You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>مختارات الموقع>مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية - د.علي خليفة الكواري

محددات السلام الاجتماعي في مصر

السبت، 30 كانون1/ديسمبر 2017 عدد القراءات 812 مرة
الكاتب  مركز ماعت

 

السلام الاجتماعي في مصر حقيقية أساسية، نابعة من عوامل تاريخية وجغرافية وإنسانية، وهو ما يرسي دعائم الأساس المعرفي لبناء وتطور مفهوم السلام الاجتماعي.  الاقتراب الثقافي من العوامل الداعمة للسلام الاجتماعي، وكذلك التحديات التي تواجهه تمثل ضرورة أساسية للتعامل مع هذا الموضوع المهم. هناك معنيان للثقافة: الأول يحصر الثقافة في الإنتاج الثقافي والعلمي، بحيث تتحول الثقافة إلي مرادف للإبداع الفكري أو الفني، والثاني ينظر إلي الحالة الثقافية نظرة سسيولوجية من خلال رصد  كافة صور تفاعل البشر مع الواقع  في رحلتهم الممتدة لفهم أنفسهم والأخر في ضوء المعطيات الجغرافية والبشرية والسياسية التي يعيشون فيها. يصبح نمط السكن، وعلاقات الأصدقاء، ونوعية الطعام، والمظهر الخارجي جميعها تحدد محتوي الثقافة من الزاوية المجتمعية. عن هذا المعني للثقافة نتحدث. نتناول الشخصية المصرية، إدراك البشر لحقائق الواقع، العلاقات المجتمعية التي تربطهم، الرموز، التراث، الموروث الشعبي......الخ. باختصار نقترب من الحالة الثقافية للشعب المصري التي تتسم بملامح متميزة رغم التنوع الثقافي الطبيعي في المجتمع الناتج عن خبرة التعرض لثقافات متنوعة. 


(1) خصائص الحالة المصرية
هناك خصائص مميزة لكل مجتمع، تعتبر سمات مميزة له عن غيره من المجتمعات. وتكشف خصائص المجتمع المصري المقومات الأساسية للسلام الاجتماعي، والتحديات التي يمكن أن تواجهه، وأساليب مواجهتها. توصف مصر في الأدبيات السياسية علي إنها دولة نهرية. ويقصد بذلك أن نهر النيل الذي يخترق أراضيها من أقصي الجنوب وصولا إلي محطته النهائية في حوض البحر المتوسط يلعب دورا رئيسيا في صياغة مكونات الثقافة المصرية. من هنا لم يكن غريبا أن يقول المؤرخ اليوناني  الشهير هيرودوت قديما  "أن مصر هبة النيل"، وإن كان بعض المثقفين والباحثين المصريين المعاصرين  يرون أن مصر هبة النيل وشعبها الذي صنع حضارة منذ آلاف السنين لم يفك كل رموزها حتى الآن. 
ترتب علي هذه الحقيقة الجغرافية عدة نتائج ثقافية مهمة ساعدت علي إرساء دعائم السلام الاجتماعي:

1- مركزية الدولة 
يتطلب الاستفادة من مياه نهر النيل نشؤ دولة مركزية قوية قادرة علي إقامة مشروعات الري، وتوزيع المياه. من هنا نشأت بيروقراطية متمددة منذ آلاف السنيين حتى الوقت الحاضر. وهناك من المأثورات الشعبية من يمجد البيروقراطية والعمل بها. ورغم قلة رواتب الموظفين في الدولة حاليا ونمو دور القطاع الخاص إلا أن أمل الوظيفة الحكومية لا يزال يراود كل شاب. وكثير منهم يجمع بين وظيفة حكومية في الصباح حيث الاستقرار الوظيفي والمكانة والنفوذ وبين وظيفة مسائية في القطاع الخاص بحثا عن دخل مادي أفضل. وتشير الدراسات إلي أنه في كل مراحل التاريخ كانت الدولة أقوي من المجتمع، فهي التي تملك تنظيم شئونه وضبط تفاعلاته عبر بيروقراطية متغلغلة في كل ثناياه. وتتجه عادة عيون المواطن إلي الدولة وأجهزتها  بحثا عن حل لمشكلاته اليومية- اقتصاديا واجتماعيا. من هنا فإن نشر ثقافة المبادرة والانخراط في منظمات المجتمع المدني لا يزال أقل من المأمول بالنظر إلي عمق تراث الاعتماد المفرط علي الدولة في كل شيء.  وقد ضمن التعلق بالدولة المركزية حالة من التوحد، وساعد علي انصهار مختلف مكونات المجتمع في بوتقة واحدة، مما مهد لنشوء أساس للسلام الاجتماعي. 
2-  تغليب فكرة الجماعة 
يتمحور المجتمع المصري حول مفهوم الجماعة نظرا لان ضبط نهر النيل يحتاج دائما إلي جهود جماعية. ترتب علي ذلك طغيان الجماعة علي الفرد. وهناك موروثات ثقافية وعادات وتقاليد تجعل دائما من الجماعة، وكبار السن في المجتمعات قدرة علي تشكيل ثقافة ووجدان الجماهير. الفرد – بالمعني الحديث- لم يولد بعد في المجتمع المصري. من هنا نلاحظ تزايد اعتماد المصريين المفرط علي الروابط التقليدية مثل الأسرة والعشيرة والعائلة، الجماعة الدينية.....الخ بحثا عن رعاية اجتماعية أو تذكية للحصول علي وظيفة أو تأييد في الانتخابات. يؤثر ذلك بمعني من المعاني علي مفهوم الدولة الحديثة التي تستند إلي رابطة المواطنة، ومن المفترض أن  ينصرف  الولاء لها وحدها علي حساب الولاءات والروابط التقليدية التي تشكل ملامح مجتمع ما قبل المواطنة.  
3- الميل الشديد للمحافظة
يعتمد المجتمع منذ آلاف السنين علي نهر النيل، ويتوارث طرق وأساليب الحفاظ عليه. من هنا فهو مجتمع يتسم بدرجة عالية من المحافظة، وتستغرق الأفكار الحديثة فترات طويلة للنفاد إلي أعماقه. ويترتب علي ذلك أن العادات المتوارثة تظل لها الثقل رغم ما يبذل من جهود لاقتلاعها. ومثال علي ذلك استمرار النظر لفئات معينة نظرة دونية. ورغم أن الجميع – علي المستوي الدستوري- سواء أمام القانون إلا أن التغيير علي مستوي الشعبي يحتاج إلي وقت طويل نظرا للطبيعة المحافظة للشعب. ورغم أن التعددية- كما سيلي الحديث- سمة أساسية في المجتمع المصري، إلا أن تشارك جميع المصريين في نفس الثقافة، واتفاقهم علي عادات وتقاليد واحدة بصرف النظر عن الاختلاف في الوضع الاجتماعي أو الدين أو مكان السكان هو ما ساعد علي بلورة إطار حاضن لمفهوم التفاهم أو الانسجام المجتمعي. 
4-  التعددية الدينية
يشهد المجتمع المصري حالة من التعددية الدينية، عميقة الجذور في التاريخ. فقد عرف الأديان التوحيدية الثلاثة، باختلاف مذاهبها، وهي اليهودية والمسيحية والإسلام. خبرة التعايش بين المختلفين في الدين أو المذهب استندت إلي شعور عميق بالتسامح. المصريون متسامحون مع الاختلاف بطبيعتهم، رغم رياح التعصب الديني والمذهبي التي هبت علي المجتمع في العقود الثلاثة الأخيرة. ومن دلالات هذا التسامح أن التاريخ شهد توترات دينية، وحوادث تمييز ديني في مواجهة المختلفين في الدين أو المذهب، لكنه لم يحمل- مثلما حملت المجتمعات الأخرى- ذاكرة معبأة بالعنف، والمذابح، والتاريخ الملوث. لم يعرف المجتمع المصري "إبادة الآخر المختلف" مثلما عرفت دول أخري، والسبب هو خبرة التعددية الدينية التي عاشها، إلي الحد الذي جعل الإسكندرية تستضيف مقابر للملحدين، الذين لا ينتمون إلي أي من الأديان. إلي هذا الحد كان هناك تسامح مع المختلفين في الدين، وهو التسامح الذي لم يكن أبدا مدعاة للتفريط في العقائد. تتعرض هذه الحالة الفريدة من التسامح إلي تحديات كثيرة،  في مقدمتها التعصب الديني والمذهبي. 
 5- احترام المرأة 
يعرف المجتمع المصري منذ القديم كيف يحترم المرأة. في مصر الفرعونية كانت المرأة شريكا للرجل في العمل، وبلغ المجتمع حال من الرقي الذي سمح بأن تتولي مقاليد الحكم فيه امرأة. ولا تزال الذاكرة المصرية تحفل بأسطورة "ايزيس" التي طافت القطر المصري تجمع أشلاء زوجها "أوزوريس". وإبان العصر القبطي كانت هناك "السيدة العذراء مريم" في الوجدان المصري، وعشرات القديسات والشهيدات اللاتي ضحين بحياتهن في مواجهة الحكم الروماني الغاشم دفاعا عن إيمانهم وعقيدتهم. وعندما دخل الإسلام مصر، ظلت السيدة العذراء مريم في الوجدان المصري، وعرف المصريون "السيدة زينب"، التي تحتل مكانة متميزة في الوجدان الشعبي. وتجسد "عروس المولد" التي يقبل المصريون علي شرائها في المولد النبوي مخزون تاريخي عميق في حياة الشعب المصري، من ايزيس إلي السيدة العذراء مريم وانتهاء بالسيدة زينب. سيدات لهن مكانة خاصة في وجدان المصريين باختلاف أديانهم. هذه الحالة المصرية الفريدة من احترام المرأة تتعرض منذ فترة لانتكاسة حقيقية نتيجة شيوع آراء وافدة تحقر من المرأة، وتتعامل مع علي أنها كائن أقل من الرجل، المؤسف أن يكون كل ذلك بالاستناد إلي قراءات دينية مغلوطة. 
6-  غياب العنف. 
الشعب المصري بطبيعته متسامح، لا يعرف العنف الذي شكل إحدى خصائص مجتمعات أخري. السبب يعود إلي تدينه، وطبيعة المجتمع الزراعي الريفي الهادئ الذي لا يعرف خشونة البداوة والحياة الصحراوية. ثقافة الشعب المصري متسامحة، وما ينتجه من خطابات دينية تتسم بالرحابة، وبٌعد النظر، وقبول الاختلاف، وتفضيل الرحمة. قيمة "الستر" إحدى ركائز النظام القيمي المصري، بحيث لا يفضل الناس كشف أخطاء وعورات الآخرين علي الملأ، والاكتفاء بالتصدي لها سرا. من هنا لا يعرف المصريون العنف بطبيعتهم، هكذا كانوا ولا يزالوا. ورغم ذلك فإن هناك ما يمكن أن نطلق عليه حالة غريبة في المجتمع المصري نتيجة شيوع حالات من العنف اللفظي في الشارع، والعنف البدني في العلاقات بين الأفراد، والذي أمتد ليشمل جرائم غير متعارف عليها في الخبرة المصرية مثل الاغتصاب، والقتل لأتفه الأسباب، الاعتداء علي الوالدين، الخ.  
7-  الرحمة بالفقراء. 
في كل الأديان والمذاهب التي امتدت في ربوع مصر هناك تقدير خاص للفقراء، ودعوات مستمرة للبر بهم، والعطف عليهم. وتمجد الأمثال الشعبية الدارجة، والتي هي خلاصة الخبرة الإنسانية والتاريخية للشعوب، هذه الحالة. لم يعرف المجتمع المصري ثقافات "عنصرية" في مواجهة الآخرين، أو النظر إلي الفقراء نظرة سلبية، أو تبرير العنف ضدهم. هذه الحالة بدأت في التغير في العقود الأخيرة نتيجة ثراء فئات اجتماعية لا تمتلك أصول اجتماعية للترقي الاجتماعي (مثل التعليم )،  مما ترتب عليه أحيانا غلبة "لغة المال" و"علاقات المال"، وهو ما ينال من حقوق المواطن الفقير، والذي لا يمتلك المال أو الثروة. 
الخلاصة أن الحالة المصرية تحوي عناصر كثيرة تدفع دائما في اتجاه حالة سلام مجتمعي، سواء في العلاقات بين المختلفين في الدين أو المذهب أو النوع، وهكذا. كل ذلك صنعته عوامل عميقة بعيدة الجذور. 


(2) مسارات التطور التاريخي
شهد القرنان الماضيان تحولات أساسية في المجتمع المصري فيما يتعلق بكيفية تناول القضايا السابق الحديث عنها:
(4-1)  قيام مشروع حداثي للدولة المركزية المصرية عبر فترات تاريخية مختلفة. بزغت إرهاصات المواطنة في بداية القرن التاسع عشر بتأسيس جيش مصري من المصريين لأول مرة في تاريخهم ثم بدأت رحلة إرساء بنية المؤسسات من خلال إنشاء أول برلمان عام 1866م، ثم أول وزارة بالمعني الحديث وصولا لوضع أول دستور دائم في الخبرة المصرية عام 1923م علي أساس المواطنة الكاملة بين كل المصريين بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو اللون أو الجنس، هكذا. 
(4-2)  تأسيس منظمات المجتمع المدني بالمعني الحديث سواء كانت منظمات غير حكومية أو أحزاب سياسية أو نقابات مهنية وذلك في القرن التاسع عشر، واستمر تأسيس هذه الروابط المدنية في القرن العشرين.
(4-3)  شهد بواكير القرن العشرين حركة نسائية نشطة حملت اسم تحرير المرأة المصرية، واستمر نضال المرأة المصرية في سبيل نيل حقوقها.  تمتعت المرأة المصرية بحقوق المواطنة سواء من خلال إقرار حقها في المشاركة في الانتخابات – ترشيحا وانتخابا- عام 1955م، وتمتعها ببعض حقوق العمل مثل أجازة الوضع وفترة الرضاعة. وأخيرا حصول أبنائها المولودين من أب أجنبي علي الحق في  الجنسية المصرية عام 2004م. 
(4-4)  شغلت قضية العدالة الاجتماعية اهتماما واسع النطاق طيلة القرن العشرين. في النصف الأول من القرن كانت هناك حركات اجتماعية تطلق مشروعات سياسية وجماهيرية تحت لافتة العدالة الاجتماعية، وفي أعقاب ثورة يوليو عام 1952م تحققت العديد من المكاسب الاجتماعية للطبقة الوسطي ومحدودي الدخل وأبرزها مجانية التعليم والرعاية الصحية. ورغم أن العديد من هذه المكاسب تقلصت إلا أن هناك حرصا من كافة القوي في المجتمع علي استمرار المتبقي منها ولاسيما مجانية التعليم، والدعم للسلع الأساسية، وتنفق الحكومة جانبا كبيرا من الميزانية علي الدعم.


(3) التفاعل الثقافي
أدي الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر إلي أن تكون "بوتقة تفاعل" لحضارات وثقافات مختلفة، علي مدار مختلف العصور. تفاعلت الثقافة المصرية مع الثقافات الوافدة، هضمتها، وتمثلتها، وأعادت إنتاجها في قالب مصري. من هنا فإن الثقافة المصرية ليست سوي "طبقات" متتالية حضارية، ما بين الفرعونية والقبطية والعربية الإسلامية والغربية، الكل يتفاعل في نسيج واحد. 
في هذا الصدد نلمح ثلاثة أنساق ثقافية تعيش متجاورة في المجتمع المصري:
النسق القديم. جاء متوارثا من العصر الفرعوني. ويركز علي مجموعة من الأفكار الأساسية مثل احترام المرأة واعتبارها شريكا كاملا للرجل، ويكفي أن هناك من النساء من حكمن مصر في العصور القديمة في وقت كان التخلف يخيم علي مختلف أرجاء العالم، والإيمان بأفكار الثواب والعقاب، والطاعة المفرطة لمن هم في السلطة، والاعتناء بالطبيعة...الخ.  
النسق الديني. مصر مهد الأديان. عاش فيها موسي النبي وتربي بحكمة المصريين، وزارها السيد المسيح مع أسرته بحثا عن الأمان، واستقبل شبعها الإٍسلام ولا سيما أن هناك احتفاء خاصا بمصر في القرآن الكريم. إذن الدين مكون أساسي في المجتمع المصري. ولكن سيظل هناك مسافة بين الدين (النص المقدس) والخطاب الديني (اجتهادات البشر لفهم النص المقدس)، وهي المسافة بين النص المقدس وإدراك وتفهم البشر له. ويتأثر البشر بالخطاب الديني، ويتأثر الخطاب الديني بدوره بالحالة الثقافية والمجتمعية عامة. فإذا كان المجتمع ناهضا كان الخطاب الديني مستنيرا أما إذا كان المجتمع منغلقا كان الخطاب الديني تعبيرا عن هذا الانغلاق.
النسق الحديث. ويعبر عن اتصال مصر في القرنين الماضيين بالخبرة الغربية بما يحمله ذلك من تبني قيم التحديث والديمقراطية والمجتمع المدني (المؤسسات التي يؤسسها الأفراد بإرادتهم الحرة للتعبير عن قضاياهم مثل المنظمات غير الحكومية والأحزاب، هكذا)، وقضايا التنمية والتمكين، التي تعيش جنبا إلي جنب مع المجتمع التقليدي المحافظ في مصر.
هذه الأنساق تتفاعل مع بعضها بعضا، وعادة ما يكون التطور هو محصلة لهذا التفاعل. يظهر أحدهما أحيانا، ويتواري الآخر، لكن في نهاية المطاف تكون كل الأنساق الثقافية حاضرة في النظر إلي مختلف القضايا. 
فإذا رصدنا عددا من القضايا الأساسية يمكن أن نري كيف تتفاعل الأنساق الثقافية الثلاثة معا: 

1- في قضية المجتمع المدني. النسق التقليدي القديم يتمحور فقط حول الدولة ومؤسساتها، لا يعرف مساحة أخري للأفراد يتحركون فيها. النسق الديني يحث علي التعاضد الاجتماعي والعمل الخيري والإنساني، وهي قيم حاضرة بقوة في الثقافة المصرية حتى قبل نشوء مفهوم المنظمة غير الحكومية بالمعني الحديث. من هنا لا نستغرب من الكم الهائل للجمعيات الأهلية المسيحية والإسلامية في المجتمع المصري، التي تعمل جنبا إلي جنب مع المؤسسات المدنية الحديثة التي عرفت طريقها للنمو في العقود الأخيرة في ضوء تسارع وتيرة اتصال مصر بالعالم الغربي الحديث. 
2- في قضية المواطنة. النسق التقليدي يحث علي تمجيد الذات والجماعة  في مواجهة الأخر المختلف. والنسق الديني منقسم. هناك خطاب ديني يعود إلي الأصول الدينية ويركز علي المساواة بين البشر، وخطاب متشدد منغلق ينكر حقوق المواطنة الكاملة علي المختلف في الدين أو حتى النوع في بعض الحالات. أما النسق الحديث فهو يدعو إلي مواطنة كاملة- مفهوم أساسي جامع في بناء الدولة الحديثة.
3- في قضية المرأة. النسق القديم يجعل المرأة شريكا للرجل، وتتمتع بأهلية إدارة دولة مركزية بيروقراطية مثل مصر، أما النسق الديني فهو منقسم بين من يطالب بحقوق كاملة للمرأة في إطار المساواة في المواطنة، وبين من يدعو إلي سيادة الرجل علي المرأة. وهناك نسق حديث يدعو إلي مواطنة كاملة لكل مكونات المجتمع، وتمكين النساء من المشاركة في إدارة الشأن العام. 
4- في قضية العدالة الاجتماعية. النسق القديم يجعلها مسئولية الدولة. والنسق الديني يجعلها مسئولية الدولة إلي جانب الإحسان الاجتماعي من منطلق ديني، أما النسق الحديث فيجعل منها مسألة شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.  


(4) الوحدة الوطنية في المجتمع
تعد التعددية الدينية حقيقة أساسية في المجتمع المصري منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. تعايش خلالها المسيحيون والمسلمون في حالة من الوئام حينا والتوتر أحيانا، ولكن في كل منعطفات التاريخ انتصرت إرادة الوحدة علي خيارات الانقسام والتشرذم. وفي كثير من محطات التاريخ لم تكن هناك مشكلة حقيقية بين المصريين مسلمين ومسيحيين، بل كانت بين المسيحيين والحكام الوافدين الذين تعاقبوا علي حكم مصر. وكثير من مظاهر التعصب والقهر التي واجهها المسيحيون لم تأت علي يد شركائهم في الوطن من المسلمين بقدر ما كانت صادرة في الأساس من النخبة الحاكمة. واللافت للنظر أن الفترات المظلمة التي عاني منها المسيحيون شهدت أيضا معاناة من جانب المسلمين، فما من مشكلة تواجهها أقلية إلا وتواجهها الأكثرية العددية بصورة أو بأخرى. 
1-  عوامل الوحدة
هناك جملة من العوامل تقف دائما خلف خيار الشعب المصري – مسلمين ومسيحيين- في اتجاه الوحدة علي حساب التشرذم. يمكن رصد عدد من هذه العوامل:
أ- الأوضاع الجغرافية التي تتمثل في وجود وادي للنيل منبسط  تتركز فيه الغالبية العظمي من السكان (95% تقريبا)، جعل الامتزاج في الحياة اليومية سمة أساسية في المجتمع المصري، فلا يوجد أماكن يتركز فيها المسلمون، وأخري للمسيحيين، والشواهد الدينية للجانبين تملأ كل الأرجاء مما يجعل من خيار العزلة أو الانقسام غير وارد علي المستوي الفكري، وغير ممكن علي المستوي الجغرافي.
ب- الأوضاع الاجتماعية التي تتمثل في غياب أشكال الانقسام الاجتماعي التي تتسبب عادة في شيوع ثقافة النفور، وتكون عادة مقدمة لعملية إنتاج أنماط جاهزة جامدة عن الآخر مما يسبب الاشتعال إذا ألقي أحد بعود ثقاب اقتصادي أو سياسي أو ثقافي. فلا يعيش المسيحيون في أماكن خاصة بهم غير التي يعيش بها المسلمون، ولا يمتهنون مهنا غير التي يمتهنها المسلمون، ولا يرتدون زيا خاصا بهم يجعل منهم جماعة اجتماعية متميزة في المجتمع، ولا يتعلمون في مدارس أو جامعات غير التي يتعلم بها المسلمون، ولا يقضون وقت فراغهم بطريقة تختلف عن تلك التي يقضي بها المسلمون وقت الفراغ......الخ. إجمالا فإن المسيحيين لا يتميزون كجماعة اجتماعية خاصة. 
ج- الأوضاع الثقافية التي تتمثل في وجود ثقافة واحدة تجمع في رحابها المسلمين والمسيحيين. فمن الثابت أن المؤمنين بالديانتين تجمعهم ثقافة واحدة علي مستوي الاعتقاد الديني، والنظرة الفلسفية للحياة، والخرافة، والعلاقات الاجتماعية، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وأساليب تربية الأبناء، ولغة الحوار اليومي...الخ. فالمسلمون والمسيحيون يؤمنون بالإسلام والمسيحية علي الطريقة المصرية إن صح التعبير. وتعود بعض مظاهر التدين الشعبي إلي معتقدات فرعونية قديمة جري إما تنصيرها بالنسبة للمسيحيين أو أسلمتها بالنسبة للمسلمين. 
2- بواعث التبعثر
الم المشهد المصري العديد من عوامل التبعثر في العقود الأخيرة مما يهدد بإضعاف صيغة العيش الواحد، هذه العوامل يمكن إجمالها علي النحو التالي:
أ- هبوب رياح ثقافية مغايرة من دول الخليج منذ منتصف السبعينيات مع انتقال العمالة المصرية للعمل بهذه البلدان. هذه المجتمعات لا تعرف التعددية الدينية علي النحو السائد في الخبرة المصرية. من سمات الثقافة الجديدة: الإفراط في النزعة الاستهلاكية، وغلبة المظاهر الشكلية للتدين علي حساب الجوهر، إضفاء بردة دينية علي المظاهر الاجتماعية...الخ. وغني عن البيان أن هذا النمط من الثقافة أدي إلي تقليص مساحات التلاقي الإٍسلامي المسيحي في المجتمع. 
ب- صعود نشاط جماعات العنف الديني منذ نحو أكثر من أربعة عقود. هذه الجماعات نوعان. الأول جماعات راديكالية تتبني خيار العنف لتغيير المجتمع، وتنطلق من رؤية تكفيرية للمجتمع، والحاكم، والآخر الديني، واستحلال كامل لدم ومال المختلف. وقد تعرض المسيحيون والمسلمون علي السواء إلي معاناة حقيقية علي يد هذه الجماعات حتى منتصف التسعينيات. وعندما أصدرت بعض هذه الجماعات مراجعات فكرية لموقفها لم يزل الموقف الملتبس تجاه المسيحيين قائما في هذه الكتابات. النوع الثاني جماعات تعلن النهج السلمي في العمل العام وتتبني خطابا في مواجهة الآخر الديني يقوم علي مفهوم الذمية. ومن جراء نشاط جماعات الإسلام السياسي شاع خطاب يكفر المسيحيين في أسوأ حالاته أو يدعو إلي تجنب التعامل معهم، والاستعلاء عليهم في أفضل حالاته. وأدي وصول بعض العناصر المحسوبة علي تيار الإسلام السياسي إلي العمل النقابي إلي أسلمة النشاط المدني الذي يمكن أن يتلاقى علي أرضيته المسيحيون والمسلمون أبناء المهنة الواحدة، ومن المعروف أن في الدولة الحديثة يكون التفاعل بين المواطنين علي أساس مهني وسياسي وثقافي أكثر منه علي أساس ديني أو مذهبي أو طائفي. 
ج- من جراء نشاط جماعات الإسلام السياسي طفت علي السطح ظاهرة يمكن أن نطلق عليها أسلمة الحياة العامة، حيث أصبح الحديث الغالب في كل القضايا ذات طبيعة دينية، حتى وإن كانت هذه القضايا في الأساس علمية في جوهرها. فمثلا نقل الأعضاء البشرية أو بيع لاعبي كرة القدم تحولت إلي قضايا دينية يجري الحديث بشأنها علي أرضية الحلال والحرام. وتحولت النزاعات الدولية إلي صراع بين مسلمين وغير مسلمين، رغم أن بواعثها في الأساس سياسية أو اقتصادية. ومثال علي ذلك الجدل الذي ثار علي صفحات الصحف إبان احتلال القوات الانجلو-أمريكية للعراق. فقد اتجهت الصحف ذات الاتجاه القومي والإسلامي إلي اعتبار ما حدث في العراق، وما يحدث في العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو انعكاس مباشر لهيمنة اليمين الديني في الولايات المتحدة، وبدأت في تصوير الحرب الدائرة علي أنها مواجهة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي. وأصبح هناك قاسم مشترك فيما بينها هو تديين الصراع العالمي، والنظر إلي الكثير من الصراعات الإقليمية بوصفها جزءا من مؤامرة عالمية تستهدف العرب والمسلمين. هذه المعالجات الصحفية التي تربط بين ما هو سياسي وما هو ديني في خليط تغلفه نظرية المؤامرة يلقي ظلالا كثيفة علي العلاقات الإسلامية المسيحية في المجتمع، ويشكل في بعض الأحيان رسائل تحريضية ضد الأخر الديني. وأكثر من ذلك أنه يربط ما يحدث علي صعيد العلاقات الإسلامية المسيحية في المجتمع بصراع عالمي ممتد، وبالتالي ينظر المسلم العادي إلي جاره أو صديقه المسيحي علي أنه أقرب في مشاعره ومواقفه إلي المسيحي الأمريكي منه إلي رفيقه المسلم في المواطنة، وهو يقلص بالضرورة من مساحات اللقاء والتفاعل بين المسلمين والمسيحيين علي صعيد العلاقات اليومية.  
د- رافق صعود المد الإٍسلامي في الحياة عامة ما يمكن أن نطلق عليه حالة انكفاء مسيحي داخل الكنائس. فقد شعر المسيحيون أن الوطن يضيق عن استيعابهم. لجأ بعضهم إلي خيار الهجرة، والبعض الآخر استسلم للعزلة. عزز هذا الاتجاه خطاب ديني مسيحي يصب في اتجاه العزلة انطلاقا من أن المسيحي ليس له مكان في العالم، وأن غايته هي التطلع للملكوت. وشعر كثير من المسيحيين بما يمكن أن نطلق عليه الاستضعاف في مواجهة المجتمع. في السنوات الأخيرة بدا أن هناك اهتماما بدعم روح المشاركة الوطنية في أوساط المسيحيين، وإن ظل هذا الخطاب محدود التأثير حتى الآن.

(5) تحديات الواقع الآني
يتسم المشهد الراهن بوجود العديد من التحديات منها علي سبيل المثال:-
أ- تراجع معدلات المشاركة السياسية. البعض منها يعود إلي ضعف مؤسسات المشاركة، وبعضها يعود إلي انشغال المواطن بالبحث المستمر عن معيشته. ولكن سيظل تعميق مفهوم المواطنة رهنا بتوسيع نطاق المشاركة لتشمل فئات واسعة من المجتمع، ولاسيما الشباب والمهمشين والنساء والمسيحيين...الخ. 
ب- ضعف ثقافة المواطنة والتي تظهر ليس فقط في تراجع معدلات المشاركة السياسية ولكن أيضا في الارتداد إلي الولاءات التقليدية والروابط التي تشكل ملامح دولة ما قبل المواطنة. يسهم في هذا جمود الخطاب الثقافي والديني، وتزايد معدلات الأمية إلي ما يقرب من 50% من المجتمع المصري، وهو ما يضع قيودا علي المواطن في فهم حقوقه وواجباته. 
ج- وجود حالة من القانون الموازي في المجتمع التي تتمثل في اللجوء إلي أعمال العنف والبلطجة، والفوضى في إدارة شئون العلاقات بين البشر. كل ذلك يؤثر علي مستوي تقدم وتطور المجتمع. التنمية لا تنفصل عن القانون، والديمقراطية لا تتحقق في ظل غياب القانون. أحد أهم الأسباب وراء هذه الظاهرة هي غياب الثقة في القانون، نتيجة ارتفاع تكلفة اللجوء إلي مؤسسات العدالة، وبطء إجراءات التقاضي، وعدم تنفيذ الأحكام القضائية بالقدر الواجب. 
د- تزايد الأعباء الاقتصادية علي المواطنين محدودي الدخل علي نحو غير مسبوق نتيجة ثبات الدخول وزيادة الأسعار وتزايد معدلات البطالة، ولجوء الدولة إلي أعادة النظر في قضية الدعم. وتعتبر المرأة في مقدمة فئات المجتمع التي تعاني من تردي الأوضاع الاقتصادية. ويطرح ذلك تحديات جمة بالنسبة لمسألة العدالة الاجتماعية في المجتمع حيث تتضاءل شريحة من يملكون المال والمكانة وتتسع شريحة الفقراء والمهمشين. 
ه- شيوع ثقافة محافظة تحول دون تطوير وتقدم المجتمع. هناك نظرة سلبية متفشية لدي بعض قطاعات المجتمع ضد المرأة والأخر الديني والمهمشين والفقراء... الخ، وفي رأينا أن التطوير المادي – اقتصاديا وسياسيا- يجب أن يرافقه تغيير ذهني في نظرة الأفراد لدورهم وللآخرين. 
و- تزايد ظاهرة العنف المجتمعي، والذي يأخذ في بعض الأحيان شكل العنف ذات الطابع الديني (الإرهاب)، أو العنف الأسري (ضرب الزوجات مثلا) أو العنف المدرسي (الاعتداء علي الطلبة والمدرسين) أو العنف الاجتماعي (مشاجرات ممتدة في الشوارع)، أو عنف لفظي (الشتائم، الألفاظ الجارحة في لغة الخطاب اليومي بين الأفراد ليس فقط في الشارع، ولكن أيضا في أماكن العمل، والجهات الحكومية، والقطاع الخاص علي السواء). 
ز- شيوع ما يعرف بالأحداث الطائفية في محافظات مختلفة، ولاسيما في الصعيد، ينتج عنها أحيانا أحداث قتل، وتخريب في الممتلكات، وإشاعة مناخ من الكراهية بين المواطنين المختلفين في الدين.

 

 

المصدر: مركز ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة