You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>من نحن>المشاركون في لقاءات وأنشطة المشروع

عيسى بن شاهين الغانم: إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 6125 مرة
عيسى بن شاهين الغانم
 
 

المداخلة قدمها

الأستاذ عيسى بن شاهين الغانم

إلى لقاء الإثنين (2) بدار الدكتور علي خليفه الكواري

بعنوان: "إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 -مراجعة نقدية".

في هذه المداخلة سوف أتناول بإيجاز العناوين الرئيسية التالية:

1. موقع الإستراتيجية في العملية التخطيطية
2. البيئة العامة التي أعدت فيها الإستراتيجية
3. أمور تحسب للإستراتيجية
4. أوجه قصور أساسية في الإستراتيجية
5. استنتاجات

أولا: موقع الإستراتيجية في العملية التخطيطية

من المناسب قبل التطرق إلى إستراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر التعرف على موقع الاستراتجيات في عملية التخطيط الاستراتيجي اذ انها جزء من هذه العملية الدورية التي تبدأ برسالة (وتكون في العادة شبه دائمة)، بعدها تحدد الرؤية العامة لتحقيق هذه الرسالة ومن ثم تصاغ الاستراتيجية لتنفيذ هذه الرؤيه، يليها وضع الخطط التفصيلية وتعتبر عمليا مشروعات (رأسمالية وغير رأسماليه) محددة لتنفيذ الاستراتجية وتختتم بمتابعة التطبيق وتقييم الاداء. هذا مايعرف بدورة التخطيط الاستراتيجي الذي يستمر إلى مدى محدد بشكل مستدام ويتم التعديل في مدخلاته من خلال تحليل النتائج الفعلية.

• بعض صفات الرؤية والاستراتيجية: الرؤية مرتبطة بزمن ونتيجة مرتجاه (من الأمثلة على الرؤية هو ماتعهد به الرئيس كندي بانزال انسان على سطح القمر خلال عشر سنوات، أو التزام دولة قطر بأن تكون أكبر منتج للغاز المسال في العالم بحلول 2010) أي ان لم تحدد بزمن ونتيجة مرتجاه يمكن قياس الوصول لها فهي ليست برؤية. كما يجب ان تكون واقعية ( مثلا عزم دولة فقيرة مثل بنغلادش على تصميم سفينة فضائية للقيام بانزال على المريخ في العام القادم هو هدف غير واقعي). يضاف الى ذلك بأنها يجب أن تتم بتوافق الاطراف المعنية بتحقيقها والمتأثرة بها. هذه هي المعايير العامة للحكم على سلامة المنهج المتبع في إعداد الرؤية والاستراتيجية، وعند التمعن في الوثيقة محل الدراسة هنا سيتضح بأنها لم تلتزم بتطبيق جوانب مهمة من هذه المعايير.

• نأتي للاستراتيجية، فهي تصاغ على شكل توجيهات قصيرة ومّركزه وواضحة لجهات التنفيذ. نلاحظ في استراتيجة التنمية الوطنية لدولة قطر بأن حجم الوثيقة هائل لايتناسب مع وظيفتها، ويغلب عليها العموميات في الجوانب المصيرية والتفاصيل في الجوانب الفرعية.

• الإستراتيجية يتم صياغتها منهجيا بعد دراسة "البيئة المحيطة" من خلال دراسة: نقاط القوة - لاستغلالها، نقاط الضعف - لعلاجها، الفرص المتاحة – للإختيار من بينها، التحديات – للتعامل معها، أو مايسمى منهجية SWOT ويجب أن يتم ذلك أيضا بمشاركة الأطراف المتاثرة بها وصاحبة المصلحة.

تحليل "البيئة المحيطة" الذي يفترض أن يتم بطريقة معّمقة كان يتوقع له على سبيل المثال ان يكشف ويعالج القضايا الاستراتيجية التالية (لأنها واضحة حتى لغير المختص) :

1. كيفية التعامل مع الاقتصاد البالوني المتضخم والنمو الاقتصادي المنفلت وهو مفتاح حل للعديد من المشاكل المصيرية خاصة وأن علاجة ممكن وبسيط من خلال التحكم في عوامل مثل وتيرة وحجم الانفاق الحكومي وحماية الاقتصاد المحلي من خلال برامج استثمار خارجية مجدية تخضع للرقابة والشفافية
2. مسألة الخلل السكاني (وهي أحد النتائج السلبية للنمو الاقتصادي المنفلت): ويعتبر هذا الخلل السكاني أكبر تهديد يواجة مستقبل البلاد، لقد كان من المتوقع أن يطلب من الجهات المختصة وضع خطة بمعايير كمية محددة بزمن لعلاج الخلل السكاني
3. قطاع البترول: تقديم خطة لمعالجة معدل النضوب للنفط والغاز وخلق بدائل للتنمية الايرادات
4. البيئة الطبيعية: خفض انبعاث الغازات الضارة بنسب محددة مسبقا ووضع نظام صارم لمراقبة ذلك
5. علاج الانفلات في الاستثمار العقاري المدمر للاقتصاد والبيئة والمجتمع بما فية تفاقم الخلل السكاني
6. طلب صياغة وتثبيت خطة عمرانية مرتبطة بالتنمية الرشيدة، اذ انه بات من الواضح بأن التغير المستمر الحادث في الخطة العمرانية لم يعد مرتبطا الى حد كبير بخدمة المواطنين, وبه هدر شديد للموارد.

لايوجد في الاستراتيجية الا وصف لبعض هذه المشاكل دون الطلب من أي جهة علاجها. وعلى أية حال فإن الرؤية لم تتناول هذه القضايا المصيرية، لذا فمن الطبيعي بأن لاتأخذ هذه القضايا ماتستحقة من اهتمام في الاستراتيجية، وقد يكون هناك سببان رئيسيان لعدم التطرق لعلاج هذه المشاكل، الأول هو فني- منهجي حيث ان ماحدث عند اعداد الاستراتيجية الى حد كبير هو تجيمع مهمات المؤسسات والوزرات والهيئات المشاركة في اعداد الاستراتيجية ومشروعاتها الحالية ومن ثم بناء منطق حولها لتشّكل بعد ذلك جزء من "الاستراتيجية الوطنية". والسبب الثاني هو غير فني كون هذه التحديات هي نتاج لنمط التنمية المستمر منذ السبعينات، والتي لايمكن علاجها ضمن البيئة العامة التي سنتطرق اليها في الجزء التالي.

ثانيا:البيئة العامة التي أعدت فيه الاستراتيجية:

قبل البدء في التعرف على التفاصيل والآثار المحتملة لتطبيق الاستراتيجية فإنة من المفيد التعرف على بعض جوانب البيئة التي تم إعداد الاستراتيجية فيها، حيث ساهمت هذه البيئة في صياغة العديد من المخرجات المهمة في هذه الوثيقة، وهي كالتالي:

1- بعد الانتهاء من اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى – تدني شديد في درجة المرونة.

• جاء اعداد الاستراتيجية بعد أن تم إتخاذ وتفعيل الكثير من القرارات الاستراتيجية الكبرى المؤثرة في مستقبل البلاد على مدى عقود قادمة. فقد تم على مدى سنوات توسع هائل في حجم الاقتصاد بشكل لايتناسب مع حجم ومتطلبات المواطنين أو التنمية الرشيده (ويشّبة تطور حجم الاقتصاد القطري ببناء وحش شره يلتهم بشكل مستمر ايرادات متناقصة حتما)، هذه العملية مستمرة منذ السبعينات حيث قفز حجم الناتج المحلي الاجمالي من متوسط 20 مليار ريال حتى منتصف التسعينات الى 486 مليار في عام 2010، أي انه تضاعف أكثر من 24 مرة، هذه المعدلات من النمو الاقتصادي غير صحية وهي سبب رئيس لكثير من الاختناقات في سلسلة الامدادات والتضخم الذي عانى منه الاقتصاد كما انه السبب الرئيس الذي يهدد وجود المجمتع والاقتصاد القطري وله نتائج كارثية ظاهرة للعيان في الوقت الراهن ستزداد سوء في المستقبل ان لم يتم علاج ذلك بشكل سريع وحاسم.

• يلاحظ بأنه حتى في مرحلة التحضير والإعداد للاستراتيجية لم يتم تجميد اتخاذ القرارات الكبرى حتى الانتهاء من الاعداد، وهو الأمر المنطقي، بل على العكس من ذلك جرى المضي بسرعة متواترة في اعتماد المشروعات الاستراتيجية الكبرى حتى في المراحل النهائية لاعداد الاستراتيجية التنموية ( أمثلة على ذلك حملة الفوز بكأس العالم 2022 ، السكك الحديدية، القطار السريع، المناطق الاقتصادية الحره). جميع هذه المشروعات الاستراتيجية ستؤدي حتما الى صياغة واقع جديد لم تأخذه الاستراتيجية في الاعتبار، واقع يتصف بمزيد من الاختلالات والتحديات للمجتمع والاقتصاد القطري.

• تم الانتهاء من اتخاذ القرارت الكبري في مجال الاستثمار في تعظيم انتاج البترول (المعني النفط والغاز)، بحيث يصبح التراجع صعب جدا من الناحية التعاقدية والاقتصادية وهو أمر أشارت اليه الاستراتيجية ص 65– ولكن حتى في ظل الاستنتاجات كان يمكن للاستراتيجية دراسة الخيارات المتاحة للتعامل مع هذا الواقع، على سبيل المثال كيفية التعامل الحكيم مع الايرادات المالية المتحصلة نتيجة هذه الاستثمارات. حري بالذكر بأن قطاع البترول والصناعة المرتبطة به قد شهد توسعا كبيرا في السنوات الماضية بما فيها تطوير وأعادة تأهيل حقول النفط وجميع ذلك انجازات تحسب لهذا القطاع الحيوي ولكن يظل القطاع بحاجة الى توجيه على المستوى الوطني ليعمل بشكل متناغم مع استراتيجية تنمية وطنية رشيده، حيث لايمكن لهذا التوجية أن يأتي من القطاع نفسه الذي أوكلت له مهمة ادارة القطاع بشكل فني واقتصادي بحت، وهو يقوم بذلك.

• تفاقم الخلل السكاني نتيجة للسياسات الاقتصادية المتبعه.

• استفحال المخاطر والاثار السلبية على البيئة الطبيعية.

• تدني في مرونة اتخاذ القرار نتيجة الدخول في اتفاقيات وألتزامات دولية عسكرية وغير عسكرية.

• تعاظم أثر الموظفون الأجانب في مفاصل اتخاذ القرارات المصيرية وفي مستويات ادارية عليا وحساسة الأمر الذي يؤثر في جميع ماحدث وما سيحدث، بما فيها صياغة الاستراتيجيات التنموية.

2- البيئة الإعلامية

هناك بيئة إعلامية - احتفالية متعاظمة تؤدي الى خلق الكثير من الارباك والالتباس والخلط بين ماهو انجاز فعلي وبين ماهو ضار، لقد أصبح المشروع المفترض بأن يكون عمل علمي جاد كاعداد استراتيجية تنمية وطنية, مشروع علاقات عامة في كثير من جوانبه، هذا النشاط الاعلامي والاعلاني المتعاظم، الذي اصبح في قطر صناعة قائمة بذاتها وعمل تجاري يتم تمويلة من خلال الميزانية العامة وتقوم به شركات خاصة قد غدا مصدر توظيف لكثير من الأجانب ولم يساعد على اتاحة الفرصة لعرض وتحليل الاستراتيجية بشكل نقدي، بل تعامل معها كأي مشروع علاقات عامة مثلها مثل الترويج لاستضافة كاس العالم على سبيل المثال. أضف الى ذلك عوامل مثل تعاظم عدد ودور المستشارين والموظفين الاجانب الباحثين عن عمل واستغلالهم لهذه لبيئة الادارية السائده، وانتشار وترسخ قناعات بأفضلية كل ماهو أجنبي على كل ماهو محلي وعربي بما فيها اللغه. وبناء علية فقد جاء عدد مهم من مخرجات الاستراتيجية نتيجة لهذه البيئة الملتبسة.

ثالثا: أمور تحسب للاستراتيجي

تتلخص هذه ألأمور فيما يلي:

• تسليط الضوء على أهمية التخطيط الاستراتيجي على المستوى الوطني والتوعية حوله، اضافة الى التفكير واستشراف المستقبل.
• اقتراح أمور تنظيمية، مثال على ذلك ضرورة التفريق بين الناظم والمشغل.
• التحذير من الاعتماد على مورد ناضب.
• الحديث عن الموضوعات الاساسية التي تمس عملية التنمية وتسليط الضوء عليها وهذا شيئ جيد بحد ذاته، مثال خطورة الوضع المائي وأهمية تطوير التشريعات الخاصة به.

رابعا: أوجه قصور أساسية في استراتيجية التنمية الوطنية - أمثله

من المهم ملاحظة خطأ جوهري وهو أن الوثيقة تضمنت استراتيجيتان متناقضتان، الأولى تدعو الى بناء اقتصاد المعرفه والثانية تدعو الى التنويع الاقتصادي "المادي" وهو أمر تجدر الاشارة اليه ولكن لن تسمح لنا مساحة هذه الورقة للتطرق الى مثل هذه التفاصيل، يكفي الإشارة هنا بأن تبنى استراتيجيات متناقضة يقود الى هدر في الموارد واحتمالات فشل أكبر عند التنفيذ. 

- لو تناولنا استراتيجية بناء اقتصاد المعرفة (ذكرت عشرات المرات في الوثيقة): أي أن تصبح قطر كاليابان مثلا، مصّدرة للمعرفة وللمنتجات والخدمات القائمة على كثافة المعرفة نلاحظ التالي:
 يبدو بأن المعرفة المستهدفة هي في جميع المجالات: دون تحديد تخصص معين (فقد تكون المعرفة المستهدفة في الطاقة الذرية وقد تكون في تطوير اشارات المرور او في تحسين محركات السيارات)، هذه بالطبع أهدافاً غير واقعية وتقود الى الاستنتاج بأن منهجية التخطيط الاستراتيجي التي تحدثنا عنها أعلاه لم يتم مراعاتها. إن اعتماد استراتيجيات من هذا النوع يؤدى حتما الى تشتيت الجهود وهدر في الموارد.
 يبدو كذلك بأن هدف بناء اقتصاد المعرفة هذا سيكون مبرراً لاستيراد عدد هائل من الموظفين الاجانب ذوي التكلفة العالية وغالبا من الغرب خاصة في مجالات البحوث الغير معروف مردودها مع عدم القدرة على قياس الاداء في هذا المجال، اي ان الموضوع سائل جدا ويمكن ان يصبح مصدرا للهدر دون سقف ودون معرفة ماهو المطلوب، أضف الى ذلك بأنه لايراعي محدودية عدد سكان قطر ولايتناسب مع احتياجاتها (عليه فهو أيضا غير واقعي وبالتالي ينافي منهجيا أحدى شروط التخطيط الاستراتيجي السليم).

- لم يرد في الوثيقة ذكر للتنمية السياسية، وعليه فقد فجاءت الاستراتيجية كأنها موجهة لشركة تجاريه

- الوثيقة مليئة باهداف كمية لعناصر ليست ذات اولوية (تخفيض عدد النساء الغير متزوجات بنسبة 15%)، ومرور عابر وغير محدد بأهداف كمية لعناصر أساسية مثل معدل استنفاذ المخزون من البترول أو المياه.

- ناقشت باسهاب وعمق مشاكل فرعية ومرت بشكل عابر على الأسباب الفعلية لمشاكل اساسية وحيوية مثل التخطيط العمراني أو التدهور البيئي أو النمو الغير منضبط.

- في معظم الانشطة والقطاعات التي تم تناولها هناك تركيز شديد على النقص في المعرفة لدى المواطنين وضرورة "بناء القدرات" لدى القطريين للقيام بجميع هذه الأعمال! وكل هدف محدد ذكر (وهي بالمئات) سيتطلب تنفيذه استيراد موظفون في الغالب من الغرب – أي مفاقمة الخلل السكاني واستنزاف الموارد، نلاحظ أيضا بأنه في العديد من اجزاء الاستراتيجية هناك تركيز شديد على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها – وليس بالضرورة أن تكون هذه الكفاءات قطرية.

- متابعة الأداء: لم تتطرق الوثيقة الى الآلية التي سيتم من خلالها متابعة الاداء وما هو مدى استقلالية هذه الجهة عن الحكومة. الانطباع هنا هو ان تقوم الامانة العامة للتخطيط التنموي أو أمانة مجلس الوزراء بالمتابعة، وهما جهتان لايتمتعان بالاستقلالية اللازمة لمتابعة اداء الحكومة.

خامسا: استنتاجات

1. تم صياغة وإعتماد الاستراتيجية في بيئة احتفالية بعد الانتهاء من اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى – فهي بالتالي الى حد كبير تحصيل حاصل.

2. يفترض ان تخدم الاستراتيجية رؤية متفق عليها ومحددة بمعايير كمية وزمنية وهذا غير متوفر هنا، وعليه فهي تعاني من قصور منهجي.

3. لم يتم مراعاة سليمة لمنهج التخطيط الاستراتيجي القائم على دراسة الواقع والبيئة المحيطة، فجاء عديد من الأهداف المتضمنة في الاستراتيجية غير واقعي قياسا الى حاجة المواطن القطري.

4. ألقت الاستراتيجية الضوء على قضايا مهمة وطرحت بعض الحلول لمشاكل خاصة على المستوى التنظيمي للجهاز الحكومي، ولكنها أغفلت طرح وعلاج جاد للقضايا المصيرية التي تواجة الاقتصاد والمجتمع القطري. 

 

المصدر: موقع الدكتور علي خليفه الكواري.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة