You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>مختارات الموقع>ببلوغرافيا مختارة للدراسات حول المواطنة

دولة القانون

الإثنين، 21 آب/أغسطس 2017 عدد القراءات 1407 مرة
الكاتب  د. محمد مالكي

 

 

دولة القانون

تتعزز دسترة الحقوق والحريات وتنجز وظائفها في حماية هذه الأخيرة وصيانتها، حين تكتمل عناصر دولة القانون وتتم مأسستها، فما الذي يجعل دولة القانون ضامنة الحقوق والحريات التي أقرتها الدساتير واعترفت بوجودها؟. سيكون مجديا بداية الإشارة إلى الجدل الفقهي الذي أغنى مفهوم دولة القانون وساهم في تأصيله، قبل صيرورته متداولا في النظر السياسي. وفي هذا الصدد، يتميز الفقه الألماني بقدر كبير من الريادة والعمق في صياغة نظرية متكاملة حول المفهوم53 .

**توزع الفقه الألماني تصوران، يروم الأول تقييد الحضور الكلي والمهيمن للدولة قصد حماية الحريات الفردية بواسطة سن القوانين وإقامة المحاكم المستقلة، في حين يسعى الثاني إلى اعتبار القانون أداة للتنظيم العقلاني للدولة، ووسيلة لخلق نوع من الملاءمة بين هذه الأخيرة والمحكومين.

*فالجوهري عند التصور الأول استناد الدولة في علاقتها بالأفراد إلى قواعد عامة وضوابط موجودة سلفا، حيث يصبح التمييز واضحا بين "دولة القانون" Etat de droit، والدولة البوليسية ¶ Etat de police.

*فالدولة البوليسية، خلافا للحكم الاستبدادي أو حكم الغلبة، تعطي حيزا واضحا للقانون، باعتباره وسيلة بيد الإدارة تستعملها بحرية مطلقة، قصد تحقيق انصياع الأفراد له، دون أن تخضع في ذلك لأية ضوابط أو قواعد سامية، أو كما كتب عن ذلك "كاري دومالبرغ C. demalberg. "قائلا" تتحق الدولة البوليسية حين تكون السلطة الإدارية قادرة، بطريقة تقديرية وحرية مطلقة، على جعل المواطنين خاضعين للإجراءات التي تراها ضرورية لمواجهة الظروف وتحقيق الأهداف المتوخاة 54 " . لذلك، تنهض الدولة البوليسية، وفق هذا المعنى، على "حسن فعل الأمير"، حيث لا وجود لأي تقييد قانوني لعمل السلطة، ولا حماية فعلية للمواطنين إزاء هذه الأخيرة. بيد أن دولة القانون، وهذا ما يميزها عن الدولة البوليسية، لا تعتبر القانون مجرد وسيلة عمل للدولة، بل أداة لتقييد سلطتها، فهي بتعبير "كاري دومالبرغ" "تهدف إلى حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد تحكم واستبداد سلطات الدولة"55 .

*في حين تروم نظرية "دولة القانون" تأكيد سمو القانون على الإدارة على صعيد التطبيق والممارسة. فالدولة لا تكتفي بالامتناع عن التدخل بشكل مخالف للقانون، بل هي مجبرة على التصرف وفق قواعده وأحكامه. لذلك، لاتعني نظرية دولة القانون عند الفقهاء الألمان استحالة فرض الإدارة والالتزامات القانونية على الأفراد فحسب، بل يقصد بها إجبارية إحترامها الشرعية القانونية أيضا56.

ينطوي الفقه الألماني على العديد من الاجتهادات في تحليل نظرية "دولة القانون" والقضايا المرتبطة بها. فهي ليست "دولة محكومة بالقانون" فحسب، بل خاضعة له أيضا، الأمر الذي دفع بعض الفقهاء إلى استبعاد الفكرة القاضية بعدم إخضاع الدولة للقانون، باعتبارها وحدة متمتعة بسلطة السيطرة والهيمنة. بيد أن جدلا واسعا أثير حول الموضوع منطلقا من التصور القاضي، منذ نهاية القرن التاسع عشر، بان الدولة، باعتبارها شخصا قانونيا، هي صاحبة الحق الأصلي والوحيد في السيادة لا يشاطرها في ذلك المحكومون ولا الأمة، فهي شخص قانوني مستقل متمتع بمجموعة من الحقوق دون سواه، كما أنه يحتكر سلطة الإكراه، أي القدرة على إصدار الأوامر والنواهي، فهي بالنتيجة المصدر الوحيد للقانون، مما يعني أنها الكفيلة بتضمين القانون القوة الإلزامية الضرورية لتطبيقه.

**تتميز النظرية الفرنسية، خلافا لنظيرتها الألمانية، بوجود إرث مؤسس في مجال العلاقة بين الدولة والمجتمع قبل الثورة (1789) وبعدها. فخلال النظام القديم سعى الفرنسيون إلى تأسيس نظام قانوني تراتبي ordre juridique hiérarchique لتقييد السلطة الملكية المطلقة، وإخضاعها لقواعد سامية عليا، وجعلها مصدر وجودها واستمرارها، بيد أن الثورة الفرنسية، وما حملت من قيم ومبادئ 57، ستخول الفرنسيين إطارا مرجعيا لإعادة صياغة مشروعية الدولة والسلطة، وتجديد العلاقة بين الحكام والمحكومين، إنه مفهوم "الأمة" Nation صاحبة السيادة ومصدر القوانين والتشريعات . فالتراتبية الجديدة قضت بوجود تسلسل من القواعد تتصدره "الحقوق الطبيعية للإنسان" غير القابلة للمس، المعترف بها من طرف المجالس التمثيلية " تليها إعلانات حقوق الإنسان والمواطن"، ثم الدستور" و"القوانين" و"القواعد" الأدنى منه درجة. لذلك، يتوجب على الدولة وأجهزتها احترام هذه الهرمية، وعدم خرق النظام المتضمن فيها. فهكذا، ساهمت التراتبية الناشئة بعد الثورة، المزامنة للنظام الجديد، في تشكيل صورة جديدة لمفهوم "دولة القانون" لدى الفقه الفرنسي. فالحاصل عند "كاري دومالبرغ" أن فرنسا لاتطبق نظام "دولة القانون Etat de droit، بل نظام الدولة القانونية le système de l’Etat légal 58، مبرزا الفرق بين الوضعيتين، حيث يقيد القانون نشاط الدولة في الحالة الأولى، وتكون الأسبقية للدستور، دون أن يتعرض القانون لأي شكل من أشكال الاعتراض، في حين نكون في الحالة الثانية، أي دولة القانون، أمام وضعية تكفل حماية الأفراد وصيانة حرياتهم، حيث تكون الحقوق في منأى عن كل خرق أو مس من أية جهة، بما في ذلك الجهاز التشريعي. فهكذا، تكون الدولة القانونية إطارا لتنظيم السلطات، في حين تتحقق دولة القانون لتكريس مبدإ حماية حقوق الأفراد وحرياتهم.. فهل ظهر مفهوم "دولة القانون" لمقاومة "الدولة القانونية والحلول محلها؟.

شكل هذا السؤال جوهر النقاش حول علاقة "الدولة" ب "القانون" في الفقه الفرنسي المعاصر. فهكذا ، سيذهب "كاري دومالبرغ" إلى القول بأن الذي يبرر وجود الدولة من الناحية القانونية خضوع سلطتها للقانون، مستندا في ذلك إلى اجتهادات الفقيه "هوريو" ذات الشأن، معتبرا تقييد الدولة بالقانون يبدأ مع مأسستها وربط أجهزتها بمجموعة من القواعد والأحكام المنظمة لها . بيد أننا إذا تجاوزنا النقاشات التي طالت الفقه الفرنسي، وتحكمت في مدارسه وتياراته59 ، نشير إلى أهمية الجدل الذي أدخل البعد الديمقراطي في مقاربة العلاقة بين "الدولة" و"القانون" وتحليل مفهوم "دولة القانون" في الفكر السياسي الفرنسي. فأنصار "نظرية السيادة الوطنية" اعتبروا الدولة امتدادا للأمة وليست حدثا سياسيا اصيلا. لذلك، يؤسسون ميلاد الدولة وتكونها على فكرة الاتفاق أو قاعدة التعاقد، كما صاغتها الفلسفة العقدية عند كل من "هولز"، "لوك"، و "روسو"، مما يعني أن المصدر الاتفاقي لنشوء الدولة يتضمن قيودا على سلطتها ونشاط أجهزتها. فالدولة تظل مشروعة، أي مقبولة، طالما احترمت القانون المعبر عن الإرادة العامة بحسب روسو، غير أنها تتعارض مع المشروعية حين لا تكترث بالقوانين، فتتناقض مع الإرادة العامة، مما يسمح للأفراد بمعارضتها ومقاومتها بتعبير "جون لوك".

لقد دشنت فكرة الربط بين الدولة والأمة، والدولة والتعاقد والتوافق، إمكانية إعادة تأسيس مفهوم "دولة القانون" وربطه بإشكالية الديمقراطية. فهكذا، سيتحول المفهوم إلى "ضمانة نظرية ووسيلة عملية لإعادة تقويم دور المجالس النيابية، بالتشديد أكثر على دور الرقابة الدستورية والقانونية وليس الضمانات السياسية، متيحا الفرصة لإبراز "الديمقراطية" كأساس لتقعيد مفهوم "دولة القانون"، علما أن الديمقراطية هنا لا تعني قانون الأغلبية وحسب، بل احترام قواعد اللعبة، والقيم المستبطنة فيها أيضا. فهكذا، يصبح القانون ، باعتباره أداة للتنظيم والضبط، عنصرا تأسيسيا للديمقراطية60 .

تجدر الإشارة إلى أن التطبيق السليم لدولة القانون يحتاج جملة من الظروف والضمانات كي ينغرس المفهوم في وعي المجتمع وثقافته السياسة، لعل أهمها: توسيع دائرة الشرعية، وتقوية الرقابة القضائية، وضمان علوية الدستور وسموه.

يقصد بـ"الشرعية" المرجعية التي يتم الاستناد إليها لفحص قانونية الشيئ، أكان نصا قانونيا، أم قرارا نابعا عن نشاط تنظيمي أو إداري. فإذا كان القاضي الإداري يتولى، منذ القديم، مراقبة شرعية النشاط الإداري، فإن دائرة تدخله ظلت محصورة في القانون دون أن تتجاوزه إلى ما هو أوسع واشمل لتمتد إلى باقي مكونات "كتلة الشرعية" Bloc de la légalité، بما في ذلك الدستور والمعاهدات، والمبادئ العامة للقانون ذات الأصل القضائي61 ، علما أن في توسيع دائرة الشرعية ما يساعد القاضي الإداري على ضمان التبعية القانونية للإدارة، وتحقيق رقابة أكثر لنشاطها.ففي ألمانيا مثلا، لم يتردد القاضي الإداري في الاستناد، علاوة على القانون، على القواعد المستنبطة من القانون الأساسي واستنتاجات المحكمة الدستورية، بخلاف فرنسا، التي استبعدت إمكانية مراقبة مدى ملاءمة العمل الإداري والتأويلات الصادرة عن المجلس الدستوري.

*تعتبر الرقابة القضائية Contrôle juridictionnel وسيلة أساسية لحماية "دولة القانون" وضمان تحققها، كما أن تقوية استقلالية القاضي الاداري من شأنها صيانة "دولة القانون" وفرض احترامها، بيد أن الاستقلالية وإن كانت شرطا ضروريا لاستتباب "دولة القانون" وانتظامها، فإن قيودا عديدة تحد فعاليتها على صعيد الواقع. ففي فرنسا مثلا، ظلت مجموعة من أعمال الجهاز التنفيذي في علاقتها بالسلطات العمومية الأخرى، أو تلك المرتبطة بسير العلاقات الدولية، مستبعدة من كل رقابة بحجة اندراجها ضمن أعمال السيادة62 ، علما أن جدلا فقهيا واسعا انتقد هذه النظرية، وتحفظ على وجود هذا النمط من الأعمال،التي سعى مجلس الدولة الفرنسي،لمدة طويلة، إلى تحصينها من رقابة القضاء63.

*لا يجادل اثنان في أن مراقبة دستورية القوانين شرط ضروري لدولة القانون، بدونها يغدو الدستور دون معنى، ويتحول إلى قيمة رمزية. فقد أكدت تجارب العديد من الدول بين الحربين أهمية المبدأ (النمسا 1919، تشيكوسلوفاكيا 1920، اسبانيا 1931)، كما أبان التزايد المتصاعد للمحاكم الدستورية ما بعد الحرب العالمية الثانية التراجع الواضح لهيمنة القانون، والوضع التفاضلي الذي ظل متمتعا به لمدة طويلة، الواقع الذي أكدته فكرة تخويل محاكم دستورية خاصة وظيفة الرقابة، كما حصل بالنمسا عام 1920 بتأثير من "هانسكلسن H. Kelsen" وانتشر في العديد من الأقطار الاوربية: ايطاليا (1947)، المانيا (1949)، فرنسا(1958)، تركيا (1961)، يوغوسلافيا (1963)، البرتغال (1976)، اسبانيا(1978)، اليونان (1979)، وامتد إلى الدول الاشتراكية، بولونيا (1982)، هنغاريا (1983)، الاتحاد السوفياتي سابقا (1988)64 . تجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أن طرق عمل المحاكم الدستورية الموما إليها أعلاه، وطبيعة تدخلها، أثر على النظم السياسية وأسعفها في انتهاج سياسة قضائية حقيقية بسبب تمكن القاضي الدستوري من قواعده المرجعية بواسطة التأويل، كما هو شأن محكمة كارسوKarsruhe حين تحيل على نظرية القواعد الدستورية المفتوحة، أو عبر الاجتهاد في خلق قواعد انطلاقا من التقاليد السياسية، كما هو حال المبادئ السياسية المتضمنة في قوانين الجمهورية المستخلصة من طرف المجلس الدستوري الفرنسي65 . فالحاصل أن القضاء الدستوري أصبح متمتعا في جل الدول الليبرالية، بمكانة مركزية، بسبب مساهمته في ضمان 'التوازنات الدستورية"، وحماية الحقوق والحريات، والتأثير الواضح في النظم السياسية إلى درجة تخوف هذه الأخيرة من انبعاث شبح "حكومة القضاة" gouvernement des juges ، كما حصل في تاريخ القضاء الأمريكي، حيث هيمنت المحكمة العليا على كل المؤسسات الدستورية وعطلت نشاطها.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة