You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>فلسطين>جدلية الديمقراطية والحزبية تحت الاستعمار: حالة الحركات الفلسطينية

د.العربي العالم: ليبيا: الثورة، والقبيلة، والتدخل الخارجي وتحديات بناء الدولة

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2089 مرة
الكاتب  العربي عبدالحق العالم

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 4 ديسمبر 2013.

منذ ان حقق الشعب الليبي انتصاره بسقوط نظام القذافي الذي يصفونه ب" اللانظام" لتميزه بعدم اقامة المؤسسات الدستورية واعتماده على الشخصنة والتسلطية الي ظلت لأربعة عقود عصية على التغيير او الاصلاح، حتى عندما جرت محاولته من داخل النظام الذي اصر مصممه وقائده الاوحد على ان يتجاهل الدعوة والحاجة اليه التي كانت تفرضها الضرورات. ظهر كم كبير وهائل من الكتابات المتنوعة على المستويات الصحفية او التاريخية والأكاديمية بلغات مختلفة، وان تميزت الأعمال التي ظهرت بلغات اجنبية وفي مقدمتها الأنكليزية بعمق في التحليل وغنى في المحتوى ، مثلما كانت هذه الكتابات متميزة بتنوع التخصصات والمقاربات التي انطلقت منها لتحلل مكونات السياسية والمجتمع ودينامياتهما في ليبيا المعاصرة.

الاصدارات العربية عن ليبيا كانت في الغالب الأعم ذات طابع صحفي او انطباعي فكان جل تركيزها التهليل للثورة الشعبية ضد التسلطية والطغيان وابانة عمق المشاعر التي يكنها الليبييون ضد نظام القذافي وما ترتب على حكمه الطويل. فيما عدا ذلك كانت بعض الأعمال مجرد تسجيل لمراحل من تاريخ تسلطية ودكتاتورية وفساد القذافي ومكونات نظامه المشخصن، وان اعتمدت التأريخ فانها لم تتجنب مثالب الوقوع في الشخصنة ايضا. لذلك يأتي (كتاب ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة) بيروت2013، مركز دراسات الوحدة العربية لمؤلفه الدكتور يوسف محمد الصواني استاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة طرابلس بليبيا وهو باحث ليبي معروف بمساهماته الفكرية والاكاديمية التي نشرت في منابر عربية واجنبية، ليقدم تحليلات علمية مستندة الى المعرفة والخبرة بتاريخ البلاد وبطبيعة بناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

يدور محتوى الكتاب ويتمحور تحليله على التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لليبيا منذ استقلالها بقرار من الامم المتحدة في 1951 وصولا للانقلاب الذي قاد القذافي للسلطة في 1969 وحتى سقوط نظامه في أواخر صيف عام 2011. هذه الفترة الزمنية القصيرة في عمر الشعوب ظلت مفصلية وحاسمة بالنسبة للكيان الليبي المعاصر ومن شأن الغوص فيها ان يبين لنا كيف كان قدر غير هين من مصيرها يتحدد بارادة قوى خارجية ، وهي الموضوعات التي يتناولها الفصل الاول من الكتاب.

يركز الفصل الثاني من الكتاب على تحليل التجربة التي عرفتها ليبيا لاصلاح النظام من الداخل ضمن ما عرف "بمشروع ليبيا الغد" ، الذي أطلقه النظام وقاده سيف الاسلام القذافي. وبينما نتلمس في هذا الفصل من الكتاب الماما دقيقا وتحديدا واضحا لمكونات تلك التجربة ، فان المؤلف حريص على ان يرسم خيطا دقيقا يفصل فيه بين رؤية النظام واهدافه من ناحية ورؤية قوى الاصلاح الوطني وما كانت تسعى لتحقيقه في ظروف غاية في الصعوبة من ناحية اخرى. يحلل الفصل كيف تعاملت النخب الوطنية بالداخل والخارج ، بمختلف أطيافها، مع الإصلاح المزعوم ، وما قامت به من محاولات تحقيق مكاسب وطنية منه ، مهما كان قدرها ضئيلا. لذلك فان قراءة هذا الفصل مفيد للتعرف على ما كان يواجه تجارب الاصلاح العربية وما كانت قوى الاصلاح الديمقراطي تتعرض له من تحديات في وقت كان العالم كله تقريبا قد ايقن ان العالم العربي اصبح مستعصيا بشكل شبه نهائي على الديمقراطية بعد ان تجاوزته جميع موجات الدمقرطة لتتركه غارقا في قدرية يائسة من التغيير واسيرا لنظم دكتاتورية، شمولية كانت ام تسلطية، قوت من شوكتها بالتحالف مع الغرب والرأسمالية المعولمة على اكثر من مستوى.

يوظف الفصل الثالث عناصر التحليلات التي يقدمها المؤلف لما يتعلق بنشؤ الدولة الليبية الحديثة ونظامي الحكم الملكي والقذافي ليرصد محللا الخلفيات والاسباب التي قادت الى انطلاق الاحتجاجاتت وما يمكن ان تخفيه ورائها من ديناميات مستقرة في السياق الليبي. كما يقدم هذا الفصل تعريفا بمظاهر وتعبيرات الاحتجاج الذي انطلقت في كانون الثاني/ يناير 2011 لتتحول إلى انتفاضة شعبية كان للدور الخارجي فيها اهمية حاسمة في التخلص من نظام القذافي. ومن أجل تفهم حقيقة ما جرى ضمن السياقات المحلية والخارجية يجري المؤلف قدرا من المقارنة الدالة بين الحالة الليبية وبقية بلدان الربيع العربي مبرزا في ذات الوقت خصوصيات الحالة الليبية . ان هذا الفصل يقدم تحليلا غير مسبوق للحالة الثورية الليبية التي ظلت حتى الان حكرا على الكتابات الصحفية او تتنازعها رؤيتان تتناقضان بين النظر اليها ضمن نظرية المؤامرة او اعتبارها ثورة شعبية بامتياز بما يقلل من اهمية ومفصلية دور التدخل الخارجي، بينما تتجاهل الرؤيتان حقيقة التاريخ السياسي الحديث والمعاصر لليبيا وتصر على حصره في شخص القذافي اوعلاقته مع الخارج.

أما الفصل الرابع فيخصص للتعريف بالنظام السياسي الانتقالي الذي تأسس أثناء الثورة على القذافي وما يزال يقوم بقيادتها سياسيا حتى اليوم. يعمل العرض والتحليل بمثابة التمهيد والتوضيح للقضايا الهامة التي يتناولها الفصل الخامس والأخير من الكتاب، حيث يبدو قصور واخطاء المجلس مسؤولة عن حالة الارباك السياسي والهشاشة الامنية اليوم. الفصل الخامس يعكس الحالة الليبية او السياق الحالي وما يتفاعل فيه من مكونات مختلفة بينما الليبيون يطمحون في بناء دولة ونظام ديمقراطي جديد. لذلك يركز المؤلف على توصيف محددات وتحديات عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا وآفاقها وفرص نجاحها محللا مكونات دعم الانتقال اضافة الى ما يمكن ان يجعله عملية محفوفة بالمخاطرالتي تطال جوهر الدولة والهوية والكيان الوطني. ولذلك فان هذا الفصل يقدم لنا تحليلا دقيقا للاوضاع الحالية وكيف نشأت ما يسميه المؤلف بالديناميات الاقل ديمومة في السياق او المشهد الليبي الحالي وكيف يمكن لها ان تسهم ايجابيا او ان تعرقل عملية الانتقال الديمقراطي وتجاوز المختنقات والاثار السلبية التي نجمت عن عسكرته مبكرا ومآلات التدخل الاجنبي فيها مبكرا ايضا. ان الاستخلاصات التي يقدمها المؤلف في هذا المجال ذاات اهمية تتجاوز السياق الليبي وهو ما يمكن ان يستفاد منه عربيا في التعرف على ما ينتظر سوريا مثلا اذا ما تعرضت لذات ما جرى في ليبيا.

الا ان كتاب يوسف الصواني مع كل ما تقدم يقع في شرك الاختصار وربما الاختزال خاصة عندما يتعلق بتاريخ ليبيا الحديث والمعاصر. ومع ان الكتاب ليس تاريخا لليبيا فانه من الصعب تصور الاحاطة بهذا التاريخ لغير المختصين في عدد الصفحات القليل الذي يخصصه لهذا الغرض. ومع اقرارنا بوجاهة تحليلاته عن ديناميات الخارج، فان ليبيا لا يمكن ان ينظر اليها بمعزل عما يجري كونيا او اقليميا مثلما لا يمكننا ان نتجاهل ان الوضع الحالي يعكس حقيقة الانقسام بين الليبيين الذي ليس بالضرورة بشان القذافي ونظامه بل بفعل ما يمكن وصفه بنتائج الثورة عليه وخاصة دور قوى سياسية معينة وارتباطاتها الخارجية وهو ما جعل مناطق ليبية بكاملها لا تزال تصنف بانها مؤيدة للقذافي رغم اندثار نظامه تماما. لا يقدم لنا الكتاب تفسيرا واضحا ، رغم ما يمكن قراءته بين السطور، عن الاسباب التي تجعل اقساما لا يستهان بها من الليبيين بالداخل او بالمنافي تصر على عدم قبول ما يجري برحابة صدر وايضا اصرار المدن المنتصرة على فرض ارادتها بالقوة، بل ان المؤلف يحاول تجنب هذه المسألة احيانا بعدم توضيح نسبة هؤلاء بين السكان وان كان ما يفهم من تركيزه على اهمية المصالحة الوطنية يعكس عمق الاحساس بالمسألة وخطورتها.

كتاب " ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة" جاء ليسد نقصا فادحا في الكتابات العلمية حول الثورة في ليبيا وتحديات بناء الدولة. يمتاز الكتاب على غيره من الأعمال انه يقدم رؤية لما جرى في ليبيا منذ محاولات بناءها دولة حديثة بهوية وطنية جامعة. ان الكتاب لا يكرر المقاربات الغربية عن ليبيا ونجح المؤلف في تفكيك عناصر المشهد الليبي بمكوناته المختلفة دون ان ينحاز لأي طرف سوى ما يمكن تلمسه بين السطور من عمق ايمان بالوطن والديمقراطية. ومع ان المؤلف اهتم بالمسالة الاقتصادية وبموقع النفط ودور اقتصاد الريع واليآته المختلفة، فان ما ينقص التحليل هو بيان الى اي مدى تمثل ليبيا بالنسبة للعالم الغربي بالذات مجرد مورد للنفط الخام والغاز، وما هو الدور الذي لعبه ذلك في اسراع الغرب للاطاحة بالقذافي مبكرا وتجاوز تفويض قرار مجلس الامن 1973 من هدف حماية المدنيين الى هدف اسقاط او تغيير النظام، بينما لم يقم بدور مماثل في سوريا مثلا؟ الا انه ومن باب الانصاف ان نقرر بان المؤلف سعى ولو سريعا للأشارة الى هذا الجانب الا ان ذلك ليس كافيا للتعرف على الدور الخطير لتفاعل ديناميات الداخل في ظل تاثير، وربما هيمنة ديناميات الخارج.

ورغم ما يمكن ان يوجه اليه من نقد يظل كتاب الدكتور يوسف الصواني عملا متميزا في حمى الكتابة عن الربيع العربي وهوكتاب جدير بالقراءة وعمل رصين يمكن ان يكون فاتحة باب لعدد من الدراسات الجادة عن ليبيا التي مازلنا نحن العرب نجهل عن شانها الكثير. وهو يمكن ان يقدم للقاريء فسحة منعشة تخرجه من دوامة وكابوس اخبار القتل والاغتيال والتفجير وانسداد الافق السياسي وخطر الاحتراب الداخلي الذي قد يجر الى حرب اهلية شاملة وهي الصورة القاتمة التي اصبحت ترتبط بليبيا في وسائل الاعلام.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة