You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>تونس>الجماعة العربية للديمقراطية - الجماعة العربية للديمقراطية

حلقة نقاش حول مستقبل مشروع دراسات الديمقراطية

السبت، 23 تموز/يوليو 2016 عدد القراءات 2104 مرة

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، مايو 2009

تضم هذه الصفحة مضامين حلقة نقاش حول مستقبل مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية التي عقدت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في 25 مايو 2009.

وقد حرر الملف كل من الأستاذ الدكتور سيف الدين عبدالفتاح والأستاذة الدكتورة نادية مصطفى.

المشاركون في اللقاء (أبجديا مع حفظ الألقاب):

إكـرام بدر الديــن أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
أمانــي مسعــود أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
أمينــه عبـــود أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
آيــة نصــــار معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
باكينـام الشرقـاوي أستاذ مساعد النظم السياسية
جولتن عبدالحليــم معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
حــازم سـالــم
شيمــاء حطــب مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
علي خليفة الكواري منسق مشارك مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية
كمـال المنوفــي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الديمقراطية وحقوق الإنسان
محمد بشيـر صفـار مدرس النظرية السياسية
مصطفى كامل السيد أستاذ النظرية السياسية
ناهــد عز الديـن أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
هشـــام جعفــر رئيس تحرير موقع إسلام اون لا ين


كلمة أ.د. سيف الدين عبد الفتاح:

تتسم سلسلة الحلقات النقاشية -التي يجريها "مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات" بصدد ما يمكن تسميته الحوارات حول المشاريع الفكرية التي تشكل أبعادًا معرفية وأبعادًا منهجية- بأهمية خاصة؛ ذلك لأن المشاريع الفكرية في وطننا العربي تعاني من الندرة، فرغم ما لهذه المشاريع من أهمية نجد أن كثيرًا منها غلبت عليه الطبيعة الفردية. أما المشروع الذي نتحدث عنه اليوم، فيأتي ضمن ما يعرف بـ"حوار المعارف"؛ وذلك ضمن سلسلة يطلقها المركز في إطار التحاور حول المشاريع الفكرية، وكذلك التحاور بين التخصصات المعرفية المختلفة. وأظن أننا أمامَ واحدٍ من هذه المشاريع الفكرية، وهو مشروع دراسات الديمقراطية الذي قام عليه أ. د. على خليفة الكواري ود. رغيد الصلح. وقد قدم كلاهما عملاً مهمًا، في إطار تدشين هذا البرنامج وهذا المشروع لدراسات الديمقراطية. هذا، وقد تعددت وتنوعت مخرجات المشروع ما بين ندوات وكتب، وما بين حوارات ونقاشات حول موضوعات معين. ومع تنوع هذه الأوعية للمادة العلمية والبحثية التي قام عليها، فقد قدم المشروع دراسات مهمة للعملية السياسية في بعض النظم العربية؛ وبالأخص النظم الرئيسة والمفتاحية في المنطقة، والممثّلة لأنماط سائر النظم والمنظومة العربية على اختلافها؛ سواء كانت نظمًا ملكية أو جمهورية.

وكذلك قدم هذا المشروع جملة من الندوات القيمة، تأتي على رأسها الندوة التي دارت حول "الاستبداد": مفهومًا وواقعًا وطرحًا للمخارج منه، وكذلك ندوات أخرى حول الأحزاب والعلاقة بينها وبين الديمقراطية، وحول الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها. وأظن أن مثل هذه الأمور قد شكلت موضوعًا غاية في الأهمية للتعامل مع فكرة الديمقراطية ومحاولة تشريحها ودراستها على مستويات مختلفة.

مر على هذا البرنامج وعلى هذا المشروع الفكري والبحثي قرابة عشرين عامًا، الأمر الذي يعني وفق بعض التحليلات الزمنية، مرور جيل بأكمله على هذا المشروع بدراساته المتعددة التي تتعدى العشرين دراسة ما بين ندوات وحوارات ودراسات مفاهيمية أو فكرية أو تطبيقية عامة أو مقارنة أو حول نظم بعينها.
وأظن أن هذا الحصاد يحتاج منا إلى الكثير من التأمل، كما يحتاج أيضًا من القائمين عليه بعض التوقف لاستئناف حركة جديدة في جيل جديد. وربما يتصور القائمون على هذا المشروع أن يتم استئناف العمل في شكل مؤسسي. ورغم إنني أؤكد أن هذا المشروع قد نشأ نشأة مؤسسية؛ بالاعتبار الذي يتعلق بتوفير الموارد الخاصة بالتمويل ووضوح الفكرة التي يحملها، ولكن يبدو أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التمكين المؤسسي لهذا المشروع.

إذن، ما يُطرح الآن هو: مستقبل مشروع دراسات الديمقراطية، هذا المشروع الذي أنهى الفترة الأولى من جيل دراسات قام بها وعليها؛ للتعرف على فكرة الديمقراطية وتبصر حالتها في العالم العربي بشكل عام. وأظن أننا أمام مسألة مهمة جدًا وهي حاجة مثل هذه المشروعات الفكرية في أمتنا للقيام بنوع من المراجعة الذاتية، وأظن أن المشروع الجيد هو الذي يملك جهازًا للمراجعة الذاتية يستطيع من خلاله أن يواصل عملاً جديدًا ومستأنفًا ومتكاملاً على ما قدمه ومطورًا ومجددًا ما أمكنه ذلك. نحن إذن أمام ما يمكن تسميته الرؤية المستقبلية لعمل مشروع مثل مشروع دراسات الديمقراطية. ولا نستطيع أن نجد خيرًا من هذه الكوكبة المتخصصة في النظم السياسية المقارنة وفي النظرية السياسية، ومن المهتمين بالدراسات العربية بوجه عام وخاصة السياسية منها؛ لكي ندير معها نقاشًا حول هذه القضية.

ولست في موضع يؤهلني لتقديم أ.د.علي خليفة الكواري؛ فهو أستاذ بارز، وهو خريج هذه الكلية؛ فقد التحق بها عام 1962 وتخرج في قسم الاقتصاد. ثم مارس عملاً مهنيًّا في وزارة النفط في الدوحة، ثم بعد ذلك قام بعمل فكري وبحثي مستقل استطاع من خلاله أن يثمر هذا المشروع المهم الذي نحن بصدد التناقش حوله. وسوف يعرض الدكتور الكواري للمعالم التي وصل إليها هذا المشروع، وكيف اختيرت هذه الموضوعات التي شكلت أجندته ومعمار الموضوعات الذي تراكم على مدار فترة العشرين عامًا، وبعض العقبات التي واجهته، ورؤيته لمستقبله.

على خليفة الكواري:

من الصعب أن أتحدث عن الديمقراطية أمام هذا الجماعة الأكاديمية؛ فكلكم أصحاب اختصاص وأهل قضية مطلعون، ولذلك سوف يقتصر دوري على التعريف بمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية, والتطرق إلى اهتمامنا بمقاربة مفهوم الديمقراطية إلى جانب أهمية بناء "كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية", موضوع اللقاء السنوي التاسع عشر للمشروع القادم. و أسمحوا لي أن أطرح عليكم بشكل خاص مفهوم الديمقراطية كما قاربته وأهمية بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية، بهدف أن أستمع إلى آراء تثري هذين الموضوعين المطروحين للنقاش, وأنتم خير من يغني هذا الحوار.

أولا:مشروع دراسات الديمقراطية

برزت فكرة إنشاء المشروع في صيف عام 1991، بعد إجراء دراسة مسحية شملت الجهات التي تختص بدراسات الديمقراطية في الدول العربية، تم على أثرها مرحليا تبني مشروع دراسي أطلق عليه "مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية".

وقد تحدد غرض المشروع في تنمية رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية، واختيرت مدينه أكسفورد مقرًا للمشروع لسهولة عقد اللقاءات في إطار الحريات الأكاديمية المتوفرة في جامعة أكسفورد، وما توفره للبحث والحوار من تسهيلات يتعذر الحصول عليها في الدول العربية.

والمشروع هو مسعى أكاديمي مستقل، يقوم على مبدأ التطوع ويتجنب التمويل الخارجي ويعتمد في الضروري من نفقاته على وقف دراسات الشورى والديمقراطية في البلدان العربية، الذي تم تأسيسه لهذا الغرض. وقد تأسس المشروع بدافع من الشعور بحاجة المنطقة العربية إلى منبر متخصص يعمل على مقاربة مفهوم الديمقراطية ودراسة ممارستها في الدول العربية والعقبات والإشكاليات التي تواجهها.
كما جاء هذا المشروع الدراسي باعتباره مرحلة تمهيدية من أجل ا

تفكير مستقبلا في أدوات وقنوات إضافية لتعزيز المساعي الديمقراطية في المنطقة العربية. وذلك بعد إجراء حوارات عبر التيارات الفكرية تؤدي إلى تنمية معرفة عربية مشتركة أفضل بالديمقراطية. هذا إضافة إلى توفير الحد الأدنى من الإمكانيات البحثية والمادية اللازمة لمؤسسة جهود تعزيز المساعي الديمقراطية في المستقبل. وقد تم تحديد أهداف المشروع فيما يلي:

1-التعرف إلى الفكر الديمقراطي ورصد تطبيقاته في البلدان العربية، وتبين الاختلافات حول مفهوم الديمقراطية وتحري عقبات وإشكاليات تبنيها من قبل التيارات الفكرية والقوى السياسية الفاعلة على الساحة العربية.

2-أن يكون المشروع أداة توسط وقناة تواصل بين الباحثين والمفكرين والممارسين للعمل الديمقراطي، المنتمين إلى مختلف التيارات الفكرية والقوى السياسية في البلاد العربية. وذلك من خلال القيام بإجراء حوارات معمقة حول المفاهيم والممارسة الديمقراطية وإشكاليات الانتقال إلى نظم حكم يمقراطية, عبر سلسلة من ورش العمل وحلقات النقاش والندوات يتم عقدها داخل البلدان العربية وخارجها، وذلك بهدف تنمية قواسم مشتركة يلتقي حولها الطيف الديمقراطي عبر مختلف التيارات الفكرية والقوى السياسية على الساحة العربية.

3-دراسة مستقبل الديمقراطية في عدد من البلدان العربية وفق منهج موحد يهدف إلى التعرف على مداخل الانفتاح السياسي وامكانيات الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية. وفي هذه المرحلة تكون الدراسة القطرية في كل دولة عربية, أداة للحوار بين التيارات الفكرية والقوى السياسية الفاعلة في البلد المعني، مما يتيح للمشروع الدراسي التعرف إلى المداخل العامة للانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي وسبل ترسيخ التجارب السياسة الناشئة، هذا فضلاً عن الآثار الإيجابية لمثل هذا الحوار في جهود تعزيز المساعي الديمقراطية في البلد المعني.

4-التعاون مع المؤسسات المعنية بتعزيز المساعي الديمقراطية ونشر ثقافة الديمقراطية في البلدان العربية، من خلال ضم جهود المشروع الدراسي إلى مبادرات أخرى كثيرة سبقته على هذا الصعيد وتنمية إمكانيات مادية وقدرات بحثية لبدءا مرحلة تالية من تعزيز المساعي الديمقراطية.

تحرك المشروع في إطار هذه الأهداف عبر عقدين من الزمن، وأظن أننا حققنا جزء منها وما نزال نحاول أيضا أن نعمل في اتجاه تنمية علاقات التواصل بين الطيف الديمقراطي في الدول العربية, وتعميق الحوارات للارتقاء بالجانب المعرفي من خلال المؤتمرات والبحوث والدراسات. هذا إضافة إلى تنمية الإمكانيات المادية من خلال تنمية مصادر "وقف دراسات الشورى والديمقراطية" وأيضا من خلال العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية. وجدير بالتأكيد أن علاقتنا بجامعة أكسفورد هي علاقة بأشخاص منسقي المشروع وليست علاقة بالمشروع. فالمشروع ليس جزءا عضويا في الجامعة ولغته وتوجهه عربيان.

هذه هي فكرة المشروع وأهدافه، وقد قمنا بالنشاط عبر برنامجين:

أولهما: برنامج الحوارات العامة والمؤتمرات السنوية وقد قمنا بعقد 19 مؤتمرًا وحوالي 7 حلقات نقاش في أكسفورد وباريس وبعض الدول العربية. وفي هذا البرنامج كان أول مؤتمر عقدناه حول مفهوم الديمقراطية. كان يجب أن نقارب المفهوم من وجهة نظر عربية قبل أن نبدأ الدراسة والحوار، وقد فوجئنا بأنه بالرغم من أهمية الحضور وكونهم جميعا من البارزين في العمل السياسي والفكري إلا أنه يصعب على أي شخص منهم مقاربة المفهوم بشكل يتفق معه الآخرين، فالكل لديه تصور ولكن بمجرد أن يطرحه يجد أنه غير مكتمل ومختلف مع الآخرين. وأذكر أن الأستاذ محمود رياض-رحمه الله- عندما استمع إلى تضارب آراء المجتمعين قال ما معناه: ليس قريبا علينا أن نردد الشعارات دون أن نقف عند معناها، فمنذ كنت في المدرسة الابتدائية كنت أخرج في المظاهرات وأردد شعار "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وحتى الان لا أعرف معنى الموت الزؤام.

ثانيهما: البرنامج الذي أسميناه "مستقبل الديمقراطية في الدول العربية" ويتمثل في القيام بالدراسة التحليلية التاريخية للتجربة السياسية في دول عربية مختارة, منذ قيام الدولة الحديثة حتى الوقت الحاضر, ومن ثم نتعرف على البني المجتمعية وتأثيرها على فرص الانتقال من خلال رؤية وطنية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية. شملت الدراسة مصر والجزائر والكويت والمغرب, حيث أنجزت الدراسات وتم عقد ندوات حوار في كل منها. هذا إضافة إلى دراسة الأردن و اليمن وموريتانيا التي لم تكتمل بعد.

وقد وصلنا الآن وبعد تسعة عشر عاما إلى أن المشروع لابد وأن يأخذ شكلا أكثر مؤسسية وذلك حتى يدوم ويستمر نشاطه ويرتقى. و كان علينا قبل التحول من مشروع دراسي إلى شكل تنظيمي مؤسسي, أن نقدم خلاصة جهد المشروع الدراسي وتوصياته من خلال القيام بتحليل مضمون ما تم في هذا المشروع من دراسات وعقد من حوارات، فلابد من النظر إلى كل البحوث والدراسات وكل المناقشات، ورصد المساهمة الفكرية لهذا المشروع، من حيث مقاربة المفاهيم ومن حيث دراسة الواقع السياسي والحياة السياسية العربية وتحري فرص الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية. ويشرف المشروع ان يقوم بهذه الدراسة بالتعاون مع الأخت الفاضلة الأستاذة الدكتورة نادية مصطفي وأخي العزيز الأستاذ الدكتور سيف عبد الفتاح. ونتطلع الى أن تساهم هذه الدراسة في وضع أجند عمل للمستقبل إضافة إلى رصدها المساهمة الفكرية لمشروع دراسات الديمقراطية.

ثانيا:مقاربة مفهوم الديمقراطية

منذ أن بدأنا المشروع الدراسي وجدنا أن مفهوم الديمقراطية لا يحظى باتفاق حول شكله ومضمونه بين الداعين إلى الديمقراطية إلى جانب المعارضين لها. كما وجدنا أن طرح الديمقراطية دون التوقف عند إشكاليات قبولها في مختلف الحضارات لا يساعد على توطينها في الحياة السياسية العربية.

من هنا فإن التوافق على مقاربات جامعة لإشكاليات الديمقراطية والتوصل إلى مفهوم عربي مشترك أفضل لها, سوف يساعد على إزالة الغموض الذي يحيط اليوم بمفهوم الديمقراطية ويعرض أصحاب المصلحة في قيامها إلى صراعات عبثية تطيل عمر الاستبداد. الأمر الذي سوف يؤدي ايضا إلى ترشيد الحوار بين القوى التي تنشد التغير السلمي ويسمح بنمو حركة ديمقراطية دستورية جامعة فاعلة في كل دولة عربية.

ولحسن الحظ إن هذه المقاربات المطلوبة والتي تربط بين الديمقراطية وبين الثوابت والأهداف الوطنية الكبرى, ممكنة اليوم بفضل تطورات حدثت في مفهوم الديمقراطية المعاصرة بعد أن انتشرت الممارسة خارج دائرة الحضارة الغربية, وتم التمييز بين الليبرالية باعتبارها عقيدة وبين الديمقراطية باعتبارها منهجاً ونظام حكم, قادر على مراعاة عقائد المجتمعات دون احتكار عقيدة أو أخرى له وتحويل الديمقراطية إلى مجرد آلية من آليات الخضوع لها.

وجدير بالتأكيد انه إذا كانت الممارسة الديمقراطية في كل دائرة حضارية عليها أن تراعي ثوابت تلك الحضارة وما يجله الناس من قيم وعقائد, فأن نُظم الحكم الديمقراطية لها ثوابتها أيضا, فهي نظم مُحْـكَمَة لها مقومات مشتركة من مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات, لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا انتقص منها. ويمكن لنا إذا دققنا في قراءة نُظم الحكم الديمقراطي عبر القارات والحضارات _ من ماليزيا والهند إلى جنوب إفريقيا و أمريكا اللاتينية إضافة إلى أوربا ودائرتها الحضارية, أن نجد مقومات عامة مشتركة بين أنظمة الحكم التي تكتسب اليوم صفة الديمقراطية. وتتمثل هذه المقومات في خمسة مقومات:

أولها: مبدأ الشعب مصدر السلطات نصاً وروحاً وعلى أرض الواقع.

ثانيها: مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية الفاعلة, واعتبار المواطنة ولا شيء غيرها مصدر الحقوق ومناط الواجبات دون تمييز.

ثالثها: قيام الأحزاب خاصة ومنظمات المجتمع المدني على قاعدة المواطنة وممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها.

رابعها: الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي, والدستور الديمقراطي يجب أن يؤسس على ستة مبادئ عامة مشتركة لاكتساب أي دستور صفة "الديمقراطي". وهذه المبادئ هي:

أولاً: إن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب
ثانياً: إقرار مبدأ المواطنة
ثالثاً: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه
رابعاً: عدم الجمع بين السلطات في يد شخص أو مؤسسة واحدة.
خامساً: ضمان الحقوق والحريات العامة دستورياً و قانونياً وقضائياً وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم. وكذلك حقوق الأقليات والمعارضة في إطار الجماعة الوطنية.
سادساً: تداول السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية سلمياً وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة وفعالة.

هذه هي المقومات التي لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطية قائمة إذا انتقص منها. وفي ضوء معرفتنا بإشكاليات الديمقراطية في دائرة الحضارة العربية الإسلامية وما سبق ذكره من مقومات نظم الحكم الديمقراطية، فإن الأمر يتطلب كما هو الحال في كل حضارة لم يسبق لها الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي أن ينظر المفكرون فيها بعمق إلى مشكلات وإشكاليات الديمقراطية في مجتمعهم والتي حالت دون انتقاله في الماضي من حكم الفرد أو القلة إلى نظام حكم ديمقراطي. ومن أجل ذلك لابد من القيام بقراءة مدققة لكل من ثوابت المجتمع ..من ناحية و مقومات الحكم الديمقراطي من..ناحية أخرى. وذلك بهدف إجراء المقاربات الضرورية اللازمة.

ويمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من العقبات التي تقف في العادة دون الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي والعمل على تذليلها: أولها: المشكلات، وثانيها: التشوهات، وثالثها: الإشكاليات.

وإذا كانت المشكلات والتشوهات هي من الأمور المعتادة التي يمكن حلها بالمواجهة المباشرة معها , فان الإشكاليات ليس لها حل واحد بسيط مباشر, وإنما تحتاج إلى مقاربة وجهات النظر وإزالة سوء الفهم من خلال قراءة مدققة هادئة للإشكالية وفرز ما علق بها من حمولة عاطفية وإسقاطات, بهدف إزالة اعتراضات وتحفظات الأطراف المختلفة حول مدلول الفهم المتعارض الذي أدى إلى بروز الإشكاليات.

ومن قراءة أدبيات الديمقراطية باللغة العربية, نجد أن هناك عدداً من الإشكاليات تواجه فرص الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية. أولها: إشكالية الإسلام والديمقراطية، وثانيها: احتمال تعارض نظام الحكم الديمقراطي في إطار الرأسمالية مع قيم العدل والإنصاف والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، وثالثها: الفصل المصطنع بين الديمقراطية والوطنية واتخاذ الديمقراطية سبيلاً لتفكيك الهويات الجامعة واختراق الأمن القومي للدول العربية,بحجة العولمة وأنتها عصر العقائد وانتهاء التاريخ عند سيادة الغرب وقيمه ومصالحه. ورابعها: ضمان حق مشاركة الأقليات العرقية و الاعتراف بثقافتها دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك الدولة الوطنية الديمقراطية أو فتح المجال للتدخل الخارجي.

ولضيق الوقت اسمحوا لي أن أتوقف فقط عند اهم الإشكاليات وأصعبها وهي إشكالية الإسلام والديمقراطية. تنبثق هذه الإشكالية من احتمالات تعارض مبدأ الشعب مصدر السلطات وما يتضمنه هذا المبدأ من حق الشعب في التشريع, مع الشريعة الإسلامية.

ويدور الجدل بين المتمسكين بمدلول مبدأ الشعب مصدر السلطات والذين يُصرون على إطلاق صلاحية التشريع دون قيود, باعتبار أن إيمان المسلمين بعقيدتهم وحرصهم على ما هو من الدين بالضرورة, هو القيد الحقيقي على المشرع حيث أن مضمون الديمقراطية في أي حضارة لا يخرج عن قيم تلك الحضارة فهو في المقام الأول نابع من خياراتها ... هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى .... بين الذين يصرون على أن تكون الشريعة الإسلامية قيداً على المشرع, ويختلفون بين أن يكون النص الدستوري هو الشريعة الإسلامية مصدر رئيس أو الرئيس للتشريع. كما يختلفون - وهذا أصعب- في تعريفهم للشريعة الإسلامية هل هي المبادئ والمقاصد التي جاء بها الوحي أم إنها الفقه والفكر الإسلامي أيضا.

وفي بعض الأحيان يبدو أن بعض المقيدين للمُشرع بالشريعة الإسلامية, يدعون إلى وضع هذا القيد في يد "رجال الدين". الأمر الذي سيجعل القول الفصل في التشريع في يد قلة، كما هو الحال في إيران مما يثير شبهة الدعوة إلى حكومة دينية، ويخرج النظام السياسي من دائرة نظم الحكم الديمقراطية.

وحسب اعتقادي فإن الإسلام لا يفرض حكومة دينية ولا يعطي علماء الدين حق وصاية تحولهم إلى رجال دين, وإنما الحكومة مدنية. كما أن جوهر الديمقراطية يرفض حكم القلة ووضع سلطانها فوق سلطة الشعب.

ويبدو من متابعتي للمقاربات التي قدمت في العقود الأخيرة أن هناك توافقاً بين طيف ديمقراطي في كل من التيارات الإسلامية والتيارات الوطنية, على مقاربة هذه الإشكالية المركزية. فقد تزايد القبول لنظام الحكم الديمقراطي داخل التيارات الإسلامية. كما تزايد اعتراف التيارات الوطنية بمكانة مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية ووجوب مراعاتها في التشريع.

وجديٌر بالتأكيد أن هذه الإشكالية لا يمكن مقاربتها في جو المواجهة والسجال .وإنما يجب الخروج من الجدل إلى قراءة متأنية لما لا يقوم نظام الحكم الديمقراطي بدونه من مقومات. وهذه المقومات سبقت الإشارة إليها. وكذلك قراءة سمحة للشريعة الإسلامية تحقق المصالح المرسلة وترفع الحرج عن المسلمين.

وحسب وجهة نظري فإن الديمقراطية تقبل القيود الدستورية على التشريع, والحد دستورياً من سلطة المشرع. وهذه القيود طالما إنها لا تخل بالمقومات الجوهرية لنظام الحكم الديمقراطي ـ السابق ذكرها ـ يمكن النص عليها في الدساتير, كما يمكن للقضاء الدستوري الحكم بها دون نص باعتبار أن نظام الحكم الديمقراطي لا يعمل في فراغ وإنما تضبطه إلى جانب مبادئ وأحكام الدستور, مرجعيات وقيم .

وإذا كان لي أن أحدد أهم بعدين يتطلب مقاربتهما حتى تكون الشريعة الإسلامية قيداً ديمقراطياً على الممارسة الديمقراطية دون أن تمس مبدأ الشعب مصدر السلطات. فإنني أذكر التالي:

أولاً: لابد من تحديد ما هو المقصود بالشريعة المقيدة للمُشرّع. هل هي ما جاء به الوحي ومقاصده والأحكام القطعية العامة. أم إنها الفقه والفكر الإسلامي. وفي تقديري أن قبول مقاصد الوحي أو المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية, قيداً دستورياً على المُشرّع لا يخل بمبدأ الشعب مصدر السلطات فهو إحالة إلى عقيدة تُؤمِنْ بها الأغلبية العظمي من الشعب ولا تقبل الخروج عليها.

ثانياً: لابد من تحديد الجهة التي تفصل في أمر مدى مراعاة الشريعة الإسلامية من عدمه في التشريع. وفي تقديري أن هذه الجهة يجب أن تكون محكمة دستورية تنظر في دستورية القوانين وليس أية جهة أخرى. وهذا التحديد جوهري لما يؤدي إليه من إبعاد الممارسة الديمقراطية عن وصاية فرد أو قلة من الشعب. كما يؤكد على مبدأ الشعب مصدر السلطات ولا سيادة لفرد أو قلة عليه, الذي لا تقوم للديمقراطية قائمة إذا تم تعطيلهما.

ثالثا: بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية.

تبين لمشروع دراسات الديمقراطية من خلال تناول مختلف الموضوعات المتعلقة بالديمقراطية, أن غياب كتلة تاريخية في كل دولة عربية تعمل من اجل الديمقراطية ويمارس أطرافها الديمقراطية داخلها وفيما بينها, هو العامل الاستراتيجي الأهم في غياب الديمقراطية.

ولعل هذه الحقيقة من أهم النتائج التي خرج بها اللقاء الثامن عشر لمشروع دراسات الديمقراطية حول أسباب تأخر الدول العربية في الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية. ولهذا قرر المشروع أن يكون موضوع متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية في كل دولة من الدول العربية, هو عنوان اللقاء السنوي القادم للمشروع.

ومن أجل المساهمة في توضيح مفهوم الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية تم إعداد ورقة من قبل الزميل الدكتور عبدالفتاح ماضي وشاركته أنا فيها. وجدير بالتأكيد أن تلك الورقة ليست محاولة لتطبيق نظريات أو أطر مسبقة على الدول العربية، وإنما هي دراسة استقرائية تستفيد في هذا من مفاهيم وأفكار قدمها مفكرون وسياسيون سابقون، ومن تجارب دول مرت بأوضاع كالتي تمر بها الدول العربية اليوم. هذا إلى جانب ما ساهم به مشروع دراسات الديمقراطية، منذ تأسيسه في عام 1990, من دراسات وبحوث وحوارات من أجل تنمية وإعداد رؤية مشتركة لتعزيز المساعي الديمقراطية في البلدان العربية.

وجدير بالتأكيد أن مفهوم بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية، موضوع هذه الدراسة، يشير إلى مجال أضيق من مجال مصطلح الكتلة التاريخية لدى جرامشي والجابري وخيرالدين حسيب في المشروع النهضوي العربي ذو الأهداف السبعة. فما نقصده هنا هو ائتلاف من اجل الديمقراطية بين التيارات والقوى السياسية التي تنشد التغيير السلمي وتعمل مجتمعة من أجل الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في دولة معينة، ملتزمة في ذلك بممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها. وذلك على اعتبار أن الديمقراطية الى جانب أنها أحد الأهداف الوطنية الكبرى هي أيضا وسيلة أساسية لتحقيق بقية الأهداف. من هنا فأن الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية التي نؤكد على أهميتها، هي توافق مرحلي نسبيًا، توافق تجد فيه القوى التي تنشد التغيير السلمي في كل دولة عربية سبيلاً ناجعًا لتقديم بديل لنظم حكم الفرد أو القلة القائم بالدول العربية.

وكما توضح الدراسة فالكتلة هي ائتلاف لقيام "حزب الشعب" من أجل وضع وتطبيق دستور ديمقراطي, في مقابل "حزب الحاكم" الذي يحشده الحاكم العربي من الموالين والمنافقين والمضطرين من الموظفين العموميين وبعض رجال الأعمال وغيرهم, بهدف إخضاع هؤلاء لإرادته وتنفيذ رغباته بصرف النظر عن تسمية ذلك الجمع حزبًا في الدول الحداثة أو النظر إليه على أنه جماعة الموالين في الدول التقليدية حيث تمنع الأحزاب. وحزب الشعب هذا يمكن أن يتسع ليضم نخب حاكمة ومؤسسات رسمية,، إنْ هي قبلت الانتقال السلمي إلى نظام حكم ديمقراطي وعملت مع الآخرين على تحقيق هذا الانتقال. وإذا كان من المهم أن تستمر الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية قائمة بعد الانتقال من أجل صيانة الدستور الديمقراطي وتفعيل العمل به نصًا وروحًا، فإن أطراف الكتلة التاريخية يمكنها أن تتنافس منفردة بشكل ديمقراطي فيما تختلف حوله من سياسات أو مصالح، دون أن يؤدي ذلك التنافس إلى نكوص نظام الحكم الديمقراطي الذي حققته الكتلة التاريخية.

في ضوء الأوضاع التاريخية الراهنة تبرز حاجة ملحة في كل دولة عربية لبناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية كسبيل للخروج من حكم الفرد أو القلة والوصول إلى الحكم الديمقراطي. وهذا أمر أقرب إلى جوهر الأفكار التي قدمها كلٌ من المفكر والسياسي الإيطالي أنطونيو جرامشي (1891-1937) والمفكر العربي المغربي الدكتور محمد عابد الجابري مع اختلاف الغايات. و كذلك كتب المستشار طارق البشر كثيرًا عن "المشروع الوطني" وعن ما أسماه "التيار الأساسي والجماعة الوطنية.

وجدير بالذكر أن الدعوة إلى تنمية كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية" هي جزءٌ لا يتجزأ من أهداف "مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية"، ومن أهداف "وقف تعزيز دراسات الشورى والديمقراطية" منذ نحو عقدين من الزمان. فأهداف الوقف والمشروع هو"تنمية فهم عربي أفضل للديمقراطية، وإيجاد قواسم مشتركة لدى التيارات الفكرية والقوى السياسية الفاعلة على الساحة العربية"، وصولاً إلى غاية أعلى هي المساعدة في الانتقال إلى الديمقراطية وإرساء نظم حكم ديمقراطية في البلدان العربية.

في السنوات الأخيرة من نشاط المشروع طرحنا سؤال النهضة المعتاد: لماذا انتقل كثير من دول العالم داخل وخارج منطقة الحضارة الغربية وتخلف العرب؟ والحقيقة أننا وجدنا أسبابًا كثيرة مثل: الثقافة، والغالبية للاستبداد بسبب التاريخ السياسي للمنطقة، والعامل الخارجي، فضلاً عن عشرات العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، وأخيرًا خلصنا إلى أن قضية الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية تتوقف على ثلاثة لاعبين أساسيين هم في كل دولة عربية:

1. الحاكم: والحاكم العربي في الوقت الحاضر لا يفكر في الانتقال بالرغم من تأكل شرعية نظم الحكم العربية, بل نجد الحاكم العربي في الأغلب الأعم يعمل على إرضاء الخارج وإسكات الداخل بانفتاح سياسي شكلي مسدود الأفق. كان الحاكم العربي يحكم "بالغلبة" الظاهرة فأصبح اليوم يغطيها بشعارات العصر دون تغير في جوهر نظام حكم الفرد أو القلة.

2. الخارج: لديه مصالح معينة؛ وهذه المصالح تتحقق أكثر مع بقاء الأوضاع على ما هي عليه بوجود الحاكم الفرد الذي تآكلت شرعيته والمعتمد في أمنه على الخارج, ولذلك يخشى من الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول الخاضعة لهيمنته, تعبر عن خيارات الشعوب وتراعي مصالحها المشروعة. وبالتالي فالخارج ليس مستعدًا أن يدفع الأمور في هذا اتجاه الديمقراطية خوفًا ممن سيأتي، إلا إذا أتى عن طريق الديمقراطية من يريده وهذا يبدو أمرا صعبا في الدول العربية في الوقت الحاضر, ومن ثم يجد الخارج أن تكريس وضع الحاكم الحالي افضل لاستمرا نفوذه ومصالحه .

3. الأهالي عامة والقوى التي تنشد التغير خاصة: هم مع الأسف في منطقتنا العربية كلها يعيشون حالة من عدم الوفاق بل هي اقرب إلى شقاق. فكل طائفة أو حزب أو تيار يخشى من الآخر أكثر من خشيته من النظام والسلطة القائمة. وبالتالي فالأهالي متفرقون وغير مؤهلون في الوضع الحالي لتقديم بديل لنظم الحكم القائمة, مقنع ومطمئن لمجتمعاتهم وللخارج الذي أصبح مع الأسف احد الأطراف المؤثرة في الداخل.

وإذا كان من الطبيعي أن يقاوم الحاكم الفرد أو القلة الحاكمة الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، وان تجد القوى المهيمنة المؤثرة على استمرار نظم الحكم المستبدة الصديقة لها أن مصلحتها في بقاء النظام طالما كان قادرا بفضل الجزرة واستعداده لاستخدام العصي ضد القوى التي تنشد التغير، فإن الطرف الوحيد صاحب الحاجة للانتقال إلى نظام حكم بديل هي المجتمعات وقواها الفاعلة.

وهذه الحاجة لا يمكن تلبيتها إذا استمرت الشعوب منشقة على نفسها وجهود القوى التي تنشد التغير فيها مبعثرة ومعطلة بعضها بعض.

من هنا فإن بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية من القوى التي تنشد التغير في كل دولة عربية هو طوق النجاة والسبيل المجرب الوحيد لوضع حدا للاستبداد في الداخل والتدخل من الخارج. فالمجتمعات والشعوب هي الطرف الوحيدة الذي من الممكن أن نعول عليها، فلا يمكن التعويل على الحاكم أو الخارج. فالتغيير يجب أن يأتي من هذه المجتمعات إذا جنحت القوى التي تنشد التغير فيها إلى الوفاق بدل الشقاق وتوصلت إلى قواسم مشتركة؛ تصل إلى توافقها على معالم دستور ديمقراطي، تعمل من أجل تحقيقه حركة ديمقراطية وطنية جامعة فاعلة, تستطيع مع الزمن اكساب الشارع والضغط على الحاكم وإقناع الخارج أن هناك بديلاً حقيقيًّا لنظام حكم الفرد أو القلة.

وهذه العملية تتم الآن في بعض البلاد العربية وأن كانت ببطء ولم تتخطى مرحلة الارتداد. فالمغرب كان قريبًا جدًا منها؛ ففي الخمسينات كان حزب الاستقلال هو الكتلة التاريخية التي تكونت من أجل الاستقلال والتي كان من الممكن أن تحقق الديمقراطية ثم انشق الحزب إلى ثلاثة أحزب، بل إن حزب الاتحاد الاشتراكي بمفرده خرج من تحت مظلته 25 حزبًا. وهذه الأحزاب التي كانت وطنية أصبحت الآن محسوبة على الإدارة، وتخشى من وجود قوى جديدة مثل العدل والإحسان وغيرها. وفي المغرب أيضًا يقول الشيح أحمد الريسوني أنهم قبل وفاة محمد البصري-رحمه الله- كانوا على وشك تكوين مجموعة من مائة شخصية مغربية ممن يستطيعون الجلوس مع الملك والحديث معه، وهذه المائة شخصية من الرموز كان يمكن أن تكون نواة كتلة تاريخية جديدة من أجل الديمقراطية تساعد النظام لكي يتغير في جوهره وليس في شكله. يقول الشيخ الريسوني كنا على وشك تحقيق ذلك في حياة البصري لأنه شخصية وطنية مستقلة ولها مكانتها عند التيارات المختلفة، ولكن حين توفي البصري تعطل الجهد، فقد كان هو الوحيد القادر على جمع الأطراف؛ لأننا جميعًا أطراف ولابد أن يأتي من هو قادر على جمع هذه الأطراف وتكون له الثقة عندها.

الآن وفي بلدان أخرى -ومنها اليمن- أصبح هناك تقدم كبير، وأصبحت هناك مشروع كتلة تاريخية هي "اللقاء المشترك" استطاع مرشحها أن ينافس رئيس الجمهورية في الانتخابات الأخيرة ويحصل على حوالي 25% من أصوات الناخبين. وكانت الجزائر على وشك إطلاق كتلة تاريخية من اجل الديمقراطية من الجبهات الثلاث. وهناك اليوم محاولات في كل بلد عربي وعلى المستوى العربي تسعى إلى مزيدا من الوفاق وتعمل من اجل تخفيف أسباب الشقاق.

لذلك يمكن القول إنه إذا استطاعت نخب أي بلد أو القوى التي تنشد التغيير فيه تكوين "كتلة تاريخية" على قاعدة ديمقراطية ومن أجل الديمقراطية (ونحن نقول من أجل الديمقراطية حتى لا تتعدد الأهداف فيصعب الوفاق)، يمكن أن تبدءا عملية تأسيس نظام سياسي بديل بحيث يضم الجميع ويتنافس فيه الجميع تنافسًا سلميًّا من الداخل. ونظم الحكم الديمقراطية في تقديري هي وحدها القادرة على تحقيق الاندماج والسلم الاجتماعي وتحقيق الأهداف الوطنية الجامعة الكبرى و مصالح الشعوب ونمو المجتمعات.

وأختم حديثي هنا عن الكتلة التاريخية بذكريات عطرة عن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله. أذكر أننا في عام 1986 كنا نعمل من أجل إيقاف الحرب العراقية-الإيرانية، حيث اجتمعت في جنيف مجموعة طيبة منهم: محمود رياض و جاسم الصقر واحمد السعدون وعبدا لرحمن اليوسفي وفاروق أبو عيسى وتريم عمران ورسول الجشي وخالد محيي الدين ومنح الصلح وعلي ابونوار وأمين هويدي والشيخ الغزالي، واتفقنا على التحرك تجاه الشعوب وتجاه الحكومات. ولكن الخلاف كان على الأولوية وأحلنا الموضوع لمناقشته في الإسماعيلية. وهناك طلب الشيخ الغزالي قبل أن يبدأ الاجتماع أن يقرأ لنا سورة "العصر" لأن بها معنى عظيمً، وقال بعد أن قرأ السورة الكريمة: إن منطلقاتنا مختلفة، فمجموعة تريد إيقاف الحرب العراقية-الإيرانية لأنها تهدد الأمن القومي العربي، وأخرى تريد إيقافها لأن ذلك سيكون في صالح الأخوة الإسلامية ولصالح صورة الإسلام، إذن نحن متفقون على الهدف دون أن نكون متفقين على المنطلق، فلنعمل على تحقيق الهدف المتفقين عليه دون النظر إلى المنطلقات.

وأنا أقول إنه في حالة بناء كتلة تاريخية من أجل الديمقراطية وعلى قاعدة الديمقراطية فإن الهدف مهم وكبير، وهو أن يتم تأسيس نظام سياسي بديل لحكم الفرد. وهذا يستحق من جميع القوى التي تنشد الغير أن تعمل من أجله.

هذا ما أحببت مشاركتكم فيه بشكل عام، ويهمني جدا أن أسمع آراءكم حول مفهوم الديمقراطية وموضوع "الكتلة التاريخية" على قاعدة الديمقراطية.

أ.د سيف الدين عبد الفتاح:

نشكر الدكتور علي خليفة على هذا العرض الوافي والكافي للمشروع، وقد بدأ في هذه النقاط المهمة التي تعطي نبذة عن مشروع دراسات الديمقراطية والذي اعتبر أنه مشروع دراسي، وحينما افتتحت هذه الحلقة تحدثت عنه باعتباره مشروعًا فكريًا وربما له دلالات سياسية. وأيًّا كان التوصيف، فقد استمر هذا المشروع كما قلنا لمدة عقدين من الزمان. ثم تحدث بعد ذلك عن إشكاليتين مهمتين: الأولى- تتعلق بمفهوم الديمقراطية، والثانية تتعلق بالانتقال الديمقراطي. كما أنه أفرد جزءًا من حديثه لطبيعة الإشكاليات التي من الممكن أن تواجه المسألة الديمقراطية في العالم العربي إن صح هذا التعبير، ومنها: إشكالية الإسلام والديمقراطية، والديمقراطية والعدل والعدالة الاجتماعية، الديمقراطية واعتبارات الأمن القومي، ثم تحدث أيضًا عن الديمقراطية الوفاقية باعتبارها تشكل حالة مرنة وانتقالية في ذلك الإطار. كما تحدث عن موضوع في غاية الأهمية وهو موضوع "الكتلة التاريخية" للخروج من هذا الأمر في محاولة إن نحدد هدفًا تأسيسيًّا يمكن من خلاله أن نقدم معادلة جدية للتعامل مع مسألة تفعيل ما يمكن تسميته النظام الديمقراطي، وفي هذا تحدث عن أهمية هذه الكتلة التاريخية؛ لأن هناك أطرافًا تقوم بالفعل والفاعلية، أولها الحاكم، وهو معنيّ بشأنه وكرسيه، وثانيها الخارج وهو معنيّ بمصالحه، أما الثالث فهو الأهالي أو الشعوب، ووصف حالها بأنها لا تقدر أو لا تستطيع، ولكنه يتحدث في هذا عن ضرورة هذه الكتلة للخروج من هذا المأزق الذي يتعلق بالمسألة الديمقراطية.
وسوف نبدأ النقاش حول الموضوع بإعطاء الكلمة لمن يطلبها، ثم بعد ذلك نقوم بجولات مختلفة من الحوار؛ وهو المقصود من هذه الحلقة النقاشية.

أ.د إكرام بدر الدين:

أريد الحديث عن بعض النقاط؛ منها ما يتعلق بالنقاط التي أثيرت في المناقشة، ومنها ما يتعلق بالمشروع نفسه.

بالنسبة لمفهوم الديمقراطية، فهذه إشكالية كبيرة، ولا يوجد تعريف جامع مانع لها، وأسباب ذلك أنه لا توجد دولة في العالم الآن تعلن عن أنها غير ديمقراطية. وبالتالي الصعوبة هنا تكمن في صعوبة الجمع بين كل هذه الدول في سلة واحدة؛ ولذلك يصعب تصنيف دول العالم كلها في سلة واحدة في زاوية الديمقراطية. لذلك هناك أشكال مختلفة من الديمقراطية: مثل الديمقراطية الليبرالية وديمقراطية دول العالم الثالث، والديمقراطية التي كانت موجودة في الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، إضافة إلى أشكال متعددة من الديمقراطية داخل الديمقراطية الليبرالية نفسها. ففي داخل الديمقراطية الليبرالية من الممكن أن نتكلم عن الديمقراطية البريطانية أو ديمقراطية الكثرة، ويمكن أن نتكلم عن الديمقراطية التوافقية كنموذج آخر، ويمكن أن نتكلم عن الديمقراطية شبه المباشرة.. أشكال مختلفة ومتعددة يجمعها كلها في النهاية أنها ديمقراطية.

والديمقراطية منظومة ثلاثية: مؤسسات وقيم وممارسات. والأخذ بأحد جوانب هذه الثلاثية دون الآخر هو الذي يجعل هناك اختلافات بين دولة وأخرى في التطبيق الديمقراطي. فمن الممكن أن تأخذ دولة بالمؤسسات دون أن تتواجد لديها الممارسات الديمقراطية الصحيحة.

النقطة الثانية في إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي كما أشار د.علي خليفة تكمن في العلاقة بين الديمقراطية والشريعة الإسلامية، وفي رأيي فإن الشريعة الإسلامية تثير وجهات نظر متناقضة ومختلفة. فمن زاوية أولى، الإسلام مصدر لإضفاء الشرعية على النظم العربية، وبعض الدول العربية التي ابتعدت عن تطبيق الشريعة الإسلامية عانت من عدم الاستقرار السياسي، ومن الأمثلة في هذا السياق الجزائر وسوريا ولبنان، ولكن في نفس الوقت قد يرى البعض أن تطبيق الشريعة الإسلامية بهذا المعنى قد يتنافى مع مبدأ المواطنة خصوصًا إذا كانت هناك أقليات غير مسلمة داخل المجتمع.

وهناك بعض النقاط التفصيلية المتعلقة بالمشروع. ففكرة إنشاء مؤسسة بحثية تهتم بالدراسات الديمقراطية هي فكرة جيدة وإيجابية على المستوى النظري، ولكن المشاكل قد تظهر في التطبيق، وبالتأكيد قد واجهتكم بعض تلك الصعوبات مثل مدى التقبل السياسي في بعض الدول العربية لمثل هذه الفكرة، وكذلك الحرية الأكاديمية المتاحة لذلك. فأنا أذكر أن مركز دراسات الوحدة العربية اضطر منذ بضعة سنوات أن يعقد ندوة الديمقراطية في قبرص؛ لأنه لم يجد دولة عربية يعقد فيها هذا الاجتماع، وبالتالي هذا يثير نقطة الحرية الأكاديمية. وهناك أيضًا إمكانية التعاون مع العالم الخارجي والمؤسسات البحثية الأجنبية، ثم هناك التصور الاستراتيجي للموضوع؛ بمعنى: هل هذا المشروع سيؤثر في الواقع أم يتأثر به؟ والمشكلة هنا إذا تأثر بالواقع، أما إذا أثر هو في الواقع فهذا هو المأمول المطلوب.

في النقطة الثانية تأتي العدالة الاجتماعية والديمقراطية، ولا تقتصر العدالة الاجتماعية على دائرة الحضارة الإسلامية فقط، فنحن نسمع الآن بعد الأزمة المالية العالمية كلامًا كثيرًا عن العدالة الاجتماعية وعن تدخل الدولة وبالتالي فالأمور قد يكون بها نوع من النسبية.

هناك أيضًا فكرة مراحل العبور من نظام حكم الفرد إلى النظام الديمقراطي، والسؤال هل هناك مسار واحد، مسار وحيد، مسار أحادي؟ أي هل هناك علاقة خطية واحدة؟ ألا يمكن أن يكون هناك تراجع؟ ففي بعض الأحيان يتم قطع شوط في طريق التطور الديمقراطي ثم يحدث نوع من التراجع، وبالتالي السؤال: هنا هو لماذا يحدث التراجع؟ وكيف يمكن تداركه؟

الثقافة أيضًا يمكن ألا تكون شيئًا جامدًا؛ بمعنى أنها قد تكون في بعض الأحيان قيم أو ثقافة تتناقض مع الديمقراطية، ولكن الثقافة قابلة للتغيير قد تحتاج إلى فترة زمنية طويلة ولكن يمكن تغييرها؛ ولذلك هي لا تتصف بالجمود. ربما قد يكون من المفيد أيضًا التركيز على ما يحدث في الواقع وليس على مستوى الدساتير، فكل الدساتير نجدها ديمقراطية بما في ذلك دستور الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن المشكلة هي مدى الالتزام بتطبيقه على أرض الواقع. أيضًا كما أنه مطلوب تحديد المصلحة في الديمقراطية. وقد يكون بنفس المنطق من المفيد تحديد من له مصلحة في عدم تطبيق الديمقراطية، وقد تكون هناك فئات أو شرائح في المجتمع لها مصلحة في بقاء الوضع القائم وعدم تحقيق التطور الديمقراطي. وبالتالي نحن في جميع الأحوال عندما نتحدث عن تطور ديمقراطي، فنحن نقصد انهيار أو تقويض نظام سلطوي ثم بناء نظام ديمقراطي؛ وبالتالي يصبح السؤال هو: كيف يتم تقويض نظام سلطوي لكي يمكن بناء نظام ديمقراطي؟

د. باكينام الشرقاوي:

لدى نقطة واحدة فقط أريد أن أتحدث فيها، وهي ما يخص العمل في المرحلة القادمة. فمن اطلاعي على مجموعة المنشورات حتى الآن، أرى أنها غطت جميع الأبعاد الممكنة، أعتقد أن مشكلة الدراسات الديمقراطية الرئيسية في العالم العربي والعالم الإسلامي بشكل عام هي أننا نعيد إنتاج أزماتنا في الواقع، وعلى المستوى الأكاديمي نعيد إنتاج نفس التحليلات، وبالتالي لابد أن نعطي ثقلاً ومغزى لهذا المشروع البحثي الطويل على مدى سنوات بأن نركز على ما نسميه policy oriented research؛ فالبحث كله يدور حول كيف نبني الديمقراطية في العالم العربي، فليصبح هذا هو السؤال الرئيس، وأنا أعتقد أن هذا ينبع من كذا محور ويمكن تخطيطه:

المحور الأول، أن نحاول أن نتخطى فكرة جدلية تعريف جامع مانع للديمقراطية إلى استطلاع آراء جميع الخبراء في العالم العربي لمؤشرات جامعة لما هي الديمقراطية، ثم تمثل ما هو مقبول اجتماعيًا وسياسيًا في الوطن العربي.

المحور الثاني، هو العمل على مستوى النخب السياسية البديلة أو النخب الثقافية والمجتمعية البديلة؛ بحيث نقيم نوعًا من الحوار الأفقي أو العمودي؛ بمعنى أن يكون هناك –مثلاً- التيارات الإسلامية أو المعارضة الإسلامية في الوطن العربي؛ للتعرف على ما هي العناصر المشتركة فيما بينها في دعواها للتغيير وما هو المختلف حوله، بحيث يكون لدينا برنامج ملخص يحدد نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، ويطبق هذا أيضًا على التيارات الليبرالية واليسارية وعلى جميع النخب الفكرية البديلة، وهذا يمثل محاولة بناء الكتلة التاريخية لدفع عملية الديمقراطية. وهناك أيضًا في داخل كل دولة: فهناك دول مركزية مثل مصر والسعودية والجزائر والعراق، من المهم أن نقيم نوعًا من الحوار البيني في داخل هذه النخب حول كيف يتفقون وكيف يرون مشروع التغيير القومي؟ وأين اختلفوا؟ هذا على مستوى محاولات التغيير قصيرة المدى.

وهناك أيضًا (وأعتقد أن هذا هو الأهم) لابد من وضع برنامج عمل للتغيير على المدى الطويل؛ وهي فكرة عملية تغيير ثقافة المجتمع وبناء مجتمع لديه قابلية للتحول الديمقراطي، وأن نتفق على مستوى التشخيص، وهذه هي المشكلة.

أعتقد أنه من المهم أن نتحدث عن مستوى التعليم وما هي نوعية المناهج التعليمية. وقد يكون ضمن هذا المشروع فكرة طموحة لنوعية الأفكار التي لابد من تضمينها داخل مناهج التعليم من أجل بناء أجيال شابة قابلة، أو عندها القدرة على دفع ثمن التغيير الديمقراطي. وأيضًا على مستوى مهم جدًا وهو التمكين الاقتصادي. وعلى هذا المستوى أرى أنه من المهم أن ندرس برامج كيفية التوافق مع الدولة في هذا الإطار؛ لأنه -من الخبرة المصرية وربما من واقع مشاهداتي الشخصية- أعتقد أنه عندما نتحدث عن محاولات تغيير اقتصادية واجتماعية تأتي من خارج الدولة أو من قوى بديلة للدولة غالبا ما تقف الدولة عقبة أمام هذه المشروعات، على اعتبار أن الكثير من النظم الديمقراطية الناجحة خارج العالم الإسلامي ارتبط معظمها بمرحلة اقتصادية واجتماعية في البداية، وهذه الكتلة التاريخية خلقت المجتمع القابل للتغيير أو الدافع لعملية التغيير، فحتى نحاول تذليل العقبات أمام التمكين الاقتصادي للفئات لمهمشة في المجتمع أعتقد أنه لابد من دراسة برامج عمل كيف يمكن التوافق مع الدولة في مكافحة الفقر.

وأعتقد أن هذه عملية طويلة المدى وممتدة ويجب أن تقوم على برنامج عملي قابل للتطبيق، ولنخرج من عملية التنظير إلى عملية التفعيل في الواقع بهدف جعل هذا الواقع أكثر ديمقراطية. أعتقد أن هذا سيكون مشروعًا طموحًا بالفعل، وهذا ما تحتاجه أمتنا العربية من نخبنا الفكرية، فهي لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص ومزيد من الحديث عن المشاكل، ولكنها تحتاج إلى التعرف على حلول عملية قابلة للتطبيق. وأعتقد أن هذا المشروع سيكون رائدًا بهذا المنطلق، حيث سيتم تغيير مفهوم بيوت الخبرة أو Think Tanks الذي يتحدث عنه الغرب والذي كان دافعًا لعملية التطور في الغرب. وفي اعتقادي يمكننا أن نخلق هذا المفهوم بدون الحديث عن المؤسسات، بل نتجه مباشرة إلى العمل فيما يخص تفعيل الفكر على أرض الواقع.

أ.حازم سالم:

أتصور أن ما أنجز وما تم فيما يتعلق بدراسة الديمقراطية والدعوة لها والنضال من أجلها كثير جدًّا، وأن محاولة اقتراح شيء جديد هو الصعب، ومن الصعوبة بمكان الانقطاع عما سبق والبناء عليه في الوقت ذاته؛ أي إننا سنقوم بانقطاع، ولكننا نظرا لطبيعة ثقافتنا نحتاج إلى أن نبني على ما ننقطع عليه. وبالتالي أتصور أننا نحتاج إلى ان نقعد الدوائر الكبرى للحركة وكيف نتحرك من الفكر السياسي إلى الاجتماع السياسي، وكيف نتحرك من الفكرة السياسية الديمقراطية إلى المجتمع السياسي الذي يتحرك من أجل الديمقراطية.

وفيما يتعلق باللاعبين الثلاثة في هذا المجال: أعتقد أن لاعب "الأهالي" أو "الشعوب" في حاجة إلى تجزئة؛ لأن هذه الفئة تضم الطليعة أو النخبة المثقفة وقبلها توجد الفكرة التي تتحرك بها هذه النخبة، وهو نوع من الإجماع حول نقطة عمل، فكيف نبني هذه الحركة، والحركة تتفاعل شعبيًّا فتكون تيارًا، ونحتاج حركة ديمقراطية وتيار ديمقراطي ثم يقوم الشعب بملء الفراغ الباقي بأن يدفع في اتجاه الديمقراطية ويطالب بها، فيكون بذلك حكم وسيادة الشعب.

يمكن تحويل كل ما يتم إنجازه إلى تبويب معين يساعد الباحث الجديد أن يدخل إلى الموضوع ويبني على ما سبق، فهذا مهم بدلا من أن ندرس كل المراجع والأدبيات ونخرج منها إضافة صغيرة، لكن التبويب الأعم والأكبر نحتاج إليه، ونحتاج معه إلى فكرة "هل هذا مشروع بحثي أو فكري أو حركي أو مجتمعي"، لابد من تفعيل ذلك ليكون للمشروع أجنحته، الجناح الفكري والجناح البحثي والجناح الدعوى للتغيير.

إضافة إلى هذا وذاك أنا أتصور أن هناك فرقًا بين التحول الديمقراطي والديمقراطية، فالديمقراطية كفكرة وحدها تحدد الحد الأدنى للديمقراطية، وبعد ذلك يأتي التحول الديمقراطي.

نحن نحتاج للاستفادة من خبرة ما تم إنجازه لأن ما تم بين عامي 1970-1980 يحتاج إلى دراسة تاريخية وبحثية، كذلك نحتاج إلى دراسة الفترة ¬1980-1990، ثم الفترة 1990-2000 ثم من 2000 حتى الآن؛ لأنه قد حدث تغير كبير في صورة الحراك السياسي في العالم العربي بدرجات مختلفة في دول مختلفة خلال المراحل المختلفة في تضاريس معينة، ولكن تفتقد إلى المؤرخين، في التحول باتجاه الديمقراطية، فما أنجز يجب البناء عليه لكن كأنه كروت كثيرة أمام باحث يحتاج إلى أن يصنفها ويرتبها فتتحول إلى رسالة مهمة.

أ.د كمال المنوفي:

أريد أن أشكر د.علي الكواري وأثمن الجهد الكبير الذي قام به في إطار هذا المشروع المهم، وأحسب أنه حقق -تحت مظلة هذا المشروع- تراكمًا علميًّا ومعرفيًّا بالغ الأهمية، ومن المهم أن يتم النظر إلى هذا التراكم العلمي والمعرفي بعين فاحصة؛ تمهيدًا أو توطئة للانطلاق إلى مرحلة قادمة. وبطبيعة الحال هذا الجهد أو التراكم المعرفي يضاف إلى تراكم معرفي قامت به العديد من المراكز والبرامج البحثية في كلية الاقتصاد وفي خارجها، مثل مركز البحوث والدراسات السياسية، ومركز بحوث ودراسات الدول النامية؛ وهي مراكز يعود تاريخها إلى 15 و 20 سنة في الكلية، وقد قامت بجهد مهمّ جدًّا في هذا الإطار، برامج مثل برنامج حوار الحضارات، وبرنامج الديمقراطية وحقوق الإنسان الذي أُشرف عليه في الكلية، وخارج كلية الاقتصاد. وإذا كان د.علي يريد أن يخضع ما أنجزه المشروع لتحليل توطئةً لانتقاله إلى مرحلة جديدة فأتمنى من الجهة المنوط بها القيام بهذا أن تنظر أيضًا إلى ما قامت به المراكز البحثية في كلية الاقتصاد وخارجها؛ لأنه إذا حدث ذلك أعتقد أن الانطلاق إلى مرحلة قادمة في المشروع ستكون بشكل أقوى وأرسخ. بالطبع هذا يحتاج إلى تمويل، ولكن إذا كان التمويل متوفرًا فلا بأس، ويمكن التواصل مع هذه المراكز البحثية لتوفير التمويل اللازم لقيام هذه المهمة الجليلة.

أنتقل بعد ذلك على الفور إلى مجموعة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: تتعلق بكيفية الانتقال الديمقراطي، وأرى أن د.علي خليفة على حق تمامًا في أن الانتقال الديمقراطي لن يحدث بمبادرات من القادة؛ فهذه مسألة ميئوس منها، وجميعنا متفقون على معرفة السبب، وهو أنه لا يمكن أن يسمح أحدهم بانتقال يزيحه عن كرسيه. لا يوجد حاكم يقبل هذا، ولا هو سيقبل بأن يترك كرسيه. إذن هي ديمقراطية محسوبة بالقطّارة. البديل الآخر هو البديل الشعبي أو الديمقراطية من أسفل، أو انتقال ديمقراطي من أسفل، وأعتقد أننا نعرف أوضاع الجماهير العربية ومشاكلها وهمومها، فضلاً عن أنها غير مستعدة أن تدفع هذا الثمن. وأنا أعتقد أن الدراسة المهمة التي قام بها تلميذنا د.معتز عبد الفتاح حول استطلاع رأي الجماهير في عدد من الدول الإسلامية والعربية بشأن قضية الانتقال الديمقراطي نتائجها بالغة الدلالة في هذا الخصوص، نعم هو رصد متفاوتات بين الدول العربية ولكن الصورة النهائية أو المحصلة الإجمالية أن هذه الشعوب غير مستعدة لدفع الثمن، وطبعًا هي غير مستعدة لدفع الثمن؛ لأنها مخلوقة هكذا، وأيضًا لأن هناك ظروفًا وتراكمات تاريخية وأسبابًا اقتصادية وتسلطًا واستبدادًا سياسيًّا وصل بها إلى هذه الدرجة من الوهن السياسي.

بالنسبة للكتلة التاريخية أريد أن أستوضح: ما المقصود بها؟ هل هي الكتلة الحرجة مثلاً أم الكتلة الفعالة (أقلية minority) أم (critical mass)؟؛ إذن هذه الكتلة الحرجة هي بمثابة البديل الذي يجب أن نفكر فيه، وأنا أتفق مع د.الكواري في ذلك، ولكن -وللأسف الشديد- التجارب مؤلمة، وبعيدًا عن التجربة المصرية المؤلمة، لدينا هنا نقطتان: أولهما غياب الثقة، ففي كل التيارات التي يمكن أن تشكل هذه الكتلة لا توجد لدينا ثقة كاملة في أيٍ منها، فلا ثقة لدينا في الإسلاميين أو الليبراليين ولا توجد ثقة حتى بينهم، كما لا توجد ثقة أيضًا بين الإسلاميين واليساريين، دعنا من أن البعض منهم ندعوهم هنا فيأتون ويتحدثون ولكن ما في القلب في القلب والمواقف مختلفة. إذن المسألة هي غياب الثقة بين الإسلاميين والليبراليين وبين الإسلاميين واليساريين، والأخطر هنا أنه بالنسبة للإسلاميين فإن اليساريين يقفون منهم في نفس الخندق مع السلطة والليبراليين أيضًا، إذن المسألة هي كيفية تكسير الفجوة وبناء الثقة، وقد تأتي هذه الثقة بالحوار، وأعني هنا الحوار الجادّ. وفي الحوار الجاد لا يجب إقصاء أحد، وأيضًا لا يجب أن يكون للسلطة دخل به، فليس من المعقول أن تتحدث تيارات سياسية عن الديمقراطية وتستبعد تيارًا معينًا، ولا أتحدث هنا عن تيار السلطة أو الحكومة، ولكنني أتحدث عن تيارات سياسية تتحدث عن الديمقراطية وتستبعد الإخوان المسلمين مثلا لأنهم جماعة محظورة!

النقطة الثانية أن الإسلاميين عندما يتحاورون مع الليبراليين عليهم ألا ينطلقوا من منطلق أنهم أفضل وأن لديهم مرجعية إلهية، معتبرين أنهم –بذلك- أحسن لأن لديهم الشريعة وهي مصدر إلهي، إذا أردنا أن نتحاور علينا أن ننطلق من كوننا عائلة واحدة وألا يحتكر أحد منا الصواب؛ لأن هذا الأمر يتعلق بنظام حكم وديمقراطية كما يتعلق أيضًا بشئون الناس، وفي هذا لا أحد يملك الصواب والحكمة، وليكن الحوار مفتوحًا وكل طرف يقول رأيه، والرأي الذي سيصمد في النهاية هو الرأي الجدير بالبقاء، إذن جدارة الرأي وجدارة الفكر أيًّا كان الطرف الذي جاءت منه.

النقطة الأكثر خطورة في موضوع بناء الكتلة التاريخية هو موضوع الدولة؛ سيف المعز وذهبه؛ لأننا حين نبدأ بناء هذه الكتلة فإن الدولة سوف تعرف وتبدأ الاختراق مستعملة في ذلك سيف المعز والأخطرَ منه وهو ذهبه. هذه النقاط يجب أن نأخذها في الاعتبار عندما نتحدث عن بناء الكتلة التاريخية علي قاعدة الديمقراطية.

أنتقل بعد ذلك إلى موضوع إشكاليات المستقبل بالنسبة للديمقراطية، وأنا أتفق مع د.علي خليفة في حل إشكالية العلاقة بين الشريعة والديمقراطية أو بين الدين والدولة، وأنا لست مع الرأي القائل بأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؛ لأن هذا كلام فارغ، وهذه حجة ساقطة وأنا لا أؤمن بها مطلقا؛ لأن هذا يتصادم مع واقع الناس ومع ثقافتهم أيضًا. وأيضًا موقف الدولة في ذلك وإقصاؤها للبعض هذا أيضًا لن يجدي، إذن التصالح أو الوصول إلى تصالح بين الشريعة والديمقراطية أو بين الدين والدولة، وأيضًا ما قاله د.الكواري عن المقاصد، والمقاصد هذه ليست أحكام شريعة، وإنما هي مبادئ عامة ويمكن أن نجد مثلها في المسيحية، وإذا بحثنا جيدًا في المسيحية سنجد ذات المقاصد الموجودة في الإسلام: حرمة النفس وحرمة المال وحرمة العقل، العقل الذي يجب أن نطوره وننميه بالعلم والتكنولوجيا والتقدم، وأيضًا حرمة الدين وأنا أرى أن يمارس كل فرد دينه كما يريد، فالقرآن الكريم يقول: (لكم دينكم ولي دينِ)؛ وهو هنا يخاطب الكفار؛ أي إن الكفر نفسه دين، فمن يريد أن يكون بهائيًّا فليكن وليمارس شعائره كما يشاء ونكتب له في البطاقة: "بهائي"، والمسيحي أيضًا حرّ، هذه حرمة الأديان كما أفهمها، إذن قضية مقاصد الشريعة وفقه المقاصد قد تحل لنا الإشكالية بين الدين والدولة وبين الشريعة والديمقراطية.

الإشكالية الثانية هي مسألة التهديد الثقافي، والحقيقة أنني معني هنا بفهم الناس للدين؛ بمعنى كيف يفهم المسيحي دينه وكيف يفهم المسلم أيضًا دينه وعلاقته بالديمقراطية. وأنا أرى أن هذا الفهم مشوّه جدًّا ولأسباب كثيرة جدًّا، وأنا أريد أن أعرف كيف يفهم المسلم دينه في علاقته بالديمقراطية، وكيف يفهم المسيحي دينه في علاقته بالديمقراطية؛ لأنني أقول إن هذا الفهم به قدر كبير من الاضطراب ولأسباب كثيرة جدًّا، وليس هناك أمل في أن نعمل تجديدًا ثقافيًّا موازيًا للديمقراطية إلا إذا وضعنا أيدينا على هذه النقطة؛ لأنها في غاية الأهمية. أيضًا الخطاب الديني وأئمة المساجد والكثير مما يقال هنا وعلى الفضائيات والدعاة، كل هذه الفوضى هي التي تشكل عقول الناس وبطريقة خاطئة.

النقطة الثالثة في موضوع الإشكاليات هي موضوع المؤسسة العسكرية، فأنا لا أرى في المشروع حديثًا عن المؤسسة العسكرية وما هي حساباتها في موضوع الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، ومن الممكن عمل دراسات لا تثير ولا تستفز المؤسسة العسكرية بل على العكس، فالمؤسسة العسكرية ليست مؤسسة ذات دور هامشي أو محدود، ولكنها مؤسسة دورها مهم، وفي حالات كثيرة سوف يكون دورها حيوي في موضوع الانتقال الديمقراطي ومداه وحجمه. إذن نحن نحتاج إلى نظرة على المؤسسة العسكرية لنرى ما هي مواقفها، وأعتقد أن المؤسسة العسكرية شهدت تغيرات إيجابية.

هناك أيضًا موضوع زواج المال والسلطة، قصة زواج المال والسلطة في الوطن العربي وما وصل إليه وآثاره السلبية علي الديمقراطية، أتمنى أن تخضع هذه النقطة مستقبلاً للدراسة بشكل علمي وبشكل منضبط ومباشر.

النقطة قبل الأخيرة هي موضوع الجغرافيا السياسية: قضية المركزية. فدولنا العربية معظمها دول مركزية، ليس بمعنى أن يركز الحاكم السلطة في يده، ولكن بمعنى أن العواصم تحصل على كل شيء، أو هي تحصل على نصيب الأسد، وما خارج العاصمة يقتسمون ما تبقى منها. وفي رأيي أن هذا يفتح ملف اللامركزية، وهذا الملف يصب في جوهر التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ونحن نريد أن نمكّن للناس في المحليات، فالناس في المحليات أهلنا هم ملح الأرض وإذا لم نمكن لهم فلا أمل في الديمقراطية، السؤال هو: كيف نمكن لهم من خلال اللامركزية؛ اللامركزية بالمعنى الحقيقي؟

النقطة الأخيرة عن تكوين مؤسسة للديمقراطية، وقد أعرب د.خليفة عن مخاوفه وأنا أشاطره نفس المخاوف، ولكن يجب أن نستفيد من الخبرة. ففي الحالة المصرية مثلاً إذا قمت بعمل مؤسسة للديمقراطية خارج الجامعة قد تصطدم بالتدخلات الأمنية، ولكن إذا أردت الاستفادة من خبرة كلية الاقتصاد التي أمضت عشرين سنة في عمل حقيقي حول هذا الموضوع، فمن الممكن الاستفادة من هذه الخبرة ومن هذا التراكم، ومن الممكن أن يتم التعاون والتنسيق مع هذه البرامج والمراكز البحثية ليضطلعوا بدور فرع المؤسسة في مصر. بالطبع سيكون للمؤسسة فروع في بلدان عربية، فبدلاً من أن تصطدم المؤسسة بمعوقات أمنية خارج الجامعة من الأفضل أن تستفيد من البنية التحتية القائمة بالفعل، والتي لها رصيد من العمل الجاد في هذا المجال.

أ.هشام جعفر:

سوف تدور ملاحظاتي حول ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول يتعلق بأهمية المشروع وفائدته، من خلال تتبعي للمشروع قدر المستطاع أريد أن ألتقط بعض العناصر التي أتصور أنها مهمة، عمل بها المشروع بشكل أو بآخر:

أولاً- أتصور أن المشروع عمل في خريطة متسعة تتعلق بموضوعات الديمقراطية، كما أنه عمل على مستويات متعددة، وأنا أتصور أن هذه مسألة إيجابية على المستوي النظري المتعلق بالمفاهيم وتأصيلها والتعامل معها، وأيضًا على مستوى الممارسة.

ثانيًا- مسألة البُعد الثقافي وإدراكه المبكّر، وهذه ميزة من مميزات المشروع؛ فقد كان هناك جزء من دراسات الديمقراطية تقوم بشكل أو بآخر بتأخير هذا العامل أو على الأقل تقوم بتهميشه، ولكن أصبح هناك إدراك لمسألة البعد الثقافي والخصوصية الثقافية، وأتصور أن هذه مسألة بالغة الأهمية فيما يتعلق بأهمية المشروع.

النقطة التي أتصور أنها زادت من أهمية المشروع -وخاصة في ظل وجود مشروعات أخرى- أنه انطلق مما يُطلق عليه أجندة وطنية قومية متعلقة بقضايانا نحن، فقد تعرض المشروع لمسألة الديمقراطية والتحدي الصهيوني وأيضًا الديمقراطية والعلاقات الخارجية، وأعتقد أن إدراك البُعد الوطني وتحديد أجندته نقطة بالغة الأهمية، فالمشروعات الأخرى كانت مشرعات بحثية ولم تكن أجندتها تعبر عن البعد الوطني أو البعد القومي.

أيضًا من ضمن الفوائد التي أعتبرها مهمة للمشروع فكرة أنه عمل بنشاط بحثي وبرنامج بحثي ولم يتمأسس أولاً، وأنا في الحقيقة ضد فكرة المأسسة المسيطرة علي تفكيرنا، وأتصور أن نبدأ نشاطًا يتبلور في شكل مؤسسات أو شبكات، وسوف أتعرض لهذه النقطة بعد ذلك؛ لأنني أقترح التشبيك بديلاً لمسألة المؤسسة. فمسألة أن نقوم بنشاط بحثي ثم يتحول إلى مؤسسة أو لا يتحول فهذه مسألة نحددها عبر ممارسة استمرت عشرين سنة ونحدد مستقبلها، فجزء من تفكيرنا في العالم العربي أن نبدأ بمؤسسة بغضّ النظر عما ستقوم به أو ما هي أهدافها.

لدي أيضًا بعض الملاحظات السريعة التي يمكن القول بأن المشروع قد افتقدها. مسألة بناء قاعدة بيانات بحثية تخدم البرنامج البحثي، وأقصد بقاعدة البيانات –وهذا نابع من خبرة في الإنترنت- أنها تسهل عملية رصد الدراسات، وذلك بوجود (قواعد بيانات) للدراسات التي أشار إليها د.كمال المنوفي حين قال بوجود دراسات وبرامج كثيرة وأيضًا باحثين ومتخصصين؛ بمعنى أن هناك تراكمًا. من المهم جدًا في المرحلة القادمة أن يتم هذا الرصد؛ بحيث نحدد الدراسات والبحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه، وأيضًا الكتب والإصدارات والمؤتمرات وكل ما صدر حول هذا الموضوع. وأتصور أنه من الأهمية أيضًا رصد الباحثين المتخصصين في هذا المجال لبناء ما يُطلق عليه (شبكة) بينهم؛ لأنني أتصور أننا إذا عملنا دراسات حول "حالة العلم" في هذا المجال سنجد أن هناك تكرارًا وشكلاً من أشكال عدم المتراكمة. كما سنجد أيضًا مناطق فراغ. فبناء قاعدة بيانات من هذا القبيل أتصور أنها ستفيد بشكل كبير جدًّا في الانطلاقة القادمة للمشروع، وعمل تشبيك سواء على المستوى المؤسساتي أو على مستوى الباحثين العاملين في هذا المجال، أعتقد أنه بالغ الأهمية.

النقطة الثانية التي يمكن أن يكون المشروع افتقدها، أو قرروا عدم الدخول فيها: الانتقال إلى المستوى التشغيلي، وأقصد بالمستوى التشغيلي أيضًا التدريب. وأرى أن التدريب مسألة غاية في الأهمية الآن خاصة في وجود ما يمكن أن نطلق عليهم دعاة الديمقراطية، إذن -بشكل أو بآخر- نحتاج للانتقال للمستوى التدريبي: تدريب قيادات في المجتمع لكي تكون قادرة على حمل هذا المشروع لمساهمته في بناء "الكتلة التاريخية".

النقطة الثالثة التي أعتقد أنها مهمة هي ما أشارت إليه د.باكينام الشرقاوي في مسألة تبني مبادرات في هذا السياق، وأنا لا أعرف هل تبني المشروع مبادرات أم لا. قد يكون د.علي خليفة أشار في تقديمه إلى مبادرة حول الحرب العراقية-الإيرانية، ولكن هل هناك مبادرات مع أطراف أساسية ومهمة في هذا المجال أم لا؟ أتصور أن مسألة تبني مبادرات يمكن أن تطلق أو حتى تساهم في بناء الكتلة التاريخية أو إحداث الديمقراطية التوافقية.

المحور الثالث من الملاحظات يتعلق بالمستقبل، وهنا أتصور أننا نحتاج إلى إعادة صياغة الأسئلة، وفي نفس الوقت التقاط ظواهر نحتاج أن نضع أيدينا عليها لأنها تمثل شكل من أشكال المستقبل. فيما يتعلق بالأسئلة أعتقد أن العلاقة بين الديني –وأقصد الديني وليس الدين- العلاقة بين الديني والديمقراطية مسألة مهمة؛ لأن الديني يتضمن تأويلات وتفسيرات واجتهادات ورؤى وظواهر، وهذا هو الفرق بينه وبين "الدين". فالديني والديمقراطية مسألة بالغة الأهمية، وهنا يجب أن نصوغ الأسئلة بشكل مختلف، فنحن لدينا ما أطلق عليه أنا "فائض تدين" في المجتمع المصري، وهو يربك الناس، وأحيانًا يعد شكلاً من أشكال الحدود على قوة الدفع لمسألة الديمقراطية، وهنا يحين التفكير في مسألة علاقة الديني بالديمقراطية كما صاغها د.كمال المنوفي؛ بمعني آخر يكون السؤال هو: ما الحدود والضوابط للعملية الديمقراطية؟ ولكن لا يتم التساؤل حول كيف يمكن أن يكون الديني قوة دفع لحركة تاريخية أو عملية داخل المجتمع لمسألة الديمقراطية؟ وهذان سؤالان مختلفان، فدائمًا نقول: ما هي حدود الحريات؟ دعونا أولاً نعطي قوة دفع لمجتمع يفتقدها في مسألة الديمقراطية، فعبر تفسيرات وتأويلات واجتهادات يمكن أن نعطي قوة دفع أكبر. وأيضًا التدريب بالغ الأهمية؛ لأن ما يصوغ الوجدان الديني هو خطاب ديني يعبر عنه قادة رأي ووعاظ وأئمة وكهنة يحتاجون أن يتعاملوا مع هذه المسألة ليعطوا قوة دفع لمسألة الديمقراطية، والحقيقة أن هذا تحدٍّ كبير جدًّا يواجهنا فيما يتعلق بهذه المسألة: إعادة صياغة الأسئلة بشكل مختلف، فإذا تحدثنا عن مسألة الشريعة والديمقراطية أتصور أن هناك حلولاً لا بأس بها مقدمة على المستوي الفكري يمكن القبول بها وإعطاؤها قوة دفع. وهنا تقابلنا نقطة مهمة؛ فرغم وجود الاجتهادات، إلا أن السياق الاقتصادي الاجتماعي كمحدد للتعاطي لما يمكن أن نطلق عليه "اجتهادات" يمكن أن تعطي قوة دفع لمسألة الديمقراطية، هذا السياق الاجتماعي والاقتصادي يؤثر أحيانًا حتى على الاختيارات الثقافية، وهو سياق محافظ وأكثر تزمتًا تجاه هذه المسائل، وأتصور أن هذا يطرح قضيةً أو قضيتين فيما يتعلق بمسألة إشكاليات الديمقراطية أشار إليهما د.الكواري، ويجب أن نضع أيدينا عليها بشكل قوي، وهما:

- العلاقة بين مسألة الديمقراطية ومسألة الاستقلال الوطني كما يعبر عنها المستشار طارق البشري الآن، فهو في صياغاته التي تتحدث عن ذلك يقول إنه كلما زاد خطاب ما نطلق عليه "الاستقلال الوطني"، أو أعطينا قوة دفع لمسائل وقضايا الاستقلال الوطني بأضلاعها الثلاثة –الاقتصادي والثقافي والسياسي- كلما زادت مساحة الديمقراطية. الخبرة التاريخية تقول لنا ذلك وخاصة في ظل تحديات تواجهنا الآن فيما يمكن أن نطلق عليه مرحلة التحرر الوطني الثانية مرة أخرى الآن.
-
- النقطة التالية (وأعتقد أنها مسألة بالغة الأهمية) هي النقطة المتعلقة بالديمقراطية والمسألة الاجتماعية والاقتصادية، وهذه مسألة مهمة جدًّا في ظل سياسات عولمة وإعادة تكيف هيكلي..الخ. وأتصور أن العلاقة بين المسألة الاقتصادية والاجتماعية والمسألة الاقتصادية يمكن أن تعطي لنا مدخلاً مهمًّا لنقطة: لماذا يحجم المواطنون الآن عن التعامل مع مسألة الديمقراطية؟ فهل نحن نعبر بشكل حقيقي -كقوى سياسية أو كتل حرجة أو كأطراف سياسية أساسية- عن هموم المواطن: الهموم الاقتصادية والاجتماعية، ونستطيع أن نربطها بمسألة الديمقراطية؟ الحقيقة: لا، فالواقع يقول غير ذلك، وبالتالي في القلب من المسألة الديمقراطية مسألة البُعد الاقتصادي والاجتماعي.
-
نقطة أخيرة في مسألة إعادة صياغة الأسئلة؛ وهي ما يمكن أن نطلق عليه مسألة المؤسسات، بالطبع يمكن أن يكون المشروع البحثي قد ركز على بعض المؤسسات قبل الأحزاب. ولكن الأحزاب مهمة، وأنا أرى أن المدخل الأنسب هو فكرة المؤسسات من مدخل الموروث والوافد. فقد انتقلت إلينا مجموعة مؤسسات وافدة مثل النقابة والحزب السياسي وغيرها، ولكنها لم تعط شكلاً من أشكال التحديث الثقافي الحقيقي في قناعات المواطنين؛ وبالتالي أصبحت معلقة في الفضاء، فكيف ينظر المواطن للنقابة؟ وكيف ينظر إلى البرلمان؟ هل هو يعبر عنه بالمعنى التمثيلي أم أنه ينظر إليه على أنه وسيط بينه وبين السلطة السياسية لتحقيق مكاسب قد تكون شخصية مباشرة أو مكاسب محلية على أرض الواقع؟ أنا أتخيل أننا قمنا باستيراد مجموعة من المؤسسات لم تُعط معنى حقيقيًّا، ونحتاج إلى عملية تاريخية، وهذا ممكن في بعض الخبرات التي عمل بها بعض الأطراف السياسية الأساسية، كيف نعيد تعريف بعض هذه المؤسسات بحيث نعطي لها معنى حقيقيًّا يختلف عن معناها في نفوس مواطنيها أو أتباعها؟ وهذا يقوي فكرة "المؤسسات" بشكل أو بآخر، ولدينا أيضًا مؤسسات موروثة يمكن أن تلعب دورًا بالغ الأهمية فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية، نحتاج أن نحددها كما أنها تحتاج لشكل من أشكال التجديد، مثلما نتحدث عن تجديد الخطاب الديني والتجديد السياسي، ولكن نحتاج أن نجدد هذه المؤسسات الموروثة حتى تعطي قوة دفع؛ بدءًا من مؤسسة الأسرة والقبيلة إلى مؤسسة المسجد والوقف، إلى المؤسسات الأهلية الموجودة، نحتاج أن نعطي لها معنى جديدًا حتى تستطيع أن تلعب دورًا مهمًّا في مسألة الديمقراطية.


أ.د. مصطفي كامل السيد:

سوف أطرح بعض الأفكار، ليس بهدف نقد هذا المجهود الهائل الذي أشرف عليه د.الكواري ولكن بقصد الانطلاق بالنقاش حول هذه القضية إلى آفاق جديدة. وأبدأ بالقول إن إشكالية الديمقراطية في العالم العربي هي إشكالية زائفة؛ ومعنى "إشكالية زائفة" –وأنا أقتبس هنا من كارل ماركس بالمصادفة- أن الإنسانية لا تطرح على نفسها سؤالاً إلا إذا كانت قادرة على الإجابة عنه، ونحن نطرح سؤالاً لا نقدر على الإجابة عنه. فإشكالية الديمقراطية هذه نسمع عنها فقط داخل جدران كلية الاقتصاد وفي المراكز البحثية، ولكن عندما نخرج إلى الشارع -سواء في مصر أو قطر أو الجزائر أو المغرب- لا نسمع عن قضية الديمقراطية، بل نسمع عن أمور أخرى. فبكل تأكيد هناك حركة سياسية في الوطن العربي، ولكن من النادر أن ترفع هذه الحركة السياسية راية الديمقراطية؛ وبالتالي ينبغي أن ندرك أن النقاش حول الديمقراطية هو نقاش خاص بالمثقفين، ولكنه لا يهم الفاعلين السياسيين أو الاجتماعيين في الوطن العربي.

المسألة الثانية أن هذه القضية ربما تجاوزت ما عداها، وأنا لديّ فصل في كتاب يبحث في أسباب استقرار النظم السلطوية في العالم العربي، فلم يعد النقاش الآن عن آفاق التطور الديمقراطي في الوطن العربي أو عقبات التطور الديمقراطي في الوطن العربي، ولكن لماذا تستمر النظم السلطوية في العالم العربي، ونجد كتابات مهمة في هذا المجال، وبالتالي عندما نتحدث عن الكتلة التاريخية أو الشعوب.. الخ، أعتقد أن هذا قد تجاوزه الجهد العلمي، فالقضية لم تعد: لماذا تغيب الديمقراطية؟ ولكن: لماذا تستقر النظم السلطوية؟ ولا يبدو في الأفق أن هذه النظم في طريقها للانهيار.

النقطة الثالثة، أعتقد أننا حين تحدثنا عن إشكاليات الديمقراطية في الوطن العربي ذكرنا قضية الشريعة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، ولكن هناك قضية على درجة كبيرة من الأهمية وهي قضية "حقوق الإنسان"، فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية وإهمال بُعد حقوق الإنسان؛ لأن البعض يطرح حقوق الإنسان باعتبارها مناقضة للشريعة الإسلامية، وفيما ذُكر اليوم من أمثلة نجد دليلاً على أن فهم الناس للديمقراطية يجعلها أقل من أن تستوعب حقوق الإنسان؛ أي فهم الناس لحقوق الإنسان على أنها أفكار دخيلة وبالتالي لا يمكن الأخذ بها.

والمثل الذي ذُكر عن حالة البهائيين يوضح المسألة جدًّا، والجدير بالذكر أننا عندما نسمع بعض المتحدثين من الحركة الإسلامية نجد أنهم ليس لديهم اعتراض على الاعتراف بالبهائية كدين، ولكن الاعتراض على أن يحصل البهائيون على شهادة ميلاد أو شهادة وفاة أو بطاقة شخصية، وهذه مسألة من بديهيات المواطنة أن يحصل الإنسان من الدولة علي ما يثبت أنه يعيش على أرض هذه الدولة. وعندما يأتي ممثلو الحركات الإسلامية ويقولون إنهم ليس لديهم مشكلة في ذلك، نجد الدولة تتعنت في ذلك، وتأتي وزارة الداخلية لتقول إنه على البهائي الذي يريد شهادة أن يلجأ للمحكمة الدستورية العليا. إذن ليس هناك ردّ فعل لهذا، وأنا لا أقلل من خطورة هذه المسألة لأنها تبين أن الفهم الشعبي للشريعة الإسلامية والدين فهم متخلف للغاية يجعل من الدين عقبة أمام حقوق الإنسان، ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية بدون حقوق الإنسان، وبالتالي أعتقد أن مسألة مهمة جدًّا لهذا المشروع أن يعتبر أن أحد معوقات الديمقراطية مسألة حقوق الإنسان.

والأمر لا يقتصر على حالة البهائيين. ولكن لدينا قضية د.نصر أبو زيد الذي يقول إنه مسلم ويقرر قضاة أجلاء درسوا الشريعة أنه غير مسلم بسبب ما كتبه، وأن زواجه باطل من لحظة صدور الحكم. والقاعدة أنه حين يقول الإنسان إنه مسلم ليس من حق أحد أن يقول بغير ذلك، فلا يجد د.نصر أبو زيد سوى الهروب من البلد. أعتقد أن مسألة حقوق الإنسان مسألة أساسية جدًّا ولا يمكن أن نتحدث عن إشكاليات الديمقراطية من الناحية النظرية في الوطن العربي دون أن نتطرق لحقوق الإنسان.

المسألة الأخرى المهمة وهي ترتبط بفكرة الكتلة التاريخية والطلب على الديمقراطية، فكيف نبحث عن كتلة تاريخية دون أن نتأكد أن هناك طلبًا على الديمقراطية في العالم العربي؟ أين يوجد الطلب على الديمقراطية في العالم العربي؟ هذه مسألة أطرحها في معرض الحديث عن الكتلة التاريخية، وأنا أعرف تاريخ مفهوم الكتلة التاريخية؛ فهو مفهوم جاء به (جرامشي) مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، وفي وقت من الأوقات طرح (بيرلنجوير) زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي مفهوم "الكتلة التاريخية" علي أنها كتلة تضم البرجوازية الإيطالية و الطبقة العاملة فيما أسماه (historical compromise)، وهو نوع من المساومة التاريخية: أن تتنازل الطبقة العاملة والتي كان يقودها في ذلك الوقت الحزب الشيوعي عن مطلبها بإقامة اشتراكية وتقبل بنظام وسط تشترك فيه مع البرجوازية الإيطالية، وهو هنا كان يتكلم على أرض الواقع فهناك كتل قائمة بالفعل وهي الأحزاب السياسية، حيث كان يوجد الحزب الشيوعي يمثل الطبقة العاملة، والحزب الديمقراطي المسيحي ممثلاً للطبقة البرجوازية، إذن هو كان ينطلق من أرض الواقع، ولكن هنا عندما نتحدث عن كتلة تاريخية في الوطن العربي أتساءل: أين توجد هذه الكتلة؟

الحقيقة أنني وجدت أن الحركة السياسية في الوطن العربي تزداد عمقًا للأسف الشديد حين تكون هناك انقسامات طائفية، فالديمقراطية كانت قضية مهمة في السودان؛ لأن قضية الديمقراطية مرتبطة بأن يكون للأنصار والختامية والجنوبيين دور في إدارة الدولة، وفي لبنان أيضًا مرتبطة بأن يكون للسنة والشيعة والدروز دور في ذلك، ولكن عندما تختفي هذه الانقسامات تصبح الحركة السياسية منبتة الصلة بالواقع الاجتماعي، وتكون هناك بنية فوقية تختلف عن البنية الفوقية التي يتحدث عنها الماركسيين؛ لأن البنية الفوقية التي يتحدث عنها الماركسيون مرتبطة ببنية تحتية، فهم يتحدثون عن القانون وعن الفكر والسياسة، وهذه تعكس بناء طبقيًّا.

ولكن السياسة في الوطن العربي هي حركة فوقية؛ بمعنى أنها "فوق" ولا يوجد شيء "تحت" أو صلات بما هو تحت؛ وبالتالي إذا كان هناك طلب على الديمقراطية فهو داخل هذه الشريحة السياسية؛ لأنهم سياسيون يجلسون في المحافل ويكتبون في الصحف. إذن الديمقراطية تصبح حركة سياسية عندما تدركها الطبقات الاجتماعية، ويصبح هناك صلة بين لقمة الخبز والوجود في البرلمان. لقد أصبحت قضية الديمقراطية قضية واقعية في بريطانيا عندما أدركت النقابات العمالية أنها لكي تحافظ على المكاسب التي تحصل عليها من رجال الأعمال على مائدة المفاوضات لابد أن يكون لها وجود في البرلمان، وبالتالي فالعمال هم الذين أنشئوا حزب العمال البريطاني، وأعتقد أن هذا هو التطور التاريخي في أوروبا الغربية.

أما لدينا فهناك فصل لأننا نعتقد أن لقمة الخبز تأتي من الحاكم، أو تأتي من السفر للخارج، وإنما الصلة بين تحسين الأوضاع الاقتصادية والحصول على نصيب من السلطة السياسية الغائبة، ربما عن طريق النضال. فأنا لا أعتقد أن التطور يأتي عن طريق الوعظ، ولكن ربما يأتي بالنضال إذا نجح حزب من الأحزاب يمثل الفلاحين أو الطبقة المتوسطة أو العمال في الوصول إلى البرلمان، وأن يحصل على مكاسب لهؤلاء من خلال البرلمان، هنا يوجد إدراك بأن العمل السياسي مهم للنهوض بالأوضاع السياسية. والدول العربية دول ريعية، وبالتالي فإن المكاسب الخاصة بها تأتي بغير طريق النضال السياسي ومن غير طريق العمل؛ فأساتذة الجامعة مثلا يحسِّنون أوضاعهم بأن يذهبوا إلى الكويت، والعمال ينتظرون منحة رئيس الجمهورية، ولننظر إلى المناقشات ودرجة الاهتمام بالعلاوة الاجتماعية، وهذا الاهتمام شمل الأحزاب والصحف، ولكن ليس هناك اهتمام بأنه من خلال تفعيل نقابات العمال والنقابات المهنية يمكن لهؤلاء أن يحسِّنوا أوضاعهم.

أعتقد أن الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى نقلة كيفية في التطور السياسي في الوطن العربي هو إدراك الصلة بين تحسين الأوضاع الاقتصادية وامتلاك نصيب من القوى السياسية، أما في غياب هذا فسوف تستمر المسألة نقاشًا بين مثقفين لا يوجد له انعكاس على أرض الواقع.

د. محمد بشير صفار:

أحد إصدارات إصدارات المشروع عنوانه "لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب"، ولا يحتاج المرء إلى عظيم خيال لكي يعلم أن هذه إعادة صياغة لسؤال النهضة الخاص بـ (شكيب أرسلان)، وهذا يذكِّرني بما قاله د.علي الدين هلال -في إحدى الندوات في الكويت في التسعينيات- عن أن الليبرالية قامت بدورة تاريخية كاملة في العالم العربي استغرقت قرنًا من الزمان، ولكننا عجزنا عن الإجابة عن هذا السؤال، ولا أعتقد أن التجربة الليبرالية الثانية الحالية تواجه مصيرًا أفضل مما واجهته التجربة الأولى، وأعتقد أن هناك بعدًا غائبًا في هذا المشروع وأتمنى أن يؤخذ في الاعتبار في الخطوة المستقبلية لتطوير هذا المشروع؛ فالمشروع تسيطر عليه النظرة الكلية، نظرة (الماكرو) في التحليل السياسي؛ فقد تحدث د.علي الكواري عن ثلاثة من اللاعبين وتحدث عن الكتلة التاريخية الصاعدة أو الطبقة القائدة، ولكن بعيدًا عن الأصول الفكرية والخلفيات الفلسفية فأنا لا أرى إلا أنها تعكس نوعًا من الاغترار بالذات من جانب الطبقة المثقفة، ولكن هذه الكتلة التاريخية لا توجد على أرض الواقع، هذه الكتلة التاريخية أو هذا المستوى الكلي في التحليل يحجب بعدًا أعتقد أنه غائب، وهو يتعلق بعلاقات القوى التحتية في المجتمع.

وحتى أضع هذا الكلام في سياق تاريخي؛ ففي سنة 1918 شكَّل مجموعة من أبناء الأعيان الذين تعلموا في فرنسا حزبًا باسم (الحزب الديمقراطي المصري) بغرض نشر الوعي الديمقراطي وإقامة نظام ديمقراطي، وذلك باستغلال الفرصة التاريخية التي كانت موجودة في هذا الوقت، ولهم أفكار هي الأفكار الديمقراطية الليبرالية التي كانت موجودة في ذلك الوقت. في نفس هذا الوقت كتب صلاح عيسى كتابًا صحفيًّا بعنوان (رجال ريّا وسكينة) ولكنه يضع هذه الظاهرة الإجرامية في إطار تحليل سوسيولوجي تاريخي، يتحدث عن العصابات المحلية وتقسيم أحياء القاهرة والإسكندرية بين الفتوات، والتحلل الذي أدى إلى تحول ظاهرة "الفتونة" من التقاليد العربية إلى نوع من البلطجة، وشبكات البغاء الرسمي والبيوت السرية، واتصال كل هذه الشبكات بعلاقات القوة والاستغلال مع الأقليات الأجنبية الموجودة؛ كان هناك انفصال بين تصور أعضاء هذا الحزب الديمقراطي -الذي لم يلبث إلا خمس سنوات- وبين الواقع الاجتماعي.

فتصوراتي المتعلقة بالممارسة السياسية هي أن القيم المتعلقة بالممارسة السياسية لدى أي شعب من الشعوب العربية لا يمكن فهمها دون دراسة علاقات القوى في هذا المستوى السفلي، وأعتقد أن هذه هي البنية التحتيّة الحقيقية للنظام السياسي وليس بالمعنى الماركسي. وما لم نفلح في دراسة علاقات القوى على هذا المستوى (الميكرو) وتفتيت هذه العلاقات، أعتقد أن التجربة الليبرالية الثانية سوف تواجه نفس المصير، وأن أي دراسة للديمقراطية أو آفاق الديمقراطية في الوطن العربي سوف تظل جهدًا نخبويًّا ثقافيًّا في الحجرات المغلقة.

د. ناهد عز الدين:

ي البداية لدى سؤال لـ د.علي الكواري عن اتجاه سيادته إلى مصر، وكما نسأل لماذا سيأتي أوباما ويلقي خطابه من هنا أسأله لماذا أتى إلى مصر؟ ثم أنا أتفق مع كل ما قيل خاصة ما قاله د.مصطفى كامل من أن هناك قوى اجتماعية لابد أن تقف وراء المطالبة بالديمقراطية؛ فالديمقراطية ليست مجرد كتلة تاريخية تتحرك من منطلق أيديولوجي أو فكري أو إيمانًا بمبادئ، فحتى نحن نتحدث عن الديمقراطية في الغرف المغلقة أحيانًا وعندما نغلق وراءنا الأبواب وننصرف إلى حياتنا اليومية ننسى كل ما تحدثنا عنه ونمارس العكس تمامًا؛ ولذلك أنا أرى أن المسألة لابد أن ترتبط بأصحاب المصلحة، والذين إذا وضعناهم في شرائح نبدأ أولاً بالنخب الرأسمالية، وهذه النخب الرأسمالية مستقطبة من جانب القوتين الأخريين وهما الحكام والخارج.

وننتقل بعد ذلك إلى الإعلام؛ لأن الإعلام اليوم يتداخل معك في التربية والتدريب، ويمكن أن يتقاطع معك في كل ما تضعه من خطط لذلك ولتغيير الثقافة أيضًا، وبالتالي أين موضع الإعلام من هذه الكتلة التاريخية؟

الشريحة الثالثة في تصوري هم الأكاديميون ويمثلها أساتذة الجامعات، والشريحة الرابعة هم السياسيون الممارسون. وهناك إلى حد كبير تداخل بين هذه الشرائح الأربع، فهناك من يقفز؛ بمعنى أن يكون أكاديميًّا في مرحلة من حياته ثم يتطور فيصبح إعلاميًّا، ثم يتطور فيصبح من النخبة الرأسمالية، ثم يصبح سياسيًّا، ثم تجده يجمع بين كل ذلك في آن واحد. وبالتالي فإن الإستراتيجية التي يدخل بها الحاكم والخارج إلى هذه الكتلة التاريخية لتمزيقها واختراقها تبدأ بعملية خلط الأوراق ما بين الأدوار المكلّف بها كلٌ من هذه الشرائح، وأنا أقترح على د.علي الكواري أنه -إلى جانب متابعة ما حدث بعد الدراسات التي استمرت عشرين عامًا- أن نتابع الأشخاص أنفسهم، أين ذهب كل هؤلاء الذين تكلموا ودافعوا عن الديمقراطية في مراحل حياتهم، أين هم الآن؟ هل بعضهم تولى السلطة؟ هل بعضهم أصبح داخل البرلمان؟ وما هي ممارستهم في الواقع الفعلي؟ ولذلك لابد من أن نسأل أنفسنا: هل نحن نبحث عن كتلة موجودة أم نخلقها؟ أم أنهم موجودون لكن متفرقون فنقوم بالتنسيق بينهم ونخلق قاسمًا مشتركًا؟ وهل آلية خلق هذا القاسم المشترك هي الحوار؟ أظن أننا نتحاور منذ سنوات طويلة وتنتهي كل ندواتنا ومؤتمراتنا بأن أفضل شيء هو أن نتحاور، إذن كيف نؤكد على أن يجمع هذا الحوار بين العلم والفكر والسياسة والنشاط الحركي والفكري، وأن يصل إلى نتائج حقيقية وملموسة؟

وأخيرًا، أسأل نفسي منذ الأسبوع الماضي، عندما استقال رئيس مجلس العموم البريطاني -وكانت هذه حادثة فريدة من نوعها في تاريخ بريطانيا- لأنهم اكتشفوا أن هناك فسادًا بين النواب وأنهم يحصلون على أكثر من حقهم ماليًّا، وعندما انتحر رئيس الجمهورية السابق في كوريا الجنوبية؛ لأن زوجته تورطت في فضيحة فساد. إذن الديمقراطية لن تمنع الفساد، ولكن هناك شيء يسمى "الضمير الداخلي" الذي يجب أن يُربّى، بحيث إذا انكشف حال الفساد فعليه أن يبتعد عن الأضواء وعن العمل العام ولا يستمر في أكاذيبه وافتراءاته، والمشكلة أن هؤلاء هم الذين يزعمون أنهم كتلة تاريخية.

وهناك نقطة أخرى، هل هذه الكتلة التاريخية أو هذه النخب لن تكون نابعة من الجماهير؟ فقد حدد د.علي الكواري ثلاث دوائر؛ منها "الخارج"، وهنا الخوف من أن هذا الخارج يؤثر على هذه الكتلة التاريخية حتى لو لم تكن جاءت منه أو عاشت فيه؛ فقد تكون منتمية إليه فكريًّا؛ وبالتالي فهي متغربة إلى حد كبير فيما تطرحه من أفكار ولا تتواصل بأي لغة مفهومة لدى الشارع؛ الشارع يخرج في احتجاجات ويطالب بمطالب معظمها فئوية اجتماعية تتعلق بلقمة العيش. والدولة تستجيب عندما تبلغ هذه الاحتجاجات حد "قلقلة الكرسي"، وهذا معناه أن الحاكم أيضًا لديه وسائل للتكيّف بحيث إنه يتجنب التغيير، أو يتجنب أن تصل هذه الجماهير لفهم أن المسألة لن تأتي إلا بالديمقراطية.

د. أماني مسعود:

أريد أن أقول في البداية إن التطورات تنظيري.في العالم تستدعي نقلة نوعية منهاجيه في دراسة الديمقراطية، فليس من المقبول أن أدرس الديمقراطية اليوم في العالم العربي بنفس الطريقة التي دُرست بها منذ عشر سنوات أو حتى منذ خمس سنوات؛ وذلك على اعتبار أن التطورات ومخرجات الدراسات حاليًّا في دراسة الديمقراطية مختلفة تمامًا، فعلينا أن نسأل أولاً ما هي الغاية أو الهدف من هذا البرنامج؟ هل هدفه تعليمي أم دعائي أم تعبوي أم تنظيري.. ما هو الهدف؟ ثانيًا ما هي نقاط التماس والتلاقي ما بين الديمقراطية التي يدعو إليها هذا المركز وديمقراطية الآخر أيًّا كان هذا الآخر؟ والآخر هنا لا يعني أي لفظ إيحائي سوى الطرق المختلفة في دراسة الديمقراطية، والتي أعتقد أنها ناتجة من سياق معين لا يمكن تجاهله عند دراسة الديمقراطية في سياق آخر. ثالثًا أعتقد أن أحد أو أهم تحديات دراسات الديمقراطية أو التحدي الأساسي –أو دراسات زيف الديمقراطية- هي إشكالية إيجاد خصوصية لهذا المشروع، وإيجاد الخصوصية لهذا المشروع في هذا الوقت من وجهة نظري تترتب على نقطتين أساسيتين:

أولاً- كيف يمكن لهذا المشروع إيجاد مساحة للتفاوض بين التيارات الحركية المختلفة في العالم العربي؟
ثانيًا- كيفية إقناع المواطن العادي بأهمية ما يسمى بالديمقراطية، والتي أرى أنه بعد سنين من الاختلاط بالمواطنين في الشارع العادي أنهم لا يثقون كثيرًا في لفظ الديمقراطية، وعلى المركز إيجاد لفظ آخر إذا أراد هدفًا تعليميًّا، أو إذا أراد هدف إقناع المواطن بأن يعرف ما هي الديمقراطية بالمعنى الدراسي.

أ.شيماء حطب:

أريد أن أركز على ما قاله د. مصطفي كامل عن إشكاليات الديمقراطية، والجزء الذي تحدث فيه د. علي الكواري عن انتقال دول نامية أخرى إلى الديمقراطية والعقبات التي حالت دون انتقالنا في العالم العربي. فقد استغرقت عامين في القراءة عن الديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية، ولاحظت أن ظروفهم مشابهة لنا إلى حد كبير، والمفهوم الذي قمنا بالتركيز عليه في تعريف الديمقراطية هو مفهوم الانتخابات (المشاركة)، لقد أحدث الانتقال إلى الديمقراطية في أمريكا اللاتينية نقلة في أدبيات التحول (الديمقراطي)، فالديمقراطية هناك تجاوزت مفهوم المشاركة والانتخابات وأعادت مفهوم المساواة، ولذلك يجب ألا نركز على مفهوم إجرائي للديمقراطية ونركز على مفهوم المساواة، هذه المساواة وما يعقبها من مفاهيم –مثل إقصاء اجتماعي واستيعاب اجتماعي..الخ- كانت نقطة انطلاق. وكان هناك غياب ثقة بين اليسار ولاهوت التحرير هناك، لن أقارن بين الإخوان المسلمين ولاهوت التحرير لأن لاهوت التحرير هناك ليس له مشروع سياسي، ولكن كان له دور في رفع وعي المواطن بحقوقه -الاجتماعية بالأساس- وهذا ما تحدث عنه (مارشال) حين قال بالحقوق الاجتماعية بالأساس حتى نمكِّن المواطن من أن يمارس حقوقه السياسية، سواء كانت المشاركة في الانتخابات أو الإدلاء بصوته..الخ. ولكن كانت نقطة البداية هناك هي كيف أُمكِّن المواطن اجتماعيًّا وأوفيه هذه الحقوق، وهذا أعاد لليسار مفاهيمه من جديد وقام بتحسين صورته بالتركيز على الأبعاد الاجتماعية وحركات السكان الأصليين، وبعد إحداث النقلة على الجانب الحركي في بعض الدول قام اليسار بإنشاء أحزاب برلمانية وصلت إلى البرلمان لتطالب بحقوقها، وبعد ذلك وصلوا إلى السلطة في بوليفيا والإكوادور وبيرو..الخ

لا أعرف كيف سنقوم بهذا، كيف نرفع وعي المواطن؟ فعلى الكتلة التاريخية -أو أيّا كانت التسمية- أن تبدأ بالأساس؛ بمعنى أننا يجب ألا نقول للمواطن أن الديمقراطية هي المشاركة في الانتخابات والإدلاء بالأصوات وقلب نظام الحكم، ولكن يجب أن نمكِّنه أولاً، أن نركز على البعد الاجتماعي أولاً، حتى يكون المواطن مؤهلاً للمشاركة، ثم ننتقل بعد ذلك للمؤسسة؛ مثل إنشاء أحزاب خاصة تعيد الاتصال بالفواعل الاجتماعية أو السياسية في المنطقة، وربما يحدث كما حدث في أمريكا اللاتينية؛ حيث كان لصعود اليسار تأثير انتشاري بالعدوى، فربما إذا حدث ذلك في دولة عربية يكون له تأثير انتشاري في دول عربية أخرى.

د. أميمة عبود:

أشكر د.علي الكواري على هذا المشروع والذي أتمنى الاستمرار فيه وأن تكون له نتائج إيجابية. ولديّ مجموعة من الملاحظات وليست أسئلة:

بالنسبة للنظرية السياسية توجد مجموعة من المفاهيم هي السائدة وهي المستقرة وهي التي جاءت في الوسط أي بعد فترة الحداثة، وهناك مجموعة من المفاهيم الخاصة أيضًا بالنظرية السياسية ومرتبطة بمفهوم الديمقراطية نخجل من الحديث فيها، وهناك مفاهيم معاصرة أو جديدة ليس لدينا خبرة بها ولا نتحدث عنها مع أنها تفيدنا.

فإذا تحدثنا عن مفهوم التنشئة السياسية نجد أنه أصبح "موضة قديمة"، فالتعليم والتنشئة السياسية والإعلام هي البذرة الأولى والتي إذا وُجِدت سوف تساعد في إيجاد الديمقراطية، ولا تجدي الديمقراطية في غياب هذا الأساس. لقد سئِم الناس من هذه المفاهيم المستقرة على المستوى الأكاديمي والتي تدور حولها الدراسات والتحليلات، وأصبحت لا جدوى منها حتى بالنسبة للأكاديميين؛ وبالتالي أتمنى أن تكون هناك عودة مرة أخرى إلى المفاهيم التقليدية الأساسية التي تخلق مواطنًا متعلمًا تعليمًا جيدًا بالفعل، فقد أصبح الإعلام بهذا المستوى لأنه ليس هناك مواطن لديه الوعي يرفض هذه الأشياء. وأعتقد أن هذا جانب مهم جدًا حتى من الناحية الأكاديمية؛ كيف نتحدث عن المفاهيم التقليدية بشكل جديد؟

وأنا لدي خبرة لأنني تعرضت في رسالة الدكتوراه للفكر "الليبرالي المعاصر"، والفكر الليبرالي المعاصر يختلف عن الديمقراطية الليبرالية، وأحد التيارات الفرعية في الفكر الليبرالي المعاصر هو الاتجاه المجتمعي أو الجماعاتي أو ألجالياتي؛ هذا الاتجاه مناسب جدًّا لمجتمعاتنا العربية ولدولنا أيضًا، على الرغم من أنه ليبرالي وموطنه أكثر في كندا، ولكنه يهتم جدًا بخلق المجتمع الجيد من خلال الحكومة؛ بمعنى أن المجتمع لن يتكون في مواجهة الحكومة السلطوية، ولكن بالتعامل الذكي مع الحكومة وإقناعها بخلق "المجتمع الجيد" بعيدًا عن الكلام المباشر في الديمقراطية، وفي النهاية سوف يؤدي هذا المجتمع الجيد إلى المجتمع الديمقراطي.

إذن هناك كتابات جديدة في مجال التأصيل والتنظير الخاص بكيفية إسهام الدولة، وليس فقط من خلال الكتلة الحرجة؛ فقد بدء الحديث عن "المجتمع الجيد" في مواجهة "الدولة الجيدة". فبالنسبة لهم حتى الدولة الليبرالية ليست دولة جيدة إذا لم تخلق المجتمع الجيد، فالمجتمع الجيّد هو الذي سوف يحكم نفسه والدولة سوف تكون راعيًا، وهذا تطور فكرة الديمقراطية الراديكالية بالتوافقية وأيضًا برأس المال الاجتماعي. كما تحدث أ.هشام جعفر عن كيفية توظيف "التشبيك"، وهو أمر مهم جدًا على أساس أنه يتصل بالناس أنفسهم، ومن الممكن أن نتحدث عن أولوية تهمنا جميعًا وقد لا تكون "الديمقراطية"، فقد تكون "السياسات الاجتماعية" أو "السياسة التعليمية"، ونبدأ بكل المراكز من كل وجهات النظر لكي تتحدث عن هذه الأولوية: ما هي؟؛ بمعنى أن نتحدث عن فكرة أو مشروع يعبر عن عقد اجتماعي، ومن ثم فهذا يوفر الأرضية الصالحة للحديث عن العناصر الإجرائية والميكانزمات أكثر من الأرضية التي سيُبنى عليها، قد تكون هذه خواطر وردت لكم أو لم ترد، ولكنني أتمنى لكم التوفيق.

أ. آية نصار:

لديّ ثلاث ملاحظات قد تكون إعادة إنتاج لما قيل قبل ذلك:

أولاً- فكرة "المؤسسة"، فالحديث عن أن المشروع الفكري قد تم البدء به، ثم يتم الانتقال الآن إلى المرحلة الثانية وهي مؤسسة هذا المشروع، يثير هاجسَ مدى أن تكون هذه المؤسسة مرتبطة بهدف معين؛ فالمشروع يتناول دراسات الديمقراطية وهو أمر سبق القيام به قبل ذلك كثيرًا، ولكن لابد أن تحدد المؤسسة لنفسها مساحة أو فراغًا لكي تملؤه، لا أن توجد لمجرد أن هذا هو التطور الطبيعي والمرحلة الجديدة التي يجب أن تحدث.

النقطة الثانية- أشعر أن المشروع يحاول الإلمام بظاهرة أو مفهوم الديمقراطية، وكل ما يرتبط به من المفاهيم والعلاقات، ثم دراسة وتناول كل هذه الظواهر في كليتها؛ الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى عدم القدرة على الإمساك أو الإلمام بأي شيء أو تحديد أي شيء. هذا الإحساس انتابني من كل هذه المفاهيم، فقد أحسست أننا نريد الحديث عن كل شيء وبالتالي لن نستطيع الحديث عن أي شيء. إذن لابد أن نركز في موضوع معين حتى لو تركنا المشاكل الأخرى لمشروعات أو مراكز أخرى لتقوم بها.

ثالثًا- الانفصال بين الأكاديميا والتنظير من جهة والواقع من جهة أخرى؛ لقد شعرت أن هناك اهتمامًا متزايدًا في المشروع بالفكر الثنائي؛ بمعنى أننا نضع كل مفهوم أمام مفهوم آخر في علاقة ثنائية. فالديمقراطية تم وضعها في ثلاث إشكاليات أي ثلاث ثنائيات؛ ما بين الإسلام والعدالة الاجتماعية والأمن القومي، وفي إحدى المداخلات وضع أ.هشام جعفر ثنائية الموروث والوافد. هذه الثنائيات تفيدنا كأكاديميين بأن تضع لنا المشكلة كي نحلها، ولكن إذا أردنا الحديث عن "السياسة التحتية" نجد أحيانًا أن هذه الثنائيات تقوم بحل نفسها، فهذه الثنائيات ليست متجذرة في الواقع وليست دائمًا سببًا للمشاكل في الواقع، قد تشوهه أحيانًا ولكن أحيانًا أخرى "البيعة السياسية" أو الحركة السياسية تحلها، ومن المهم أن نفهم كيف يتم حل هذه الثنائيات على أرض الواقع، حتى لا نتحدث عن ثنائية ونتصور أنها موجودة بينما الناس تخطتها وتم حلها على أرض الواقع.

أ. جولتن عبد الحليم:

في الحقيقة إن وجودي في الخارج جعلني أواجه فجأة كل هذه الإشكاليات، ولكن ما لفت نظري عنصر المقارنة؛ فمن المهم إجراء دراسات مقارنة والنظر إلى حالات أخرى غير الوطن العربي ومقارنتها فيما يتعلق بالديمقراطية. ومن المهم أيضًا إجراء دراسات ميدانية، وإن كان تطبيقها في مصر يواجه تحديًا من الناحية الأمنية، فقد لاحظت أننا هنا لا نقوم بإجراء أي عمل ميداني على عكس الخارج، فمن المهم إجراء استطلاع لرأي المواطنين، ولكن المشكلة في تحديد من هو "المواطن" ومن لديه الفهم والوعي من عدمه ومن لديه الأهلية ثم وضع معايير لذلك، وهنا يأتي خطاب "عدم فهم المصريين" نظرًا لمشكلة الأمية، إلا أننا لا ننظر إلى حالة الهند التي ترتفع فيها نسبة الأمية، ومع ذلك تظهر فيها حركات مقاومة على كل المستويات الطبقية والاجتماعية.

أ. د. سيف عبد الفتاح:

هذه الخبرات المقارنة مهمة جدًّا؛ لأننا قد نجد بعض الحلول في مثل هذه الخبرات، ونرى ماذا فعلوا لكي يمكِّنوا ويرسِّخوا للعملية الديمقراطية والآليات الديمقراطية، وعلى سبيل المثال تركيا والهند.

أ. د. كمال المنوفي:

لقد استشففت من حديث د.مصطفى كامل ود.ناهد عز الدين إحساسًا بقصر النفس وقصر البال، وكما يقال عندنا: (طولة البال تهد الجبال). لم تحدث نقلة نوعية، ولكن إذا يئسنا فسوف نسمح للقائم بأن يستمر؛ فإذا كنت سـأكتب فصلاً عن أسباب استمرار النظم التسلطية في العالم العربي أكون في الحقيقة أخدم هذه النظم وأساعد على استمرارها. إذن فكرة المثابرة مطلوبة حتى وإن طال الزمن، ونحن مأمورون بالعمل والاستمرار فيه والمثابرة عليه.

النقطة الثانية أن ما حدث من جهدٍ لم تترتب عليه نقلة نوعية على أرض الواقع في اتجاه الممارسة الديمقراطية، وإنما هناك بعض الإنجازات يجب ألا نهوِّن منها، وعلى سبيل المثال لدينا (88) نائبًا من الإخوان المسلمين فازوا في الانتخابات، هل سيتكرر هذا أم لا؟ هذا ليس موضوعنا ولكنه حدث، ولدينا أربعة سيدات فزن في الانتخابات في الكويت الأسبوع الماضي وهذه عملية ليست سهلة، وأيضًا وصول حماس للسلطة. هذه إنجازات يجب ألا نهوِّن منها، حقيقة أنها لا تُحسب كنقلة نوعية للديمقراطية ولكن ما هو الدور الذي قمنا به؟ وما هو نضالنا في سبيل الديمقراطية؟

أحيانًا نقوم بعقد عدة ندوات ومؤتمرات فهل هذا هو النضال؟ إننا نبالغ فيما نقوم به. فحتى نحن هنا على مستوى مؤسساتنا الجامعية لا نطبق ولا نحترم الديمقراطية، نحن نعقد ندوات عن الديمقراطية ولكن في عملنا داخل الجامعة لا نطبق الديمقراطية، وعلى سبيل المثال "قانون تنظيم الجامعات" الذي يحكمنا في حقيقة المواد الخاصة به قانون ديمقراطي، ولكننا لا نطبقه ونتنازل عن حقوقنا المكفولة لنا بمقتضى القانون ونتهاون فيها ونستسلم ولا نهتم، وإذا قلت لأحد من زملائك بأن يمارس حقه ويطالب به يقول إنه لا يريد مشاكل ولا (وجع دماغ)! ولا يريد أن يُغضب أحدًا. إذن نحن لا نفعِّل مؤسساتنا، وإذا اختلف أحد في الرأي -هنا في مجلس القسم مثلاً- يُقال لنا يجب أن يكون الرأي بالإجماع، وكيف يمكن أن يكون رأي المجالس بالإجماع؟ من قال هذا؟

النقطة الأخيرة تتعلق بموضوع العدالة الاجتماعية، وهذه مسألة مهمة جدًا في العالم العربي والإسلامي، ولكن يجب ربطها بالحرية. لا يهم أيهما يسبق، ولكنني أريد أن يسيرا معًا، فقبل أن يخلق الله تعالى آدم ويكلفه وبنيه بالإعمار وإقامة العدل كان الحوار بين الله -تعالى- وإبليس هو حوار جوهره الحرية والمعارضة والحجة بالحجة المضادة، وهذا ترسيخ لمبدأ الحرية.

أ. د.سيف عبد الفتاح:

التناقض بين العدالة والحرية هي مسألة مفتعلة.

أ. هشام جعفر:

أريد أن ألفت النظر إلى ما أشار إليه د.كمال المنوفي من أن وجود تطورات على أرض الواقع مسألة مهمة؛ أولاً وجود فاعلين مهمين فيما يتعلق بمسألة الديمقراطية، ومسألة الإعلام والتدفق ألمعلوماتي، ومسألة الإنترنت، هذه الجوانب بالغة الأهمية ويجب أن تُعطى حقها من الدراسة، وإن صح التعبير فهي ترتبط بنشأة نخب شابة تستخدم هذه الأدوات بشكل أكثر فاعلية، وقد رأينا ذلك في بعض الظواهر بالغة الأهمية مثل إضراب 6 إبريل وغيره؛ حيث ظهرت نخب شبابية لها تصوراتها وإدراكاتها وتفاعلاتها مع العالم ومع هذه الأدوات ورؤيتها لذاتها، أتصور أن هذا أمر بالغ الأهمية فيما يتعلق بمسألة الديمقراطية، ويجب أن نضع أيدينا عليه في إطار التطورات التي تجري في هذا المجال.

أ. د. نادية مصطفى:

لقد لفت نظري ما قالته د.أميمة عبود ود.أماني مسعود حول ضرورة إيجاد بديل لكلمة "الديمقراطية"، فمن الواضح أننا نتحدث على عدة مستويات: فلسفة الديمقراطية، جسد البناء الديمقراطي، آليات هذا البناء ليعبر عن كونه ديمقراطيًّا. فمن فلسفة الديمقراطية الرؤيةُ التي سوف يقوم عليها البناء، ومن جسد بنائها السياساتُ الاجتماعية في مجال التعليم والتربية والتنمية الاقتصادية والتي تكون قادرة أو غير قادرة، ثم الآليات والإجراءات والقواعد التي نركز عليها ونطلق عليها اسم "ديمقراطية"، وهي كذلك في ذهن الناس، وهي الانتخابات وما إلى ذلك. نحن نريد فك الاشتباك بين هذه الأمور في الذهن، فحين نتحدث عن الديمقراطية وعن الترشيح والانتخاب والتصويت إلى الناس العاديين يثور اعتقاد بأن ذلك سيتم مع استمرار الجهل والأمية والفقر وتشوه التفكير عن معنى الدين، فهناك فرق بين ذلك وبين أن نتحدث عن إصلاح مجتمعي وتغيير حقيقي.

وهنا تظهر إشكالية؛ هي أننا بذلك سندع الأطراف القانونية والسياسية والدستورية ومن يحكم كما هو في الحكم ونبدأ العمل من أسفل، فمن الذي سيعمل من أسفل؟ من الذي سيضع السياسات الاجتماعية والتعليمية والثقافية التي تبني ذلك، كما تبرز معضلة أخرى تتمثل في أن هناك نظمًا قائمة ومستمرة وتجاهد للاستمرار بهياكلها وقواها المتحالفة معها ما بين الكتلة التاريخية التي نتحدث عنها والمكونة من مجموعة نخب فاعلة وبين الناس العادية، إذن نحن نحتاج لتفكير جديد بالفعل لكي يركز على إشكاليات رسم البرامج والحركة في ظل هذا الواقع المعقد، ففي ظل وجود نظم مستمرة لا فكاك للكتلة التاريخية من تأثير النظم ومن حالة القاعدة الضعيفة، ولا فكاك للقاعدة الضعيفة -وهي تريد أن تتحسن- من الفجوة بينها وبين النخب وبين توظيفها من جانب النظم، كيف نفك هذه الارتباطات؟ والسؤال: من الذي سيقوم بالحركة؟

مسألة أخرى، هي أن البعد الخارجي غائب عنا تمامًا، ربما تحدث د.علي الكواري عن أصحاب المصلحة من النظم التي تريد الاستمرار، والخارج الذي يريد دعم هذه النظم لحماية مصالحه، ولكن مما لا شك فيه أن الخارج يلعب الآن دورًا على مستويات مختلفة، وهناك تأثيرات كبيرة جدًا في مفهوم النخب وفي مفهوم القواعد وفي مفهوم المجتمع المدني عن الديمقراطية، لا يمكن إغفال هذه العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على عملية بناء ودعم الديمقراطية في المنطقة.

الملاحظة الأخيرة هي أن د.مصطفى كامل تحدث عن "لقمة العيش" والديمقراطية، فهو يربط بين الاقتصادي والسياسي، وتحدثت آية نصّار عن الثنائيات، وهناك بعد آخر يرتبط بهذا وهو الثقافي والذي يتضمن في قلبه الديني والسياسي، فكيف نستطيع أن نصنع مصفوفة بحيث لا نقع في ثنائية السياسي والاقتصادي؛ لأنها أحيانًا تُستغل استغلالاً سيئًا بأن يُقال فلننتهِ من التنمية أولاً قبل الديمقراطية، وقد نقع في ثنائية سلبية أخرى مثلما يُقال في مصر بأن الناس غير مؤهلة فلنغير ثقافتهم أولاً، وبذلك نكون قد دخلنا في قضية أخرى تتعلق بالخصوصية، فموضوع الخصوصية عندما أثير كان يتعلق بمراعاة الخصوصية في صياغة تجارب الديمقراطية المختلفة، وليس أن تُستغل قضية الخصوصية لتمنع التحول إلى الديمقراطية، أو لتمنع تأثيرات خارجية مخافة الحفاظ على الاستقلال الوطني.

إذن إشكالية الثقافي، وفي قلبه الديني والسياسي، يجب ألا تكون البديل عن إشكالية أخرى أو ثنائية أخرى وهي الاقتصادي والسياسي. ومن ثم فالمطلوب صياغة (مصفوفة) تجمع بين جميع هذه العوامل فنقدم رؤية متكاملة حضارية بمعنى الكلمة، تجمع كل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية في منظومة، وتحدد أي سياسات تتعامل مع هذا وأي سياسات تتعامل مع ذاك، كما نحتاج إلى (مصفوفة) أخرى لتفكيك العلاقات القائمة وإعادة التصور عن علاقات أخرى بين مستويات النظم والنخب والقاعدة، حتى نستكمل بناء رؤية حضارية متكاملة تجمع بين الأجزاء، فيجب ألا نهتم بالنخب فقط أو النظم فقط.
فمشكلتنا الأساسية التي أستشفها من هذه الندوة والندوة التي سبقتها في جامعة الدول العربية، وكل ما عُقد من ندوات حول الديمقراطية أننا نتحدث من مداخل متنوعة، نحن في حاجة إلى أن نسمّي مُسمًى آخر للديمقراطية؛ لأننا نقع أسرى لمفهوم له خصوصيته في الذهن وفي إطار حضاري معين ومنتج بطريقة معينة، وجميعنا نستخدمه ونحاكمه على ضوء خبرته الحضارية التي جاء منها.

أ. د. سيف عبد الفتاح:

في ختام هذه الحلقة النقاشية سوف يقوم د.علي خليفة الكواري بالرد على مجموعات هذه الأسئلة، وقد كانت المناقشات شديدة الثراء وضافية وعميقة وجديرة فعلاً بالتحليل والتوثيق.

أ.د.علي خليفة الكواري:

سوف يكون من الصعب علي تناول كل هذه الملاحظات القيِّمة والآراء المختصة والمناقشات العميقة والمعنية بمسألة الديمقراطية في البلاد العربية، فقد كانت المناقشات والملاحظات إضافة نوعية لما تناوله حديثي. وكانت هذه الحلقة النقاشية فرصة لنا جميعا أن نفكر بصوت مسموع ونتبادل الرأي. وسوف أوجز ردي في ثلاث نقاط توضيحية. فأنا اتفق مع معظم الآراء القيمة التي طرحت وهي جديرة أن توجه تفكيرنا المستقبلي والأجندة التي سوف نعتمدها في المرحلة الثانية من جهود تعزيز المساعي الديمقراطية في الدول العربية:

أولا:مشروع دراسات الديمقراطية.

المشروع هو جهد بسيط ومتواضع ضمن آلاف الجهود الخيرة الموجودة داخل الوطن العربي وخارجه، وهو ليس أفضل منها في شيء، وهو مشروع دراسي استطلاعي، ويجب أن يحاسب بهذا القدر ووفقا لأهدافه الإستراتيجية وليس بكل ما يجب دراسته أو عمله من أجل الديمقراطية، فذلك مهمة الأمة كلها. وربما تكون القيمة المضافة للمشروع والتي ساعدت نسبيا على اتساع المشاركة في نشاطاته واستمراره ومثابرته، تتمثل في كونه بعيدا عن شبهة التمويل الخارجي وكذلك تحرره من الخضوع لأي جهة حكومية، فاستطاع أن يطرح المسكوت عنه من وجهة نظر عربية جامعة، فلم تكن هناك أي محددات على اختيار الموضوعات والاجتماعات كان أغلبها يعقد في أكسفورد ولم تكن هناك أي مشكلة في حضور الراغبين و إبداء الآراء بحرية ومسئولية كما كانت المشاركة في نشاطاته تطوعية تصدر عن قناعة.

اعتمد المشروع في نشاطاته على العمل التطوعي، واستفاد من الصدقية التي تكونت لدى المتعاملين معه والمساهمين في البحوث والدراسات. وهذه الصدقية هي التي جعلت كافة التيارات من السلفيين إلى الذين يعتبرون أنفسهم "علمانيين"، يشاركون في دراسات وحوارات المشروع دون حرج. وقد كان ذلك الانفتاح على الطيف الديمقراطي عبر التيارات والقوى السياسية على الساحة العربية احد أهداف المشروع.

إذن المشروع بسيط ومتواضع، وكاد ينجز مرحلته الاستطلاعية، وينتظر أن تخرج منه نشاطات أكثر تخصصا ذات تنظيم أكثر مؤسسية، وأوسع تغطية وأكثر قدرة على عقد الحوارات داخل الوطن العربي, وتشجيع البحث والدراسة بين الشباب والاهتمام بالتدريب وتطوير العمل الديمقراطي في الأحزاب وفيما بينها.

ثانيا: مفهوم الديمقراطية:

مصطلح الديمقراطية الآن يجب ألا يخيفنا كثيرًا, ونحن غير مضطرين للبحث من مصطلح آخر، على العكس فالديمقراطية الآن أصبحت مطلبًا وشعارًا جذابًا وعلينا أن نوطنها بمقاربة إشكالياتها لنزيل ما علق بها من ظنون في منطقة الحضارة العربية-الإسلامية، بسبب الربط بين الديمقراطية وكل من الليبرالية و"العلمانية". علينا واجب أن نحرر الديمقراطية باعتبارها نظام حكم ومنهج لتحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة مما علق بها من عقائد وقيم تعبر عن خيارات دائرة الحضارة الغربية. من هنا تأتي أهمية العمل على تنمية مفهوم للديمقراطية يلتزم بكل مقومات نظام الحكم الديمقراطية ويراعي عقائد وقيم منطقتنا الحضارية.

ومفهوم الديمقراطية أرحب من تعريف الديمقراطية فأنا أتفق أنه من الصعب تعريف الديمقراطية بشكل جامع مانع في كل زمان ومكان. ولكن استحالة التعريف لا تنفي أهمية وجود مفهوم للديمقراطية يرتكز على مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطية قائمة إذا انتقص منها. وفي تقديري إنه سبق الانتقال إلى الديمقراطية في كافة الحضارات الإنسانية المعاصرة بما فيها الحضارة الغربية، إجراء مقاربات فكرية والتوافق على قراءات وحلول لتخطي العقبات التي تقف في طريق التوصل إلى دستور ديمقراطي.

وإذا كانت الديمقراطية أصبحت مقبولة لدى قطاعات واسعة في المجتمعات العربية ومطلبا يتردد لدى جمهور واسع، كما أنها أصبحت شعارا يرفعه الكثير ممن يظنون أن الديمقراطية ليست من مصلحتهم رفعا للحرج واكتساب الوقت، فإن مفهوم الديمقراطية ليس متفق عليه والحوار حول الديمقراطية في بعض الحالات حوار طرشان.

ومن خلال بعض الندوات التي عقدها المشروع في مصر والمغرب والكويت والجزائر واجتماعات أخرى حضرتها، لاحظت أن هناك من ينظر للديمقراطية على أنها مجرد آلية للانتخابات ولا يقف عند المقومات الأخرى الرئيسة لنظام الحكم الديمقراطي. وهناك بعض آخر لا يقبل عن ارتباط الديمقراطية بالليبرالية بديلا ولا يقف عند إشكاليات الديمقراطية في المنطقة عامة وإشكالاتها مع الإسلام خاصة. وهذان المنطقان، في تقديري، يسدان منافذ الوفاق ويعمقان الشقاق الفكري، بدلا من مقاربة الإشكاليات وتنمية القواسم المشتركة حتى يوضع للاستبداد في الشأن العام، في المنطقة العربية، كوابح وضوابط.

وأعتقد أن ما يجب أن نعمل عليه نحن في المشروع وغيرنا، هو أن ينتقل الحديث عن مفهوم الديمقراطية إلى مرحلة يتم التركيز فيها على التفاوض من أجل تنمية مفهوم عربي مشترك أفضل للديمقراطية، وأن يكون التباحث بين التيار الإسلامي والتيار الوطني، بكل أطيافهما، مسألة جدية ومقاربة مسئولة تنقل القوى التي تنشد التغيير السلمي إلى مشارف قيام كتلة تاريخية في كل دولة تعمل بشكل فعال من أجل الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي. ولنا في المقاربات التي قام بها المستشار طارق البشري والدكتور محمد سيد سعيد والدكتور أحمد كمال ابوالمجد والدكتور كمال المنوفي في مصر على سبيل المثال لا الحصر، خير حافز لمزيد من المقاربات، خاصة حول المقصود بالشريعة الإسلامية وحول الجهة التي يوكل إليها بالفصل في دستورية القوانين.

ثالثا: "الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية":

مصطلح "الكتلة التاريخية" استخدم بشكل عام ونحن نطرحه بشكل خاص ليعني توافق وطني من أجل الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في دولة معينة. فالكتلة التاريخية هي التي تتشكل من أجل تحقيق نقلة نوعية تستجيب لمقتضيات العصر وترتفع إلى مستوى المسئولية التاريخية. والكتلة يمكن أن يكون لها عدة أهداف أو يكون لها هدفا استراتيجيا واحدا يكون وسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى بالإضافة إلى كونه هدفا رئيسيا منها.

والاتفاق على هدف واحد يتمثل في الانتقال من حكم الفرد أو القلة إلى نظام حكم ديمقراطي يفترض أن يكون أسهل من الاتفاق على كل شيء، فمثل هذا الانتقال يفترض أنه من الأهداف الرئيسية لجميع القوى التي تنشد التغيير السلمي والإصلاح إذا كانت لا تسعى لإقامة حكم فرد أو قلة أخر، وبالتالي فإن اتفاقها أيسر وأسهل على نظام سياسي بديل لنظام الاستبداد القائم يضمن لكل منها حق التنافس السياسي ويوفر فرصة إدارة أوجه الاختلاف والتباين في المصالح، بشكل سلمي تتداول فيه السلطة، دون مساس بحقوق الأفراد والجماعات في الكرامة الإنسانية والأمن وحق النماء والمشاركة السياسية الفاعلة.

من هنا يأتي تركيزنا على هدف "بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية" من أجل تأسيس نظام حكم ديمقراطي تشارك في العمل من أجلة والاستفادة من ثمرته جميع القوى السياسية والجماعات والإفراد على قاعدة المواطنة الكاملة المتساوية في الحقوق والواجبات.

وأنا أتفق مع ما جاء في مداخلات الأساتذة الأفاضل في هذا اللقاء من ذكر للكثير من العقبات واحتمالات اختراق أي كتلة تاريخية تتشكل أو اعتراض مسارها والتأثير على أطرافها بالجزرة وبالعصا، وكذلك احتمالات اختراق الخارج لأي كتلة ناشئة وحرفها عن المسار الوطني، هذه كلها احتمالات لا يمكن ضمان عدم الوقوع فيها ولكن ليس هناك من طوق للنجاة والنهوض دون وفاق بين القوى التي تنشد التغيير السلمي. فليست أي قوة أو تيار منها قادرا لوحدة على تقديم بديل لحكم الاستبداد. وربما يكون أي تيار يصل إلى السلطة منفردا هو استمرارا لنظم حكم الفرد أو القلة السائدة في الدول العربية منذ قرون وليس بديلا ديمقراطيا لأي منها.

وإذا نظرنا إلى التاريخ الحديث للدول العربية نجد أن أي منها لم يتخلص من الاستيطان والاستعمار المباشر ويطرق باب الديمقراطية-التي لم يلجها أحد منهم بعد- إلا بعد قيام كتلة تاريخية من أجل الاستقلال فيه. فحزب الوفد في مصر كتلة تاريخية وثورة 1952 كذلك. واستقلال المغرب وتونس وجبهة التحرير الجزائرية والكتلة الوطنية في سوريا وثورة 1958 في العراق وثورتا اليمنيين كلها شكل من أشكال توافق القوى الحية في المجتمع على التغيير. وفي العصر الحديث كان اتفاق الجبهات الثلاث في الجزائر في منتصف التسعينيات وميثاق اليمن قبل حرب 1994 بين قيادتي شمال اليمن وجنوبه هي مشروعات كتلة وطنية على قاعدة الديمقراطية. وحتى الدوائر الانتخابية الخمس والحق في استجواب السلطة التنفيذية في الكويت ووصول المرأة بجدارة إلى البرلمان فيها التي أشار إليها الأستاذ الدكتور كمال المنوفي، هيكلها بفضل التوافق بين الداعين لتفعيل دستور 1962 في الكويت.

وأختم القول بأن قيام كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية في أي دولة عربية ليس أمرا سهلا وان كان غير مستحيل, ولكن لا أرى سبيلا أخرا للخروج من الاستبداد الذي حجب النور عنا إلا بوفاق على قاعدة الديمقراطية ومن أجل الديمقراطية بشكل عام، وبشكل خاص بين التيار السياسي الإسلامي والتيار السياسي الوطني بمن يقبل من أطيافهما على العمل مع التيار الأخر من اجل الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي.

أ. د سيف الدين عبد الفتاح:

شكرًا للدكتور الكواري على هذه الردود المهمة والمجمّعة، وأنا أؤكد أن هذه الحلقة كانت من الحلقات النقاشية الثرية بوجودكم، فدائمًا أفخر بكليتي باعتبار أن فيها هذه النخبة في الحقول التخصصية المختلفة، وفيها التخصص الذي يتعلق بالنظم السياسية المقارنة وكذلك النظرية السياسية والعلاقات الدولية، ويؤكد على هذا حجمُ المناقشات الذي أثير وأظن أننا سوف نواصل حوار المعارف في دوائر أخرى. 


 المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة