You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>من نحن>المشاركون في لقاءات وأنشطة المشروع

حسن السيد: الدور التشريعي لشعوب مجلس التعاون

الخميس، 04 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 5844 مرة

 

حسن السيد

 

استهلال وتقسيم

يعد سن التشريعات من الموضوعات المهمة التي يتناولها القانون الدستوري، إذ نجد في أغلب الكتب العامة في هذا العلم مباحث متعلقة بأساليب وضع الدستور، وأخرى تتعلق بإجراءات تعديل مواده، كما تتناول هذه الكتب مراحل سن القانون المختلفة كالاقتراح والمناقشة والتصديق والاصدار وغيرها، وقد يشار فيها كذلك إلى اللوائح وأنواعها. وللتشريع؛ وهو مصطلح عام يشمل كل من الدستور والقانون واللائحة؛ أهمية بالغة، إذ يعد المرجع الإلزامي الأساسي الذي تستند إليه الدولة والسلطات والأشخاص الطبيعية والمعنوية في ممارسة اختصاصاتهم وأنشطتهم والتمتع بحقوقهم وتنظيم علاقاتهم. وهو علاوة على كونه وسيلة تنظيم فإنه سلطة إكراه وإلزام، يُخشى أن يُنحرف بها عن غايتها إن كان من يملكها فرداً.

وبسبب هذه الأهمية اخترته كموضوع للعرض في هذا اللقاء المبارك، وغايتي من هذه الورقة بيان مدى مشاركة شعوب أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية (دول مجلس التعاون) في سن تشريعات بلادها ووضع قوانينها، ولكي أصل إلى هذه الغاية سوف أقسم هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث وخاتمة:

- المبحث التمهيدي: التشريع، مفهومه، أنواعه، وأهميته.
- المبحث الأول: سلطة التشريع ومبدأ الشعب مصدر السلطات.
- المبحث الثاني: دور شعوب المنطقة في سن تشريعات بلادها.
أولاً: دورهم في اعداد الدستور وتعديل مواده.
ثانياً: دورهم في سن القانون.
ثالثاً: دورهم في وضع اللائحة.
- الخاتمة.

المبحث التمهيدي: مفهوم التشريع، أنواعه، وأهميته

سنتناول في هذا المبحث على التوالي مفهوم التشريع وأنواعه، ثم أهميته.

المطلب الأول: مفهوم التشريع وأنواعه:

العلاقات الإنسانية في أي مجتمع من المجتمعات تخضع لطوائف ومجموعات كبيرة من القوانين والأنظمة والأعراف والآداب. وإذا ما قمنا بتحليل أيٍ من هذه العناصر نجدها في العموم عبارة عن قواعد عامة مجردة، أي أنها لا تحكم ظرفاً أو حالة معينة بالذات وتنتهي، بل تبقى لتطبق على حالات مماثلة كلما توافرت شروط وظروف تطبيقها. وهذه القواعد قد تكون ملزمة فيقابل منتهِكها بجزاءٍ، فنطلق عليها قواعد قانونية، وقد لا يقابل من يخالف هذه القواعد إلا باستهجان أو امتعاض من قبل بعض أفراد المجتمع دون محاكمة وجزاء أو إلزام، فتصنف ضمن القواعد الأخلاقية.

والقاعدة القانونية قد يكون مصدرها العرف، فتنشأ من خلال اتباع أفراد المجتمع سلوكاً أو تصرفاً معيناً في معالجة ظرفٍ ما أو حادثةٍ ما، دون أن تكون هناك قواعد مكتوبة تنظم الأمر. ومع تكرار اتباع مثل هذا التصرف أو السلوك في الظروف والحوادث المماثلة، يستقر في ضمير الجماعة ضرورة الالتزام به واحترام اتباعه، فيصبح قاعدة قانونية ملزمة. كما قد يكون التشريع هو مصدر القاعدة القانونية بحيث توضع من قبل سلطات رسمية، كالسلطة التأسيسية أو السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، وباتباع اجراءات معينة عبر مراحل محددة من مناقشة وإقرار وتصديق وإصدار ونشر في الجريدة الرسمية.

فالتشريع إذاً هو مجموعة من القواعد القانونية العامة والمجردة والملزمة التي تصدر عن السلطة الرسمية لتنظم سلوك الإنسان في المجتمع.

والتشريعات في أغلب دول العالم تقسم إلى ثلاث أنواع هي: الدستور وهو التشريع الأساسي، والقانون وهو التشريع العادي، واللائحة وهي التشريع الفرعي. وجميع هذه الأنواع هي قواعد قانونية عامة ومجردة وملزمة، إلا أنها تختلف فيما بينها من حيث السلطة الرسمية التي تصدرها، والإجراءات المتبعة لإصدارها أو تعديل موادها، وكذلك من حيث قوة إلزامها.

فالدستور،وهو في الغالب وثيقة مقننة مكتوبة تصدر عن السلطة التأسيسية، وتضم أهم المبادئ التي ارتضتها دولة ما، والمتعلقة بنظام الحكم فيها، والسلطات العامة وحدودها، والفلسفة الاجتماعية والاقتصادية التي تتبناها، والحقوق والحريات المكفولة لمواطنيها والمقيمين على أرضها. ومن أجل أهمية تلك المواد والقواعد، كان الدستور هو التشريع الأعلى من حيث قوة الإلزام، وكانت التشريعات الأخرى كالقوانين واللوائح في مرتبة أدنى، تقتضي عدم مخالفة موادها للدستور وإلا وصمت بعدم الدستورية وجاز إبطالها، أو عدم تطبيقها.
أما القانون فهو تشريع يصدر عن البرلمان، ويأتي في إطار الدستور ودون الخروج عن مبادئه كي ينظم جميع مجالات الحياة في المجتمع. فنطاق القانون في الأصل نطاق واسع، شامل وغير مقيد إلا بما أخرجه الدستور صراحة منه.
وأما اللائحة فهي تشريع يصدر عن السلطة التنفيذية؛ وقد تأتي لكي تضع القواعد الإجرائية والتفصيلية لتنفيذ قانون معين فتسمى باللائحة التنفيذية أو لكي تنظم مرافق الدولة وأجهزتها فتسمى باللائحة التنظيمية، أو لتحافظ على النظام العام فتسمى بلائحة الضبط. كما تجيز الدساتير، استثناءً، للسلطة التنفيذية وفي ظروف معينة ومحدده تنظيم مسائل ينبغي أن تنظم بقانون كأصل عام، فتسمى باللوائح التفويضية ولوائح الضرورة. واللائحة تأتي في منزلة أدنى من القانون، فلا تخالف أحكامه، وإلا طُعن فيها بعدم المشروعية.

المطلب الثاني: أهمية التشريع:

تكمن أهمية التشريع في أمرين أولهما الحاجة إليه، والآخر في إلزاميته. فأما بشأن الأمر الأول وهو الحاجة إليه فيستند إلى حقيقة اجتماعية مسلم بها، هي أن الانسان لا يمكنه الحياة والعيش منفرداً ومعتزلاً الجماعة، فهو كائن اجتماعي بفطرته يحيى ويؤدي دوره في المجتمع. ووجود المجتمع يقتضي حتماً وجود علاقات عديدة بين أفراده، وهي علاقات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تترك للفوضى دون نظام أو تترك لكل فرد ينظمها وفقاً لهواه ومطامعه، فمن هنا جاءت أهمية القواعد القانونية لتسد حاجة المجتمع إلى الاستقرار والنظام. وهذا الاستقرار والنظام لا يمكن أن يتحقق لو كانت القواعد القانونية غير عادلة وتحقق مصلحة فرد أو فئة قليلة من أفراده دون مصلحة المجتمع. واستناداً لما سبق فإن الدولة كمجتمع كبير وبعناصرها المتعددة، من مؤسسات وأجهزة وسلطات وأفراد، بحاجة إلى تشريع كي يتحقق النظام والعدالة بها، فلا يمكنها دونه أن تستقر، وتزدهر.

 أما الأمر الآخر في أهمية التشريع فيعود إلى إلزاميته، ذلك أن حاجة المجتمع، للاستقرار والنظام والعدالة، لا يمكن أن تُشبع لو لم تكن القواعد التي يستند إليها لتحقيق هذه الحاجة ملزمة. وهذه الإلزامية تمنح الفرد الثقة في التمسك بالتشريع لرد الظلم أو المطالبة بحق، وهي التي تجعل الفرد يخضع له أو يسلم بالجزاء المترتب على مخالفة أحكامه. والإلزامية تقتضي بلا ريب المساواة، بمعنى خضوع الجميع للتشريع دون تمييز بين فئة وأخرى أو طائفة وأخرى، وأن يرتضي هؤلاء جميعاً به في ممارسة وظائفهم وإنشاء علاقاتهم والتمتع بحقوقهم والفصل في منازعاتهم عند الاختلاف بينهم. فهذه الإلزامية المقررة للتشريع في غاية الأهمية لتحقيق مبدأ سيادة القانون وخضوع الجميع لقواعد قانونية عامة تعبر عن حاجة المجتمع. كما أن هذه الإلزامية تكون في غاية الخطورة على المجتمع إن كان التشريع لا يحقق مصلحة العامة ولا يستند إلى مبدأ المساواة.

 وللدلالة على أهمية التشريع يمكننا ضرب أمثلة للموضوعات التي تعالجها والتي وردت في دساتير بعض دول مجلس التعاون.
فالتشريع في هذه الدول على سبيل المثال يحدد وينظم:
- جنسية الدولة وتحديد المواطنين وتصنيفهم، وشروط اسقاط الجنسية عنهم أو ردها لهم.
- ممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم المكفولة دستورياً لهم، لا سيما حرية الرأي والتعبير والصحافة والاجتماع وتكوين الجمعيات والترشيح والانتخاب.
- الحالات التي تجيز القبض على انسان أو حبسه أو تحديد إقامته أو تفتيشه أو انتهاك حريته الشخصية.
- الحالات التي تجيز انتهاك حرمة خصوصية الإنسان.
- تجريم سلوكيات الإنسان وتصرفاته ومعاقبته عليها.
- مصادرة أموال الناس وممتلكاتهم أو نزعها منهم أو الاستيلاء عليها.
- فرض الضرائب والإعفاء منها أو تعديلها أو الغائها.
- عقد القروض العامة.
- اصدار الموازنة العامة.
- منح الاحتكار ومنح الامتياز باستثمار مورد من موارد الثروات الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة.
- تحديد أملاك الدولة وحفظها وإدارتها وشروط التصرف أو التنازل عنها.
- حالات سريان قانون الطوارئ، أو إعلان الأحكام العرفية.
- علاقة الدولة بالدول الاخرى واتفاقياتها ومعاهداتها المختلفة لا سيما المعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة وثرواتها الطبيعية وحقوق السيادة وتلك التي تحمّل الخزانة العامة نفقات غير واردة في الموازنة العامة.

وتظهر الأمثلة السابقة أهمية التشريع وخطورته في الوقت ذاته. أهميته إن كان يحقق حاجة المجتمع في الاستقرار والنظام والعدالة، وخطورته إن كان قد وضع ليحقق مصلحة فرد واحد أو فئة قليلة من الأفراد أو يميز بين أفراد المجتمع.

المبحث الأول: سلطة التشريع، ومبدأ الشعب مصدر السلطات

تطور مفهوم الدولة عبر الزمان، فبعد أن كان لقرون طويلة مجرد منظمة سياسية تختلط شخصيتها بشخصية الحاكم أو الزعيم وتعد جزء من حقوقه وامتيازاته، وتستقر له أو لورثته كلما اسندته القوة أو الظروف، أصبحت بفعل تطور الفكر السياسي وبسبب عوامل وظروف تاريخية متعددة منظمة قانونية كذلك.

فالشخصية القانونية هي الخاصية المميزة للدولة بمفهومها المعاصر حيث لا يتصور وجود دولة دون أن يكون لها شخصية معنوية تظهرها ككيان مستقل عن الافراد المكونين لها. وكأي شخص معنوي يختلف عن الأشخاص الطبيعية، فإن الدولة لا تستطيع بذاتها أن تباشر حقوقها والتزاماتها القانونية، بل لا بد من وجود اشخاص طبيعيين يملكون التعبير عن ارادتها وتمثيلها.
وهؤلاء الأشخاص الطبيعيون إن كانوا قد أتوا إلى مناصبهم عن طريق القوة والغلبة أو بسبب الوراثة أو التعيين، أو الظروف، دون أن يكون للشعب دور في اختيارهم أو تغييرهم وفقاً لنظام محدد، فإن شخصية الدولة القانونية سوف تضمحل وتعود إلى سابق عهدها منظمة سياسية تختلط شخصيتها بشخصية الحاكم.

ولضمان استمرار شخصية الدولة القانونية واستقلالها عن شخصية الأفراد المكونين لها، لا بد أن يأتي رجال السلطات العامة في الدولة عن طريق الشعب. فالشعب هو مصدر السلطات وهو المرجع الحقيقي في اختيار أعضاء كل سلطة عامة. فهذا المبدأ يكفل حق الشعب في اختيار أعضاء السلطات، ويضمن في الوقت ذاته العودة إلى الشعب بين حين وآخر ليختار ممثليه، مما يضمن الرقابة الشعبية بعدم التجديد لمن عجز عن أداء دوره كما كان يأمل الشعب، ويضمن من جانب آخر، أن يتماشى اختيار الأعضاء مع فكر الشعب الذي يتجدد بمرور الزمن وعبر الأجيال. ولكي يأتي هذا الأمر أُكله لا بد أن يحيط بالعملية الانتخابية كل العوامل والوسائل التي تضمن نزاهتها.

وفي السياق ذاته، ولكي نضمن استمرار وجود الشخصية القانونية للدولة فإن الشعب يجب أن يكون مصدر سلطات التشريع كذلك. وسلطات التشريع ثلاث هي: السلطة التأسيسية التي تضع الدستور، والسلطة التشريعية التي تضع القوانين العادية، والسلطة التنفيذية التي تضع اللوائح.

فامتلاك الشعب للسلطة التأسيسية المختصة بوضع الدستور يدعم مبدأ الشعب مصدر السلطات، وذلك لاشتمال الدستور على قواعد تبين السلطات العامة في الدولة وتحدد اختصاصاتها ومهامها والحدود التي يجب أن تقف عندها. فبوضع الشعب لدستور بلاده يفعّل مبدأ الشعب مصدر السلطات ليس بسبب اختصاصه باختيار رجال السلطات العامة فحسب، بل لكونه من رسم معالم كل سلطة وحدودها أيضاً.

وبانتخاب الشعب لأعضاء البرلمان أو المجلس التشريعي المقرر له سن القوانين العادية يكون قد ملك هذا الاختصاص بطريق غير مباشر لكونه، أولاً:من وضع الدستور الذي حدد معالم كل سلطة ومنها السلطة التشريعية المتمثلة في البرلمان، ولكونه، ثانياً:من انتخب ممثليه في البرلمان.

وبانتخاب الشعب لرئيس الدولة والحكومة بشكل مباشر أو غير مباشر يكون قد ملك سلطة وضع اللوائح، وذلك لكونه،من وضع الدستور الذي حدد معالم وحدودالسلطة التنفيذية، ثم لكونهمن اختار رجال هذه السلطة، ثم لتقييد اللائحة بأحكام القانون وهو تشريع كما سبق أن ذكرنا يأتي في مرتبة أعلى منها، ويضعه برلمان منتخب من قبل الشعب.

وهنا لابد من التأكيد على أهمية ايجاد آليات تضمن التدرج التشريعي بينأنواع التشريع الثلاثة، أهمها الرقابة القضائية المتمثلة في القضاء الدستوري والقضاء الإداري. فالأول ينظر في مدى دستورية القوانين واللوائح وعدم مخالفتها لأحكام الدستور. والثاني ينظر في الطعون المرفوعة إليه بشأن عدم مشروعية اللوائح ومخالفتها للقانون.

فالتدرج التشريعي يساهم،أولاً،في الاحتفاظ بإرادة الشعب الأولى التي ترجمها في الوثيقة الدستورية وتقيد بها ممثلي الأمة في البرلمان عند وضعهم القوانين العادية. كما يساهم، ثانياً، في الاحتفاظ بإرادة الشعب التي ترجمها في الدستور والقوانين العادية وتقيد بها رجال السلطة التنفيذية عند وضعهم اللوائح. علاوة علىأن وجود تلك المؤسسات القضائية يحقق،في حالة انتهاك الدستورية أو المشروعية، إعادة الوضع إلى ما كان عليه لينسجم ثانية مع إرادة الشعب.

المبحث الثاني: دور شعوب المنطقة في سن التشريعات

سوف نرى في هذا المبحث دور شعوب دول مجلس التعاون بشأن التشريعات الثلاثة: الدستور، والقانون، واللائحة، وذلك في مطالب ثلاثة على التوالي.

ا لمطلب الأول: وضع الدستور وتعديل مواده:

قبل التطرق لدور هذه الشعوب في وضع الدستور أو تعديل مواده، نجد من الفائدة أن نذكر بإيجاز أساليب وضع الدساتير عموماً، فالدراسة المقارنة تمدنا بأربعة أساليب لوضع الدساتير تتدرج من الأسلوب الاستبدادي المتمثل في المنحة إلى المشاركة بين الشعب والحاكم في أسلوب العقد. ثم الأساليب الديمقراطية المتمثلة في الجمعية التأسيسية والاستفتاء الدستوري. فالمنحة أسلوب ينفرد فيه الحاكم بوضع الدستور دون مشاركة من الشعب. أما العقد فهو أسلوب يتمثل عادة في قيام مجلس منتخب بوضع مشروع الدستور ثم يعرض على الحاكم لأخذ رأيه فيه ولا يصبح الدستور نافذاً إلا باجتماع إرادة كل من الحاكم والمجلس المنتخب. أما أسلوب الجمعية التأسيسية ففيهيصبح الدستور نافذاً بمجرد اعتماده من المجلس المنتخب المكلف بوضعه، دون حاجة إلى موافقة الحاكم أو الشعب عليه. وأخيراً أسلوب الاستفتاء الدستوري ويتمثل في قيام لجنة منتخبة بوضع مشروع الدستور ولا يصبح هذا نافذاً إلا بعد موافقة كل الشعب في استفتاء عام.

وبتطبيق ما سبق على دول مجلس التعاون نجد ابتداءً أن جميع هذه الدول تمتلك وثائق دستورية يطلق على بعضها صراحة مسمى الدستور، كما هو شأن الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات، ويطلق على بعضها مسمى النظام الأساسي للحكم أو للدولة كما هو شأن السعودية وعمان. فكيف وضعت هذه الوثائق؟ وما دور الشعب في وضعها؟ وما هو دوره في تعديلها؟ هذا ما سنتناوله فيما يأتي.

الدولة

مسمى الدستور

تاريخ الإصدار

عدد مواد الدستور

اسلوب وضع الدستور

الكويت

دستور

11/11/1962

183

عقد

البحرين

دستور

14/2/2002

125

منحة (لجنة معينة اعتمدت على الميثاق الوطني الذي أستفتي فيه الشعب)

قطر

الدستور الدائم

صدر: 8/6/2004

عمل به: 9/6/2005

150

لجنة معينة وضعت مشروعه، استفتاء.

الإمارات

دستور

وقع: 18/7/1971

152

دستور اتحادي لم يشترك الشعب في وضعه، اعتمد من حكام الامارات

عمان

النظام الأساسي للدولة

6/11/1996، بمرسوم سلطاني رقم 10/96

81

منحة

السعودية

النظام الأساسي للحكم

27/شعبان/1413

أمر ملكي رقم: أ/90

83

منحة



أولاً: وضع الدستور:

سوف نتناول دساتير دول مجلس التعاون لنرى مدى مشاركة الشعب في وضعها. ففي الكويت وضع الدستور على إثر دعوة أميرها الأسبق عبدالله السالم إلى إجراء انتخابات المجلس التأسيسي المكلف، إضافة إلى مهامه، بوضع الدستور. وكان هذا المجلس يضم عشرين عضواً منتخباً إضافة إلى الوزراء الأعضاء فيه بحكم مناصبهم، وعندما أعد مشروع الدستور تمت مناقشته ومناقشة المذكرة التفسيرية له، وأقر كل منهما ورفع للأمير الذي صدق عليهما. فإقرار الدستور من المجلس المنتخب، وتصديق الأمير عليه حقق نوعاً من المشاركة بين الشعب والأمير، واعتبر عند الكثير من الفقهاء من الدساتير التي توضع بأسلوب العقد.

أما في قطر فقد وضع مشروع الدستور من قبل لجنة معينة صدر بتشكيلها قرار أميري رقم (11) لسنة 1999، فأنجزت عملها في ثلاث سنوات، ثم أصدر الأمير في يوم 15/4/2003 مرسوماً يدعو فيه المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور. وقد تم الاستفتاء في اليوم المحدد له فعلاً ووافقت عليه الغالبية العظمى ممن شارك في التصويت وبنسبة % 96, 64. ونرى، بالرغم من اتباع أسلوب الاستفتاء لإقرار مشروع الدستور، أن الدستور القطري لم يوضع بأسلوب ديمقراطي وذلك لما يأتي:

1- أن اللجنة التي وضعت مشروع الدستور كانت لجنة معينة بالكامل من قبل الأمير.
2- أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأعضاء المعينين هم من الوزراء أو من رجال السلطة التنفيذية، ولم يضم إليها على سبيل المثال أعضاء يمثلون المجتمع المدني.
3- إن عملية الاستفتاء على مشروع الدستور قد سبقتها حملات ترويجية تتمثل في ندوات وبرامج وتحقيقات صحفية ومقابلات إعلامية تصب جميعها في صالح التصويت بنعم لهذا المشروع، دون أن يتسنى للشعب المعرفة الموضوعية لمواده وما تضمه من إيجابيات وسلبيات.

ولا شك بأن الأمور السابقة تضعف من قيمة الاستفتاء الذي يقتصر في الغالب على التصويت إما بنعم أو بـ لا.

أما في البحرين فقد كان دستورها لسنة 1973، يماثل إلى درجة كبيرة دستور الكويت لا سيما بشأن المواد المتعلقة بالمجلس الوطني المنتخب ذو الصلاحيات البرلمانية المتمثلة بسن القوانين والرقابة السياسية والوظيفة المالية. إلا أن هذا المجلس قد حل في عام 1975، وتم تعطيل العمل بالنصوص المتعلقة به، إلى بداية القرن الحالي. وفي 22 نوفمبر 2000 تم تشكيل لجنة وطنية عليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني التيأنجزت عملها خلال شهر ورفعت مشروع الميثاق إلى الأمير (الملك)، وقام هذا الأخير بدعوة الشعب للاستفتاء عليه، فنال تأييد 98.4 % من عدد المشاركين في التصويت. وبعد الاستفتاء تم تشكيل لجنة لتعديل بعض أحكام دستور 1973 بما ينسجم مع ميثاق العمل الوطني. وعندما أنجزت هذه اللجنة عملها صدق الأمير (الملك) على هذه التعديلات فأصبحت نافذة.

ونرى بأن دستور البحرين بشكله الجديد وضع بأسلوب المنحة. فالتعديلات التي أجريت تمت من خلال لجنة معينة من قبل الملك، ثم صدق عليها الملك. أما ما قيل بأن التعديلات استندت إلى ميثاق العمل الوطنيالذي استفتي عليه من قبل الشعب، فلا يغير من حقيقة الأمر شيئاً. وذلك لأن الميثاق لم يأت إلابالخطوط العريضة للمسائل الجوهرية، بينما ما وضعته اللجنة المشكلة لتعديل الدستور من تفاصيل لا سيما تلك المتعلقة باختصاصات المجلس الوطني وكل من مجلسي النواب والشورى، وصلاحيات الملك وعلاقته بهما وتقليص دور المجلس الوطني واضعافه مقارنة بدستور 1973 لم تكن مدرجة في الميثاق ولم يكن الشعب الذي أخذ رأيه به قد اطلع عليها أو عرفها.

أما دساتير كل من الإماراتوعمان والسعودية، فقد وضعت بمراسيم ملكية أو سلطانية أو اعتمدت من الحكام دون أن يكون لشعوبها دور في إعدادها أو في اقرارها، مما يجعلها دساتير منحة.
مما سبق نرى أنه فيما عدا الكويت لم يكن للشعب في دول مجلس التعاون الأخرى دور في وضع دساتير بلادها.

ثانياً: تعديل مواد الدستور:

تحتوي أغلب الدساتير على مواد تبين إجراءات تعديلها، وذلك إيماناً من واضعيها بحق الأجيال اللاحقة في تعديل دساتير بلادها بما يناسب تطور ونضج الفكر السياسي والاجتماعي في الزمن الذي يوجدون فيه. ولما كان بعض الدساتير تتبع إجراءات للتعديل مختلفة عن تلك التي اتبعت عند وضعها ابتداءً، فإن تغطية هذا الجانب من الورقة يحتم النظر في هذه الاجراءات لمعرفة دور الشعب بشأنها.

وبالاطلاع على دساتير دول مجلس التعاون، يمكننا تصنيف إجراءات تعديل دساتيرها إلى ثلاثة أنواع:

أ‌) النوع الأول من إجراءات تعديل الدستور تتم بموافقة كل من المجلس المنتخب والحاكم. وهذا النوع تبنته دساتير كل من الكويت والبحرين وقطر، إذ يشترط أن يقترح التعديل من قبل ثلث أعضاء المجلس التشريعي، أو من الحاكم، ثم موافقة المجلس على التعديل من حيث المبدأ، فإن تمت فلا يقر إلا بموافقة ثلثي أعضاء المجلس. ولا يقتصر الأمر على إقرار المجلس للتعديل بل يشترط تصديق الحاكم عليه كذلك. وتجدر الملاحظة بأن تصديق الحكام على التعديل هو تصديق كامل وليس مجرد اعتراض توقيفي يمكن التغلب عليه. مما يجعل التعديل مستحيلاً إلا بتوافق الطرفان، لذا نرى بأن يعرض الأمر على الشعب في حال رفض الحاكم التصديق، فإن أقره الشعب أعتبر مصدقاً عليه.

ب‌) أما النوع الثاني من إجراءات تعديل الدستور فتبناه الدستور الإماراتي، الذي منح حق اقتراح تعديل الدستور للمجلس الأعلى للاتحاد المكون من حكام الإمارات، دون المجلس الوطني، إلا أنه أوجب عرض هذا الاقتراح على هذا الأخير لمناقشته، وله أن يرفضه أو يعدل منه، ولكن الدستور أجاز للمجلس الأعلى للاتحاد تجاوز قراراتالمجلس الوطني بشأن التعديل، مما يجعل مناقشة المجلس الوطني وقرارته مجرد توصيات غير ملزمة.

ت‌) أما النوع الثالث من إجراءات تعديل مواد الدستور فقد قرره كل من النظام الأساسي للدولة في عمان والنظام الأساسي للحكم في السعودية، ويتمثل في انفراد الحاكم في اجراء التعديلات دون أن يكون للمجالس التشريعية أي دور.

المطلب الثاني: سن القوانين:

يجب التأكيد ابتداءً بأن دور الشعب في سن القوانين في دول مجلس التعاون يقتصر على ما منحته دساتيرها لمجالس الأمة والشورى فيها من وظيفة تشريعية. أما ما جاء في الدستور البحريني بشأن حق الملك في أن يستفتي الشعب في القوانين والقضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد، وما ذهب إليه الدستور القطري في نص قريب منه، فلا يعدو أن يكونا أمراًجوازي متروك تقريره لإرادة الحاكم المنفردة يستخدمه متى شاء دون إلزام، وبإمكانه عدم استخدامه نهائياً إن رأى ذلك، ولا يعد حقيقة مظهراً من مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة.

وقبل أن نتطرق لدور هذه المجالس في سن القوانين، نجد من الضرورة معرفة تشكيلها ومدى دور الشعب في انتخاب أعضاءها، فالمجلس المعين من قبل الحاكم، على سبيل المثال، لا يمكن أن يعكس في الحقيقة إرادة الشعب ولا يمكن أن يمثله.

وبالنظر إلى دساتير دول المنطقة نجد مجلس الأمة في الكويت يتشكل من خمسين عضواً منتخباً من قبل الشعب بالاقتراع العام السري المباشر، علاوة على الوزراء وهم أعضاء في مجلس الأمة بحكم مناصبهم، وقد اشترط الدستور إلا يزيد عدد هؤلاء عن ثلث عدد الأعضاء المنتخبين.

أما في البحرين،فقد تبنى الدستور نظام المجلسين، هما مجلس النواب الذي ينتخب أعضاءه بالاقتراع العام السري المباشر وعددهم أربعون عضواً، ومجلس الشورى المماثل له من حيث عدد الأعضاء، إلا أنهم معينون من قبل الملك، وكلا المجلسين، كما سوف نرى، له دور تشريعي مماثل للآخر.

وفي عمان يتم اختيار أعضاء مجلس الشورى عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، عدا رئيس المجلس الذي يعينه السلطان. وعدد أعضاء مجلس الشورى يعود تحديده إلى نسبة السكان في ولايات السلطنة.

أما في قطر فإن مجلس الشورى يتألف من خمس واربعين عضواً، ثلاثين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام السري المباشر، والخمسة عشر الباقين يعينهم الأمير وهو من يملك إقالتهم أو اعفائهم من مناصبهم.

وفي الإمارات يتألف المجلس الوطني الاتحادي من أربعين عضواً يتم انتخاب نصفهم من قوائم تعدها كل إمارة. أما النصف الآخر فيتم تعيينهم من قبل حكام الإمارات.
أما السعودية فإن مجلس الشورىبها يتألف من 150 عضواً يعينهم الملك.

الدولة

مسمى المجلس

   

عدد الأعضاء

أسلوب اختيارهم

الكويت

مجلس الأمة

   

50 عضواً منتخباً + الوزراء

الاقتراع العام السري المباشر

البحرين

مجلس النواب + مجلس الشورى

   

40 عضواً لكل مجلس

الاقتراع العام السري المباشر لمجلس النواب.

التعيين بشأن أعضاء مجلس الشورى

عمان

مجلس الشورى

   

يتحدد العدد نسبة لعدد سكان الولايات

الاقتراع العام السري المباشر عدا الرئيس يعينه السلطان

قطر

مجلس الشورى

   

45

30 عضواً بالاقتراع العام السري المباشر.

15 يعينهم الأمير.

الإمارات العربية

المجلس الوطني الاتحادي

   

40 عضواً

20 بالانتخاب غير المباشر.

20 بالتعيين من قبل حكام الإمارات

السعودية

مجلس الشورى

   

150 عضواً

التعيين من قبل الملك.



وبالنظر إلى دور هذه المجالس في سن القوانين نجد في الكويت أن الدستور يجيز لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة اقتراح القانون، كما أن أي مشروع قانون لا يصدق عليه، إلا بعد مناقشته والتصويت عليه من هذا المجلس. ويحدد الدستور للأمير مدة ثلاثين يوماً لإصدار قانون وافق على مشروعه مجلس الأمة، إلا إذا أعاده الأمير خلال هذه الفترة إلى المجلس مبدياً أسباب عدم التصديق، وفي هذه الحالة لا يصدر القانون إلا إذا وافق على مشروعه مجلس الأمة ثانية بموافقة ثلثي أعضاءه. واستدرك الدستور صعوبة الحصول على هذه الأغلبية، فأجاز في دور انعقاد آخر صدور القانون بأغلبية مخفضة عما اشترطه سابقاً هي أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. وبذلك يكون رد الأمير مشروع القانون دون التصديق عليه ليس عائقاً أمام صدوره في الكويت، بل هو إجراء تعطيلي يُنبه فيه الأمير مجلس الأمة إلى ضرورة دراسة مشروع القانون بشكل أكثر عمقاً فإن رأى التمسك به كان له ذلك، فيصدر القانون خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الموافقة عليه ثانية.

أما في البحرين فإن الدستور فرق بين نوعين من القوانين، هما القوانين العادية، والقوانين التي تنظم موضوعات اقتصادية أو مالية. ففي النوع الأول، وإن كانت الإجراءات تماثل إلى حد كبير تلك التي نص عليها الدستور الكويتي، إلا أن ما يضعف دور مجلس النواب هو أن مجلس الشورى المعين الذي يتساوى معه في عدد الأعضاء له دور أساسي وجوهري في سن القانون. فأي مشروع قانون في البحرين لا يمكن أن يرفع للتصديق إلا في حال توافق كلا المجلسين. ومن جانب آخر للملك إن رأى عدم التصديق على مشروع قانون أُقر من المجلسين، أن يرده إليهما، وفي هذه الحالة يقتضي الأمر موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس لإلزام الملك على التصديق، وهو أمر في غاية الصعوبة في الواقع العملي لوجود مجلس الشورى المعين. ومما يزيد الأمر صعوبة أن الدستور البحريني وبخلاف الكويتي، لم يجعل للمجلسينفي حال عدم الوصول للأغلبية المقررة أن يقران مشروع القانون في دور انعقاد آخر بأغلبية مخفضة، مما يجعل دور مجلس النواب بشأن التشريع في نهاية المطاف دوراً متواضعاً.

أما القوانين التي تنظم موضوعات اقتصادية أو مالية، فإن الدستور البحريني جعل لها إجراءات أخرى للملك فيها دور أكبر في حسم الأمر وفي امتلاك الكلمة الأخيرة. فقد قرر الدستور في حال عدم توافق المجلسين أن يجتمع المجلس الوطني فإذا لم يبت في مشروع القانون خلال خمسة عشر يوماً جاز للملك أن يصدره بمرسوم له قوة القانون.

وفي قطر، تظهر النظرة العامة إلى القواعد التي قررها الدستور القطري بشأن التشريع تماثلها مع تلك التي قررها الدستور الكويتي، إلا أنالحقيقة خلاف ذلك، فدور مجلس الشورى القطري أقرب إلى الشكلية في هذا الشأن. فاشتراط الدستور،على سبيل المثال،أغلبية مشددة تتمثل في ثلثي الأعضاء للتغلب على عدم تصديق الأمير على مشروع قانون اقره المجلس في المرة الأولى لا يختلف عما قرره الدستور الكويتي ولكن الخلاف بينهما يظهر إذا علمنا بأن ثلث أعضاء مجلس الشورى القطري معين، مما يجعل التوصل إلى هذه الأغلبية أقرب إلى الاستحالة في الوضع القطري. إضافة إلى أن الدستور القطري احتاط لصالح الحاكم، فقرر في حال توصل مجلس الشورى لهذه الأغلبية واضطرار الأمير لإصدار القانون، أن يكون له حق وقف العمل به إن رأى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، وترك لإرادة الأمير المنفردةتقدير المصلحة العامة، وتقدير الوقت الذي يوقف فيه العمل بالقانون.

أما بقية دول مجلس التعاون، فإن دور مجالسها التشريعية في عملية سن القانون يقتصر على مراجعة مشروعات القوانين ورفع توصيات غير ملزمة بشأنها، وللحاكم الأخذ بهذه التوصيات، أو إهمالها وتقرير ما يراه هو مناسباً بشأنها.

المطلب الثالث: وضع اللوائح:

تنفرد السلطة التنفيذية في دول مجلس التعاون بوضع اللوائح، التي قد تصدر بمراسيم، أو بقرارات من مجلس الوزراء ترفع للحاكم للتصديق عليها. ففي الكويت،على سبيل المثال، تنص المادة (72) من الدستور على أن "يضع الأمير بمراسيم اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما لا يتضمن تعديلا فيها أو تعطيلاً لها أو إعفاء من تنفيذها، ويجوز أن يعين القانون أداة أدنى من المرسوم لإصدار اللوائح اللازمة لتنفيذه"، كما تنص المادة (73) من الدستور الكويتي على أن " يضع الأمير بمراسيم لوائح الضبط واللوائح اللازمة لترتيب المصالح والإدارات العامة بما لا يتعارض مع القوانين". وإلى مثل ذلك ذهبت المادة (39) من دستور البحرين. وفي الأمارات جعلت المادة (60) من الدستور وضع اللوائح من اختصاص مجلس الوزراء، ولا يخرج وضع اللوائح في بقية دول المجلس عن اختصاص السلطة التنفيذية.

ولما كانت أغلب دول مجلس التعاون ملكيات مطلقة، وحكوماتها معينة، غير منتخبة، فليس لشعوب هذه الدول دورفي وضع اللوائح ولو بطريق غير مباشر عن طريق انتخاب رجال السلطة التنفيذية التي تضعها.

ومن جانب آخر، ينتفي هذا الدور للشعوب أيضاً حتى مع تبني مبدا التدرج التشريعي في دول مجلس التعاون. فعدم وضع الدستور من قبل الشعب في أغلب هذه الدول، وصورية دور المجالس التشريعية في أغلبها كذلك، يجعل من اشتراط عدم مخالفة اللوائح للدستور والقانون مجرد مبدأ نظري، إذ لا يحقق هدفه في مد إرادة الشعب،المترجمة في الدستور والقوانين، إلى هذه اللوائح.
هذا وإن كان البعض يرى بأن الوقت ما زال مبكراً في أغلب دول مجلس التعاون للمناداة بالملكية الدستورية والحكومة المنتخبة، فإننا لا نراه مبكراًبشأن حق الشعب في وضع دستور بلده.كما لا نراه مبكراً لقيام مجالس نيابية حقيقية منتخبة تمارس صلاحيات برلمانية حقيقيةوأولها سلطة وضع القوانين. فبوضع الدستور والقوانين من قبل الشعب يمكنلمبدأ التدرج التشريعي أن يضمن بقدر مقبول عدم خروج اللوائح عن إرادة الشعب المترجمة في الدستور والقوانين.

الخاتمة :

في هذه الورقة عرفنا أهمية التشريع، وخطورته في آن واحد. أهميته بسبب حاجة المجتمع إليه فلا يمكنه أن يستقر أو أن ينتظم دون وجود قواعد عامة مجردة تنظم علاقات الأفراد به، وخطورته بسبب إلزاميته، وكون من يملكه يملك سلطة مطاعة قد ينحرف بهاأو يستغلها لتحقيق مكاسب أو مصالح شخصية مما ينعكس سلباً على المجتمع فينتشر الظلم والفساد.ولانتشال المجتمع من الفساد وتحقيق العدالة لأفراده لا بد منوضع سلطة التشريع في يد الجماعة أو الشعب الذي سوف يمارسها عبر مؤسسات تعكس ضمير المجتمع.
وقد بينت الورقة موقع شعوب دول مجلس التعاون من سن التشريعات، إذ ليس لها عموماً دور حقيقي مؤثر. وفيما عدا الكويت التي وُضع دستورها بأسلوب العقد، ويمتلك مجلس الأمة فيهابعض الصلاحيات التشريعية، فإن بقية دول مجلس التعاون وضعت دساتيرها بأساليب غير ديمقراطية، كما أن مجالسهاالتشريعية لا تخرج عن ثلاث: إما أن تكون معينة من قبل الحاكم، أو أن قراراتها غير ملزمة للحاكم، أو أنها تجد صعوبة في تمرير إرادتها وتغليبها على إرادته.

ورأت الورقة ما يأتي:

1- أن تعد مشروعات دساتير دول المنطقة عن طريق مجالس أو لجان منتخبة، ثم تعرض على الشعب للاستفتاء فيها، بعد إتاحة فرصة كامله له لدراستها بشكل موضوعي.
2- أن تتبنى دول المنطقة الأسلوب المشترك بين الحاكم والبرلمان لتعديل مواد الدستور. فللبرلمان اقتراح التعديل ومناقشته وإقراره، وللحاكم اقتراح التعديل والتصديق عليه، وفي حال رفضه التصديق، يُستفتى الشعب في التعديل، فإن أقره اصبح مصدقاً عليه.
3- أن تشكل المجالس التشريعية في جميع دول مجلس التعاون بالاقتراع العام السري المباشر.
4- أن يكون لهذه المجالس دور حقيقي في سن القوانين ويكون لها آلية التغلب على رفض الحاكم التصديق على مشروع قانون أُقر من طرفها.
5- أن ينشأ القضاء الدستوري في الدول التي ليس بها مثل هذا القضاء، وأن يفعّل في الدول التي أصدرت بشأنه قوانين ولكن لم يوجد في الواقع العملي.
6- أن يوسع الاختصاص الولائيللقضاء الإداري لينظر في طعون عدم مشروعية اللوائح.

تم بحمد لله

* الدكتور حســن الســيد أستاذ القانون العام المشارك، كلية القانون، جامعة قطر.

** الورقة ألقيت في اللقاء الأول للقاء الإثنين بتاريخ 14 مارس 2011 بمجلس الدكتور علي خليفه الكواري.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة