You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>البحرين>غسان الشهابي: حزب الله البحرين.. قصة متجذرة شائكة

التداول السلمي على السلطة

الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017 عدد القراءات 1535 مرة
الكاتب  د. محمد مالكي

 

 

التداول السلمي على السلطة

يقصد بـ "التداول" أو "التعاقب" على السلطة تلك العملية التي تسمح للشيء بحلول بديل محله، ويجعل الشخص يعقب نظيره في المسؤولية، والإدارة، والقيادة. فمنطق التداول أو التعاقب ينبذ الجمود، والديمومة على خط المماثلة، ويحبذ، بالمقابل، التجديد في الأفكار والممارسات والسلوكات. لذلك، تأسست ثقافة التداول في الدول التي تأصلت فيها الظاهرة، واستقرت، وانتظمت في التجربة على قاعدة الاعتراف بشرعية الاختلاف، الذي يكفله وجود أغلبية ومعارضة، ويضمنه الحوار المتبادل، وتصونه إرادة المواطن الحرة والمسؤولةفي حسم اختياره والدفاع عن نتائجه، وتحمل تبعاته. فبقدر ما للأغلبية من مشروعية التوجيه، والقيادة والإدارة، بالقدر نفسه للأقلية حق المساهمة في الملاحظة، والنقد والتعبير عن الراي الحر.. إن الذي أعطى للتداول السلمي على السلطة شرعية الوجود، وحتمية التحقق والانجاز، كون الحوار بين الأغلبية والمعارضة موجودا، ومطلوبا، ومستندا إلى قواعد محددة لعب التاريخ والتسويات والتوافق دورا مركزيا في إقرارها وتكريسها على صعيد الممارسة.

1-في ضرورة التعددية لتحقق التداول

يقتضي التداول على السلطة وجود تعددية سياسية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس، والاعتراف المتبادل. فالتداول، من حيث كونه انتقالا للسلطة من طرف إلى آخر، لا يتحقق ويعطي مفعوله دون وجود قدر من التنافس الذي يجعل التناوب بين الأغلبية والمعارضة ممكنا على صعيد الممارسة.

(أ)-حول الشروط الواجبة في التداول

يعتبر المعجم الدستوري التداول ممكنا في الديمقراطيات التعددية دون سواها، حيث تجري الانتخابات العامة بشكل دوري و منتظم بواسطة الاقتراع العام الحر والنزيه66 .بيد أن ثمة شروطا لازمة لتحقق إمكانية التداول السلمي على السلطة.

**يتعلق الشرط الأول بوجوب تحقق توافق بين الفاعلين السياسيين حول سير المؤسسات وطريقة عملها، بما في ذلك السياسة الداخلية والخارجية وضمان ديمومة واستمرار الدولة.

يستمد مفهوم التوافق شرعيته من أهميته المفصلية في جعل إطار المنافسة محددا، واضحا، وشفافا، كما يكتسي مركزيته من الدور المنوط به في إلزام الجميع على احترام شرعة الاتفاقات المبرمة والالتزام ببنودها ومقتضياتها.فحين يتحقق شرط التوافق على قواعد اللعبة السياسية، يسهل التداول، بما هو عملية سلمية للتعاقب على السلطة بين الأكثرية والمعارضة، غير أن غيابه، أو عدم تحقق شرط الالتزام به إن كان موجودا ومدونا، يفضي إلى اغتصاب السلطة والإبقاء عليها بكل الوسائل المادية والرمزية التي تحت سيطرة ممارسي حكم الغلبة.

ليست قواعد اللعبة شيئا مجردا، أو أمرا مستحيل المنال، إنها أولا وقبل كل شيئ الدستور وما يتضمن من مقتضيات وأحكام، ثم الممارسات التي تكونت بالتدريج في المجتمع فأصبحت أساس ثقافته السياسية، تؤطر سلوك الناس وترشدهم، وتثري وعيهم السياسي والمدني.فحين يقبل الناس عن طواعية قيمة الحوار ويلمسون نتائجه في حياتهم العامة تزداد ثقتهم في حجية القوانين وفعلية المؤسسات، فيتضاعف حرصهم على احترامها وصيانتها، بل ويتعمق استعدادهم للتضحية من أجل ديمومتها، وإذذاك فقط تتحقق المصالحة المنشودة بين المجتمعين السياسي والمدني، علما أن ذلك لا يحول دون ممارسة الاختلاف في تشخيص المصالح وانتقاء طرق الدفاع عنها. غير أن التجربة أكدت، بما لا يترك مجالا للشك، أن غياب وجود التوافق حول قواعد اللعبة يفسد العملية السياسية، ويعرض مشروعية الفاعلين للتآكل، ويقوي نزعات التبرم من الدولة ومؤسساتها، ويضعف قوة الاقتناع بقيمة التشريعات والقوانين في الضبط والتنظيم والتعايش.

**يرتبط الشرط الثاني بوجود حياة حزبية مستقرة، منتظمة، ومؤسسة على ثقافة المشاركة. فإذا كانت الثنائية الحزبية bipartisme حالة مثلى لتحقق التداول السلمي على السلطة، فإن غيابها لسبب أو لآخر، يستلزم قيام تقاطب bipolarisation للقوى السياسية المتنافسة. تكمن القيمة الاستراتيجية لهذا الشرط في مكانة الأحزاب ودورها المركزي في تنشيط واستقامة الحياة السياسية. فغير خاف العلاقة التلازمية بين الأحزاب والعملية الديمقراطية، وفي صدارة تعبيراتها التداول السلمي على السلطة. فبقدر ما ساعد ترسخ فكرة الديمقراطية في النظم السياسية المعاصرة على تنمية الفعل الحزبي وتطويره وتقويته، بالقدر نفسه إنعكس الأداء الحزبي المنتظم، المستقر، والمؤسس على روح التنافسية على صقل الديمقراطية وتعميق الوعي بها. فمن الملاحظ ،على سبيل المثال ، أن بريطانيا، وهي نموذج لظاهرة الثنائية الحزبية، وإن لم تكن فكرة الحزبية منتشرة وممتدة داخل حقلها السياسي حتى بداية النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فإن الإصلاحات العميقة التي طالت المنظومة الانتخابية عامي 1832 و1867، ساهمت بشكل كبير في إطلاق ديناميةالفعل الحزبي نتيجة إزالة جزء مهم من الموانع التي حالت لعدة عقود، دون توسع الجسم الانتخابي وجعله قادرا على المشاركة الفعلية والفعالة، فحتى صدور كتاب "جون ستيورات ميل "حول" الحكم التمثيلي عام 1861 ، لم تقع الإشارة على نظام الأحزاب في الكتابات الدستورية والسياسية البريطانية 67 .

تجدر الإشارة إلى أن التداول السلمي على السلطة لا يرتهن تحققه بالثنائية الحزبية، بل يمكن أن يتحقق في حقل سياسي موسوم بالتقاطبات والتحالفات الحزبية، كما هو حاصل في العديد من النظم السياسية، فقد قدمت التجربة الفرنسية نماذج من التداول غير المؤسس على حزب أكثري 68 ، كما هو الشأن في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، بل على تحالفات متمحورة حول حزب مدعوم بأحزاب قريبة من فكره وإستراتيجيته السياسية. وإذا كان التداول الحاصل في إطار الثنائية الحزبية يتيح لحزب الأغلبية قدرا كبيرا من الحرية في صياغة برنامجه، وتشكيل جهازه الحكومي، والارتكاز على غطاء برلماني مريح، فإن التداول المنبثق عن تقاطبات أو تحالفات حزبية يستلزم قدرا كبيرا من التوافق حول إدارة سلطة التداول انطلاقا من تكوين الحكومة وصياغة برنامجها، وحتى التنسيق مع فرق الأغلبية البرلمانية. مقصد القول أن وجود أحزاب مهيكلة، مستقرة ومنتظمة، ومستقلة عن الدولة ومؤسساتها شرط وجوب لتحقق إمكانية التداول على السلطة، كما أن غيابها يحول دون دوران السلطة ويشجع على الاستبداد بها.

**يتعلق الشرط الثالث بمكانة المعارضة والضمانات الممنوحة لها كي تصبح هي الأخرى أغلبية حاكمة. فالديمقراطية، بما هي نقيض حكم الغلبة، لاتستقيم على وجود أغلبية حاكمة، وإن استمدت شرعيتها من انتخابات حرة ونزيهة، بل تكتمل بوجود معارضة قادرة على التعبير عن رأيها والسعي إلى إقناع المواطنين برجاحة موقفها. تلعب المعارضة في النظام الديمقراطي دورا لا يقل أهمية عن دور الأغلبية الحاكمة. لذلك، يكفل لها الدستور والتشريعات والقوانين حقوقا تحافظ على كيانها المستقل، ويفتح لها باب الاجتهاد في النقد والمعارضة والتقويم ، فهي بمعنى ما تتكامل مع الأغلبية وتختلف عنها.

ليست الديمقراطية، كما قال "غرفيتش" "حكم العدد بل هي حكم القانون". لذلك ، يتطلب وجوبا التمييز بين الديمقراطية كآلية والديمقراطية كثقافة، فحين يعتد بالأغلبية كأسلوب في الحكم والسلطة مجردة عن بعدها الثقافي والقيمي تتحول إلى أداة لشرعنة الاستبداد وحكم الغلبة، والحال أن الأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع لا تستقيم وتصبح مشروعة إلا عندما تتواصل مع التعاقد والتوافق اللذين يشكلان زادها الثقافي ومرجعيتها السياسية. مقصد القول أن الأغلبية ليست سيفا مسلطا، بل أكثرية رجحتها العملية الانتخابية التنافسية لتحكم وفق قواعد اللعبة المتوافق والمتفق عليها، وفي صدارة ذلك ضمان حقوق المعارضة (الأقلية) وصون وجودها، والمحافظة عليها مشاركة بالنقد والاعتراض والدفاع عن حق الاختلاف.

 

ب في أهمية الانتخابات التنافسية لتحقق التداول

تعتبر الانتخابات التعددية أساس التداول ومناطه، فمن غير الممكن تصور تحقق التعاقب على السلطة خارج مدار الانتخابات التنافسية، بل إن التصويت الحر والمستقل والتنافسي هو الذي يمنح التداول مشروعيته الدستورية والسياسية. لم يكن ممكنا توسيع دائرة الانتخابات وتعزيز بعدها التنافسي لو لم يترسخ النظام التمثيلي ويتعمق مفعوله. ففي هذا النظام يختار الناس بمحض إرادتهم ممثلين لهم رقباء بجانب الحكام، بل قد يصبحون هم أنفسهم حكاما، وليس مجرد ناطقين باسم المواطنين. فهكذا، فتح النظام التمثيلي، المؤسس على قاعدة الانتخابات، إمكانية تطوير فكرة التنافسية وصقل أساليبها الإجرائية، وقد اكسبته التجربة ميزتين أساسيتين في صيرورته نظاما أصيلا في الديمقراطيات الأوروبية والغريبة الحديثة.

*تتعلق الميزة الأولى بكون الانتخاب لم يتحول إلى عقد وكالة بين الناخب والمنتخب، أي لم يترتب عن التصويت نشوء ما يشبه الوكالة الالزامية بين الطرفين، فحين يدلي الناخب بصوته عن طواعية وحرية ويساهم في تعزيز فوز المترشح، لا يتولد بالضرورة لدى المنتخب شعور بوجود علاقة إلزامية، هي في حكم العلاقة بين الوكيل والموكل في العقود المدنية، مما يعني تحلل المنتخب من أية رابطة إلزامية مع من انتخبوه.. فهل يفهم من ذلك أن العلاقة بين الطرفين تنقطع بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات؟.

ميزة الانتخابات التنافسية المؤطرة بالثقافة الديمقراطية أنها وإن لم تولد علاقة عقدية إلزامية بين الناخب والمنتخب، فإنها تؤسس على توافقات مسبقة بين الطرفين، عبر البرامج الانتخابية، والوفاء المتجدد بالخطوط المفصلية لهذه الأخيرة، كما تعزز بالوعي المستمر واليقظ من جانب الجسم الانتخابي نفسه، عبر مواكبته ومتابعته لأداء المنتخب، ومن خلال مراقبته المعنوية له، إذ يكون الجزاء- في حالة التنكر للعمليات الرضائية التي تتم بين الناخب والمنتخب، والتي لاتسفر بالضرورة عن عقود بينهما، -عدم تجديد التصويت عليه أو على حزبه، وهذا ما يساهم في تحقق التداول السلمي على السلطة عبر انتقال المعارضة إلى أغلبية دائمة وتحول هذه الأخيرة إلى معارضة ضاغطة.

*ترتبط الميزة الثانية ب "التنافسية" compétitivité نفسها، التي "تقتضي إختيارا فعليا حرا من قبل الناخبين أو البرامج التي ينتمي إليها المرشحون"69 .

تستمد "التنافسية" مشروعيتها من الثقافة الديمقراطية المؤطرة لها . فجوهر التنافسية وجود فرقاء متعارضين ومختلفين في التصورات والبرامج والاستراتيجيات، غير أنهم متراضون حول قواعد اللعبة السياسية وحدودها. فقد أثبتت التجربة كم كانت كلفة إنجاز مسألة التوافق والتراضي غالية وكبيرة. فقد كان على الفرنسيين أن يعيشوا قرابة قرن (1789-1884) من الصراع كي يصلوا إلى توافق حول نظامهم السياسي، أي الجمهورية والقيم المؤسسة لها. كما نحت البريطانيون بنيان نظامهم بالتدريج منذ انتزاع النبلاء حق مشاطرة الملك التشريع وسن الضرائب، وتدوينه في شرعة "الميثاق الأعظم" Magna charte عام 1215، وحتى استقامة دعائم البرلمانية الديمقراطية. مقصد القول أن "التنافسية" ثقافة وسلوك قبل أن تكون وصفة أو شعارا، لذلك، تحتاج إلى عامل التدرج في الزمن، كما تستلزم منطق الحلول القصوى، أي القطيعة مع كل ما من شانه أن يبخس مضمونها أو يحولها إلى يافطة لا معنى لها ولا روح.

فمن الجدير بالأهمية التنبه إلى استحالة التوفيق بين "التنافسية" و "الإجماع" unanimité ، لانتساب المفهومين إلى حقلين مرجعيين مختلفين . ففي السياسة، حيث ينتعش صراع المصالح، يكون عصيا على الإجماع أن يتحقق، إذ أكثر ما تسمح به ثقافة الناس، حين تكون ديمقراطية، أن يبحثوا عن التوافقات لإدراك المشترك، والحال أن التجربة أكدت، بما لا يدعو إلى الشك، أن الإجماع في السياسة مفسدة لها ومضرة بها. ميزة الثقافة الديمقراطية أنها لا تلغي التناقضات المتأصلة في المجتمع، كما لا تتنكر لها، غير أنها تجتهد في تأطيرها والبحث على السبل الكفيلة بترشيدها وخلق فضاءات للتعايش بين أطرافها. ولربما قدمت تجربة وسط وشرق أوربا مثالا عن محدودية مقاربة معالجة التناقضاتفي المجتمع باعتماد منهجية الفكر الواحد، والرأي الواحد، وبالنتيجة الحزب الوحيد.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة