الثقافة الديمقراطية

الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017 عدد القراءات 1356 مرة
الكاتب  د. محمد مالكي

 

 

الثقافة الديمقراطية

سيكون مجديا التمييز بين الديمقراطية كآلية، والديمقراطية كثقافة. فعبر الأولى تتحول الديمقراطية إلى وسيلة أو أداة، وبواسطة الثانية تغدو سيرورة processus ، والحال أن هناك فرقا بين الألية    mécanisme  و "الثقافة  culture .فإذا كانت الأولى وسيلة إجرائية لإدراك شيء ما أو تنفيذه، فإن الثانية ، بما هي عملية ذهنية، محرك أساسي للإنتاج، إنتاج الأفكار والمفاهيم الكبرى، "التي من شأنها أن تجعل المجتمع في حركة دائمة، كإنتاج الديمقراطية والايديولوجيا والدولة والاقتصاد والمفاهيم المتصلة بالسوق، ومفاهيم الحرية والمساواة والعدل، والأطر المنظمة للحياة من قوانين وتشريعات، ودساتير، ونحو ذلك مما يعتبر أسسا أولى في حركة أي مجتمع من المجتمعات70. لذلك، يتعزز التداول بالثقافة الديمقراطية، ولا يستقيم بالديمقراطية كآلية.

ا- في الحاجة إلى نهضة فكرية لانبثاق الثقافة الديمقراطية

تيسرت لميلاد الثقافة الديمقراطية وإنغراسها في بنيان المجتمع جملة شروط من ضمنها وجود تيارات فكرية داعية وداعمة لها.فالثقافة، بما هي التعبير العميق عن طموحات المجتمع وتطلعاته وأساليب عيشه ووجوده، لا تبرز وتكتمل دون وجود من يتحمل مسؤولية تأصيلها وتفعيد اسسها، بالتنظير والاجتهاد والسعي الدؤوب نحو الكمال.ففي الغرب - حيث شكل، بامتياز، حقل الإحالة في هذه الدراسة – تدين ثقافته الديمقراطية لشروط متعددة في صدارتها دور الفكر والمفكرين وطبقات العلماء في صياغة أسس المجتمع وتطلعات أفراده. فهكذا ، شكلت النظرية العقدية على سبيل المثال قطيعة نوعية مع الفكر القروسطي، حين أخرجت السياسة وما يرتبط بها من إشكاليات من دائرة الغيب والميتافيزيقا وربطتها بالإنسان ومحيطه. فالحاكم بشر يختاره الناس بإرادتهم الحرة، والسلطة معطى موضوعي يصنعها الناس ويرسمون حدود ممارستها. فمنذ عهد "ماكيافللي" لم تعد السياسة ملتبسة مع الأخلاق والدين وما يندرج ضمنهما، كما لم تعد السلطة أمرا هلاميا غير قابل للفهم والاختراق، فقد غدت ظاهرة جديرة بالفهم استنادا إلى قوانين وقواعد اجتهد العقل البشري في ابتكارها واثبات حجية صدقيتها.تكمن قيمة الفتوحات الفكرية المؤسسة للثقافة الديمقراطية في استعادة امتلاك الإنسان إرادته في تدبير شؤونه العامة، بعدما غابت أو غيبت عنه لقرون، فكما لم تعد الطبيعة لغزا محيرا ومخيفا بفضل الاكتشافات العلمية، كذلك لم تعد الدولة قوة قهرية تمارس السلطة بغير حق، وتتمادي في الشطط دون مساءلة أو محاسبة. فقد كان قدر "مونتسكيو" أن يخصص جزءا يسيرا من حياته الفكرية ليثبت أن "الحرية السياسية أم الحريات"، وإنها واسطة العقد، بتحققها تتحقق الحريات الأخرى، والأمر نفسه، دافع عنه آخرون، كسبينوزا في موضوع "التسامح"، وهيجل عن "المجتمع المدني" و "دوتوكفيل" عن أهمية أن تبنى الديمقراطية من الأسفل عبر المشاركة القاعدية للمواطنين.

ب-في اكتمال بناء الدولة ونضجها تتيسر الثقافة الديمقراطية

تشكل الدولة مدرسة السياسة بامتياز، يتعلم الأفراد في كنفها أبجديات التنظيم، والتعايش المشترك والبناء الجماعي، ويتشبعون في نطاقها بقيم الحوار والاختلاف والتسامح، ويؤصلون في إطارها مبدأ المواطنة ، ويعقلون مضمونه ويتمثلون أبعاده السياسة والحضارية. لذلك، حين تعذر تاريخيا على بعض الشعوب تشييد دولة بهذه المواصفات، صعب عليهم تطوير الممارسة ومراكمة الخبرة بخصوص قضايا الاجتماع السياسي. بيد أن الدولة هنا غير مفصولة عن البنيان المجتمعي والقوى النسقية المهيمنة، فما بين الدولة والمجتمع علاقة مفصلية لفهم انبثاق الثقافة الديمقراطية من عدمها.

لقد شكل بناء الدولة القومية الحديثة في أوربا (ق.16) تاريخا نوعيا على صعيد إعادة صياغة البنى المجتمعية العامة. فعلاوة على التطور الحاصل في الاقتصاد وما يرتبط به من مفاهيم وآليات، نجح العقل في استعادة مكانته المركزية في تنظيم حياة الناس وتدبير شؤونهم، ولم يعد لغيره من سلطان لاختراق وعيهم الجمعي ، فبالعقل دشنت الدولة القومية الحديثة التفكير في السياسة بما هي فن تدبير المصالح وتيسير شروط العيش المشترك، وفي هذا السياق، يجدر التنبه إلى الدور المركزي الذي لعبته الطبقة الوسطى (الرأسمالية لاحقا) في ترسيخ بنى الدولة وتقعيد أسسها ومؤسساتها. لقد شكلت رافعة حقيقية لسيرورة البناء الجديد، كما نجحت في نسج أوصال الالتحام الذي منح الدولة قوة التماسك وإرادة الاستقرار والاستمرار، علما أن رحلة البناء لم تكن هينة ودون كلفة ، فقد قدمت المجتمعات الاوروبية ثمن اكتمال بناء الدولة ونضج روحها العامة، فكانت النتيجة أن رسمت خطوط العيش داخل الدولة وفي كنفها، وتحققت للأفراد إرادة الدفاع عن هذه الأخيرة ككيان للعيش المشترك دون أن يحرموا، أو يمنعوا، من ممارسة حقهم في الاختلاف. وبمفهوم المخالفة، شكل عدم إكتمال بناء الدولة، وضعف نضجها، وسقم عودها أن غدت مؤسسة هلامية، و مفهوما ملتبسا عصيا على الإدراك والمعايشة، وفي هذا الصدد كان عبد اللهالعروي محقا حين ميز بين دولتين: "الدولة الضرورة "و"الدولة الاسطورة، لينتصر للأولى وينبذ الثانية قائلا: "من يتكلم عن التربية، التي تجعل من الإنسان الحيواني إنسانيا أو التي تفتح عين الفرد على الغاية التي من اجلها يعيش، يتكلم حتما عن الدولة. كل مربي لابد له من مربي والدولة هي مربية المربين. العقل اكتساب لدى الطفل ولدى الرجل الراشد، القيمة العليا مهما كان مصدرها، تلقن ، التلقين يرتكز على النفوذ، النفوذ ينتهي في آخر التحليل بالدولة. هكذا، نجد كل الأنبياء والرسل والمعلمين يدخلون، بعد حين يطول أو يقصر، هم أنفسهم أو بالنيابة حيز الدولة. ليس هناك معارضة بين الدولة والمصلح بل بين دولتين، الأولى مستقرة، والثانية مستجدة حسب تعبير ابن خلدون".71 ففي الظن أن حكم صاحب المقدمة على واقع الدولة في المجال العربي الإسلامي لازال مستمرا، وأن الدولة العربية الحديثة في حاجة إلى قدر يسير من الإكتمال والنضج كي تغدو مدرسة السياسة بامتياز، وتصبح إطارا مشتركا لاستيلاد الثقافة المنتجة للديمقراطية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة