You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>تعزيز المواطنة في البلدان التعددية في العالم العربي

عبدالفتاح ماضي: ملخص كتاب الديمقراطية المتعثِّرة

الأربعاء، 25 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1182 مرة
الكاتب  عبدالفتاح ماضي

الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو نتاج اللقاء الحادي والعشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية والذي انعقد في كلية سانت كاثرين بجامعة أكسفورد في 31 أغسطس 2013، وتناول موضوعًا محوريًا هو "محصلة التحركات من أجل الديمقراطية في الدول العربية". ولقد نوقشت أجندة هذا الموضوع على مدى شهور عدة قبل اللقاء في وقت كانت الدول العربية تشهد فيه حراكًا شعبيًا نحو التخلص من نظم حكم الفرد أو القلة والحصول على الحريات والحقوق، وهو الأمر الذي نجح في عدد من الدول حيث تمكنت الشعوب فيها من التخلص من الأنظمة القديمة وهي تونس ومصر وليبيا واليمن. ولئن نجحت شعوب هذه الدول في إزاحة الأنظمة القديمة، إلا أن القوى التي تسلمت مقاليد الأمور، تعثرت في إدارة المراحل الانتقالية وظهرت الكثير من التحديات أمام تأسيس وبناء نظم حكم ديمقراطية بديلة. وفي المقابل شهدت دول عربية أخرى حراكًا إصلاحيًا على أكثر من صعيد لكنه لم يتطور إلى تغيير حقيقي في جوهر أنظمة الحكم في هذه الدول، ومن هذه الدول المغرب والأردن والبحرين وغيرها.

كان الهدف من أجندة اللقاء دراسة محصلة الحراك الذي شهدته الدول التي تغيرت فيها أنظمة الحكم والتعرف على الدساتير والمؤسسات الجديدة التي كان من المفترض أن تنقل هذه الدول إلى دول ذات نظم حكم ديمقراطية. بدأ المشروع البحثي بهذا الأمل غير أن تطورات الأمور على الأرض شهدت انتكاسات مختلفة في الدول الأربع على وضع جعل من الصعب الحديث، حقيقة، عن محصلة للحراك السياسي هناك. وبرغم هذا انعقد اللقاء بخمس أوراق تناولت الأوضاع في الدول الأربع بالإضافة إلى المغرب التي شهدت تطورات دستورية مهمة في أعقاب إجهاض الحراك الشعبي الذي عرف هناك بحركة 20 فبراير. ويضم هذا الكتاب الأوراق الخمس التي عالجت تطورات الأمور حتى وقت الانتهاء من الأوراق في نهاية صيف 2013، بجانب أعمال الجلسة الختامية التي انصب الاهتمام فيها على مستقبل الحراك الشعبي في الدول العربية. هذا فضلا عن أن الكتاب يضم ثلاث أوراق لم يتيسر الانتهاء منها قبل اللقاء. وفي السطور التالية مضامين تلك الأوراق.

*****

يضم القسم الأول من الكتاب خمسة دراسات عن الدول الأربع التي شهدت تغييرا لنظم الحكم بالإضافة إلى المغرب. وأول هذه الدراسات دراسة تونس التي كتبها الدكتور عميره عليّه الصغيّر، أستاذ تاريخ الحركة الوطنية بجامعة منوبة بتونس، بعنوان "الثورة التونسيّة في عامها الثالث"، مستهلا بالحديث عن أسباب الثورة التونسية مع التركيز على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد وقفت الدراسة مطولا عند الفساد وطرق النظام القديم في السيطرة والقمع وتخريب المجتمع المدني ومؤسسات الدولة. ثم انتقلت الدراسة إلى دراسة مسار الثورة مع التركيز على أهمّ أحداثها وأطوارها الأربعة، ونتائج انتخابات المجلس التأسيسي. وفي الجزء الثاني من الدراسة تحدث الكاتب عن صانعي الثورة، وعلى رأسهم الشباب والذين قدّموا النصيب الأكبر من شهداء الثورة، بجانب فاعلي الثورة المنظَمين كالإتحاد العام التونسي للشغل، والذي كان منذ الاستقلال "فاعلا رئيسيّا في الحياة السياسيّة" و"طرفا لا محيد عنه في إدارة الصراع الاجتماعي" كما جاء بالدراسة.كما عرجت الدراسة على فاعلين آخرين كالأحزاب السياسيّة، والقضاة، وفئة المحامين التي كانت لها ماضٍ نضالي كبير ضد الاستعمار والإستبداد. وكان لافتا أن تتضمن الدراسة الغائبين عن الثورة من منتفعي "نظام بن علي في مستويات أجهزة الدولة والمجتمع والاقتصاد والإعلام"، وكذا المشاركة الضعيفة للجامعة التونسيّة، أساتذة وطلبة، وأسباب ذلك، بجانب اتحادات الفلاّحين والصناعة والتجارة. كما تناولت الدراسة دور الإنترنت والقنوات الفضائيّة في الثورة. ثم تحدث الكاتب عن الثورة التونسيّة في العالم وموقف الدول الأجنبية والمنظمات الحقوقية والدولية من مجريات الأحداث في تونس.

وفي القسم الخامس تحدث الكاتب عن مكتسبات الثورة وآفاقها مشيرا إلى أنه "من الصعب فعلا أن نقيّم حصيلة مسار ثوري لا يزال يفتعل أو أن نتنبّأ بمستقبله وهو في عامه الثالث". غير أن الكاتب انتهي إلى جملة من الاستنتاجات والتصوّرات، منها أن تحرر الشعب من كابوس الخوف هو أول مكتسبات الثورة، وكما جاء بالدراسة فقد "استعاد التونسيون حقهم في تملّك الفضاء العام الذي أصبح مجالا للحديث السياسي والجدل الدائم. وأفرغت السجون من المحكومين السياسيّين وعاد المُهجّرون من منفاهم ومنح الجميع العفو التشريعي العام واستعاد الكثيرون حقوقهم حتى وإن لم يفعّل مرسوم العفو تماما". كما ظهرت أحزاب جديدة لتيارات كانت تعمل في الخفاء أو تحت ضغط السلطة، وتكرست حرية التعبير الفردي والجماعي، ورُفعت الرقابة، وتوفرت مساحات للحريّة عبر وسائل الإعلام والصحافة. هذا فضلا عن "بداية هيكلة" الحياة السياسيّة و"انتخاب مجلس تأسيسي ممثلا للإرادة العامّة". وانتهت الدراسة أيضا بتناول الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد مسار الثورة، والتي من أهمها العنف السياسي وتكوين "رابطات حماية الثورة" لاستهداف المعارضين مشيرا إلى ربط واضح بين هذه الرابطات وحزب النهضة الحاكم. وقد انتهى الكاتب إلى القول أن "الثورة التونسيّة ولدت بدون قيادة وهي تحاول الآن أن تفرز من يقودها واندلعت دون نظرية ولا برنامج وتحاول حاضرا أن تبلورهما، وولدت دون "يد مُرهبة" مسلّحة، بما أنّها كانت سلميّة بالأساس، وتجهد نفسها في الحاضر على توظيف جهاز الردع الموروث عن النظام الذي تأمل أن تقطع معه ولعلّها تفلح"، كما يقرر أن الدساتير ليست كافية بمفردها "لتكريس سيادة الشعوب وضمان حقوقها ببناء الديمقراطيات وتقييد الحكّام.." وإنما لا بديل عن "الشعوب اليقظة، المؤمنة بكرامتها وسيادتها والمتحفزة للحريّة والمكافحة من أجلها".

أما حالة مصر، فقد قدم الدكتور عماد الدين شاهين، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والأستاذ سابقا في جامعة هارفارد، دراسته بعنوان "محصلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في الدول العربية: حالة مصر". وقد استهدفت الدراسة تقويم المرحلة الانتقالية في مصر، وذلك من خلال دراسة سجل نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك من حيث مسار الاحتجاجات الشعبية التي بدأت عام 2000، وطبيعة العلاقات القائمة بين القوى التي تنشد التغيير ومدى توافقها على إصلاح أو تغيير النظام، وعلى شكل ومضمون النظام الديمقراطي البديل. كما تناولت الدراسة القوى التي بدأت الحراك الذي أفضى إلى تغيير النظام، بجانب طبيعة ومسار الحراك وأدوار التيارات والقوى السياسية المختلفة، فضلا عن تحليل المرحلتين الانتقاليتين في مصر، مرحلة المجلس العسكري ومرحلة الرئيس المنتخب محمد مرسي، والتحديات التي شهدتها مصر خلال هاتين المرحلتين، والتي أدت في النهاية إلى "انهيار العملية الانتقالية وتدخل المؤسسة العسكرية في 3 يوليو 2013 (مدعومة بتأييد شعبي أو مستغلة الغضب الشعبي من إدارة الرئيس محمد مرسي)" كما جاء بالدراسة.

ولفك الإلتباس القائم في مصر حول طبيعة الثورة، ميز الكاتب بين الثورات الكبرى (مثل الفرنسية أو الروسية أو الصينية أو الإيرانية) التي "تفكك مؤسسات الدولة القديمة وتبني مؤسسات جديدة"، والحالة الثورية التي "قد تنجح في إحداث ثورة كبرى أو تتحول إلى ثورة سياسية إصلاحية أو تنكسر أمام مؤسسات الدولة القديمة"، معتبرًا أن ما كان قائمًا في مصر في 25 يناير 2011 هو أقرب "للحالة الثورية".. القابلة للتطور والانتكاس.. وأن هذه الحالة هي "نتاج عملية تراكمية لجهود عدد كبير من الحركات والجماعات والشخصيات على مدى سنوات طويلة"، بمعنى أنها "لم تكن مجرد ثورة شباب أو فيسبوك فقط.. فقد أشعل الشباب فتيل هذه الثورة، واحتضنها الشعب، ثم تحكم الجيش في مسارها". وقد عددت الدراسة سمات عدة لثورة 25 يناير، منها العدد الكبير للمشاركين فيها، وطبيعتها السلمية، وطبيعتها اللاطبقية وعدم تعبيرها عن عن "مشروع سياسي أو اقتصادي يعكس مصالح أو طموحات طبقية"، وعدم توفر قيادة لها برغم أنه كان هناك تنظيم وتنسيق بين القوى المشاركة فيها، واستخدام التكنولوجيات الحديثة في التعبئة والتنظيم، هذا فضلا عن اخراجها "أفضل ما في المصريين من خصائص.." كالتسامح والتضامن وغير ذلك. ثم تحدثت الدراسة بعد ذلك عن أسباب الثورة، مشيرة إلى الأزمات البنيوية وخاصة المشكلات الاقتصادية والركود السياسي وتزوير الانتخابات وتصاعد دور الحركات الاحتجاجية والشبابية ومشروع التوريث، ودور كل من الحملة الشعبية لدعم البرادعي والإخوان المسلمين والنقابات العمالية والجيش.

ثم تناول الكاتب الثورة المصرية وأدبيات التحول الديمقراطي عارضًا بعض الإسهامات التي قدمت في تلك الأدبيات، ومنتهيًا إلى القول أن الحالة المصرية اتسمت بطول المرحلة الانتقالية، وعدم وجود خطة خريطة للتحول الديمقراطي متفق عليها بين القوى السياسية، وعدم التوافق حول حدود النظام السياسي بين الأطراف السياسية (الدولة: مدنية أو مدنية بمرجعية اسلامية – الهوية)، والانقسام السياسي السريع حول المسار، والاستقطاب الإيديولوجي وتحويل الخلافات السياسية الى قضايا وجودية، وعدم كفاءة أو مهارة الأطراف الرئيسية الفاعلة في إدارة التحول، بالإضافة إلى العامل الخارجي ومحاولة الغرب "إدارة الثورات"، ومحالة بعض القوى الإقليمية "إفشالها وإجهاضها".

وعرضت الدراسة بالتفصيل بعد ذلك لتجربة التحول الديمقراطي في مصر مستهلة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة وإدارة المرحلة الإنتقالية الأولى، والتي اتسمت بالغموض في شأن "نوايا المؤسسة العسكرية بالنسبة للثورة والثوار". وعددت الدراسة سمات هذه الإدارة، منها تدخل المجلس العسكري المباشر للسيطرة على مسارها، وكسره إرادة الثوار خلال الصدامات العنيفة التي وقعت بين المؤسسة العسكرية والمعتصمين في ميدان التحرير، وتفتيت الائتلافات الثورية وتشجيع العشرات منهم على الظهور، وإطالة المرحلة الانتقالية دون مبرر ضروري، ورفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للثورة دون داع وذلك بعدم الاستجابة لمطالب الثورة والتراخي في استرجاع الأمن، والتساهل مع النظام القديم وتعطيل العدالة الانتقالية. كما عرضت الكاتب لدور القضاء فيما أسماه "تقويض المرحلة الانتقالية الأولى".

وفي عرضها للمرحلة الانتقالية الثانية، تناولت الدراسة دور الرئيس المنتخب وجماعة الإخوان المسلمين في إدارة المرحلة الانتقالية الثانية، وتباين التفسيرات حول مسئولية فشل هذه المرحلة. وقد عددت الدراسة عددًا من التحديات التي واجهها مرسي منها تقليص المجلس العسكري والقضاء لصلاحياته وتعطيلهم للمؤسسات المنتخبة، وأخطاء الرئيس ذاته وعدم قدرته على "استيعاب كافة القوى الوطنية والانحياز لمطالب الثورة والثوار كخط دفاع أساسي وسند رئيسي في عملية تفكيك مؤسسات الدولة العميقة وإعادة هيكلة الدولة وبناء المؤسسات الجديدة التي تُمكن للثورة". بجانب عجز إدارة مرسي عن "فهم طبيعة الدولة المصرية وفك رموزها بصورة تمكنهم من السيطرة عليها"، ومعاناتها من الكثير من المشكلات المتعلقة بالقيادة والرؤية والقدرة على التواصل ومن سوء عملية صنع القرار، بجانب ركود الأداء الاقتصادي.

واهتم الكاتب أيضا بخطة قوى المعارضة ومؤسسات الدولة القديمة لإسقاط الرئيس المنتخب وإفشال المرحلة الانتقالية الثانية، وتوقف عند عدة أساليب للمعارضة منها التشكيك المستمر في شرعية المؤسسات الدستورية المنتخبة من الشعب، والاستهانة بالأصوات الشعبية والتعالي عليه كمصدر للشرعية والسيادة، ودعوة المؤسسة العسكرية للتدخل والإطاحة بالرئيس المدني المنتخب، واستدعاء الخارج للتدخل في حل الأزمات وتهديد البعض باللجوء إلى القضاء الدولي والمنظمات الدولية للتدخل، وتصدير المشكلات السياسية إلى الشارع واللجوء المستمر إلى الانسحاب والمقاطعة والتشكيك المستمر، والاصطفاف مع عناصر وأجهزة ومؤسسات نظام مبارك والاستعانة بأموال رموز النظام البائد وبلطجيتهم.

وقد انتهى الكاتب إلى أن الأطراف السياسية في مصر أضاعت فرصة تاريخية للتحول الديمقراطي، نظرا لارتكابها أخطاءً أساسية في عملية الانتقال والتحول، مشيرًا إلى أن الأسباب الجوهرية لهذا الفشل تتضمن "عدم تمكن الثورة نفسها من الوصول الى الحكم ووضع مطالبها موضع التنفيذ، وعدم وجود مشروع سياسي محدد المعالم لثورة يناير، و"سيطرة المؤسسة العسكرية على عملية الانتقال الديمقراطي وتمكينها لعناصر ورموز النظام القديم الذي ثار عليه الشعب من البقاء وحتى استعادة عافيتها لتعود لتنقض على ثورة 25 يناير ومطالبها". بجانب عدم اتفاق الفاعليين السياسيين على خطة طريق للتحول الديمقراطي، والاستقطاب وتصدير الخلافات السياسة الى الشارع، واندلاع العنف وعدم قدرة الرئيس المنتخب على استيعاب القوى السياسية المختلفة، وممانعة المعارضة واستدعاءها للمؤسسة العسكرية تعاملها مع رموز النظام القديم.

وقدم الدكتور عبدالله الفقيه، أستاذ العلوم السياسة بجامعة صنعاء، دراسته عن اليمن والمعنونة "التحركات الشعبية من أجل الديمقراطية في اليمن". وبدأت الدراسة بالتأكيد على أن محصلة الحراك السياسي في اليمن لا تزال "غير واضحة المعالم"، ثم تناولت أسباب التحركات وقد قسمها إلى أسباب سياسية، واقتصادية واجتماعية، وأمنية. ثم عرضت الدراسة بعد هذا إلى مقدمات التحرك الشعبي مقسمة إياها إلى مرحلة امتلاك صالح لزمام المبادرة، ومرحلة امتلاك قوى التغيير لزمام المبادرة بعد احتجاجات تونس ومصر. لينتقل الكاتب بعد هذا إلى الحديث عن بدء التحركات لإسقاط النظام بعد دقائق فقط من إعلان الجيش المصري تخلي مبارك عن السلطة مُعددا أسباب ما أسماه "التأثير الكبير للحركة الاحتجاجية المصرية على اليمن". كما عرض الكاتب لدور الشباب في الاحتجاجات والاعتصامات والمطالبة برحيل صالح، وردور فعل القوى الأخرى ولاسيما اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، وانضمام المتمردين الحوثيين للاحتجاجات السلمية ضد نظام. كما أشارت الدراسة إلى دور هيئة علماء اليمن المحسوبة على قوى التغيير، وكذا دور قوى المؤتمر الشعبي العام، والتحاق آلالاف من أفراد القوات المسلحة والأمن بالحراك. كما تناول الكاتب دور النساء وخروجهن بالآلاف إلى الشوراع.

ثم عرضت الدراسة لرد فعل النظام والتي بدأت بمنح علاوات لموظفي الدولة العسكريين والمدنيين بعد ساعات من سقوط مبارك. بجانب قمع الاحتجاجات بجميع الطرق االممكنة، و"اخراج مسيرات مناصرة محدودة العدد والعمل على تضخميها اعلاميا"، و"التصوير السلبي لما حدث في تونس ومصر، وصف ما يجري في المنطقة على أنه مؤامرة امريكية اسرائيلية.."، فضلا عن "إثارة النعرات المناطقية" وغير ذلك. كما عرجت الدراسة على الموقفين الإقليمي والدولي الذين اتسما، حسب الورقة، "بالارتباك الشديد". وفي القسم الخاص بالمسارات والمحصلات، عددت الورقة عدة أمور منها انهيار نظام صالح وانهيار مكوناته الوزارية والبيروقراطية والنيابية والحزبية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، ووقفت الدراسة مطولا عند إعلان الجنرال علي محسن دعمه للثورة، وما ترتب على هذا من آثار وخاصة إستقالة الآلآف من كبار القيادات العسكرية والأمنية والحزبية والنيابية ومعظم سفراء اليمن في الخارج .

وتناول الكاتب بالتفصيل الوساطة الإقليمية والدولية، ولاسيما الوساطة الخليجية التي بدأت بعد يومين فقط من إعلان محسن دعمه للحراك، مشيرا إلى أنه "بدخول الوساطة الخليجية والدولية على الخط تراجع دور قوى الحراك في الميدان إلى مجرد عامل ضغط أكثر منه عامل حسم بينما تصدر سياسيو الحراك المشهد، وتولى الوسطاء الإقليميون والدوليون مهمة ترويض صالح وحزبه الحاكم من جهة، ومحسن وقوى الحراك من جهة أخرى". وتناولت الدراسة مهام هذه اللجنة ومجهودها حتى توقيع صالح على المبادرة، وعرضت لقرار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2014 لسنة 2011 الذي دعا صالح الى التوقيع فورا على مبادرة مجلس التعاون الخليجي، ودور هذا القرار في دفع صالح للتوقيع.

وفي الجزء الخاص بالفرص والتحديات، تحدث الكاتب عن عدة عوامل تمثل، من وجهة نظره، فرصة لبناء الديمقراطية، وهي طول فترة التعرض لبعض الممارسات الديمقراطية في السابق، والضعف المزمن للدولة المركزية، ووجود نخب سياسية قادرة رغم تنوعها وخلافاتها العميقة على العمل معا في أسوأ الظروف، والتنوع والتعدد السياسي والاجتماعي، والدور الخارجي. ومن اللافت أن الدراسة تنظر بإيجابية إلى الدور الخارجي إذ أكدت على: "ويمكن النظر الى دور "الوصاية" الذي تقوم به الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية ومن خلفها الأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، على أنه في مجمله يمكن أن يساعد على بناء الديمقراطية في اليمن من خلال الرقابة التي يمارسها على الأطراف المختلفة لضمان المضي قدما في عملية نقل السلطة، الضغوط التي يمارسها على القوى السياسية لدفعها الى اشراك النساء والشباب، تشجيع النخب السياسية ومساعدتها على بناء التوافق، تأكيده على قضايا حقوق الإنسان، والدعم الذي يقدمه سواء أكان فنيا أو ماديا لعملية الانتقال". وأشارت الدراسة إلى أنه "سيستمر تأثير المؤسستين العسكرية والأمنية في تشكيل مستقبل اليمن" غير أنها أكدت على أنه "يتوقع أن يُمارس ذلك التأثير بطريقتين لا يشكل أي منهما تهديدا كبيرا لأي نظام ديمقراطي يتم بنائه، الأولى من خلال دعمهما لشخصيات عسكرية وأمنية حالية أو سابقة لتولي المواقع الهامة في الدولة سواء بالتعيين أو بالانتخاب؛ والثانية، إعمال الفوضى والعنف والتخريب ذات النطاق المحدود والتي قد تلجأ اليها بعض الجيوب التي ستتأثر مصالحها بعملية اعادة الهيكلة التي ما زالت حتى الان في بدايتها".

وانتهت الدراسة إلى الإشارة إلى بعض التحديات والتي منها ضعف الأحزاب السياسية، وقيام الحراك السياسي على أسس تستند إلى روابط أولية كالسلالية (الهاشميون)، والقبلية (حاشد وبكيل) والمناطقية (مراكز القوى في شمال الشمال والحراك الجنوبي مؤخرا). هذا بجانب النفوذ الكبير للرئيس السابق، وإن كانت الدراسة توقعت أنه سيكون "الطرف الأضعف من الأطراف الثلاثة المتصارعة" بعد انتهاء المرحلة الانتقالية بالنظر إلى "إبعاد أفراد أسرته وأقاربه ومعظم المحسوبين عليه من مواقعهم العسكرية والمدنية". وأشارت الدراسة إلى أن الجنرال محسن، الذي صار مستشارًا للرئيس لشئون الأمن والدفاع، يبدو "الأكثر نفوذا قياسا بصالح وبهادي" كما أشار الكاتب إلى دور الحوثيين والتيارات الجنوبية غير المشاركة في مؤتمر الحوار منتهيا إلى القول "صحيح أن القوى الاجتماعية والسياسية اليمنية تبدو متفقة على أن الديمقراطية.. الإ ان فهم القوى اليمنية للديمقراطية، كما يستدل عليه من الممارسة في المرحلة اللاحقة لسقوط نظام صالح، يشوبه الكثير من الخلل..".

وعن الحالة الليبيبة، كانت دراسة الدكتور يوسف الصواني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طرابلس، "الانتقال الديمقراطي في ليبيا: التحديات والآفاق"، والتي استهدفت تحليل مكونات وتحديات وعوائق وآفاق عملية الانتقال. وقد استهل الكاتب دراسته بالحديث عن سمات نظام القذافي ومحاولات الإصلاح التي ظهرت في العقد الأول من القرن الجاري، أو ما عرف باسم "مشروع ليبيا الغد"، مشيرًا إلى النتائج الذي حققها المشروع وأوجه الفشل التي واجهته. ثم قدمت الدراسة تحليلا للعوامل والأسباب التي أدت إلى الثورة على النظام القذافي ومسار هذه الثورة بدءًا من انطلاق المظاهرات السلمية في فبراير 2011 وحتى سقوط آخر معاقل النظام. كما تناولت الدراسة القوى والفاعلين الذين شاركوا في الثورة، ونتائج الثورة المسلحة على المشهد الليبي الراهن، وتأثيرات ذلك على الانتقال الديمقراطي وآفاقه. وتناول الكاتب بالتفصيل النظام السياسي الانتقالي الذي تأسس أثناء فترة الصراع لقيادة البلاد، موضحًا مكوناته وخصائصه، وتوقف مطولا عند أول انتخابات حرة أجريت في ليبيا في يوليو 2012 بعد أكثر من نصف قرن، وما ترتب عنها من تحديات وعوائق وآفاق.

وقد انتهت الدراسة إلى أن دول الغرب والخليج العربي قد دعمت الثورة برغم ما كان يربطها بالنظام من علاقات على مستويات مختلفة. كما أشارت إلى أنه وبرغم أن العالم استجاب للثوار وتدخل لوقف النظام عن قتل المدنيين، إلا أن هذا الدعم له بعد استراتيجي وهو احتياطيات النفط والغاز التي تمثل عنصرًا حيويًا لأوروبا وللسوق العالمي، الأمر الذي لا يمكن – في نظر الكاتب – عزله عن التنافس بين القوى العالمية الكبرى. وقد أشار الكاتب إلى أن كل القوى الأجنبية تقريبا تتواجد على الأرض الليبية، الأمر الذي يمثل الكثير من "القلق" من جراء "تدخلات أطراف خارجية بشؤون البلد"، بجانب الانتهاكات المتكرّرة للسيادة الليبية. ويقول الكاتب محذرا أن "الأمم المتحدة تتواجد في ليبيا، ولقد اتخذت قرارًا بتمديد مهمة بعثتها الخاصة في ليبيا التي ما زالت خاضعة لإجراءات الفصل السابع. إذا رجعنا إلى عناصر الخطّة التي قدمها أيان مارتن بالخصوص، رئيس البعثة السابق، لرأينا كيف أنَّ الأمر يتعلق ليس فقط بالمرحلة الانتقالية، بل يتعداها أيضاً إلى ما هو أبعد من ذلك". ويربط الكاتب بين هذه العوامل الخارجية وبين عدم ضبط الحالة الأمنية، وعدم التوصل إلى توافقات سياسية ومجتمعية، ويرى أن كل هذه العوامل قد تفسر كل الهواجس التي يعبر عنها الليبيون. ويؤكد الكاتب "أن الأمر في نهاية المطاف يتعلق بحقيقة أن الليبيين لم يتوصلوا بعد الى تبني رؤية مشتركة لمجتمع ديموقراطي ممثل للجميع ومازالت هناك الكثير من العقبات والتحديات التي تحول دون المحافظة على الوحدة الوطنية".

وكتب الدكتور محمد باسك منار، الباحث في القانون العام والأستاذ الزائر بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، عن الحالة المغربية تحت عنوان "حركة 20 فبراير بالمغرب: قراءة في السياق والمسار وتقييم الحصيلة". وتناولت الدراسة دواعي الحراك المغربي ومبرراته، ومقدماته، ومساره، ومحصلته، ومستقبله. وفي الجزء الخاص بدواعي ومبررات انبثاق حركة 20 فبراير، تحدث الكاتب عن الدواعي والمبررات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية التي هيأت المغرب للتأثر بالحراك العربي. كما تناولت الدراسة مقدمات الحراك على ضوء العلاقات بين القوى السياسية والتي اتسمت بالضعف وغياب التحالفات الدائمة بينها بسبب "سياسة فرق تسد" الحكومية وما صاحبها من أساليب القمع والاحتواء. وبرغم هذا فقد عرضت الورقة بالتفصيل بعض التجارب للتنسيق الميداني بين هذه القوى وعدة أشكال للتحالف السياسي، وانتهت إلى التأكيد على أن هذه التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة لم تؤدي إلى تصور موحد للتغيير والإصلاح.

وفي الجزء الخاص بمسار الحراك، تم التركيز على تعدد الأرضيات الداعية إلى الحراك وتشكيل حركة 20 فبراير، وكذا تعدد مطالب الحركة واتخاذها طابعًا سياسيًا ودستوريًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وعرضت الدراسة لتأييد مجموعة من الهيئات السياسية والحقوقية لحركة شباب 20 فبراير ولمطالبها، ومن هذه الهيئات المجلس القطري لشباب جماعة العدل والإحسان، وحزب النهج الديمقراطي، والاشتراكي الموحد، والطليعة. وأشارت الدراسة إلى أنه برغم أن "حزب العدالة والتنمية كان في المعارضة، فإنه لم يدعم رسميا الحراك، مما اضطر بعض قياديه إلى الخروج في تظاهرات حركة 20 فبراير بصفة شخصية". وأشارت الدراسة أيضا إلى عدد آخر من المعارضين ومنهم حزب الأصالة والمعاصرة. ورصدت الدراسة ثلاث مفارقات بخصوص تفاعل القوى السياسية مع حركة 20 فبراير، وهي: "الاختلاف الإيديولوجي الحاد بين المكونات الداعمة للحراك، خاصة بين جماعة العدل والإحسان الإسلامية وبين النهج الديمقراطي ذي التوجه اليساري الراديكالي"؛ و"الانقسام في صفوف الإسلاميين واليسار بين مؤيد للحرك ورافض له، بل في الوقت الذي كانت فيه جماعة العدل والإحسان الإسلامية أكبر قوة داعمة للحراك، كان حزب العدالة والتنمية الإسلامي أكبر قوة داعمة للنظام في مناوراته ضد حركة 20 فبراير"، و"الاختلاف السياسي الواضح بين المكونات الداعمة للحراك؛ خاصة فيما يتعلق بالموقف من الملكية البرلمانية".

واهتمت الدراسة باستراتيجية النظام في مواجهة الحراك وإعلان الملك إجراء تعديل دستوري شامل. الأمر الذي أحدث انقساما سياسيا واضحا، ثم تناولت الدراسة محدودية الانخراط الشعبي في الحراك، مشيرة إلى عوامل متعددة لهذا أهمها الثقافة السياسية السائدة، و"التناقضات الإيديولوجية والسلوكية الحادة" في صفوف حركة 20 فبراير، وضعف تغلغل تلك المكونات في المجتمع، وعدم مساندة بعض القوى السياسية والإعلامية للحركة، وممارسة النظام السياسي لبعض المناورات الاجتماعية والسياسية.

وفي الجزء الخاص بمحصِّلة الحراك ونتائجه، أكد الكاتب على أن الحراك رسخ "ثقافة الاحتجاج، وارتقت به، ولو بشكل مؤقت، من احتجاج اجتماعي فئوي إلى احتجاج سياسي عام"، ونقل "النقاش العمومي من الدائرة المؤسساتية الضيقة إلى الساحة العامة، وأزاحت عنه تلك الخطوط الحمراء، لتصبح المؤسسة الملكية وما يرتبط بها من سلطة ونفوذ وثروة ومستشارين في مركز النقاش العام". كما أشار إلى تفاعل السلطة "على مراحل" مع مطالب الحركة: إقرار تعديل دستوري شامل - وانتخاب مجلس نواب جديد - وتشكيل حكومة جديدة - والاعتراف دستوريا باللغة الأمازيغية كلغة رسمية - إطلاق سراح مجموعة من المعتقلين السياسيين - وتنظيم حوار وطني بخصوص إصلاح القضاء - وتعميم المساعدة الطبية لفائدة الأسر المعوزة – وتوظيف مجموعات من المعطلين في الوظيفة العمومية.

وأخيرا تناول الكاتب الفرص التي قد تساعد الانتقال الديمقراطي بالمغرب، ومنها إجماع أغلب القوى السياسية على رفض العنف، واتفاق "معظم القوى السياسية على قبول الديمقراطية بما هي آليات ومؤسسات لتدبير الاختلاف والتداول السلمي على السلطة، وإن كانت تختلف بحدة في ربط الديمقراطية بالعلمانية"، ووجود نوع من التراكم المؤسساتي الرسمي وغير الرسمي.كما اعتبر الكاتب أن دستور 2011، برغم الملاحظات العديدة عليه، شكلا ومضمونا، إلا أن به جوانب إيجابية ويعد فرصة "لتحقيق تراكم نحو أفق الانتقال الديمقراطي". أما التحديات فقد أشارت الدراسة إلى أن هناك تحديات ترتبط بالمؤسسة الملكية والتي"بقيت في حدود التكيُّف الظرفي" وإدخال بعض التغيرات في التوازنات لكن دون إدخال تغييرات بنيوية أو تقليض "سلط المؤسسة الملكية". بجانب تحديات ترتبط بالأحزاب والهيئات السياسية واختلالاتها الواضحة على مستوى التنظيم والتصورات والعلاقات فيما بينها. وهناك تحديات ترتبط بالثقافة السياسية، وأخرى ترتبط بالمحيط الدولي والإقليمي المتمثل في المواقف الدولية والإقليمية. وقد أشارت الورقة إلى أن النظام السياسي المغربي "كان من السباقين بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة للاعتراف بمنصور العدلي رئيسا مؤقتا في مصر، ليتأكد أن الأنظمة العربية، خاصة ذات الطبيعة الملكية، ترى في التحولات الإقليمية وإفرازاتها تأثيرا سلبيا مباشرا عليها، ليس فقط من حيث ما يمكن أن تؤول إليه تلك التحولات من توجه ديمقراطي يناقض التوجه الاستبدادي لتلك الأنظمة، ولكن أيضا من حيث أن الإسلاميين الوافدين على الحكم يهددون أساس الشرعية الدينية التي تستند له تلك الأنظمة، لذلك فمآلات التدافع في الدول العربية التي عرفت ثورات، خاصة مصر وتونس، سيكون له أثر واضح على مسار الدمقرطة في المغرب".

وانتهت الورقة إلى القول أن الحركة أسهمت في "تصالح العديد من المواطنين مع السياسة والعمل السياسي"، إلا إنه وبعد حوالي ثلاث سنوات من انبثاقها، يعرف الحراك السياسي نوعا من "الإرتداد والنكوص بفعل استمرار مجموعة من الممارسات التقليدية والمظاهر المشينة" كافتقاد الحكومة إلى أغلبية منسجمة. كما أن تطورات الامور في مصر بعد 30 يونيو باتت تؤثر على المغرب وصار البعض يربطون حزب العدالة والتنمية بحركة الإخوان المسلمين، في إشارة، كما يقول الكاتب، إلى "الضعف الفكري والسياسي لبعض أحزاب المعارضة، الأمر الذي يؤثر سلبا على كل محاولة للتأسيس الديمقراطي بالمغرب". وينتهي الكاتب بالقول "يبقى رهان التأسيس للانتقال الديمقراطي والتغلب على ما يعترضه من تحديات مرتبط إلى حد بعيد في المغرب بالعلاقة بين القوى السياسية، خاصة الإسلاميين واليسار. لذلك فنقل حالة الاستقطاب الشديد الذي تعرفه مصر إلى المغرب لا يخدم في شيء الانتقال الديمقراطي، بل يشكل عقبة كأداء في وجهه، إننا في حاجة في المغرب، وبكل تأكيد في مصر أيضا، إلى ديمقراطيين من إسلاميين وقوميين ويسار وليبراليين، لمدافعة غير الديمقراطيين".

ويضم القسم الثاني من الكتاب عدة أوراق بحثية أخرى قدمها عدد من الباحثين العرب غير أنه لم يتيسر تقديمها خلال اللقاء، أولها ورقة عن أمازيغ ليبيا للباحث بلال عبدالله وهي بعنوان "الاندماج الوطني والتحول الديموقراطي بعد الثورات العربية: أمازيغ ليبيا نموذجا". وقد حاول الباحث دراسة "طبيعة الحراك الأمازيغي في ليبيا بعد الثورة وموقعه من عملية بناء الدولة والانتقال لنظام ديموقراطي جديد"، متسائلا عن آفاق هذا الحراك ومستقبله. وانتهت الدراسة إلى مقاربة الحالة الليبية مع نظيرتها التونسية، مشيرة إلى أن الدولتين شهدتا بعد انهيار نظم الحكم القديمة مطالب أمازيغية برد الاعتبار للمكون الأمازيغي. وقد عرضت الدراسة لمحصلة تفاعل الحراك الأمازيغي في ليبيا والتي وصفها الكاتب بأنها "تتسم بتصاعد تأثير عوامل القبيلة والمناطق والسلاح والدين، وما يمكن أن ينجم عنه من مسارات متباينة، تجعل المنتوج النهائي يتراوح بين الحالة النموذجية المتمثلة في الفصل بين الثقافي والسياسي، وبين سيناريو أسوأ حالة المتمثل في المزاوجة، بل والمطابقة، بينهما". وانتهى بالقول إلى أن الثورة كانت "نقطة تحول تاريخية فارقة في مسار الوجود الأمازيغي في ليبيا. والرهان أصبح يقع على الأمازيغ أنفسهم بقدر ما يقع على غيرهم، فإما أن يصبحوا رافعة للتحول الديموقرطي في ليبيا، أو تتحقق أسوأ الكوابيس، وتكون ليبيا هي الباب الذي تلج منه القومية الأمازيغية لتغيير ملامح الجغرافيا السياسية لمنطقة الشمال الأفريقي".

وكتب الباحث عبدالرحيم العلام ورقة بحثية أخرى بعنوان "مستقبل الدولة بمفهومها الحديث في بلدان ما بعد ربيع الثورات"، وهي تتناول مجموعة من الإشكاليات ذات الصلة بقضية "الدولة وطبيعتها وكيفية اشتغالها وربطها أو فصلها بين الديني والسياسي". ويطرح الكاتب السؤال التالي: "إلى أي مدى يمكن أن يسهم التماهي بين دولة مركزية حديثة وفكر شمولي ينهل من التاريخ في إعادة القبضة الحديدة للدولة على المجتمع وإنتاج أنظمة شمولية على غرار الأنظمة الشمولية التي شهدها التاريخ الإنساني؟". وفي نهاية الورقة استنتج الباحث عددا من الأمور، منها أنه "ينبغي الحذر من إمكانية إسقاط ما يُعتقد أنه «شمولية للإسلام» على الدولة المركزية الحديثة. فالتوسل بأداة مركزية قوية فاعلة بهدف إنزال فكر شمولي، سينعكس لا محالة على القيم الانسانية النبيلة وأهمها قيمة الحرية". بجانب أن "غياب التفريق بين الدولة وأيديولوجية النظام الحاكم، سيقود حتما إلى كوارث وويلات يمكن أن تصيب بنية المجتمعات الموصوفة إسلامية".

وفي ورقة بعنوان "عملية وضع الدستور: الطرق والمراحل مع التطبيق علي الحالة المصرية 2012 "، تناول الباحث أحمد خميس كامل طرق ومراحل وضع الدستور مع التطبيق على أول دستور يوضع في مصر بعد ثورة 25 يناير وهو دستور 2012. وقد كتب الباحث عن الطرق الثلاث لوضع الدساتير، طريقة المنحة، وطريقة اللجنة المعينة، وأسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة، كما تحدث عن عملية وضع الدستور بمراحلها المختلفة، المرحلة التحضيرية، ثم مرحلة التأسيس، ومرحلة إقرار الدستور. وقد انتهت الدراسة إلى أن "طرق ومراحل وضع الدستور ما هي إلا تطور تاريخي للمجتمعات من الناحية الاجتماعية والسياسية، واستجابة للديمقراطية وعلي وجه الخصوص ضرورة مشاركة المواطنين في صنع القواعد التي تحكمهم"، بجانب أن عملية وضع الدستور قد استقرت في الديمقراطيات المعاصرة على أسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة. وانتهى الكاتب أيضا إلى القول أن عملية وضع دستور 2012 المصري قد شابها الكثير من العوار فى تشكيل الجمعية التأسيسية برغم أنها منتخبة من مجلس الشعب، هذا فضلا عن أن مدة عمل الجمعية، وكذا المدة الفاصلة بين الانتهاء من مشروع الدستور وطرح هذا المشروع للاستفتاء الشعبي، كانت غير كافية ولا سيما في ظل حالة الاستقطاب التي شهدتهما مصر.

*****

وتجدر الإشارة، أخيرا، إلى أن مهمة تحرير هذا الكتاب قد اقتصرت على ترتيب فصوله ومراجعتها للتنسيق بينها على وضع تصلح معه للعرض في كتاب يتضمن أعمال اللقاء ومناقشاته، ولهذا تركت النصوص الأصلية للدراسات والأوراق والمناقشات والتعقيبات والمداخلات كما قدمها أصحابها من حيث الموضوع والترتيب، وذلك حرصًا على الإبقاء على فكر كل كاتب ومشارك ورؤاه. والأمل أن تستمر نشاطات مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية وتتوالى اسهاماته البحثية والمعرفية لصالح تطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والعدالة والديمقراطية، وفي خدمة المعرفة العربية بوجه عام. والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

-----------

* أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية - مصر
ومنسق مشارك الجماعة العربية للديمقراطية.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة