الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 20:26

فصل السلطات

الكاتب د.محمد مالكي
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

 

فصل السلطات

لم يلهم فكر "مونتسكيو"قادة الثورة الفرنسية حين شددوا على التنصيص في المادة السادسة عشرة من دستور 1791 على أن "كل مجتمع لا يتوفر على ضمانات للحريات وفصل للسلط هو مجتمع بدون دستور.." ، فقد كانوا، علاوة على تقديرهم لفكر صاحب "روح القوانين" ،(1748) مدركين أهمية فصل السلطات في إعادة بناء الدولة والسلطة على قدر من التوازن لم يألفوه قبل إنجاز ثورتهم (1789) . فالتوازن يحدد دائرة السلطة ويرسم حدود المسؤولية، ويضمن الاحترام السليم للحقوق والحريات.

في وجوب أن تحد السلطة السلطة

يعتبر فصل السلط مبدأ دستوريا موجها للحد من الاستبداد وضمان الحرية، فكل مناهضي السلطة ناصروه ودعوا إلى إقراره، وإن اختلفت تصوراتهم إزاء المفهوم وتطبيقاته25 .

أ-في مغزى المفهوم ومضمونه

ينطوي مفهوم" فصل السلط" -كغيره من المفاهيم التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وساهمت في تطورها- على مغزى يتعلق بانشغال الدولة القومية الحديثة، منذ بداية تشكلها في القرن السادس عشر، بكيفية إعادة تأسيس نظام الحكم على قدر من التوازن يجعل التعايش بين السلطة والحرية ممكنا. فالسلطة التي أضحت ملازمة للدولة، وضرورية لتنظيمها وضمانة لفرض الاحترام بداخلها، هل يقدر الساهرون عليها التوفيق بين ممارستهم إياها واستمرار تمتع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم الطبيعية؟ لذلك، فالتساؤل عن المغزى من "فصل السلط" هو في الواقع تساؤل عن إمكانية التوازن داخل الدولة، وفي علاقة هذه الأخيرة بالمجتمع26.

لقد شغلت فكرة التوازن équilibre مجمل تيارات الفكر السياسي الأوروبي خلال القرون الفاصلة بين السابع عشر والتاسع عشر27 ، كما شكلت محور اهتمام النخب السياسية التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وقادت تطورها. فالتوازن أصبح يعني خلال الحقبة أعلاه (ق 17- 19) بناء المجتمع على قدر من التوافق، يضمن لمكوناته، على اختلاف مصالحها، درجة من الانسجام والتماسك،الشيء الذي افتقدته مجتمعات سابقة عن تشكل الدولة القومية الحديثة 28 ، كما يقضي بان تحكم الحياة السياسية وتؤطر ممارسة فاعليها بمبدأ يسمح بإمكانيات "تعاقب الأكثرية والمعارضة على الحكم"، ويتطلب التوازن، في مستوى ثالث، توزيع الاختصاصات بين "السلطة المركزية والسلطات المحلية"، وداخل السلطة المركزية بين الحكومة والبرلمان.29

فإذا كان المغزى من الدعوة إلى تبني مبدأ "فصل السلط" إقامة نوع من التوازن داخل مؤسسات الدولة، وفي علاقتها بالمجتمع، فإن أفكار "مونتسكيو" (1689- 1755).وتصوراته حول هذا الموضوع وآليات تطبيقية ، قد اتسمت بنوع من الشمولية والتعقيد،والغموض أحيانا،الأمر الذي يبرر سيل الدراسات التي تناولت تراث هذا المفكر وحللت أبعاد نظريته، والدلالات التي إكتساها مبدأ "فصل السلطات" لحظة انتقاله من الإطار النظري إلى صعيد الواقع والممارسة30 .يذكر ان أرسطو يتحدث في كتابه "السياسة" عن ضرورة تمييز السلطات عن بعضها البعض، والأمر نفسه دعا إليه "ج.لوك" في مؤلفه "محاولة في الحكم المدني" (1690)، حين أشار إلى وجود ثلاث سلط في الدولة: سلطة سن القوانين والتشريعات، والسلطة التنفيذية ، ثم السلطة الفيدرالية المنوط بها إدارة العلاقات الخارجية، غير أن مساهمة "مونتسكيو" كان لها الدور البارز في تأصيل المفهوم وفتح إمكانيات ارتقائه إلى صعيد الممارسة.

ينطلق مونتسكيو من أن الحرية السياسية" هي أصل الحريات وشرط تحققها، فبانعدامها تتعذر ممارسة " حرية الفكر والعقيدة والتملك"31 .لذلك، شدد يقول:" الحرية السياسية،عند المواطن ، هي راحة البال المتأتية من شعور الفرد بالأمن ولكي تتوفر هذه الحرية، على الحكومة أن تكون حاضرة، بحيث لا يخشى مواطن مواطنا آخر.. والحريةالسياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة. ولكنها ليست دائما في الحكومات المعتدلة.إنها لا توجد إلا إذا لم يسئ استعمال السلطة. ولكنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة محمول على إساءة استعمالها وسيتمادى حتى يجد حدا يقف عنده..."،ليضيف "ولكي لا نسيء استعمال السلطة يجب بحكم طبيعة الأشياء ، أن توقف السلطة السلطة.."32

يحيل هذا النص على التلازم الموجود بين الحرية السياسية وفصل السلطات، علما أن "مونتسكيو" كان واضحا حيال مدلول الحرية السياسية وطبيعتها. فأن يكون الشخص حرا سياسيا معناه أن يتصرف وفق ما تسمح به القوانين والأنظمة السائدة، إذ أن كل تصرف يحصل خلافا لذلك، يعرض الحريات إلى الضرر والانتهاك ، وهذا بتقدير مونتسكيو، مصدر نشوء الاستبداد في التاريخ السياسي الحديث. فعلى قاعدة التلازم بين الحرية وفصل السلطات ميز مونتسكيو بين ثلاثة أشكال للحكم: النظام الجمهوري، حيث تكون السلطة العليا بيد الشعب إذا كان ديمقراطيا، أو بيد فئة قليلة من الشعب إذا كان ارستقراطيا، والنظام الملكي،حيث تمارس السلطة من لدن فرد واحد هو الملك، والنظام الاستبدادي وهو من أسوأ وأخطر أشكال الحكم 33.

ففي الواقع لم يقف مونتسكيو عند شكل واحد لأنظمة الحكم بغية تقديمه بديلا صالحا لتنظيم العلاقة بين " المحكومين" و "الحكام"، وليجعل السلطة قابلة للممارسة في الحدود غير المضرة بالحريات، بل قام، خلافا لذلك، بنمذجة هذه الأنظمة وتصنيفها، وإن أبدى إعجابه بالنظامين الجمهوري34 والملكي،35 وشدد على سوء النظام الاستبدادي وخطورته36 . لذلك ، كان المدخل لعلاج ظاهرة الاستبداد، وصيانة الحريات، وإرساء نوع من التوازن السياسي، هو"فصل السلطات"، بقدر يجعل حدود كل واحدة واضحة ومعروفة ومحترمة، ففي كل دولة، يقول مونتسكيو، "يوجد ثلاثة أنواع من السلطة: السلطة التشريعية، والسلطة المنفذة للأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ،ثم السلطة المنفذة للأمور المتعلقة بالقانون المدني . فبموجب السلطة الأولى يتولى الملك أو الحاكم سن القوانين لمرحلة أو بشكل دائم، ويعدل أو يلغي القوانين القائمة، وبواسطة الثانية يقر السلم أو يعلن الحرب،ويرسل ويتقبل السفراء،ويقر الأمن ويحتاط للغزوات، وبالثالثة، يعاقب الجرائم في الخلافات بين الناس .وتسمى هذه السلطة الأخيرة السلطة القضائية،والأخرى السلطة التنفيذية للدولة"37.

فمما تجدر ملاحظته أن رغم انطلاق مونتسكيو من وجود ثلاث سلط، تستقل كل منها بمجالها الخاص، فقد ذهب إلى أن "كل ممارس للسلطة ميال بطبعه إلى سوء استعمالها. لذلك وجب تحديد السلطة بالسلطة. فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في هيأة واحدة أو بين يدي شخص واحد، زالت الحرية، أو يخشى أن يسن نفس الملك أو نفس المجلس قوانين جائرة لكي ينفذها بصورة جائرة... ويزول كل شيء إذا مارس الإنسان الواحد أو مجلس الأعيان أو مجلس النبلاء أو الشعب ذاته، هذه السلطات الثلاث، وهي سن القوانين ،وتنفيذ القوانين العامة، ثم الفصل في الجرائم أو الخلافات بين الناس38"

ب بصدد تأويل المفهوم

تنطوي قراءة كتابات مونتسكيو بخصوص فصل السلطات على ملاحظات تتعلق بطبيعة المفهوم والتأويلات الناجمة عنه على الصعيدين النظري والتطبيقي. فهل يحيل فصل السلطات عنده على مبدأ حقوقي له من العمق والقوة ما يجعله قاعدة قانونية، أم لا يتعدى كونه إجراءا فنيا لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الدستورية بشكل يجنب ارتداء السلطة طابعا استبداديا، وبصون الحريات ويحافظ عليها ؟. وإذا كان الأمر بهذا المعنى، كيف تتمكن السلطة وقف السلطة والحد من تجاوزاتها؟. فبغض النظر عما إذا كانت نظرية "مونتسكيو" مبدءا حقوقيا وقاعدة قانونية، أم مجرد تفنية لتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، فإن مساهمتة كانت واضحة في تأصيل فكرة لم تكن معروفة ومأخوذا بها على قدر واسع، تتعلق بضرورة وجود هيئات وأجهزة وسيطة 39 ، قادرة على إقامة نوع من التوازن بداخل المؤسسات الدستورية للدولة. فمونتسكيو لم يدافع عن ضرورة "توزيع السلطات بين الأجهزة العليا للدولة وحسب، بل بين هذه الأخيرة والمجموعات المكونة للمجتمع الوطني، كالجماعات المحلية على سبيل المثال، وقد شدد على استقلال هذه الأخيرة التي نعتها ب"السلطات الوسيطة"، التي لا تقتصر على المدن، بل على القوى المتنوعة المؤثرة في المجتمع،كالنبلاء ورجال الدين والهيئات القضائية.

فمما يرجح ميل مونتسكيو إلى الأخذ ب "توزيع السلطات" وليس فصل السلط،40 هو طبيعة الآليات التي اعتمدها قاعدة لتحقيق فكرة التوازن بين المؤسسات الدستورية. فمنجهة، تتمتع كل سلطة ب"قدرة البت" la faculté de statuer، أي حقها المطلق في ممارسة الصلاحيات التي تدخل أصلا في نطاق اختصاصها. فهكذا، تكمن وظيفة البرلمان في سن القوانين، في حين يتولى الجهاز التنفيذي السهر على تطبيق هذه الأخيرة، أما السلطة القضائية فوظيفتها النظر في المنازعات وترتيب العقوبات والجزاءات. تتمتع السلطات الثلاث،إلى جانب ذلك،ب "قدرة المنع" la faculté d’empêcher ، أي صلاحية مراقبة الواحدة الأخرى، بشكل يحتم على كل منها الالتزام بدائرة الاختصاصات المسموح لها بممارستها.ومع ذلك، لم يكن قصد مونتسكيو إقامة طلاق بين السلطات بقدر ما كان يروم تحقيق قدر من التعاون فيما بينها، عبر السماح للسلطة التنفيذية بمشاطرة الجهاز التشريعي بعض اختصاصاته، والحق نفسه يعترف به للسلطة التشريعية في علاقتها بالجهاز التنفيذي.وإذا كان مونتسكيو قد أولى اهتماما مركزيا للسلطتين التشريعية والتنفيذية وجعلهما في صدارة مؤلفه "روح القوانين"، فإنه خلافا لذلك، لم يمنح السلطة القضائية الاهتمام نفسه، بل اعتبرها في إحدى مقاطعه معدومة. ففي سياق حديثه عن النظام الانجليزي، ذهب يقول:"من السلطات الثلاث، التي تذكرنا، نعتبر السلطة القضائية،إلى حد ما، معدومة،وهكذا لا يبقى إلا سلطتان"41 .هل يفهم من ذلك، أن الفصل يجب أن يكون قاطعا بين السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية من جهة، والسلطة القضائية من جهة ثانية، وخلافا لذلك، يجب أن يسود نوع من التوازن والمراقبة بين جهازي التشريع والتنفيذ طبقا لقاعدة "المراقبة والتوازن" check and balance؟. ففي الواقع، شكلت نصوص مونتسكيو موضوع جدل فقهي وقانوني عميق، سواء على صعيد الدراسات الحقوقية الكلاسيكية،42 أو على مستوى المقاربات المواكبة للتغيرات التي طالت المفاهيم الدستورية المعاصرة.43

لعل من النقط القوية التي تصلح أساسا لتأويل مفهوم فصل السلطات كما تم التعبير عنه في كتابات "مونتسكيو، الوظيفة التي تمكنت نصوص هذا الأخير من أدائها في سياق المناخ الفكري والسياسي للقرن الثامن عشر، أي قرن الثورة الفرنسية وما نتج عنها من تداعيات على صعيد تطور الوعي السياسي بظاهرة السلطة وبناء نظم الحكم44. فالواقع السياسي الانجليزي، الذي شكل حقلا تجريبيا لمونتسكيو- وهو بعدد صياغة نظرية حول الحرية السياسية وسلطان القانون وفصل السلطات45 .- ظهر خلال القرن الثامن عشر أكثر النظم السياسية تقدما على صعيد احترام الحريات، وتنظيم ممارسة السلطة، والتهيؤ للانتقال إلى وضع ديمقراطي تلعب المشاركة والمراقبة الشعبية في نطاقه دورا مركزيا46.

لقد تخللت الواقع الانجليزي،لحظة تفكير مونتسكيو في صياغة نظرية فصل السلطات، ثلاث قوى اجتماعية: التاج (الملكية)، والارستقراطية،وعموم فئات الشعب، فكان ضروريا إيجاد المسوغات الفلسفية والنظرية لخلق نوع من التعايش بينها على صعيد تأسيس السلطة وانتقاء آليات ممارستها.لذلك، ذهب الباحثون إلى أن مونتسكيو لم "يبدع شيئا جديدا، بقدر ما قام بتأويل خطاب الملك شارل الأول "، القائل بأن الملكية في بريطانيا خليط بين الحكم الملكي والارستقراطي والديمقراطي"، مما يعني أن الأساس الفلسفي للنظام السياسي يستند إلى ثلاث مشروعيات: التاج ،باعتباره تجسيدا للاستمرارية التاريخية، والارستقراطية، كتعبير عن قطاع مؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية الانجليزية، والشعب، الذي ترسخت مكانته وبدأ يبرز كبعد وازن في تطور النظام السياسي. فهل معنى ذلك أن مبدأ فصل السلطات عند مونتسكيو لا يعدو أن يكون وسيلة للتوفيق بينالمشروعيات المتنافسة؟47.

إننا نميل إلى اعتبار مبدأ فصل السلطات تقنية لجعل التعايش ممكنا بين المؤسسات الدستورية أكثر منه قاعدة قانونية لتحديد شكل معين للنظام السياسي. وحين نجعل هذا المبدأ أداة فنية لتوفير التعايش بين السلطات، فإننا نقصد بداهة التعايش بين قوى اجتماعية متباينة من حيث المواقع، مختلفة من حيث المشاريع الاجتماعية التي تروم تطبيقها حين حيازتها السلطة وامتلاك أدواتها. فمن هذه الزاوية بالذات ،يصبح المبدأ فعلا وسيلة للتوفيق بين المشروعيات المتنافسة والمتصارعة داخل المجتمع السياسي48.

2-في أن تكون الحقوق والحريات مضمونة

لم يكن الانخراط في إرساء دعائم حكم دستوري منفصلا عن الانخراط في تخويل الحقوق والحريات طابعا دستوريا . فالدستور، بما هو ضبط لقواعد ممارسة السلطة ، يصبح ضامنا للحقوق والحريات، عبر إفراده أحكاما خاصا بها، وتنصيصه على الوسائل الكفيلة بصيانة ممارستها وجعلها في منأى عن تعسف السلطة وشطط ممارسيها. لذلك، لا تقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحريات فحسب، بل تتحدد أيضا بدرجة حرصها على تأكيد الشرعية الدستورية، أي جعل ما هو مدرج في باب الحقوق والحريات محترما على صعيد التطبيق والممارسة. فقد قدمت التجربة الدستورية الفرنسية نماذج كثيرة في تاريخها عن ضعف شرط احترام الحقوق والحريات أمام إقرارها غياها في نص الدستور، قياسا للتجربتين الانجليزية والأمريكية، حيث ساهمت النصوص الدستورية المكتوبة منذ صدور وثيقة العهد الأعظم magna charta عام 1215، وما أعقبها من نصوص خلال القرون اللاحقة 49، وكذا التعديلات الأولى التي أدخلت على الدستور الأمريكي (1787)50 ، في تأكيد مفهوم الحرية وتعزيز المساعي الرامية إلى ترسيخه في الثقافة السياسية للمجتمعين معا. ونميل إلى الظن أن "خصوصية "المسار الدستوري والسياسي الفرنسي تحكم في ما يشبه الانفصام بين إقرار الحقوق والحريات في وثائق الدستور وصعوبة احترامها على مستوى الممارسة، إذ الجدير بالملاحظة أن الفرنسيين عاشوا مخاضا دام قرابة القرن (1789-1884) قبل أن يستقروا بغير رجعة على شكل النظام الذي اعتمدوه نموذجا لبلادهم، فقد جربوا النظام الإمبراطوري، والملكية، والجمهورية، ونظام القناصل51.

أدسترة الحقوق ومتطلبات دولة القانون

نقصد ب "الدسترة" constitutionnalisation تضمين الدستور حقوقا وحريات وتنزيلها منزلة الأحكام الخاصة بتنظيم السلطة والعلاقة بين المؤسسات. وإذا كان إقرار الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية أمرا إيجابيا وخطوة مهمة على سبيل الاعتراف بها ، فهل تكفي الدسترة لجعل منظومة الحقوق في منأى عن الشطط في استعمال السلطة؟. إن الدسترة في ذاتها لا تكفي لجعل الحقوق والحريات مضمونة ومصانة بل لا بد من مصاحبتها بضمانات تكفل لذويها القدرة على التمتع بها، كما تحتاج إلى قضاء مستقل ونزيه يحفظ للدستور علويته وسموه على كافة النصوص الأخرى، ويجعل أحكامه سارية على الأفراد والجماعات.

لقد أصبحت دسترة الحقوق والحريات ظاهرة عالمية،حيث أخذت جميع الدساتير، بما فيها الدول التي تأخرت في تبني فكرة الدستور، بالتنصيص إما في بيانات ملحقة،أو في ديباجة الدستور وصلبه على الحقوق والحريات المنوطة بالإنسان، لاعتبارات خاصة بقيمة الدستور ومكانته في البنيان القانوني والمؤسسي للدولة العصرية، ولان ديمقراطية هذه الأخيرة ومشروعيتها أصبحتا تقاسان بمدى احترامها لمنظومة الحقوق والحريات على صعيد الممارسة، وليس على مستوى التنصيص في الوثيقة الدستورية. فهكذا، لا تنحصر قيمة مبدأ تدرج القوانين hiérarchie des lois في تصدر الدستور رأس الهرم ووجوب أن تكون القواعد الأدنى درجة منه منسجمة مع روحه فحسب، بل إن التدرج ، علاوة، على ذلك يحمي الحريات ويحافظ عليها. لذلك، لم تكتف العديد من الدساتير بإقرار قائمة الحقوق والحريات، بل ألزمت المشرع وباقي السلطات، عبر جملة من الأحكام، باحترام الحقوق الأساسية. فالفصل الأول من دستور فرنسا لعام 1791 منع على الجهاز التشريعي إصدار القوانين التي من شأنها المس أو عرقلة ممارسة الحقوق الطبيعية المتضمنة في نص الدستور، وقد سارت على نهجه مجمل دساتير فرنسا اللاحقة (1793-1848-1958)، إضافة إلى أن المادة الخامسة من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 نحت المنحى نفسه حين قضت بأن "ليس للقانون الحق في منع سوى الأعمال الضارة بالمجتمع.فكل ما لا يحرمه القانون لا يمكن منعه ولا يمكن إجبار أحد على فعل مالمبأمر به القانون".

تحتاج حماية الحقوق والحريات وضمان سلامة ممارستها إلى جملة شروط تتجاوز مستوى اعتراف الدساتير بها وتضمينها في صلب أحكامها .فقد كشفت التجربة هشاشة الحرية كما تصورها بناة الديمقراطية الكلاسيكية في اوروبا والغرب عموما. فلكي تتحقق الحرية وتستمر ويحسن استعمالها تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع حولها كقيمة وضرورة، فحين يتكون لدى الناس تمسك أكيد ودائم بالحرية، يتولد لديهم الوعي المطلوب للدفاع عنها وصيانتها من شطط السلطة وسوء استعمال الأفراد والجماعات لها. فلو أخذنا حقوق الأقلية السياسية على سبيل المثال ،للاحظنا المكانة التي تحظى بها في النظم الديمقراطية خلافا لغيرها من التجارب. ففي بريطانيا مثلا تشكل الأقلية جسما سياسيا قائم الذات، إنها جهاز رسمي للنظام، بل مؤسسة دستورية منوطة بها ممارسة وظيفة أساسية في الدولة، أي معارضة سلطة الأغلبية الحاكمة52 . فهكذا يكون احترام المعارضة بداية لاحترامحقوق الأفراد، كما أن الاحترام الأساسي للحريات يبدأ باحترام المعارضة. والحال أن الديمقراطية السليمة لا تشتغل جيدا وتصون الحريات إلا حين يمتد لبسط احترامها إلى الخطوط الكبرى لنظامها السياسي، أي القواعد الخاصة بتنظيم الحكم، بما في ذلك فصل السلطات والطريقة التي يمارس الشعب بواسطتها سيادته. مقصد القول أن احترام الحقوق والحريات رهين بمدى تحقق ما يشبه الإجماع حول الحرية مفهوما وممارستا أي ميلاد وعي مجتمعي ينزل الحرية في منزلة القيم الكبرى التي لا تخضع للمساومة أو المزايدة.

عدد القراءات 112 مرة

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة