You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفهوم المواطنة>مفهوم المواطنة - الجماعة العربية للديمقراطية

رغيد الصلح - الكلمة الافتتاحية

الأربعاء، 25 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2272 مرة

سيداتي سادتي,

ترتبط فكرة بناء الكتلة التاريخية بهدف التغيير، وخاصة عندما يتأخر هذا التغيير ويطول انتظاره دون أن تلوح بشائره أو إرهاصاته. وفي البلاد العربية لا يوجد خلاف كبير حول الحاجة الماسة إلي التغيير، حتى النخب الحاكمة العربية أكدت في إعلان تونس الصادر عن القمة العربية عام 2004 على هذه الحاجة.

ولكن رغم انتشار الاقتناع الظاهري بهذه الحاجة للتغيير فإننا لم نقترب منه. بل علي العكس من ذلك فإننا نبتعد عنه ذلك أنه بعد إعلان تونس الذي خُصص للتأكيد علي الاصلاح والتحديث توارت الدعوة إلى التغيير واختفت تقريبًا من قرارات القمم العربية اللاحقة.

وبموازاة ذلك تراجعت مبادئ التغيير والإصلاح في كل بلد عربي. هذا ما يلاحظه التقرير الوطني للتنمية البشرية في لبنان والذي صدر مؤخرًا عندما يصف بناء المؤسسات التي عانت من النكوص بعد أن تجسدت النزاعات الطائفية في مآزق سياسية مستعصية وصراعات طائفية متفاقمة، مما أفضي إلي شلل انتاب جميع الجهود الإصلاحية.

كيف نفسر هذه الظاهرة المستنقعية التي ضربت المنطقة العربية فحولت التغيير إلي نكوص وتراجع؟ أكد أنطونيو جرامشي في تفسيره للتأخر في انتشار الاشتراكية علي أهمية البني القومية وعلي دور الثقافة السياسية خصوصًا في الصراعات السياسية، وتوقف المفكر الإيطالي أمام مقدرة الطبقات الحاكمة في الدول الرأسمالية علي إقناع الطبقات المتوسطة والشعبية بأن مصلحتها تتطابق مع مصالح الطبقة المهيمنة علي السلطة. وقد ترسب هذا الاقتناع في الوعي العام، وتجذر لدرجة أنه أصبح يشكل القاعدة الثقافية التي بني عليها التفكير المألوف والمتعارف عليه بين المواطنين العاديين.

وبالاستناد إلى هذا الوعي تشكلت كتل تاريخية ساندت الأنظمة البرجوازية وحالت دون حصول التغيير الحتمي والتاريخي الذي توقعه مفكرو اليسار. وتصحيحًا لهذا المسار المفترض دعا جرامشي لبناء الكتلة التاريخية.

فأين نحن الآن في المنطقة العربية من هذا التحليل ومن هذه الدعوة؟ هل نجحت النخب السياسية الحاكمة في المنطقة في إنتاج ثقافة مهيمنة تضمن لها التأييد الطوعي لأكثرية المواطنين؟ وهل نجحت هذه النخب في تكوين كتل تاريخية تشكل قاعدة لها كما هو الأمر في الأكثريات الديمقراطية بحيث تحول دون حدوث هذا التغيير المرتجي.

من يراقب المنطقة العربية عن كثب يصعب عليه أن يعثر علي ما يشبه هذا الحال. فالنخب السياسية العربية الحاكمة لم تنجح خاصة خلال العقود الأخيرة من الزمن في إنتاج ثقافة سياسية جادة تصلح أساسًا لقناعات مشتركة تجمع أطياف المجتمع الدينية والطبقية والإثنية والنوعية والعمرية والديموغرافية المختلفة.

وإذ يشكل هذا الوضع ثغرة في بنيان الوضع الراهن فإنه يفسح المجال أمام النخب المضادة لكي تقوم هي بملئ الفراغ السياسي والثقافي الراهنين وبانتاج وتعميم ثقافة التغيير وبناء الكتلة التاريخية للتغيير في كل بلد عربي.

بديهي أن النخب المضادة العربية لم تنجح أيضًا فيما أخفقت فيه النخب الحاكمة، أي أنها لم تنجح في ملء هذا الفراغ وفي إنتاج ثقافة التغيير ولم تنجح أيضًا في تكوين كتل تاريخية للتغيير وإلا لما خصص هذا المشروع أكثر من مؤتمر لهذا الموضوع.

هناك أسباب كثيرة قدمت في تفسير اخفاق النخب الحاكمة والنخب المضادة معًا في إنتاج ثقافة بني فوقية وثقافة سياسية تخوض عبرها معركة التغيير والاستمرار.

في تقديرنا أن الموقف الملتبس تجاه الديمقراطية لعب أدوارًا في التأثير على ثقافة ومشاريع وكتل تاريخية للتغيير. فمما لا شك فيه أن قيام مثل هذه الكتلة، بما تستقطبه من تأييد شعبي كبير يخترق سائر الطبقات والتجمعات السياسية بما فيها النخب السياسية الحاكمة, يُهيء المجتمعات التي تتشكل منها الكتلة التاريخية.

هنا نأتي إلى مسألة حساسة ودقيقة. فالدعوة إلى قيام كتلة تاريخية أسست لولادة الشيوعية الأوروبية التي دمجت الماركسية بالديمقراطية وساهمت في التحولات التي نشهدها اليوم في القارة الأوروبية. ولكن مشروع الكتلة التاريخية لم يقترن، في الأساس وبالضرورة، بالدعوة إلى الانتقال من النظام المطلق إلى النظام الديمقراطي.

كانت دعوة إلى التعجيل في سير التاريخ وإزالة العوائق أمام الانتقال الى ديكتاتورية البروليتاريا وإلى تعبيد الطريق أمام هذا الإنتقال بأقل ما يمكن من الكلفة البشرية. ومن هنا كان من المهم جدًا التوضيح في عنوان هذا المؤتمر بقيام الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية.

ولعله بالإمكان القول هنا أيضًا على قاعدة الديمقراطية ومن أجل الانتقال الى نظام حكم ديمقراطي. إن بلورة هذه المسألة أمر ضروري في تقديري لأن الغموض تجاه الديمقراطية لا يزال يطبع مواقف غالبية الأحزاب والحركات السياسية العربية إنْ لم يكن جميعها، حتى ولو جاهرت بتبنيها لها والتزامها بمبادئها.

وإنني آمل أن يكون هذا اللقاء محطة مهمة في المساهمة في توضيح هذه المسألة إنطلاقًا من الإعتقاد بأن الديمقراطية هي هدف في حد ذاته فضلا عن أنها طريق لا بد منه من أجل تحقيق الإستقلال الوطني والتنمية والتكامل الإقليمي العربي.

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.
ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة