You are here:الرئيسية>روابط>منظمات حقوقية أجنبية

الحوار بين الطائفية والمدنية

السبت، 30 كانون1/ديسمبر 2017 عدد القراءات 1191 مرة
الكاتب  مركز ماعت

 

هناك اختلاف حول تحديد معني التعصب Fanacticism ولاسيما أن الإيمان بالمعتقدات، والآراء، أيا كانت ينطوي علي درجة ما من الحماسة، وإعلان الهوية المختلفة عن الآخرين،  والعمل علي الترويج لها، والدفاع عنها في مواجهة الغير. من هذا المنطلق فإن كل شخص متعصب لرأيه. ولكن هناك فرق بين "الإيمان" و"التعصب". الأول فعل ايجابي، أما الآخر فهو عمل سلبي. من أكثر أنواع التعصب شيوعا، هو التعصب الديني أو المذهبي. في المنطقة العربية، توجد تعددية دينية وعرقية ومذهبية، فهذه سمة من سمات التكوين الاجتماعي للمنطقة منذ قرون طويلة، ولكن المشكلة التي أخذت في التزايد في الفترة الأخيرة هي:
شيوع التعصب الديني أو المذهبي القائم علي استغراب الآخر، تهميشه، واستبعاده، وربما النفي الجسدي له. 
الانفراد بمشروع سياسي علي أسس دينية أو مذهبية، ترويجه والدفع به علي حساب التكامل الوطني.
هاتان الإشكاليتان تحولتا إلي "عامل مقلق" في المنطقة العربية، وبخاصة في ظل انفجار الموقف العراقي علي أساس مذهبي، وتحول الصراع السياسي إلي نزاع مذهبي في الحالة اللبنانية، ووجود مخاوف "مكتومة" لدي قطاعات واسعة من السوريين من أبناء الجماعات الدينية أو المذهبية المختلفة، وهي نفس الحالة التي نراها دائما في قلب السجالات حول العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر.  
الخروج من الطائفية لا يتحقق إلا بتدشين المدنية، وهو ما نطلق عليه "مدنية المجال العام" Public Sphere. يعني ذلك أن يكون الفضاء العام مفتوحا أمام جميع المواطنين، يمارسون فيه حركتهم بحرية، يعلنون فيه عن برامجهم وتصوراتهم دون حظر، ويحصلون جميعا علي نصيب واسع من حرية التعبير عن أنفسهم. لا يختطفه تيار أو قوي سياسية بعينيها ، تستأثر به وحدها، وتبعد سائر القوي الأخرى عنه. وعندما يكون المجال العام "مفتوحا" يعني ذلك أن بإمكان المواطنين أن يعبروا عن رؤاهم السياسية، لا يصادر عليهم أحد. وتصل أصوات "مهمشمة" إلي الرأي العام، بمفردها أو من خلال ما تنتمي إليه من تيارات إلي صانع القرار، وتسود حالة من الحيوية السياسية والفكرية. هنا يصبح للحوار معني ومبني. 
الطائفية، والتوظيف السياسي للدين، وإحياء الروح المذهبية تعني جميعا إغلاقا متعمدا للمجال العام، وحظرا لكافة صور التفاعلات بين المواطنين المتنوعين فكريا وسياسيا واجتماعيا. 

(1) لماذا يستيقظ التعصب الديني أو المذهبي؟
من يتأمل المنطقة العربية من العراق إلي الصومال مرورا بلبنان يجد أن هناك صحوة شديدة للتعصب الديني والمذهبي، وهو ما يمثل عامل قلق بالنسبة للمهتمين بالشأن العام في مصر، الذين لا يريدون أن يروا مثل هذه الصحوة في المجتمع المصري، ويعتبرون أن أثمن ما في الخبرة التاريخية المصرية هو "حالة التعايش" بين المختلفين في الدين أو المذهب، وحتى وقت قريب لم يكن يسأل أحد من المصريين المسلمين عن الشيعة، ووضعهم في مصر، الآن صار هذا السؤال مطروحا عندما هبت علينا رياح الطائفية الرائجة في المنطقة العربية، والتي تطرح تساؤلات من قبيل "السني" و"الشيعي". وبالرغم من حدوث أزمات طائفية من آن لآخر في المجتمع المصري طرفاها مسلمون ومسيحيون، إلا أن عقلاء الأمة المصرية لا يزالوا يرون في ذلك أمرا عارضا، لا ينال من خبرة التعايش الإسلامي المسيحي، بل علي العكس يشير إلي أنه من الضروري أن نلتف جميعا لحماية هذه الخبرة، ورعايتها. 
من هنا يصبح البحث في أسباب صحوة الطائفية والمذهبية في المنطقة العربية ضرورة حتى نكون علي بينة منها، ونسعى بقدر المستطاع إلي تلافيها حفاظا علي الخبرة التاريخية المصرية.
من أبرز هذه الأسباب: 
أ- تفكك مشروع الدولة القومية، ليس فقط في الوقت الراهن ولكن علي مدار مراحل متعددة، بدءا من الإخفاق في تحقيق التنمية، والعجز عن سد احتياجات السكان واللجوء إلي التكوينات الدينية والمذهبية لسد هذه الاحتياجات، وتنامي معدلات الفساد الذي ينخر في عظام الدولة، انتهاء بالتلكؤ عن الوفاء بالمطالب الديمقراطية، وأخيرا السعي لتبديد الصيغ الحالية للحكم مهما كانت التنازلات المقدمة خارجيا. 
ب- الدولة العربية لجأت منذ عقود طويلة إلي توظيف "الدين" أو"المذهب" في إنتاج شرعية جماهيرية تواجه بها عجزها عن الإنجاز. صار كل حاكم أو حكومة تصطبغ بالصبغة الدينية حتى تسوق نفسها للجماهير، وتنال رضاها، في الوقت الذي لا تسهم فيه في تطوير المجتمع. كان من شأن ذلك تسييس التكوينات الدينية والمذهبية، وفتح شهيتها السياسية، ودفعها لتقديم نفسها لاعبا أساسيا في ظل ضعف الدولة، وترهلها. 
ج- عجز كثير من الدول العربية عن تحقيق اندماج وطني حقيقي بين الجماعات الدينية والعرقية المختلفة، واللجوء إلي سياسيات "رديئة" في إدارة التنوع الديني والمذهبي، أسهمت في تمديد المشكلات، وتعميق الأحقاد التاريخية، وتنشئة أجيال علي استعذاب فكرة الاضطهاد في مواجهة النخب الحاكمة، وربما في مواجهة أصحاب الأديان أو المذهب التي تأتي منها هذه النخب. 
د- صعود تيار الإٍسلام السياسي، بوصفه مشروعا سياسيا يقوم علي أساس ديني، لم يقدم  تحديا للدولة القومية، ولكنها واجه ذات التحدي إلي الجماعات الدينية والمذهبية الأخرى، ولاسيما في ضوء أمر أساسي أن موقف التيار الإسلامي، باختلاف فصائله، تجاه "الآخر الديني" ظل ملتبسا، يجعل من مفهوم المواطنة "دينيا"، بحيث يتحول غير المسلم إلي مواطن من الدرجة الثانية، أو ذمي. ويلاحظ أن المشروع الإسلامي حتى يجد سندا، ويستحوذ علي شرعية تمثيل عموم المسلمين، اتجه إلي تشجيع الأقليات الدينية إلي التحرك بشكل جمعي في المجال السياسي. 
ه- التحولات السياسية في السنوات الأخيرة في العالم العربي لم تجد نخبا سياسية، أو شرائح اجتماعية، أو قوي سياسية قادرة علي إنجاز التحول الديمقراطي. كل ما حدث هو الكشف عن ضعف هذه الجماعات السياسية والاجتماعية، بحيث لم يعد في المشهد سوي الدولة والجماعات الدينية، بالمعني الواسع. في مصر الصورة أكثر وضوحا، فالمواجهة بين الدولة والإخوان المسلمين واضحة، ومن يقف إلي جوار النظام في المواجهة هي المؤسستان الدينية، الإسلامية والمسيحية. 
و- حداثة العهد بمؤسسات المجتمع المدني، وعدم قدرتها علي تعبئة الجماهير علي أساس "المصلحة" أكثر من "الانتماء" إلي الطائفة، وحصار النظم العربية لها، أدي في النهاية إلي عدم قدرتها علي خلق رأس مال اجتماعي حقيقي (أي الروابط والجمعيات الأهلية والمدنية)، في الوقت الذي نجحت فيه القوي الطائفية في خلق رأس مال ديني، شعبوي تعبوي ( أي حشد الجماهير وراء أهداف سياسية عريضة دون التفكير في مشروع نهضوي حقيقي للأمة بأكملها). وفي بعض الأحيان تصبح مؤسسات المجتمع المدني وكيلا للطائفية الدينية، مثلما هو الحال في خبرة الممارسة في النقابات المهنية في مصر، خاصة بعد أن تحولت هذه المؤسسات من مكان يلتقي فيه المختلفون فكريا ودينيا علي أرضية مدنية، إلي ساحة لممارسة الفرز الديني من خلال فرض "إسلامية" النموذج.  
ز- من تداعيات ما يطلق عليه الحرب ضد الإرهاب، الترويج للمؤامرة الكونية الغربية، الأمريكية في الأساس، التي تنطلق من مقولات دينية في مواجهة الإسلام والمسلمين. ومن البديهي أن تترك تأثيرا على علاقات المسلمين والمسيحيين في المجتمعات العربية.الأمثلة علي ذلك كثيرة من الحرب الأمريكية- البريطانية في العراق، إلي الرسوم الكاريكاتير الدانماركية انتهاء بمحاضرة البابا بنديكت. الربط بين ما يحدث على صعيد العلاقات الإسلامية المسيحية في السياق المحلي، وما يحدث من متغيرات عالمية يؤدى إلى أمرين: الأول رهن النزاعات المحلية- وليدة الواقع وظروفه ويمكن حلها محليا- بالتطورات الدولية التي تتعقد فيها العوامل وتتشابك المتغيرات. أما الأمر الثاني فهو تعقيد مسار العلاقات الإسلامية المسيحية لارتباطها بمتغيرات دولية، وتحويل الشأن الداخلي إلى شأن خارجي.

(2) لماذا تنجح دائما الجماعات "المتعصبة"؟
إذا كان ما سبق يقدم بعض التفسير لأسباب صعود التعصب الديني أو المذهبي في المنطقة العربية، كيف يمكن أن نفهم أسباب نجاح الجماعات الدينية أو المذهبية "المتعصبة".
العامل الأساسي في هذا الصدد هو قدرتها الفائقة علي  الإفادة ما تتيحه الروابط التقليدية في المجتمعات ما قبل الحديثة، واستفادت كذلك مما تكفله ثورة الاتصالات والمعلومات، ساعدها علي ذلك امتلاك المال، والتنظيم، والشرعية.... وهذه قضايا تستحق التحليل.
فهي أولا تمتلك قيادات شرعية، لا ينازعها أحد القيادة. فهي بالتالي تمتلك القدرة علي التوجيه والحشد. 
وتمتلك ثانيا مؤسسات عميقة الجذور، رغم كل ما يعتريها من مشكلات بنيوية وتنظيمية، فهي لا تزال منتجة وفاعلة، وناجحة في التعبئة، ومبادرة في الأزمات. 
وتمتلك ثالثا المال الذي جعلها دائما في موقع المبادر، والفاعل، والملبي للتطلعات، حتى لو كانت في حدها الأدنى، واستطاعت بذلك أن تحتفظ بالجمهور المنتمي إليها. 
وتمتلك رابعا خطابا دينيا، متماسكا، تطرحه علي الجماهير، وتعرف سبل الوصول إليها. 
الجديد في الأمر هو قدرتها علي استخدام منتجات العولمة، وتوظيفها ببراعة، والدليل علي ذلك أمرين:
أ- إنشاء الفضائيات الدينية، والتي في مجملها تقدم تفسيرات دينية بالغة التشدد تجاه الذات، والآخر الديني. ليس هذا فحسب بل تفتح المجال أمام سجالات دينية عقائدية، تنطوي علي النيل من المعتقدات، وتشجع العوام علي الإساءة لبعضها بعضا.
ب- إطلاق الآلاف من مواقع الانترنت، التي تنقل المعرفة إلي الكافة، وتتمتع بمساحة واسعة من المراوغة في مواجهة القيود القانونية علي النشر. هذه المواقع تقدم معارف دينية مضطربة، تصب في جانب كبير منها علي التعصب في مواجهة الآخر.
 
(3) ماذا يقدم التعصب الديني أو المذهبي للإنسان العربي؟
المواطن يجد نفسه في براثن التعصب، لكنه يري أحيانا أن التعصب يقدم له خدمة مثل:
أ- هوية، بطاقة تعريف أساسية للمجتمع، بعد أن ضعفت الهوية الوطنية القطرية بفعل تكرار الهزائم للدولة الوطنية، وشيوع الفساد، وتمدد الاستبداد، وحدوث انفصال بين المواطن والدولة. حين يتآكل الانتماء للوطن،يحل محله الانتماء للطائفة أو القبيلة. 
ب- شبكة أمان اجتماعي، في مواجهة حالة حضور الدولة نظريا وغيابها عمليا، وهي حالة العديد من الأقطار العربية، أو في حالة غياب الدولة- نظريا وعمليا- كما في المشهد العراقي، والصومالي، وربما اللبناني. والملاحظ أنه كلما ازدادت هزائم الدولة العربية في مواجهة التحديات الخارجية، كلما ازداد بأسها علي مواطنيها بالداخل. وهو ما يستدعي دوما وجود شبكة أمان اجتماعي تحيط بالفرد، وتوفر له بعضا من أسباب الحماية. مثال علي ذلك حين يحتاج الشخص العلاج ويجد يد الجماعات الدينية أو العرقية أقرب إليه من يد الدولة. 
ج- مشروع مستقبلي، فإذا كان التفكيك هو "الملمح" الأساسي في كونيا، ثم إقليميا، ثم محليا، فالبديل المتاح أمام الفرد العربي هو الارتداد إلي الانتماءات الأضيق، التي لا تزال تحتفظ بقوامها، وقواعدها الأساسية، ومصادرها المالية، وخطابها الجامع، والهيبة النسبية لقياداتها، الدينية أو المذهبية. الظاهر أن المنطقة العربية يعتريها "فيروس التفكيك"، علي حد تعبير البعض، مما يعني أن الانتماء الوطني الجامع لكل المواطنين في خطر لصالح انتماءات صغيرة. 

(4) ما المطلوب من المواطن في المقابل؟
الطائفية لا تحمي المواطن، وتقدم له الدعم المادي والمعنوي بلا مقابل. أنها تنتظر المقابل، والذي قد يكون باهظا في أحيان كثيرة.  الولاء الضيق للجماعة الدينية أو المذهبية، اعتبارها مشروعه الأساسي، محور وجوده، ومستقبله، وغايته. الأمر لا ينحصر في الانتماء ديني أو المذهبي، هذا هو المعلن، ولكنه في الأساس انتماء سياسي، يعكس مشروعات سياسية طائفية مباشرة. مثال علي ذلك حالتي الموارنة والشيعة في لبنان. وحالة بعض الجماعات الدينية الإسلامية والقبطية التي تري أن الهوية الدينية تأتي قبل الهوية الوطنية، وهو ما يشكل خطرا علي وحدة المجتمع، وتجانسه.  الارتباط أسما بالدولة، وفي الوقت نفسه التحلل من "الانتماء إليها" علي صعيد الممارسة العملية. من هنا ليس مستغربا أن يكون أهم مشروعين طائفيين في المنطقة، علي الصعيدين الإسلامي المسيحي، يرفض كلاهما  مفهوم"الوطن"، حتى لو أدعيا خلاف ذلك. أحدهما يتحدث عن "الأممية الإسلامية" التي لا تعرف سوي "الوطن الإٍسلامي"، فالإٍسلام عقيدة ووطن. ونجد انعكاس ذلك علي الأصوات المسيحية التي لا تري في الوطن سوي مرحلة "انتقالية" لوطن أعمق، هو الوطن السمائي. تختلف الدوافع ولكن الغايات واحدة، هي الانفصال عن مشروع "الدولة" الوطنية، لصالح مشروعات طائفية تستند إلي الولاءات الأدنى. 

إنكار حق الآخرين في التنوع الديني أو المذهبي، إما بالقلب (الكراهية المستبطنة)، أو التحريض (الكراهية المعلنة)، أو الإساءة (الفعل المباشر)، أو التصفية أي (النفي الجسدي). وفي كل الأحوال هو "كتلة طائفية"، نمطية التكوين، وجاهزة للتوجيه.  أي المطلوب من المواطن "المتعصب" ليس أكثر من الولاء والبراء. الولاء للجماعة الدينية أو المذهبية، والإعلان عن معادة الآخرين لها. 

(5) ماذا فعل التعصب بحقوق "المواطن"؟
هناك عدة صور يمكن التوقف أمامها:
أ- استلاب المجال العام، وتحويله إلي ساحة للمساجلات الدينية أو المذهبية، هذا المجال العام الذي نشأ تعبيرا عن حرية الجدل، والتفكير النقدي، والنقاش الحر كما في خبرة المقاهي البريطانية، والصالونات الفرنسية، وتطور مع تعمق مفهوم المجتمع المدني. هذا المجال العام يجري اختطافه لمصلحة النظم الحاكمة التي تغلقه لحسابها، وجماعات دينية أو مذهبية متعصبة تريد مصادرته لحسابها. أي تحول الأمر إلي مطلقات في حالة صراع، كلاهما يمتلك وقود المعركة، أي الجماهير.
ب- ممارسة قدر من التقييد علي حرية التعبير، بحيث اتسع نطاق المقدس، لم يعد هو الدين أو المعتقد الديني بل تمدد ليشمل المشروعات السياسية "الدينية" و"المؤسسات الدينية" ذاتها، بحيث لم يعد هناك إمكانية لنقد هذه الهياكل والأبنية، وتحول المواطن الطائفي إلي رعية سياسية في الدولة، ورعية دينية أو مذهبية في قلب الجماعات الدينية أو المذهبية التي تحتضنه. 
ج- تقييد حرية الفعل السياسي، هذه المؤسسات الدينية باتت تتحكم في الفعل السياسي المباشر للأفراد، وتحول تعصبهم الديني أو المذهبي إلي "مشروعات سياسية"، سواء بالمعارضة أو الموالاة. وكلاهما يقيد من حرية الحركة السياسية.   
المشكلة الحقيقية أن المجتمعات العربية بات يعتريها فيروس التفكيك، والبديل الوحيد والقادر علي إنجاز هذا السيناريو هي المشروعات الدينية والمذهبية المتطرفة، والتي تغذيها ماكينة للتنشئة الطائفية، إعلاميا وتعليما. ولجأت الدولة القومية "الجريحة" في المنطقة العربية إلي المراجع الدينية بحثا عن شرعية، وثبات، وقدرة علي المواجهة. وهكذا أصبح المواطنون يدارون عبر الماكينة الطائفية بالوكالة، إما لحساب قوي سياسية داخلية، أو مشروعات سياسية خارجية. 


(6) رأس المال الاجتماعي.. حوار مدني جديد
يقصد برأس المال الاجتماعي الروابط المؤسسية التي تنشأ بين الأفراد بالإرادة الحرة الطوعية، علي أساس من الثقة والاحترام المتبادل، بهدف تحقيق مصالحهم بشكل سلمي متحضر. هذه الروابط المدنية من جمعيات وأحزاب وجماعات مصالح وأندية تكفل تعبئة المواطنين، والدفاع عن مصالحهم، ولكن علي أساس غير طائفية.  تقوم هذه المنظمات أو الروابط بعدد من الوظائف أهمها توفير شبكات أمان اجتماعي حقيقية Safety Networks علي أساس من الثقة والاحترام المتبادل والاعتماد المتبادل، وهو ما يؤدي إلي تعظيم قدرة رأس المال الاجتماعي علي الوفاء بالمهام التنموية الملقاة علي عاتقها ولاسيما في المجتمعات النامية التي يتزايد فيها انسحاب الدولة عن مجالات كثيرة- خدمية وإنتاجية- اعتادت الوفاء بها علي مدي عدة عقود. في حالات كثيرة لم تعد الحكومة تستطيع أن تقدم خدمات صحية وتعليمية وتثقيفية علي النحو الذي كانت تقدمه في الماضي، وبالتالي لم يعد أمام المواطن رقيق الحال سوي اللجوء إلي هذه التكوينات الاجتماعية التي تمثل شبكة آمان له يلجأ إليها في حالات الضرورة، بدلا من التخندق في الطوائف جامدة التكوين. في هذه التكوينات المدنية تكون الخدمة مقابل الاندماج في شئون المجتمع، أما في الهياكل الطائفية تكون الخدمة مقابل كراهية الآخر المختلف. 
وهناك العديد من الدراسات التي تشير إلي أن هذه المنظمات المدنية تخلق ثقافة مدنية جديدة تختلف عن الحشد الطائفي من أبرز ملامحها: التفاعل الاجتماعي بين الأفراد في المنظمات المدنية التي يقومون بتأسيسها أو الانضمام إليها. تعد هذه النظرة امتدادا لكتابات إليكس دي توكفيل التي بنيت علي افتراض أساسي أن المنظمات التطوعية تمثل "مدارس لتعليم الديمقراطية". من خلال التواجد في أروقتها، والمشاركة في أنشطتها، يتعلم الأفراد قيما أساسية تساعدهم علي بناء شبكات آمان اجتماعي من قبيل المشاركة، والنقاش الحر، وتبادل الرأي، والتسامح مع الاختلاف، واختيار الأشخاص والبرامج من خلال الاحتكام إلي آليات الانتخاب الحر. 
هذه الثقافة الجديدة هي عنوان العبور إلي مجتمع حديث، لا يعرف الجزر الطائفية المنعزلة، يزكي الاندماج علي حساب التبعثر، ويبني المجتمعات علي أساس التنوع والاختيار الحر العقلاني، والحوار الديمقراطي الذي يستوعب الآخر، ويقدم له فرصا متساوية في الحضور والمشاركة.   من هنا فإن المجتمع المدني يعطي الأمل في تجاوز مشكلات المجتمع، ويقدم نموذجا جديدا للسلام الاجتماعي يقوم علي احتضان كل المواطنين، بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الدين أو الجنس أو العرق في بوتقة واحدة، تحقيقا للانسجام الاجتماعي.

 

 المصدر: مركز ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة