل العوامل مهمة، غير أن هناك عاملاً حاسماً إذا توصل أي مجتمع له يصبح الانتقال ممكناً، وهو توافق القوي التي تنشد التغيير علي نظام حكم بديل علي قاعدة الديمقراطية، فبدون هذا التوافق لن تستطيع هذه القوى الضغط علي النظام أو التأثير فيه من أجل الانتقال إلى الديمقراطية.

ويعني هذا أنه مهما اختلفت المراحل أو المداخل أو الظروف، فإن الانتقال لن يحدث بدون تكوين تلك الكتلة التاريخية علي قاعدة الديمقراطية، لافتاً إلى تجارب مصر والكويت والمغرب ودول أخرى. ونظراً لأهمية هذا الأمر فقد أقترح الكواري أن موضوع اللقاء التاسع عشر للمشروع هو "أهمية وكيفية بناء كتلة تاريخية علي قاعدة ديمقراطية في كل بلد عربي"، أي ما هي القواسم المشتركة التي يجب التوصل إليها لتكوين هذه الكتلة التاريخية؟

كما أشار إلى أن هناك نية لإنجاز دراسة مسحية لكل ما أنتجه المشروع من كتب وحوارات وأوراق, وإجراء تحليل مضمون لهذا المنتج لمعرفة مساهمة المشروع في الفكر والوعي الديمقراطي.

وقد أثار عدد كبير من الحضور الكثير من الموضوعات والتساؤلات ذات الصلة، منها على سبيل المثال: أهمية إصلاح حال الأحزاب من أجل استقطاب الجماهير (نزار يوسف)، المعوقات الثقافية للديمقراطية وانبثاق الكتلة من الناس أنفسهم (كامل المهدي)، ضرورة إيمان الأحزاب نفسها والنشطاء السياسيين بالديمقراطية وبالتكتل (إبراهيم كمال الدين)، الحاجة إلى إخراج وثيقة للحقوق والحريات الفردية والسياسية للمواطن العربي لتعمل كنواة لأي دستور مستقبلي (أسامة رشدي)، إجراء حوار بين المثقفين، وإخراج وثيقة لحقوق الإنسان العربي مع الأخذ في الاعتبارات العادات والتقاليد والدين (ناصر الخليفة)، النقد الذاتي للأحزاب المعارضة (غسان إبراهيم)، التساؤل حول ما إذا كان لنا الحق في تخويل أنفسنا في البدء بمشروع من هذا النوع في بلادنا من الخارج، وأهمية ترجمة أدبياتنا للغات أخرى لخلق التواصل وتعاطف الآخرين، وتصميم موقع على شبكة الإنترنت واستمرار الحوار عبره (خديجة صفوت)، أهمية المواطنة في تكوين الكتلة التاريخية (عبد الجليل والي)، ومحورية التحول الديمقراطي في مصر وتأثيره على بقية الدول العربية، وأهمية ثقافة التوافق الديمقراطي بين الكتل والتيارات العربية خاصة النخب المعارضة، والبعد الإجرائي العملي للخطوة والإضافات التي يمكن أن تقدمها الدعوة الجديدة على المبادارات الموجودة مثل شبكة الديمقراطيين العرب والمؤتمرات القومي الإسلامي وملتقيات الأحزاب (جمعة القماطي)، إعادة النظر في كلمة "تاريخية" لأنها توحي بأنها من الماضي، واقتراح كلمة "الوطنية" للتأكيد علي المعني الشامل لها، وأهمية وجود "حركة تنوير" تقدم الحلقة المفقودة بين المطالب الفئوية والمطالب الوطنية والاهتمام بدور وسائل الإعلام (خالد الشامي)، الحاجة إلى استمرار المشروع وتطويره إلى مركز دراسات (عبدالنبي العكري)، ضرورة الاهتمام بعمليات التعبئة الاجتماعية والفئات المختلفة للمجتمع، وتطوير طرق التواصل معها (عبدالفتاح ماضي)، ماذا سيحدث بعد التغيير؟ وهل ستستمر الكتلة التاريخية أم تنفرط ويستولي عليها الطرف الأقوى وننتقل لمرحلة جديدة من الاستبداد؟ وأهمية دراسة المؤشرات الدالة علي مدي التزام فريق ما بالديمقراطية (رغيد الصلح).

 


المغرب: محاولة انتقال بحاجة إلى إرادة ونضج

وفي الفصل السادس والأخير تساءل محمد المالكي عن المقومات التي سمحت لإسبانيا بإنجاز مشروع الانتقال إلى الديمقراطية في زمن وجيز مقارنةً مع غيرها من التجارب في العالم وخاصة في المغرب. وانتهى الفصل إلى عدد من مقومات النجاح للتجربة الإسبانية، هي أن هذه التجربة انطوت على فكرة الاختيار الإرادي، الواعي والحر للنظام الديبمقراطي ونتائجه على السياسة والاقتصاد والمجتمع، وقد ترجم هذا الاختيار في احتضان المؤسسة الملكية مشروع الانتقال وتفاعلها مع مكونات المجتمع.

هذا فضلاً عن أن نجاح قادة الانتقال في صياغة وثيقة دستورية كرست روح التوافق حول قواعد النظام الديمقراطي المنشود وآليات تسيير مؤسسات الدولة، وحلولاً دستورية مرضية لمشكلة التنوع الثقافي والديني. وأخيراً، ساعد على نجاح الانتقال الإطار الإقليمي المشجع على الانتقال، فأوروبا كانت حاضرة في فكرة الانتقال وخطواته لأسباب متصلة ببناء الفضاء المشترك الذي دشنته معاهدة روما عام 1957.

وفي مقابل ذلك أشار الفصل إلى أن التجربة المغربية تنطوي على بعض المظاهر الخاصة بها، منها اقتناع المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية بضرورة البحث عن التوافقات الواقعية والممكنة لإعادة بناء الثقة والتراضي حول منهجية جديدة لتسيير الشأن العام، غير أن هناك مفارقة عند المقارنة بين الحالتين المغربية والإسبانية، فبقدر ما نجحت إسبانيا في الاندفاع نحو الانتقال الناجح نحو الديمقراطية وتحديث الاقتصاد والمجتمع والثقافة، بقدر ما صار من الصعوبة على المغرب إنجاز الاندفاع ذاته، لأسباب متعددة منها قصر عمر التجربة، ودرجة نضج المشروع لدى الفاعلين السياسيين.

وانتهى الفصل إلى استنتاج رئيس قوامه أن التغيرات الداخلية والإقليمية والدولية لا تترك للمغرب خياراً بديلاً عن "خيار الدمقرطة والتحديث"، غير أن انجاز هذا الخيار يستلزم من المؤسسة الملكية والأحزاب اتخاذ خطوات جريئة وأليمة، ويتطلب "قدراً محترماً من التراكم الفعال والعقلاني على صعيد بناء الاقتصاد، وتقويم الاختلالات الاجتماعية، وتنوير الذهنيات لتكون حاضنة للانتقال ومتمسكة له ومدافعة عنه"، كما ورد في الدراسة.

*****

وتجدر الإشارة، أخيراً، إلى أن مهمة التحرير لهذا الكتاب قد اقتصرت على ترتيب فصوله ومراجعتها للتنسيق بينها على وضع تصلح معه للعرض في كتاب يتضمن أوراق ومناقشات اللقاء الثامن عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية. ولهذا تُركت النصوص الأصلية للأوراق والتعقيبات والمداخلات كما قدمها وعرضها أصحابها من حيث الموضوع والترتيب وذلك حرصاً على الإبقاء على فكر ورؤى كل كاتب ومشارك. والأمل أن تستمر نشاطات المشروع وتتوالى ثمراته في خدمة المعرفة العربية بوجه عام ومسألة الديمقراطية بوجه خاص. والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة