You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: إبراهيم عبد المجيد، لكل أرض ميلاد... أيام التحرير

العياشي: المعارضة في تونس ودورها التاريخي

الثلاثاء، 02 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2085 مرة
قاسم العياشي
 

الجماعة العربية للديمقراطية، 8 أكتوبر 2012.   

المعارضة في تونس وضرورة الإلتزام بدورها التاريخي في تشييد ديمقراطية دائمة.   

من خصائص الثورات الشعبية أنها تندلع بعد سلسلة من النضالات والتضحيات التي تشمل ضغوطات مستمرة على النظام الحاكم وتحركات بطرق مختلفة تعكس أهمية القضايا والمطالب التي تسعى القوى المعارضة لتحقيقها . ويقترن نجاح الثورة بمدى شعبية هذه المطالب وحجم المشاركة والتزام هؤلاء وإصرارهم على عدم التراجع عن تحقيق أهدافهم. وبالرغم من أن القوى السياسية والنقابية والطلابية في تونس لم تلعب دورا قياديا بارزا على مدى تطورات ثورة الكرامة فإنها أثبتت وجودها بمجابهة الحكم الاستبدادي لبورقيبة ومن بعده بن علي حيث استبسلت وصمدت الى أن زُجّ بأغلب رموزها في السجون واضطر البعض الآخر الى الهروب من البلاد في حين حاولت قيادات أخرى ترتيب صفوف المعارضة وتوحيد أهدافها بتنظيم العديد من الوقفات الرمزية داخل البلاد وخارجها مثل تشكيل تحالف 18 أكتوبر 2005 وغير ذلك. وبالرغم من أن التواصل والمؤازرة خلال "سنوات الجمر" بين قيادات المعارضة من إسلاميين أوعلمانيين وغيرهم قد ساهم بشكل غير مباشر في دفع التوافق خلال مرحلة ما بعد الثورة كإنجاز انتخابات حرة وشفافة لتشكيل المجلس التأسيسي وانتصاب أول حكومة شرعية منذ بداية التأريخ في تونس فإن النخبة السياسية اليوم تعاني من العديد من الأزمات الحادة خصوصا على مستوى تعامل أحزاب المعارضة مع الأغلبية الحاكمة وكذلك تعاطيها مع الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد.

يشير أحد الباحثين في دراسة تجارب الإنتقال الديمقراطي في العالم أن من أسباب نجاح فترة ما بعد الثورة في تونس وسلاسة التحول التدريجي نحو نظام ديمقراطي استمرارية الإتصال والتنسيق المستمر الذي عرفته أطراف المعارضة في مساندتها لقضايا العدل والحرية خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي بعيدا عن الاقصاء والتوجهات الايديولوجية. ويؤكد الباحث أن المعارضة قربت وجهات نظرها ووحدّت صفوفها في تعاطيها مع تجاوزات حقوق الانسان فكانت عبارة عن جبهة قوية مقارنة بتجربة المعارضة في العديد من دول "الربيع العربي" الأخرى والتي اتسمت بغياب التنسيق والترابط فيما بينها. غير أن هذه الروح التآزرية والإيجابية في التعامل مع الواقع سرعان ما اهتزت بمجرد الإعلان عن نتائج انتخابات التأسيسي والتي أفرزت قطبين سياسيين : ائتلاف حاكم يضم ثلاثة أحزاب ومجموعة من الأحزاب والكتل السياسية الأخرى التي شكلت الأقلية المعارضة في المجلس التأسيسي والتي لا تزال تعمل على ترتيب صفوفها وتنظيم مواقفها من القضايا المختلفة.

وكما تفرضه التقاليد الديمقراطية كان من المنتظر أن تُمنح القيادة السياسية الجديدة فرصة كافية لتسيير دواليب الدولة في هذه الفترة الإنتقالية وأن ينكبّ الجميع على إنجاز دستور جديد والإعداد للإنتخابات القادمة. فالصبغة المؤقتة لهذه المرحلة تؤكد أن الترويكا الحالية هي عبارة عن تحالف سياسي أفرزته الانتخابات وقد يتغير أو ينقضي نهائيا حسب ما ستؤول اليه الإنتخابات الرئاسية أو البرلمانية المقبلة. غير أن ما يميز المناخ السياسي اليوم هو الغياب التام للثقة وعدم الحرص على مبدأ التوافق بين المعارضة والأغلبية الحاكمة وذلك من خلال تبادل الاتهامات وإضاعة الوقت في المسائل الجانبية فالمعارضة تتهم الأغلبية الحاكمة بالهيمنة على السلطة في حين أن هذه الأخيرة تعتقد أن المعارضة تريد فرض حكم الأقلية على الأغلبية...

ما من شك أن إدارة الحكم بدون تواجد معارضة فعالة وبدون مراقبة مستمرة من المجتمع المدني قد يفتح الباب أمام تغول السلطة السياسية وانفرادها في كل القرارات. فالمعادلة بين الأغلبية والأقلية تساعد على تصحيح مسار الحكومة عبر الآليات المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية كالحوار المستمر ومحاولة ايجاد سبل الوفاق والتعاون ثم الالتجاء الى التصويت في إصدارالقرارات والقوانين. وبالرغم من أن الديمقراطية الناشئة في تونس تعاني من العديد من الشوائب بحكم حداثة الثورة والرواسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحقبة الماضية فان العلاقة الجدلية بين الشق الحاكم من ناحية والمعارضة من ناحية أخرى تطرح تحديات عديدة حتى في أعرق الديمقراطيات في العالم. ففي أمريكا مثلا تشهد الساحة السياسية مصادمات مختلفة بين رئيس الدولة الذي ينتخب كل أربع سنوات وأعضاء الكونغرس الذين يتم انتخابهم كل سنتين. فقد نجد رئيس الدولة من الحزب الديمقراطي في مواجهة صعبة مع أغلبية برلمانية من الحزب الجمهوري مما قد يعطل سير برنامجه السياسي ودواليب الدولة كسن قوانين جديدة أواتخاذ قرارات هامة. وقد تصل تأثيرات هذه المعادلة الصعبة الى حدّ توقيف تمويل سيرأجهزة الدولة من جراء خلافات في الرؤى بين السلطة التنفيذية والتشريعية. كما نجد الوضع مماثلا في المشهد السياسي الفرنسي حيث قد تفرز الإنتخابات الدورية للرئاسة والبرلمان مواجهة بين قطبين سياسين متعارضين فيكون رئيس الدولة الحاكم من حزب اليمين ورئيس الحكومة الذي يقود أغلبية برلمانية من حزب يساري اشتراكي فتُفرض على الجميع حتمية التعايش السياسي أو ما يسمى بـ"cohabitation". وبالتالي يمكن إعتبار هذه الجدلية القائمة بين السلطة الحاكمة والمعارضة "شرّ لا بد منه" بقطع النظرعلى النظام السياسي المعتمد.

غيرأن المعادلة السياسية في تونس تختلف نوعا ما عن الحالات المذكورة آنفا. فسيناريو الحكم الذي أفرزته انتخابات التأسيسي فريد من نوعه ذلك أن المواطن لم تعر ف منذ خمسين سنة طعم الحرية والتعبير والاختيار بدون قيود وهو ما أطلق العنان أمام الجميع للتنظير للديمقراطية وادعاء الدفاع عن الحرية أكثر من غيره. لقد أفرزت انتخابات 23 أكتوبر أحزابا ونوابا يعكسون فسيفساء المجتمع التونسي حيث تميز بعضهم بسجل نضالي حافل في حين افتقد آخرون الخبرة السياسية والحنكة التشاورية التي كان من شأنها أن تعجّل في دوران أشغال التأسيسي وتخفّض من حدة الصراع والإحتقان الذي انعكست آثاره السلبية على المجتمع فاستغلها إعلاميون حاقدون وسياسيون فاشلون لإشعال نارالفتنة والتفرقة بين صفوف الشعب.

تمرالبلاد بوضع انتقالي لم ترسم فيه بعد الخطوط الكبرى للنظام السياسي والآليات التي سيقع الرجوع إليها أثناء تسييرالحكم مستقبلا. فالثورة شاءت أن يتكفل المجلس التأسيسي بكتابة دستور جديد وكذلك تسيير دواليب الدولة بانتخاب رئيس يقوم بدوره بتعيين رئيسا للحكومة. وبالتالي فإن هذه المرحلة الإستثنائية تستدعي قدرا هاما من المسؤولية والمرونة والحرص على مصلحة الشعب قبل الحزب أو التوجهات الإيديولوجية. فالأطراف السياسية جميعها في حاجة الى استحضار الحسّ الوطني الذي وحّد صفوفها طيلة ردهات النضال في وجه الدكتاتورية والإلتفاف حول مشروع تونس الديمقراطي بالحرص على كتابة الدستور والإتفاق على إرساء قانون الإنتخابات وترتيب المنظومة القضائية والإعلامية. وما دون ذلك من السياسات والقرارات والتعيينات فهو مؤقت الى حد انتخاب نواب آخرين وتركيز سلطة سياسية جديدة يفرزها الموعد الإنتخابي القريب. وبقطع النظرعن الهفوات والإختيارات الخاطئة الصادرة عن الترويكا وبعيدا عن الدفاع عن هذا الإئتلاف فإن الجميع من سياسيين وغيرهم يدرك جيدا أن من يحكم تونس اليوم ممثلون شرعيون قد اختارهم الشعب وأوكل اليهم مهمة تسييرالبلاد في هذه الفترة الإنتقالية ولن يكونوا أكثرا فسادا واستبدادا ممن حكموا طوال نصف قرن فأتوا على الأخضر واليابس واستغلوا صمت الشعب للإستيلاء على خيرات البلاد وهاهم اليوم يتربصون ويتستّرون وراء وصفة "ندائية" بالية يستغلّون من خلالها التحوّل التاريخي في تونس للعودة بها إلى حكم القمع وإرهاب الدولة.
إن لغة الأرقام تقر بأن المعارضة تمثل الأقلية في التأسيسي ولكنها رغم ذلك تحاول التركيز على الجانب السلبي وتهويل الأمور وتحريض الشارع أكثر من حرصها على الوفاق والموضوعية في التعاطي مع القضايا المطروحة. فمداولات المجلس يطغى عليها التصعيد والمواجهة بدلا من العمل على إيجاد أرضية إيجابية توافقية يتم فيها الإقناع والتنازل بين جميع الأطراف فالسياسة في نهاية الأمرهي صراع وتوافق. غيرأن المتأمل فيما يجري اليوم يستنتج أن المعارضة تسعى الى كسب النقاط أكثر من حرصها على ترسيخ تقاليد ديمقراطية واثراء الحوار السياسي بين مختلف الفرقاء السياسيين. ففي كل يوم تشعرنا رموز المعارضة بأن لديها الحلول لكل التحديات التي تواجهها البلاد وأن أغلب ما تقدمه الترويكا من برامج وقرارات لا يفي بالحاجة. فإذا كانت المعارضة بهذا القدر من الكفاءة لماذا لم يرشحها الشعب للقيام بهذا الدور؟ ثم ان التنكر المفرط لحساسية الوضع العام والإصرارعلى أجندة حزبية فئوية ضيقة من شأنه أن يعطّل التقدم في إيجاد حلول عملية لهذه التحديات. ولعلّ أبرز مميزات هذا التدهور غياب الثقة والإستقطاب والتجاذب السياسي الذي يغذيه تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي والذي يقع استغلاله من العديد من الأطراف لتعميق الأزمة. كما أن الغريب أن عدد كبير من الشق المعارض في المجلس التأسيسي وخارجه يتنكر للماضي النضالي الذي جمعه بقيادات أخرى مناضلة تمثل اليوم الإئتلاف الحاكم متهمّة إياها بالهيمنة على السلطة وبالدكتاتورية وإنتهاك حقوق الإنسان وصل ال حدّ تشبيهها بالنظام البائد.

ما من شك أن الهدف الأساسي للأحزاب السياسية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ ونيل القسط الأوفر من مقاليد السلطة... لكن مرة أخرى لا بد من الوعي التام بأن تونس اليوم في مرحلة التأسيس لديمقراطية دائمة تستوجب تحكيم العقل وكف جماح النهم على السلطة. يجب على المعارضة الصادقة التي ناضلت طوال سنين للحد من نظام الإستبداد في تونس أن لا تقع في فخ أعداء الثورة فهؤلاء المفلسون لو كان من ورائهم جدوى لما أغرقوا البلاد في انحطاط سياسي وتباين اجتماعي وطمس للهوية يتطلب سنوات عديدة من الاصلاح والترميم والبناء. لا بد على المعارضة الصادقة أن تلعب دورها التاريخي في رسم الخارطة السياسية التي ستعتمد عليها الأجيال القادمة وسيشهد لها أبناء الشعب بذلك لأن كل الأطراف معنية بهذه المهمة التاريخية بقطع النظرعن موقعها في سلم القرار. وللتذكير فإن جمالية الحكم الديمقراطي تكمن في نزاهة التنافس وضمان التداول على السلطة لهذا وجب على النخبة أن تعمل على تقديم عرض سياسي يساعد على إرضاء المواطن ودعمه لبرامجها خلال الإستحقاقات الإنتخابية القادمة. لا مناص أمام المعارضة سوى التسليم بقوانين اللّعبة الديمقراطية فإذا كانت اليوم غير راضية على مردود الترويكا فعليها أن تكون إيجابية ومسؤولة في تعاملها مع هذه النواقص فصوت النّاخب هو الفاصل في تحديد من سيحكمه خلال المرحلة القادمة فإمّا أن يختارمكافأة الأحزاب الحاكمة حاليا ويعيد انتخابها وإمّا أن يعطي الفرصة إلى أحزاب أخرى تتولى مهمة القيادة لفترة ما بعد التأسيسي.

الدكتور قاسم العياشي -  أستاذ علوم سياسية - تكساس –  الولايات المتحدة الأمريكية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة