You are here:الرئيسية>الأرشيف>مذكرات نيلسون مانديلا: رحلتي الطويلة من أجل الحرية

مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي

السبت، 17 شباط/فبراير 2018 عدد القراءات 233 مرة
الكاتب  زياد بهاء الدين

من مختارات الجماعة العربية للديمقراطية: زياد بهاء الدين: مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي، من اللقاء السنوي للجماعة سنة 1996.

 

كان موضوع اللقاء السنوي السادس لمشروع دراسات الديمقراطية هو "الحركات الإسلامية والديمقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة".

وقد انعقد اللقاء في كلية سانت كاثرينز، جامعة أكسفورد، أكسفورد في 31 أغسطس 1996.

 

وتضمن الموضوعات التالية:

1- مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي - زياد بهاءالدين.

2- الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية - وليد نويهض

 

للإطلاع على الملف الكامل للقاء السنوي السادس - اضغط هنا

 الملفات المرفقة بأسفل الصفحة تتضمن التعقيبات والملاحظات على الورقة ومناقشات ومداخلات اللقاء السادس كاملة.

 

قدم الاستاذ صباح المختار الورقة نيابة عن كاتب الورقة الاستاذ زياد بهاء الدين الذي تغيب بسبب وفاة والده رحمه الله

تقديم:

حينما طرح موضوع لقاء هذا العام - حول الديمقراطية والتيارات الاسلامية - كان القصد منه أن يتناول واحدة من أهم القضايا التي شغلت العالم العربي في العقدين الماضيين، ولا تزال تشغله الى اليوم. ومع أن هذا الموضوع ليس جديداً، الا أن اهمته تزايدت في السنوات القليلة الماضية مع تصاعد دور تيار الاسلام السياسي في كافة البلدان العربية وكذلك مع تراجع المكاسب الديمقراطية المتواضعة في العالم العربي إجمالاً، سواء في البلدان التي تمكن التيار الاسلامي من المشاركة أو الانفراد فيها بالحكم أو في تلك التي لا يزال فيها معارضاً وبعيداً عن السلطة.

والمتابع للجدل الفكري الدائر في العالم العربي حول موضوع الديمقراطية والتيارات الاسلامية سوف يلاحظ ان الجانب الأكبر منه قد انصب على بيان موقف الاسلام من الديمقراطية سواء لتأكيد توافقهما، أم للإصرار على تناقضهما. هذا النوع من الجدل استند من جهة الى جانب نظري يتمثل في دراسة موضوع الحقوق والحريات العامة وعلاقتهما بالنظام السياسي في ضوء أحكام الفقه الإسلامي. كما استند من جهة أخرى الى جانب عملي هو التراث التاريخي لتجارب النظم السياسية والدستورية الاسلامية.

ومع أهمية هذين الجانبين من الجدل والبحث الأكاديمي، الا أنهما لا يقدمان صورة مكتمل للقضايا التي يثيرها موضوع الديكقراطية والتيارات الاسلامية، ولعل اهم ما يغفلاه هو ضرورة الأخذ في الاعتبار بالسلوك العلمي الذي تمارسه التيارات الاسلامية في محاولتها للوصول الى السلطة من جهة، وبالمخاوف التي تنتاب اولئك الذين لا ينتمون الى التيار الاسلامي السياسي من عواقب السماح له بالمشاركة في الحياة السياسية عن طريق احزاب شرعية تنافس على الحكم من جهة أخرى. هذا هو الموضوع الذي ستحاول هذه الورقة ان تناقشه.

أولاً: الاطار العام للموضوع:

المخاوف والتحفظات التي لدى قطاع كبير من الرأي العام العربي من احتمال مشاركة التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي علىالحكم تستند الى عدد من الاعتبارات، بعضها صحيح والآخر لا أساس له من الصحة.. أهم هذه المخاوف الاعتقاد بأن التيار الاسلامي السياسي يستخدم العنف كما ضاقت به السبل، وانه لا يقبل مضمون الديمقراطية ويستخدم لعبة الأحزاب الدستورية كوسيلة تصل به الى السلطة أو سلما يؤدي به الى الحكم حتى اذا ما تحقق له مأربه قام بالاطاحة بهما فوراً، حارماً بذلك غيره من أن يسلك نفس الطريق وواضعاً محل التطبيق برامج وسياسات تعصف بعدد من الحريات والحقوق الشخصية والعامة والأساسية.

وقد أثيرت هذه المخاوف على مدى السنوات الماضية في مناسبات كثيرة، وتولي بعض من علماء الفقه الإسلامي ومن المفكرين الذين ينتمون أو ينتسبون الى التيار الإسلامي الرد عليها، مؤكدين ان لا أساس لها من من الصحة، وان مبدأي تداول السلطة والمشاركة في الحكم - باعتبارهما يمثلان اساس وجوهر الديمقراطية - معروفان في الشرع الإسلامي الذي يصون ايضا الحقوق والحريات الفردية والعامة التي يحرص عليها أي مجتمع حر وعادل. ولكن بالرغم من توفر هذه الردود، التي تجد اساسها - كما سبق القول - في الفقه او في التراث التاريخي، فإن المخاوف من مدى التزام التيار الإسلامي بأصول ومبادئ الديمقراطية ومن قبوله للحقوق والحريات العامة، وكذلك التحفظات التي ترد على قيام أحزاب اســـلامية دستورية، لا تزال قائمة في ذهن الكثيرين ولا تزال تعطي كتبرير لاستمرار حظر تكوين احزاب اسلامية في عدد من البلدان العربية، ولتأييد ممارساتالحكومات المختلفة الرامية من الحد م أي نشاط سياسي يرفع لواء الاسلام، بل والى نقض نتائج العملية الديمقراطية متى اسفرت عن فوز التيار الاسلامي سواء على مستوى التمثيل النيابي - كما حدث في الجزائر - أو على مستوى التمثيل المهني والنقابي كما يحدث في مصر، وبغض النظر عن صحة هذه المخاوف والتحفظات، وبغض النظر عن المقاصد الحقيقية التي تخيفها، فإن النتيجة تظل واحدة، وهي انها قائمة وعلى التيار الاسلامي ان يعترف بوجودها ويسعى لتحليل اسبابها ولاحترام المشاعر التي تثيرها لدى الناس قبل السعي الى تقييمها.

يترتب على تحديد موضوع هذه الورقة بأنه محاولة لتحليل ولتقييم السلوك العملي للتيار الاسلامي وكذلك مخاوف وتحفظات قطاع واسع من الجمهور العربي حياله فيما يتعلق بقضية الديمقراطية ما يلي:

اولاً: ان ما يجري عرضه هنا ليس اراء المفكرين المعارضين للتيار الاسلامي، وانما الأراء والرؤى الشائعة لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية، وهي التي - بصرف النظر عن موقفها الايماني من الدين الاسلامي كعقيدة - ليست مؤيدة للتيار الاسلامي كقوة سياسية تنافس على الحكم.

ثانياً: ان ما يجرى مناقشته هنا ايضاً ليس موقف الاسلام - كعقيدة وفكر سياسي - من موضوع الديمقراطية كما تعبر عنه كتابات المفكرين الاسلاميين، وانما الواقع الذي يمارسه التيار الاسلامي والذي يؤدي الى تكطوين الرؤى الجماهيرية المذكورة.

ثالثاً: من حيث منهج البحث، فإن هذه الورقة لن تعتمد على المصادر الاكاديمية المعتادة، ولا على المؤلفات العديدة التي كتبت في السنوات الأخيرة حول موضوع الاسلام والديمقراطية لأن موضوعها - كما سبق القول - ليس الجدل الفكري الدائر بين مؤيد التيار الاسلامي وبين معارضيه، وانما موضوعها هو التنازع القائم بين الرؤي الجماهيرية المنتمية اليه والمتخوفة منه. ولذلك فإن الورقة سوف تعتمد على ملاحظات شخصية عامة أغلبها غير موثق وعلى رصد خاص لبعض أحداث الأعوام الماضية، لاشك ان بعض قراءة هذه الورقة سيختلفون معه. ولعل هذا المنهج يتفق مع غرض الورشة ومع هدف منظميها الذين يرمون الى فتح باب الحوار المؤدي الى بلورة مواقف عملية من موضوع الديمقراطية العربية، وليس الى اضافة صفحات جديدة في ملف الدراسات الاكديمية. وتجدر الاشارة هنا الى أن الورقة ستشير على وجه الخصوص الى أحداث ومواقف من التجربة المصرية، ليس للإعتقاد بأن لهذه التجربة أهمية او خصوصية تفوق تجارب البلدان العربية الأخرى، وانما فقط لمتابعة كاتبها للأحداث المصرية أكثر من غيرها على نحو قد يسمح له بتقديم تحليل متكامل. ومع ذلك ستجرى الاشارة الى تجارب بلدان عربية اخرى كلما سنحت الفرصة.

رابعاً: واخيراً، من حيث النتائج التي ستسعى هذه الورقة للوصول اليها، فإن الغرض هو - كما سبق الذكر - اقتراح مواقف عملية ومبدئية محددة يمكن جمع الرأي العام العربي حولها للخروج به من حالة التمزق والتشرذم،والقطبية البالغة التي صارت تميز كل نقاش يتناول موضوع التيار الاسلامي، وبخاصة علاقته بالديمقراطية.

وقد توقفت كثير من الأبحاث والكتابات القيمة السابقة في موضوع الاسلام والديمقراطية عند مسألة تعريف المفاهيم والمصطلحات الرئيسية الدارجة، ولذلك فلا توجد ضرورة لترديد هذه التعريفات وللخوض في اختلافاتها الدقيقة هنا لأن هذه الورقة سوف تعتمد على ما يمكن وصفه بأكثر المفاهيم شمولاً.

بناءً على ذلك يمكن تعريف الديمقراطية بأنها حق الشعب في أن يحكم نفسه عن طريق اختيار ممثليه، وما يترتب على هذا الحق الأصلي من حقوق التعبير والاجتماع وانشاء الأحزاب وخوض الانتخابات وتداول السلطة. وتفترض هذه الورقة ان للديمقراطية مضمون واحد واشكال متعددة، سواء حملت اسماء الديمقراطية أو الشورى أم المشاركة في الحكم أم غيرها. كما تفترض ان مفهوم الديمقراطية ليس مقدساً، ولا هو جامد، بل غاية او هدف يتطور عن طريق النقد والتأقلم. تفترض هذه الورقــــة كذلك ان الديمقراطية لا تشير بالضرورة، ولا تشير فحسب، الى انتخابات نيابية ولا الى نشاط الاحزاب السياسية، بل تتعدى ذلك الى كافة اشكاله المشاركة في الحكم وصنع القرار، وبالتالي فلا تصبح كاملة الا بانتخابات حرة على مستوى النقابة والحكم المحلي والجمعية الثقافية، كما ان ممارستها تكون عن طريق أي مؤسسة أو شكل من التنظيم السياسي الذي يسمح للجماهير بالتعبير عن رأيها وبممارسة حقها في حكم نفسها. واخيراً تفترض هذه الورقة ان العلاقة بين الحق السياسي والحق الاجتماعي وثيقة، وبالتالي فلا جدوى من الحديث عن تجربة ديمقراطية ناجحة في غياب الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والقدر المقبول من العدالة في توزيع الموارد. وهذه الملاحظة تنطبق بوجه خاص على تلك الدول العربية التي شهدت في الســــــــــــنوات الأخيرة - ولا تزال تشهد - اعادة فرز اقتصادي واجتماعي شامل على نحو يهدد بالرجوع الى مستويات من تفاوت المصادر ومن العوز تجعل الحديث عن الديمقراطية ترفا والحق الانتخابي سلعة تباع وتشترى.

أما فيما يتعلق بمفهوم التيار الاسلامي، فهنا ايضاً تستخدم هذه الورقة أكثر المفاهيم شمولاً، فالتيار الاسلامي السياسي يضم كل نشاط أو رأي يسعى أو يدعو لانشاء حكم يستمد شرعيته وبرنامج عمله من اعتقاد الجماهير بأنه يرفع لواء الاسلام، سواء كان هذا الاعتقاد صحيحاً أم خطأً، سواء كان هذا التيار اسلامياً بالتصريح أم بالتلميح، سواء كان ما يمارسه من عمل وما يصرح به من قول متوافقاً مع الدين الاسلامي أم مستقلاً عنه، وسواء كان يستخدم في نشاطه أو في سعيه الكلمة أم التنظيم السياسي أم العنف المسلح. وبسبب اتساع هذا المفهوم، فإن الورقة ستشير الى تيار إسلامي واحد - بدلاً من تيارات اسلامية - باعتبارها تعبر عن اتجاه عام واحد، والى فصائل وجماعات مختلفة تندرج تحت مظلته.

كما تجدر الاشارة الى ان كثير من القضايا المثارة في هذه الورقة، كما في غيرها من الكتابات والدراسات، يمكن طرحها بشكل اوسع فيما يتعلق ببكافة الأحزاب الدينية - سواء اسلامية أم مسيحية أم غيرها - كما يمكن طرحها ايضاً فيما يتعلق بالاحزاب التي تقوم على اسس قبلية، أثنية أم عرقية، ولكن لما كان موضوع الورشة هو الديمقراطية والتيارات الاسلامية، فإن المناقشة هنا سوف تقتصر على هذا التيار في المقام الأول، مع امكانية المقارنة والقياس على الاحزاب الأخرى المذكورة.

واخيراً، فإن هذه الورقة - كما سبق القول - سوف تسعى الى اقتراح موقف عملي محدد يمكن جمع جماهير الأمة العربيــــة عليه، وبالتحديد فإن الورقة سوف تسعى الى توضيح ما يلي:

1 - أهمية طرح سؤالين مبدأيين وهما: هل يسمح في البلدان العربية بتكوين احزاب اسلامية في الاطار الدستوري والشرعي ؟ وما هي المخاوف والمحاذير التي تثيرها هذه الأحزاب.

2 - ان التناقض الذي صار مفترضا بين الدينية والعلمانية - رغم ما حظي به من اهتمام واسع بين المفكرين والكتاب - موضوع مختلف الى حد كبير وليس له، في ساحة التفاعل الواقعي الا وجود هامشي.

3 - ان القصور الرئيسي للتيار الاسلامي هو دخوله في لعبة الصراع على السلطة السياسية على حساب ما كان يمكن ان يضيفه من قوة فاعلة في مجال بناء المؤسسات الوطنية، كما يتضح مثلا في موضوع تطبيق الشريعة الاسلامية وعلاقتها بالقوانين الوضعية.

4 - خطورة ان تترجم المخاوف والتحفظات التي لدى الكثرين من مشاركة التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي الى ان تصبح قوة فاعلة - وان كانت غير مدرجة - نحو المزيد من الاهدار للديمقراطية وحقوق المواطن بدعوى مواجهة المد الاصولي.

5 - وفي النهاية فان الورقة سوف تدعو الى ضرورة وضع حد لنزيف الموارد والطاقة وثقة الجماهير التي نتجت عن سنوات الصدام بين معارضي ومؤيدي التيار الاسلامي والى اهمية بلورة مواقف جديدة تسعى الى جمع ضتات المجتمعات العربية في وقت حرج تزايدت فيه التحديات والمخاطر التي تواجهها على نحو لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل.

ثانيا ً: مبررات السماح بتكوين احزاب اسلامية:

القول بضرورة السماح للأحزاب الاسلامية بالمشاركة في التنافس السياسي الدستوري او المشروع قانوناً يستند الى عدة اعتبارات:

1 - هناك الاعتبار المبدأي الذي يقضي بأن جوهر الديمقراطية هو تمكين الشعب من اهتيار ممثليه في ممارسة السلطة، واعطائه حق الاختيار بين كل المنافسين الراغبين في ممارسة هذا الدور، ولذلك فإنه لا يجوز حرمان حزب ما - بغض النظر عن مضمون برنامجه - من الاشتراك في التنافس على اصوات الناخبين. ويترتب على ذلك انه لا يجوز استبعاد الاحزاب الاسلامية والا كان في ذلك اهدار لأساس الديمقراطية. أما القول بأن مثل هذا الاستبعاد جائز بسبب افتراض ان هذه الاحزاب تمارس اللعبة فقط الى حين تمكنها من السلطة فمردود عليه بأن الدخول في ضمائر ونوايا الاحزاب يمكن ان يؤدي الى استبعاد كل حزب او تيار سياسي من هذه اللعبة وفقا لهوى السلطات بدعوى انه ليس ديمقراطيا بحق.

2 - هناك كذلك الاعتبار السياسي. ففي عدد من البلدان العربية - مصر، الاردن، فلسطين، المملكة العربية السعودية، الكويت، والبحرين مثلاً - صارت المعارضة الاسلامية هي القوة الوحيدة المتبقية المعارضة للحكومات على نحو مؤثر، والمقصود بهذا التأثير هو انها تشكل تهديداً نسبيا لسيطرة الحكومة على السلطة، أو على الاقل تضع عليها ضغوطاً ورقابة تدفعها الى الاهتمام - ولو شكليا - بمصالح البلاد وبما ينفع سكانها، ولذلك فالمعارضة اليسارية مثلاُ، أو تلك التي تنتمي الى التيار القومي أو الليبرالي، بالرغم من جدية واخلاص افرادها، الا انها صارت لا تشكل خطرا كافيا على الحكومات ولا حتى قوة ضغط لتحسين ادائها. هذا بالطبع تقييم عام، وان كانت تفاصيله ومدى صحته تتراوح من بلد الى آخر. أما التيار الاسلامي فهو الوحيد الذي يمكن القول ان له وجودا شعبيا وليس فقط وجودا رسميا وفكريا بين النخبة الثقافية. وينبني على ذلك انه لو حرمت المعارضة الاسلامية من حق العمل السياسي المشروع فان عددا من الحكومات العربية سيصبح منفردا بالساحة السياسية، لا يشاركه فيها سوى الاحزاب الهامشية التي يسهل عندئذ ان تتحول الى اداة لتجميل الشكل السياسي لنظام الحكم اذ تعطي الانطباع بتعدد الأحزاب دون ان يكون لديها فرصة المنافسة الحقيقية على الحكم. وهذه الملاحظة ليست مقصودة للتقليل من شأن احزاب المعارضة العربية التي لا تنتمي الى التيار الاسلامي. بل على العكس فإن العمل السياسي في هذه الظروف تؤكد على اخلاص المنتمين الى هذه الأحزاب وهم اول العالمين بمدى بعدهم عن السلطة، وتوضح اصراراهم على حمل الراية على امل ان تظل مبادئهم حية ولو في قلوب اقلية ضئيلة الى ان تدور الدائرة مرة اخرى. المهم هو ان احتكار التيار الاسلامي للمعارضة المؤثرة، في الوثت الراهن على الاقل يجعل كثيرين ممن يؤمنون بالديمقراطية حتى دون ان تكونوا من المنتمين الى التيار الاسلامي، يطالبون بمشاركة الاحزاب الاسلامية في العمل السياسي المشروع حرصا على الا تصبح الحكومات العربية بلا ضابط ولا حتى رقيب. ولعل من المفيد ان نلاحظ هنا ان احتكار التيار الاسلامي للمعارضة قد صار واقعا ليس فقط في عدد من البلدان العربية كل على حده، وانما على مستوى الامة العربية على وجه العموم، اذا صار هذا التيار مثلا - دون تحديد ببلد بعينه - هو القوة الرئيسية المعارضة لخطوات التسوية مع اسرائيل، او على الاقل لأسلوب اجرائها على نحو متعجل وخارج عن تصور متكامل لمصير الامة العربية كوحدة واحدة باختصار هو المعارض لما صار يسمى عرفا بالهرولة.

3 - هناك بعد ذلك اعتباران عمليان - وقد يقول البعض انتهازيان - للقبول بمشاركة الاحزاب الاسلامية. اولهما: هو الاعتقاد الذي تؤكده بعض التجارب التاريخية بان حرمان أي تيار شعبي من فرصة التعبير والمشاركة في الحلبة السياسية المشروعة هو ما يؤدي الى تحويل طاقة هذا التيار الى العمل السري العنيف. اما ثانيهما: فهو الخوف من ان استبعاد الحزب الاسلامي بدعوى انه يسعى لهدم نظام الدولة او أنه ليس ديمقراطيا بحق يمكن ان يستخدم كمبرر من قبل نفس هذ الحزب لاستبعاد كافة التيارات السياسية في المستقبل اذا ما وصل يوما الى الحكم بشكل او بآخر.

هذه هي باختصار شديد بعض الاسباب الرئيسية التي تدعو غير المنتمين الى التيار الاســــلامي للقول بأن للاحزاب الاسلامية حق المشاركة في العمل السياسي المشروع، وهي اسباب وجيهة اذ تتضمن - كما سبق القول - اعتبارات مبدئية وسياسية وعملية، ولكن وجاهة هذه الأسباب لا تزال في نظر آخرين، غير كافية لكي تترجم الى رفع كامل لحظر مشاركة الاحزاب الاسلامية في العمل السياسي المشروع وذلك بسبب عدد من المخاوف والمحاذير. هذه المخاوف والمحاذير هى ما نتعرض له في الفقرات التالية.

ثالثاً: المخاوف والمحاذير التي يثيرها اشتراك التيار الاسلامي في العمل السياسي:

هناك عدد من المخاوف والمحاذير التي تنتاب جانب لا يستهان به من الرأي العام العربي حينما يثار موضوع حق التيار الاسلامي في ان يكون له تعبير سياسي مشروع. والمهم - كما سبقت الاشارة - ليس فقط صحة هذه المخاوف او عدم صحتها من الناحية الموضوعية، وانما كذلك ضرورة الاعتراف بها على أي حال والتعامل معها على انها حقيقة سياسية قائمة. ويمكن بوجه عام تقسيم اهم هذه المخاوف تحت ستة عناوين: الادعاء بتطابق العقيدة مع البرنامج السياسي، اللجوء الى العنف أو التهديد به، التباين بين موقف القيادات الفكرية الاسلامية وبين مسلك التيار الاسلامي على وجه العموم خاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات الفردية، موقف التيار الاسلامي من قضية الديمقراطية ومن الدولة المدنية المعاصرة، موقفه من قضية الشريعة الاسلامية، والارتباط السياسي بين فصائل التيار الاسلامي في انحاء العالم. وفيما يلي استعراض موجز لهذه القضايا الست.

1 - الادعاء بتطابق العقيدة الاسلامية مع البرنامج السياسي الاسلامي

هناك مشكلة اولى يثيرها التيار الاسلامي السياسي، وهى قيامه بالحديث بالنيابة عن الجماهير الاسلامية بأسرها من منطلق انه يمثل وجهة النظر الاسلامية السائدة، والوحيدة على نحو يلغي امكانية وجود تمثيل اخر اسلامي سواه. ومن الطبيعي ان كل حزب سياسي عليه ان يتصرف باعتباره الممثل الوحيد للأيديولوجية التي يتكلم باسمها، ولكن الامر يزداد صعوبة في حالة التيار الاسلامي لانه يريد احتكار تمثيل عقيده باسرها وليس مجرد فكر سياسي. هذه ليست فق´عقبة في وجه قبول التيار الاسلامي في حلبة التنافس الديمقراطي وانما هي القضية الرئيسية التي تفرغ عنها سائر العقبات والمخاوف. فالتيار الاسلامي كحزب سياسي ينافس على السلطة مثله مثل غيره، وله اتباع ومؤيدون كما ان له خصوم. والبرنامج الذي يطرحه يحتمل الاتفاق والاختلاف مثل أي برنامج سياسي. ولكن التيار الاسلامي على وجه العموم لا يقبل بهذه الصفات المعتادة، بل يقدم نفسه باعتباره الممثل الوحيد لكل مسلم ومسلمة، أي لكل من يعتنق العقيدة، بغض النظر عن اعتقانه للفكر السياسي، ويترتب على هذا التصوير الخاطئ ان من يعترض على البرنامج السياسي الاسلامي، أو يطرح بديلا له، لا يكون مجرد منافس في الحلبة السياسية، وانما يصبح خارجا عن الدين، خارجا عن العقيدة. وهذا الأمر يثير مخاوف في اعتقاد كاتب هذه الورقة انها في محلها، من ان التيار الاسلامي غير قابل لأبسط قواعد التنافس الديمقراطي، وهو ان يكون على قدم المساواة مع غيره منالقوى السياسية المتنافسة وان يقبل التصرف كأي حزب سياسي للسلطة. ولا ينصب نفسه ممثلا للعقيدة ومفسرا لها ومحتكرا لرايتها.

2 - اللجوء الى العنف:

لعل اكثر ما يثير خوف جانب من الجمهور العربي منالتيار الاسلامي على وجه العموم هو الشعور بأن العنف خيار دائم لديه، يمكن اللجوء اليه كلما ضاقت به السبل الاخرى. وقد يزايد هذ الشعور في السنوات الاخيرة مع تصاعد اعمال العنف التي ارتكبت في انحاء العالم العربي باسم الفصائل الاسلامية المختلفة. والمألوف هو ان يدفع التيار الاسلامي عن نفسه هذ الاتهام بالقول ان العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة لا يعبر عن التيار الاسلامي بوجه عام، وان حتى هذا العنف الذي يصدر عن قلة له مبررات في القمع الذي تمارسه الحكومات، ولكن هذا الرد يعيبه أمران: فمن جهة اولى لا يملك القطع بما اذا كان التيار الاسلامي على العموم منفصلا عن الجماعات المسلحة أم انهما وجهان لعمله واحدة سوى من لديه معلومات مؤكدة من طبيعة استخبارية، وهي غير متوفرة لكاتب هذه الورقة. ولكن الاعتقاد العام، الذي تؤكده وسائل الاعلام الرسمية، هو انهما بالفعل وجهان لنفس العملة. ومن جهة ثانية فإن هذا الشعور يتأكد لدى الجماهير التي تتعرض لألوان من العنف البسيط الذي لا يحظى باهتمام وسائل الاعلام الرسمية ولكنه يرسخ فكرة ان العنف لصيق بالتيار الاسلامي، من ذلك مثلا سلوك التجمعات الطلابية الاسلامية حينما تقوم بتحطيم معرض فنية والاعتداء على حفلات موســـيقية وتهديد الطالبات المخالفات لزي أو مسلك معين، ومن ذلك ايضا العنف الفردي، حتى بلغت اطفالا ابرياء لا حول لهم ولا قوة. ومن هنا فإن الخوف من الخيار المسلح مبعثه الاعتقاد بأنه طريق يصعب على من يرتاده ان ينكص عنه أو حتى ان يحتفظ بمساره الأول فيه.

3 - التباين بين الفكر والممارسة:

التباين المقصود هنا بين الموقف الفكري لكبار الكتاب والمثقفين الذين ينتمون الى التيار الاسلامي او يتحدثون بأسمه - وسوف يشار اليهم اختصارا في هذه الورقة الثقافية الاسلامية - وبين موقف القيادات المحلية ومسك بعض فصائل هذا التيار تتضح بوجه خاص في مجال الحقوق والحريات الفردية، وعلى رأسها: حقوق المرأة، حقوق الأقليات، حرية المسلك، وحق التعبير. فإن كان الاسلام قد كرم المرأة ونصفها، بل وانحاز اليها - على الأقل بمعايير عصر التبليغ - وان كان قد حفظ للأقليات حقوقها المدنية والسياسية، بل كان قد نص على حرية المسلك وعلى حرية العقيدة في الاطار المقبول للنظام العام، وان كان بعض كبار المفسرين والمفكرين المعاصرين قد اكدوا هذه المواقف بل واجتهدوا في اخضاعها لمقتضيات العصر ومفاهيمه، الا ان كل هذا لا يلزم عموم التيار الاسلامي. واليكم بعض الامثلة من التجربة المصرية:

فيما يتعلق بوضع المرأة، وبالرغم من كل ما كتب مؤخرا حول مساوة حقوقها ومركزها بحقوق ومركز الرجل، حتى في اعطائها حق الامامة اسوة بالرجل، الا ان الخطاب السياسي الاسلامي في سعيه لكسب شعبية وجماهيرية، لا يزال يصر على اعتبار المرأة كائن من الدرجة الثانية، يتضح ذلك مثلا في اعادة فتح باب الجدل حول عمل المرأة وهل يجوز ام لا يجوز وكأن الأمر يحتمل مناقشة , ويتضح في فرض رؤية لمفهوم الأسرة والانجاب لا يري في المرأة سوى اداة تكاثر لا رأى له ولا تفضيل. ويتضح في الاصرار على التقليل من الدورالسياسي للمرأة ليس فقط عن طريق حرمانها من عضوية المجالس التشريعية، بل التشكيك في حقها في انتخاب ممثلي الشعب.

وفيما يتعلق بحقوق الاقليات: فإن الأمر نفسه يتكرر وان كان بدرجة اكبر وبقصد اكثر سواء. فبينما تذكرنا النخبة الثقافية الاسلامية بحقوق هذه الأقليات الشرعية وتضيف اليها اجتهادات عصرية وتؤكد هذه الحقوق - حتى تقديم صفة المواطنة على صفة الذمية - الا ان مسلك كثير من فصائل التيار الاسلامي ترسخ التفرقة في اسوأ صورها وتنزع الاقليات صفة المواطنة بشكل سافر. من ذلك ما تصدره بعض قيادات الجماعات الاسلامية من فتاوى حول عدم التعامل مع المسيحين وحول اعتبار اموالهم غنيمة مباحة لتمويل الجهاد، وعموما حول اعتبارهم غرباء في البلد أو ضيوفاً عليه. ومن ذلك ايضا ان الصراع العنيف الذي دار في صعيد مصر في السنوات الماضية بين الحكومة وبين الجماعات الاسلامية المسلحة امتد في بعض الاحيان ليشمل الاعتداء على حياة وعلى ممتلكات المواطنين المسيحيين لمجرد انهم مسيحيون. ويجب في هذا المقام ان نذكر بأن كل من له وزن ثقافي وفكري من الكتاب والمفكرين الاسلاميين في مصر قد سارع الى التنديد بهذه الأفعال، كما فعلت جماعة الاخوان المسلمين. ولكن ماذا ينفع المواطن المسيحي الذي يقطن صعيد مصر ان تصدر هذه الاقوال من فقهاء وعلماء لا يسمع لهم سوى نخبة محدودة ؟ الذي يهم هذا المواطن هو ما يقوله ويفتي به امراء الجماعات الاسلامية المحليون في القرى والنجوع والذين لارائهم صوت مسموع وسطوة لا يؤثر فيهما كل ما يقوله علماؤنا الاجلاء.

أما فيما يتعلق بالمسلك الفردي، فإن السماحة والاعتدال اللذين تنادي بهما النخبة الثقافية الاسلامية يتراجعان في الواقع العملية امام حالات جبر النساء على ارتداء زي معين - أحياناً تحت تهديد ماء النار - والاعتداء على الحفلات المسرحية والموسيقية وغيرها من الأعمال الفنية حتى ما خلا منها من الخلاعة، والتدخل في خصائص حياة الناس حتى بدون سند شرعي أو اجتماعي مقبول.

واخيراً فيما يتعلق بحرية الفكر والتعبير، فإن لا شيئ يمثلها قدر قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد التي ذاعت في الصحف العربية والعالمية مؤخرا. وليكن واضحا لدى الجميع انه بعيدا عن التفاصيل القانونية للدعوى التي حكم فيها بارتداد الدكتور ابوزيد وبتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، وبعيدا عن المزايدات السياسية التي اشترك فيها كافة الأطراف، بل وبعيدا عن الجوانب الفنية لكتابات الدكتور ابو زيد وعن تقييم قيمتها العلمية، فإن القضية في النهاية هي قضية حرية التفكير والتعبير. فبرغم المواقف المعتدلة، بل والمتعاطفة التي ابداها بعض مفكري التيار الاسلامي من هذه القضية، الا ان حكم المحكمة كان قد سبقه حكم آخر أصدره التيار الاسلامي يقضي بردة الدكتور أبو زيد وبكفره بل وباعدامه. وقد تحقق هذا بعيدا عن أي تقييم أو تحقيق لكتابات الدكتور ابو زيد وعن طريق استعداء الجمهور عليه، دون اعطائه الفرصة لشرح وتوضيح مقصده. ولعل اكثر ما يثير القلق في هذه القضية هو السهولة التي تم التوصل بها من قبل معارضيه الى القطع بردته، رغم تأكيده هو شخصيا في كل المحافل والمناسبات على ان خلافه ليس مع العقيدة، وانما مع مفسريها.

هذه أمثله لما يمكن وصفه بالتباين بين ما تقوله النخبة الثقافية الاسلامية وبين السلوك الواقعي الذي تمارسه بعض الجماعات الاسلامية. وكما سبق القول فإن المشكلة تكمن في عدم وجود أي دليل - أو ضمان - على ان الاجتهادات العصرية والمتحررة التي تحتاجها الأمة للخروج من عثرتها لها شأن عند عموم التيار الاسلامي، بل الأرجح، كما تدل التجربة، هو انتصار الأراء الأكثر تشدداً والاقل تسامحاً وانفتاحا على طبيعة العصر ومقتضايته. وليس ادل على ذلك من ان حتى مفتي الديار المصرية السابق - فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي وهو شيخ الأزهر حاليا - لم يسلم من تهمة الخروج عن الدين من قبل بعض الفصائل المتشددة بسبب ارائه واجتهاداته حول المعاملات المصرفية وختان الفتيات ونقل الأعضاء وغيرها من القضايا الهامة المعاصرة، وهي كلها تهم يسهل توجيهها بسبب الخلط الصلي بين التيار الاسلامي كحزب سياسي وبينه كحافظ للعقيدة على وجه العموم.

طبعاً يسهل القول بأنه ليس من الانصاف ان يؤخذ التيار الاسلامي بأسره بجريرة اشد فصائله تشددا وتطرفا. وهذه حجة وجيهة، وان كان يرد عليها تحفظان:

التحفظ الأول هو ان الفصل بين الاتجاهين في داخل نفس التيار من ترف الدل الثقافي والنقاش الفكري الذي يجري بعيدا عن التفاعل اليومي الواقعي. أما من يدفعون الثمن كل يوم من جراء مسلك الفصائل الاسلامية المتشددة، وبالذات المسلحة منها، فلا ينفعهم كثيرا ان يكون هذا المفكر او ذاك قد اجتهد في اخراج رأي يدفع به عن مصالحهم وحقوقهم، طالما ان هذا الرأي لا وزن له ولا تأثير على مستوى المعاملة اليومية. فالحكم على تيار سياسي ما يجب ان يكون بما يمارسه، سواء كان معارضا ام حاكما، وبما تتضمنه برامجه السياسية لا ما يصرح به كبار مثقفيه. ولوكانت الحزاب السياسية تحاكم ببرامجها فقط لكانت الحكومات العربية اول الفائزين.

أما التحفظ الثاني فيتعلق بمستويات النخبة الثقافية الاسلامية عن كتابتها وارائها المعلنة، فالمسئولية بالمعنى الضيق في الاعتداء على مواطن مسيحي مثلا لا تقع سوى على من ارتكب الجريمة ومن ساهم فيها بشكل مباشر.ولكن المسئولية الأدبية للكاتب وللمفكر تقتضي منه ان يفكر ليس فقط في صحة ما يكتب كما يبدو له او للمحيطين به مباشرة، وانما ان يتأمل في وقع كلماته على قراء من ثقافات ومن ظروف اجتماعية مختلفة الى حد يجعل هذه الكلمات تفهم - أو تترجم - الى معان مغايرة لقصد الأول. واليكم بعض الأمثلة ايضا من التجربة المصرية: حينما اغتيل الكاتب فرج فوده، اعترف قاتلوه بأنهم اقدموا على جريمتهم بعدما ثبت انه علماني المؤسف ان نفس الكتاب الاسلاميين الذين سارعوا الى تقديم العزاء في وفاته وأ‘لنوا أن مقتله ليس من الاسلام في شيئ، هم الذين كانوا قد اعلنوا علمانيته واعادوا تكرار ذلك حتى صارت صفة ملازمة له، دون حتى ان يكلفوا انفسهم مشقة شرح المقصود بهذه الكلمة وتوضيح انها تتعلق بخلاف فكري حول مرجعية الدولة، وليست بالضرورة مرادفا للفكر والالحاد على نحو ما صارت تعرف في الخطاب الشعبي. ولكن بينما كان هؤلاء الكتاب يتصورون ان اطفالهم لهذه الصفة يدخل في نطاق الجدل الفكري، فإن كلماتهم ترجمت على بعد مئات الكيلو مترات على انها تهمة بالكفر والالحاد وحكما بالإعدام، بل ان المرحوم الشيخ محمد الغزالي ذهب الى ابعد من ذلك، اذ حضر محاكمة قاتلي فرج فودة وأدلى بشهادة فيها انتهت الى ان المتهمين قد قاموا بتنفيذ حد كان على الدولة ان تقيمه. وقد تكرر نفس الأمر في حالة الاعتداء على نجيب محفوظ، اذ اعتبر الذين كانوا قد أ‘لنوا ان روايته الشهيرة "اولاد حارتنا" دليل على الحاده واساءته للدين الاسلامي ان الاعتداء عليه لا علاقة له بمجادلاتهم الفكرية. أما المثال الثالث فلا يتعلق بفرد، وانما بما دأب عليه عدد من كبار كتاب مصر الاسلاميين من استخدام لفظ "الصليبين" للهجوم المحموم والمثير على الحضارة الغربية، ناسين - او متجاهلين - ان هذا اللفظ يمكن ان يترجم الى اعتداء على الكنائس المصرية وعلى من يرتادها ظنا بأن صليب اليوم الوطني هو امتداد لصليب الأمس الاستعماري. فغير مقبول ما يقوم به بعض اعضاء النخبة الثقافية الاسلامية من تحريض وتأليب واستعداد للجماهير على خصومهم السياسيين، خاصة حينما يلحقون ذلك بالتنصل من مسئوليتهم عمنا يترتب على هذ التحريض.

4 - موقف التيار الاسلامي من قضية الديمقراطية ومن الدولة المدنية المعاصرة:

أهم ما يشاع عن التيار الاسلامي فيما يتعلق بموضوع الديمقراطية عموما، هو انه ليس ملتزم بالخيار الديمقراطي من منطلق مبدئي، وانه يرفع شعارات التعدد الحزبي والانتخابات البرلمانية الحرة وتداول السلطة فقط كأسلوب للإثارة ولتأليب الجماهير على الحكومات القائمة، او حتى للوصول الى السلطة. فإذا ما تحقق هذا الهدف النهائي، قام بفرض قيود على نفس الحريات السياسية التي كان يطالب بها. وفي الواقع انه من الناحية الموضوعية فإن هذا التحفظ ليس منصفا ولا مقنعا لأي محلل محايد وذلك لسببين أولهما: ان استبعاد تيار معارض من المنافسة الديمقراطية بدعوى انه يحمل في باطنه نوايا ديكتاتورية يناقض جوهر روح الفكرة الديمقراطية من اساسها، كما انه يفتح الباب لاستبعاد من ترى فيه السلطة القائمة تهديدا لاستقراراها ولسيطرتها علىالحكم. والسبب الثاني: انه في ظل القيود التي تفرضها الحكومات على عمل الاحزاب وعلى تنافسها الحر، يصبح من الاجدى توجيه هذا الاتهام الىالحكومات التي بيدها السلطة بالفعل وتقوم بعرقلة التطور الديمقراطي، بدلا من توجيهه الى تيار لم يزل معارضاً.

ولكن - كما سبق القول - فإن موضوع هذه الورقة ليس التحليل الموضوعي في حد ذاته، وانما الرؤى والمخاوف السائدة لدى جانب من الجمهور العربي. وفي هذا المجال فإن مسلك بعض فصائل التيار الاسلامي هو الذي يساهم في اشاعة هذه الصورة عنه ويثبت الاعتقاد في اذهان الناس بأن الاسلام نقيض الديمقراطية. على وجه التحديد، فإن تناقض واضطراب موقف كثير من المنتمين الى التيار الاسلامي حيال الديمقراطية ما يثير الحيرة والخوف. فهم من ناحية يطالبون بتطبيق قواعد الديمقراطية في صراعهم مع الحكومات على السلطة، ويستخدمون في هذا الصراع كل ما هو متاح من التشبيهات والمقارنات مع النظم المعمول بها في دول الغرب سواء في انتخاب البرلمان ام في انتخاب الحاكم ام في مراقبة ومحاسبة المسئولين. وهذا كله موقف لا بأس به، ولا يدعو لاثارة الريبة في حد ذاته. ولكن يختلط الأمر بعد ذلك حينما يعمد نفس الأشخاص في سياق مختلف الى التذكير بأن الديمقراطية جزء من منظومة غربية حضارية وتاريخية متكاملة، وليست عنصرا مجردا أو مستقلا، ويطرحون نقداً شاملاً لكل مافي هذه الحضارة الغربية من صفات وقيم وقواعد للتعامل، الصالح منها والطالح، واصفين اياها بالصليبية والاستعمارية والاحتكارية والرأسمالية والصهيونية. بمعنى آخر فإن التناقض المزعوم بين الاسلام والديمقراطية - وهو بالتأكيد ليس صحيحاً - صنيعة بعض المتحدثين باسم التيار الاسلامي بسبب موقفهم القطعي والشامل من كل ما تتضمنه الحضارة الغربية، وليس صنيعة خصومهم. وافتناع الجماهير بصدق ايمان التيار الاسلامي بالديمقراطية، لا يمكن ان يتحقق الا بعد ان يعتدل هذا التيار في موقفه من الحضارة الغربية ويبتعد عن المكاسب الشعبية السريعة التي يحققها له النقد المبالغ فيه لكل ما قدمته، ولا تزال تقدمه من أفكار وقيم ومؤسسات.

ولعل مثال محدد يساعد على توضيح هذه النقطة. فقد دأب بعض المتحدثين باسم التيار الاسلامي على نقد الدولة المدنية المعاصرة كما يرفعها العالم كله وكما يعرفها العالم العربي على الأقل منذ منتصف القرن التاسع عشر. وهم من جهة يعتبرون ان الدول العربية المعاصرة صنيعة الاستعمار الاوربي الذي نزع عن المجتمعات العربية اساسها الحضاري والأخلاقي حينما فرض عليها شـــكل الدولة العلمانية القائمة على الهوية القومية. وفي الواقع أن هذا التحليل - من الناحية التاريخية - قد يكون فيه شيئ من الصحة (وأن كان يغفل الى حد كبير التطورات الاجتماعية التي كانت المجتمعات العربية في حد ذاتها تشهدها في هذه الفترة والتي جعلت هذا التحول ممكنا لأنه ايضا يستجيب لمتطلباتها، وهذه مناقشة تاريخية لا محل لها في هذه الورقة). المشكلة تكمن فيما يترتب على هذه المقدمة من نتائج، أما ما يرتبه عليها جانب من التيار الاسلامي. فهم يذهبون الى ان المطلوب هو التخلص من الطابع العلماني والقومي للدولة المعاصرة، والعودة - واللفظ من عندهم وليس من عندي - الى الدولة الدينية القائمة على الهوية الاسلامية. وبسبب وصفي لهذا الموقف بأنه مشكلة هو اغفاله لحقيقة انه بغض النظر عن الأصل التاريخي للدولة العربية المعاصرة، فإن هذه الدولة في شكلها الحالي ليست فقط نتاج حركة استعمارية ترجع الى قرن ونصف مضى، وانما هي ايضا نتاج كفاح الشعوب العربية وتضحيات كبيرة بذلها مناضلون وقادة وشارك فيها ملايين المواطنين عملوا على تطويرها وتحويلها في نهاية الأمر الى ناتج وطني. لا يعني هذا ان علينا بالضرورة قبول شكل الدولة كما هي عليه اليوم دون تحفظ ودون السعي الى المزيد من التطور. المقصود ان الاتجاه الى رفض هذه الدولة لمجرد انها نتاج حضارة غربية مرفوضة فيي كل جزئياتها وتفاصيلها هو ما يدفعنا الى تجاهل طبيعة المجتمعات البشرية المتطورة والقائمة على الاستعارة والاستيعاب. فالدولة المدنية المعاصرة - وهو في اعتقادي وصف ادق من الدولة العلمانية لأن الأخير يفترض فصلا كاملا للدولة من الدين لم تصل اليه ابدا المجتمعات العربية ولا هي بحاجة له - هي التي نقلت المجتمعات العربية من الاستعمار الى التحرر، وهي التي شكلت اساس التطور العلمي والتعليمي الذي عرفه العالم العربي في النصف الأول من القرن الحالي، وهي التي تبلور من خلالها مفهوم المواطنة المعاصر وما ينبني عليه من قيم المساواة والتكافوء بين الاديان والطوائف والطبقات، وهي اخيرا التي حفظت المجتمعات العربية من التشرذم والانقسام الديني والطائفي التي حيكت من اجله المؤامرات - ولا تزال - ورصدت من اجله موارد وطاقات من قبل اعداء الأمة. فأما ان يعاد النظر في شكل الدولة، وان يتم تجديدها بالنظر الى الحاضر والمستقبل فهذا شيئ مرغوب. ولكن ان يتم نقد الدولة بكل ما تمثله لمجرد انها نتاج استعماري غربي فهذا هو المرفوض.

5 - موقف التيار الاسلامي من قضية الشريعة الاسلامية:

يعتبر موقف التيار الاسلامي من موضوع الشريعة، وعلاقتها بالقوانين الوضعية احد أهم المخاوف والتحفظات الواردة على اشتراك الاحزاب الاسلامية في العمل السياسي الدستوري. وتتزايد أهمية هذا الأمر بسبب تصدر تطبيق الشريعة الإسلامية - بشكل أو بآخر - لبرامج ومواقف كل من ينتمي إلى التيار الإسلامي حتى صار الركن الرئيسي في هذه البرامج ومحور الحركة السياسية الإسلامية.

ويحسن البدء - عند تناول هذا الموضوع - بما لا خلاف واسع عليه، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط الثلاث الآتية:

أ - إن الإسلام دين ودنيا، عقيدة ونظام اجتماعي، بمعنى أن الدين الإسلامي قد جاء لكي ينظم علاقة الإنسان بالخالق وكذلك علاقة بني الإنسان ببعضهم البعض واضعا بذلك أسس اجتماعية واقتصادية وسياسية تعالج المعاملات الفردية والتنظيم السياسي للدولة، وان كان بدرجات متفاوتة من التفصيل. والشريعة الإسلامية هي الإطار العام الذي يجمع هذه القواعد والمبادئ.

ب - أن الشريعة الإسلامية ليست مجرد مجموعة من القواعد السلوكية والإيمانية الجامدة تنما هي تراث فكري وقانوني متكامل أهم ما فيه هو أدواته التحليلية وتقسيماته النظرية التي تؤهله لأن يحتل موقعا رفيعا بين المدارس القانونية الكبرى في العالم.

جـ - ان النظام الاجتماعي والقانوني في البلدان العربية لابد وان يكون مرتبطا على نحو ما بمبادئ الشريعة الإسلامية لا أن يستقل تماما عنها.

هذه أفكار عامة اعتقد أن كافة التيارات السياسية الكبرى وغالبية الجماهير العربية تتفق عليها من حيث المبدأ، ولا يعارضها في ذلك سوى قلة من المغالين في تصور إمكانية الفصل الكامل بين الدولة والدين. ولكن في إطار الاتفاق العام على هذه المبادئ فإن الخلاف مع ذلك ليس بسيطا ولا يجوز التقليل من شأنه، وهو يدور في نهاية الأمر حول طبيعة العلاقة التي تربط الشريعة بالنظام القانوني الوضعي.

فالتيار الإسلامي على وجه العموم يطرح القضية على النحو التالي: ان القوانين المعمول بها في معظم البلدان العربية اليوم فرضها على الشعوب العربية الاستعمار الأجنبي وأعوانه في النخبة الحاكمة منذ القرن التاسع عشر، على نحو قصد به محو الشخصية الوطنية والتراث الحضاري الإسلامي وإحلال قيم ومفاهيم مستوردة محل القيم التقليدية. وقد أدى تطبيق هذه القوانين الغربية والابتعاد عن الشرع الإسلامي إلى فقدان المجتمع العربي لمقومات النهضة والغرق في مستنقع من القيم والأخلاقيات والمعاملات المكروهة. ولذلك فإن أحد مقومات النهضة العربية والإسلامية هو نبذ النظم القانونية القائمة حاليا واستبدالها بنظام قانوني قائم على أحكام الشريعة، أو على الأقل إعادة النظر في القوانين القائمة وتطهيرها مما يخالف الشريعة الإسلامية. وقد تم بلورة الطرح السابق في الخطاب السياسي الإسلامي تحت شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية " الذي لا يكاد يخلو منه برنامج عمل أي من فصائل وأحزاب التيار الإسلامي.

ولا شك أن طرح القضية على هذا النحو قد ساهم في التفاف الجماهير حول شعار تطبيق الشريعة الإسلامية لما يتميز به من بساطة ووضوح ليس فقط في تبرير الماضي،تنما كذلك في تفسير تردي الظروف المعاصرة، ولما يقدمه من حل شامل لكافة مشاكل المجتمع العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع أن كتاب ومفكري النخبة الثقافية الإسلامية قد نبهوا إلى أن قضية الشريعة الإسلامية أعقد من ذلك بكثير، وان التعامل معها يجب أن يكون بحرص وبدقة شديدين، إلا أن المكاسب السياسية التي استطاع عموم التيار الإسلامي أن يجنيها من جراء إصراره على تقديم هذا الطرح البسيط، جعلته يفضل الشعار الجماهيري الجذاب على التقييم الموضوعي الأكثر تعقيداً.

ونظرا إلى أن الخوض في تفاصيل قضية الشريعة الإسلامية ليس موضوع هذه الورقة، ولا هو مجال تخصص كاتبها، فقد يكفي الإشارة الموجزة إلى نقاط الخلاف الجوهرية التي يثيرها الطرح السابق، والتي تعبر أيضا عن مخاوف وتحفظات جانب من الرأي العام العربي حيال شعار تطبيق الشريعة الإسلامية.

من جهة أولى، فإن الطرح السابق يطابق على نحو غير دقيق بين الشريعة كمصدر للقانون وبينها كنص قانوني في حد ذاته. فمصدر التشريع هو الأساس الفلسفي أو العقيدي الذي تستمد منه القوانين، كأن يقال مثلا أن مصدر التشريعات الأوربية المعاصرة هو التراث القانوني الروماني. أما نصوص القوانين نفسها فهي القواعد المحددة التي يجري تطبيقها والعمل بها تحت تهديد القوة الجبرية للدولة، أي القانون الفرنسي أو الإيطالي أو الألماني. والشريعة الإسلامية ليست مجموعة ثابتة ومحددة من القواعد القانونية التي يمكن وضعها موضع التطبيق المباشر، تنما هي رؤية أو فلسفة قانونية متكاملة ومستمدة من الدين الإسلامي. وهذا الفارق لا يقلل من شأنه الشريعة الإسلامية، بل يعليها إلى مكانتها الصحيحة باعتبارها مدرسة في الفكر القانوني غنية بالأدوات التحليلية وبوسائل للاستنباط وقواعد للتفسير والقياس في غاية التطور. أما معاملة الشريعة على أنها مجموعة من القواعد القانونية المحددة واختزالها إلى عدد من الأحكام التي تحدد ما على المرأة أن تلبسه. وتقضي بقطع يد السارق في الميادين العامة فهذا هو ما يقلل من شأنها ويفرغها من مضمونها. ولذلك فإن شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" ليس دقيقاً لأنه يعطي الانطباع الخاطئ بأن هناك مجموعة من القواعد القانونية المحددة والجاهزة للتطبيق فوراً، والتي يمكن للحكومة الإسلامية أن تقوم بإحلاله محل القوانين الوضعية الغربية فور وصولها إلى السلطة.

من جهة ثانية فإن النظر إلى الشريعة الإسلامية على أنها مجموعة من النصوص التشريعية - وليست مصدرا للتشريع - يترتب عليه خطأ آخر، وهو تصوير الأمر وكأن هذه النصوص التشريعية قد جاء ذكرها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة فقط وأنها لم تتطور منذ هذا الوقت، بينما الرؤية الأكثر دقة هي أن القرآن والسنة هما المصدران الرئيسيان للشريعة الإسلامية، ولكنهما ليسا المصدران الوحيدان. فالشريعة الإسلامية، كتراث فكري ومدرسة في فلسفة القانون، تتضمن اجتهاد العلماء على مر العصور، والسوابق التي حكم بها كبار القضاة، بل تتضمن - كما ذهب البعض - قدرا من التفاعل بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، وبين الدين الإسلامي وغيره من الديانات، وقدرا من الممارسة العملية للمجتمعات العربية والإسلامية.

من جهة ثالثة: فإن الطرح التقليدي السابق ذكره لموضوع الشريعة الإسلامية يتجاوز الحقائق التاريخية بقوله أن القوانين الوضعية المعاصرة فرضت علينا كنتيجة للاستعمار وحده. فلا شك أن الاستعمار الأوربي قد عمد إلى دفع النظم القانونية وقواعد إدارة الدولة المعروفة لدية في البلدان التي قام باستعمارها، ولكن الاكتفاء بهذا التفسير البسيط للتطور التاريخي للقوانين العربية يغفل عناصر أخرى لا تقل أهمية. فالسهولة التي تم بها فرض النظم القانونية الغربية على المجتمعات العربية تؤكد استعداد - بل رغبة - هذه المجتمعات لقبول مثل هذه النظم القانونية وشعورها بعجز النظام القانوني التقليدي عن مواكبة متطلبات هذا العصر، بغض النظر عما إذا كان هذا العجز حقيقيا أم مفترضاً. والتجربة المصرية مثال جيد على ذلك. فالنظام القانوني الحالي يجد مصدره التاريخي في التطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في القرن التاسع عشر. ولكن هذه لم تكن محصورة في مجرد احتلال أجنبي فرض قوانينه بقوة السلاح، بل انها تضمنت كذلك ادارك المصريين للتفوق العلمي والعسكري والإداري الذي كانت أوربا قد بلغته، ومحاولة محمد علي لإحداث تنمية سريعة عن طريق السيطرة على موارد الدولة واستيعاب العلم الغربي في أسرع وقت ممكن، ثم نشوء طبقة من التجار في أعقاب انهيار دولة محمد علي الاحكتارية، واخيرا تعاظم دور التجار الأوربيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سواء للاشتراك في تجارة القطن الرائجة أم لإقراض الحكومة المصرية. في هذه الظروف اتضحت الحاجة الماسة لتغيير النظام القانوني التقليدي القائم بنظام آخر حديث يلبي حاجة التجار المصريين وينافس القوانين الأجنبية المطبقة من خلال الامتيازات والمحاكم القنصلية. بمعنى آخر، فإن الحاجة الماسة إلى قوانين حديثة قابلة للتطبيق على نحو شامل ومنسق كانت دافعا للقبول بقوانين الغرب الجاهزة والمعروفة. ومن المهم ملاحظة أن هذا التحليل لا يفترض بالضرورة أن القوانين الغربية كانت هي وحدها القادرة على تلبية رغبة التجار،وان الشريعة الإسلامية كانت عاجزة عن تقديم بديل ملائم ومعاصر. بل أن الفرصة ربما كانت متاحة لصياغة قوانين ذات شكل حديث، ومضمون مستمد من تراث الشريعة الإسلامية، على نحو ما تم بالفعل في مجلة الأحكام الشرعية التي صارت القانون المدني العثماني، أو ما حاوله وزير عدل مصري عند كتابته لمرشد الحيران في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن الواقع ان العوامل المختلفة - ومن بينها الضغط الأوربي - قد تضافرت لكي يجرى اعتبار القوانين الأوربية هي الخيار الوحيد القائم.

من جهة رابعة: فإن القول بأن القوانين المعمول بها حاليا في العالم العربي لا تزال، شكلا وموضوعا هي نفس القوانين التي فرضها الغرب الاستعماري علينا ايضا يغفل حقائق تاريخية ومعاصرة هامة، والمثال المصري هنا ايضا يمكن ان يوضح المعنى المقصود. فبرغم من ان الوانين المصرية المعاصرة لا تزال من حيث الشكل تنتمي الى عائلة القوانين المدنية - أي ذات الأصل الروماني - وبرغم من انها لا تزال تستخدم نفس المفاهيم والعلاقات النظرية الكبرى، الا انها لم تعد متطابقة معها، بل تطورت عبر عشرات السنين ودخلتها مؤثرات حضارية ومجتمعية مصرية عربية واسلامية، وتم اثراؤها بالكثير من المفاهيم والقواعد المستمدة من الشريعة الاسلامية بحيث لم يعد من الممكن اعتبارها محض أوربية. فالقانون المدني المصري مثلا - وهو الركن الرئيسي من النظام القانوني المصري، والمصدر الأول لكثير من التشريعات العربية - اعيد كتابته في الاربعينيات من هذا القرن من اجل تطهيره مما ثبت عدم ملائمته مع القيم والعادات المعروفة في المجتمع المصري، وقام كاتبه المرحوم عبد الرازق السنهوري بتوضيح ما تم اضافته في النص الجديد من احكام وقواعد فقهية مســـتمدة من الشريعة الاسلامية. والأمر لا يقتصر على السنهوري وحده، فقد كان هذا القانون نتاج تطور وكفاح شاركت فيه القوى الوطنية بكل مستوياتها اذ اعتبر أحد رموز الاستقلال الوطني، وهدف نبيل قدمت له التضحيات وسقط من اجله الشهداء.

هكذا يتضح ان شعار تطبيق الشريعة الاسلامية كما يرفعة التيار الاسلامي يؤدي الى اثارة الجماهير وتضليلها لأنه ينطوي على مغالطة في مفهوم الشريعة، وتجاوز الحقائق التاريخية، ومبالغة في تصوير النظم القانونية القائمة حاليا على انها نقيض للدين وللشرع وللأخلاق. ومن المؤسف حقا ان موضوع الشريعة الاسلامية وعلاقتها بالقوانين الوضعية قد أخذ هذا المنحنى الجماهيري المثير، وصار سلاحا سهل الاستخدام في الساحة السياسية، بينما كان يمكن للتيار الاسلامي ان يطرحه على النحو الصحيح فيكون فرصة لاعادة تقييم النظم القانونية القائمة، وتدعيمها بمفاهيم وأحكام قيمة مستمدة من تراث الشريعة الثرى بدلا من تصوير الأمر وكأنه صدام حتمي بين الشريعة الاسلامية من جهة والقوانين المعاصرة من جهة اخرى لا مجال فيه لالتقائهما ولا حل سوى بفناء واحد منهما.

ولكن ما علاقة كل ما سبق بموضوع الديمقراطية ؟ العلاقة وثيقة على النحو التالي: فموقف عموم التيار الاسلامي - كما سبق القول - من موضوع الشريعة الاسلامية ومن المطالبة بتطبيقها كشعار جماهيري يثير قلق وتخوف جانب من الرأي العام العربي من اشتراك التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي، وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: لأن الغموض المعتمد الذي يثيره شعار "تطبيق الشريعة الاسلامية" يثير قلق الكثيرين من ان وصول التيار الاسلامي الى الحكم سوف يعني قيامه بتشريع ما يحلو له من القوانين المقيدة للحريات والحقوق العامة والفردية بدعوى تطبيق الشــــريعة الاسلامية. وبغض النظر عن صحة هذا الاعتقاد، فإن ما يغذيه هو بالتحديد مسلك وقول عموم التيار الاسلامي ذاته باصراره على الاحتماء وراء الشعار الجماهيري البراق بدلا من تقديم مقترحات محددة للإصلاح التشريعي المطلوب. وحتى في الحالات التي قام فيها التيار الاسلامي باقتراح تعديلات تشريعية محددة، كانت في الغالب تنتهي الى قضايا فرعية مثل تحريم الخمر في غير الأماكن السياحية كما جرى في مصر، ومنع اختلاط الطلاب من الجنسين في معاهد التعليم كما في الكويت. أما القضايا الكبرى فلا تجد من يثيرها. وما يضاعف من الخوف في هذا المجال هو ما سبق ذكره من أنه خروج عن الدين. فالجمهور يجد نفسه مواجها ليس فقط بمفهوم غامض لتطبيق الشريعة الاسلامية، وانما كذلك برؤية احادية غير قابلة لرؤي الغير.

ثانيا: فإنه بينما يمكن القول بوجود قبول عام لفكرة اقامة علاقة وثيقة بين الشريعة الاسلامية وبين القوانين الوضعية، فإن جانبا من الجمهور العربي يرفض ان تكون هذه العلاقة على حساب استبعاد سائر المصادر الاخرى. بمعنى اخر فان كان من الضروري ان يكون للشريعة الاسلامية - بوصفها تراث ديني وحضاري وقانوني ثري يعبر عن قيم ومفاهيم الشعوب العربية بمن فيها من مسلمين ومسيحيين - مكانة خاصة كمصدر للتشريعات الحديثة والقوانين الوضعية، فإن هذا لا يعني ان تكون المصدر الوحيد ولا حتى ان تكون المصدر الأول في كل الحالات، بل يمكن الاتجاه الى مصادر اخرى، من العرف السائد والقواعد الدولية، والتجارب النافعة للحضارات الأخرى، عملا بمبدأ التطور الحضاري يقوم أول ما يقوم على الاقتباس والتبادل وعلى القدرة المرنة على الاستيعاب وليس على العزلة والتشدد.

ثالثاً: يختلط في الخطاب الاسلامي الشعبي، وفي الممارسة في بعض الأحيان، مفهوم أن تكون الشريعة الاسلامية أحد مصادر التشريع مع فكرة ان تكون المرجعية الأخيرة في تفسير القوانين لرجال الدين، في حين أن الأمرين مختلفان ومنفصلان تماماً. فاللجوء الى الشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع - على النحو المذكور اعلاه - لا يعني بأي حال من الأحوال أن تنتقل سلطة القضاء الى رجال الدين. بل يجب أن تبقى هذه السلطة في يد قضاة محترفين، مسلمين وغير مسلمين، ممن تلقوا تعليما قانونياً خالصا حتى وان تضمن، كما هو الحال الآن في معظم البلدان العربية، دراسات في الفقه والشريعة. ويكون لرجال الدين عندئذ دور هام في الافتاء والتفســــير والاجتهاد فيما يخفى على رجال القانون، شريطة ان يظل رأيهم استشارياً، يجوز للقاضي ان يستأنس به دون أن يلتزم. أما الخلط بين دور الشريعة كمصدر للتشريع وبين مرجعية الدين في القضاء فهو ما يثير خوف وريبة جانب من الجمهور العربي ويجعله يخشى من أن يكون قبول مشاركة التيار الاسلامي في التنافس الديمقراطي تمهيداً لاستيلاء رجال الدين على الحكم وممارستهم لكافة السلطات، التشريعي منها والقضائي والتنفيذي.

6 - الارتباط السياسي بين فصائل التيار الاسلامي في انحاء العالم:

يبقى بعد ذلك تحفظ اخير يجب الاشارة اليه هنا، وهو ما يمكن وصفه بالعلاقات الوطيدة التي تربط فصائل التيار الاسلامي ببعضها البعض في انحاء العالم. وفي هذا المقام فإنه يجدر تقسيم هذا النوع من العلاقات الى مجموعتين: الأولى: هي ما يجمع التيار الاسلامي بالمعنى الفكري والثقافي - من خلال المؤتمرات والندوات والتفاعل الفكري والعلني - وهو ما يتحقق من خلاله تنسيق وتكامل في القضايا الفكرية الكبرى والتي يواجهها هذا التيار. أما المجموعة الثانية فتضم كل وسائل التنسيق على المستوى التنظيمي، أو الحركي، والرامية الى نقل الأفراد والموارد عبر الحدود لتحقيق أغراض عملية محددة. وبينما أن المجموعة الولى لا تثير التحفظ بل بالعكس فأنها تساهم على التطور الفكري للتيار الاسلامي وسرعة استجابته لقضايا العصر وخروجه من رؤية قطرية ضيقة، فإن المجموعة الثانية هي التي تثير المخاوف باعتبارها مدخل يمكن استغلاله من قبل قوى خارجية لشق الصف الوطني ولاختراق المجتمع بالمعنى الأمني ولتحقيق أغراض تمليها قوى أجنبية. وأحب أن أوضح هنا صعوبة الحديث في هذا الموضوع لمن كان، مثل كاتب هذه الورقة، لا تتوفر لديه معلومات أمنية أو استخباراتية يمكن الاعتماد عليها في تقييم مدى اختراق أو تعاون أي من الفصائل الاسلامية العربية مع دول أو أجهزة تخابر أجنبية. ولا يمكن القطع بأن مثل هذه العلاقات متوفرة، الا لمن لديه مثل هذه المعلومات. ولكن من جهة اخرى فلا يوجد ما يدعو لاستبعاد هذه القضية بالكامل لمجرد عدم توافر معلومات دقيقة، خاصة وكلنا يعلم بما يحاك ضد الأمة العربية من مؤامرات، سواء من خارجها أم داخليها. وعلى أي حال، فبغض النظر عن صحة الدور الذي يلعبه التيار الاسلامي في الاختراق الأمني، فإن جانبا من الرأي العام العربي يقبل هذا الأمر على أنه حقيقة نهائية، من خلال ما يتردد عن التمويل الايراني، والتدريب السوداني، والعائدين من افغانستان، وعن الترابط الحركي بين فصائل التيار الاسلامي حتى في أوربا وأمريكا.

وقد يبدو مثل هذا الاتهام مجحفاً في حق تيار كبير يضم بالتأكيد من العناصر الوطنية أكثر بكثير مما يضم من القلة التي تشكل خطراً أمنياً. بل أن الحرص واجب في التعامل مع ما يتردد من شائعات وأنباء غير موثقة عن الاختراقات الأمنية التي يجري اكتشافها بين الحين والآخر لأن نشر هذه الأنباء أحد الأسلحة الرئيسية - سلاح الخوف على وجه العموم - التي تستخدمها الحكومات العربية لتنفير الجماهير من التيار الاسلامي. ومع ذلك فإن كثرة وطنية غالبة ليست ضماناً في حد ذاته بالتحديد لأن الاختراق الأمني يتم عن طريق قلة عالمة به، وغالبية وطنية غير مدركة لما يمارسه الاخرون من استغلال لها.

هذه هي - باختصار شديد وما يلازمه من تعميم وتجاوز للتفاصيل - بعض مواطن الخوف والتحفظ التي تعترض طريق المشاركة الاسلامية في التنافس الديمقراطي، وهي - كما سبق القول - ليست كلها مما يمكن توثيقه أو التيقن منه، ولكنها في جميع الأحوال موجودة ولا يجوز تجاهلها.

ولكن قبل الانتهاء من هذا الجانب من الموضوع، فإن الانصاف يقتضي توضيح أن معظم ما سبق من التحفظات لا يجوز أن يقتصر على التيار الاسلامي وحده، بل أنه تعلق، في ظروف مختلفة وفي مناسبات سابقة، بغيره من التيارات السياسية والفكرية. فالفجوة القائمة بين القول والفعل مثلا من سمات كل التيارات السياسية. ويكفي للدلالة على ذلك ان نستعرض التاريخ - والحاضر - العربيين الحافلين بحكومات تؤكد على التزامها بالاشتراكية فقط لتحقيق مكاسب للنخبة الحاكمة، أو ترفع شعار الحرب والتحرير والجهاد حتى الموت بينما مفاوضاتها مع العدو مستمرة. أما على صعيد الحقوق العامة، فإن الغاء صفة المواطنة عن الأقليات الدينية يقابله مثلاً، ومن الناحية النظرية، الغاء نفس الصفة عن الطبقة الحاكمة في أعقاب الثورة المصرية حينما حرمت بعض الفئات من ممارسة حقوقها السياسية. وكذلك الأمر في حالة الاختراقات الأمنية، فما يقال اليوم عن التيار الاسلامي هو نفسه ما كان يتردد حتى وقت قريب عن تيار اليسار وارتباطه بالاتحاد السوفيتي وبالاشتراكية العالمية، أو عن التيار القومي وارتباطه بأنظمة حكم عربية معينة.

القضايا اذن متشابهة، ولكن هذه الورقة اقتصرت على حالة التيار الاسلامي لأن الصراع القائم اليوم في معظم بلدان العالم العربي هو صراع بين الحكومات وبين التيار الاسلامي، ولم تعد قوى المعارضة الأخرى تلعب فيه دورا يذكر، على الأقل في الوقت الحاضر.

رابعاً: نحو موقف عربي جديد:

نحن اليوم بحاجة الى صياغة موقف عربي جديد من القضايا الكبرى وتجتمع عليه الأمة العربية وتتحد حوله المجتمعات التي أصابها التفرق والانقسام على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر. وغني عن القول ان هذا الانقسام قد حدث في فترة حرجة من التطور السياسي والاجتماعي العربي. فالعالم العربي اليوم منقسم أكثر من أي وقت مضى من الناحية السياسية بينما الأحداث تتسارع من أجل الوصول الى تسوية نهائية للصراع العربي الاسرائيلي، والعالم العربي لا يزال بعيدا عن النهضة الاقتصادية في وقت تتغير فيه خريطته الاجتماعية على نحو شامل، والعالم العربي لا يزال غارقا في جدل عقيم حول هويته وحضارته وتاريخه المضئ بينما العالم كله يستعد لدخول عصر جديد تسوده مفاهيم علمية وتقنية وفكرية حديثة.

فأما ان تكون هناك قضايا خلافية كبرى في العالم العربي فهذا من المتوقع بل والمستحب لأنه لا يوجد مجتمع يتطور عن طريق الاجماع، الا أن كان اجماعا مختلفا تحرسه قوة السلاح وسطوة الديكتاتورية. واما ان ينقسم العالم العربي حول عدد من القضايا تدفع به الى الحرب الأهلية أو الى التشرذم الكامل فهذا أمر مختلف. ففارق بين ان تتعدد الأراء في العالم العربي حول التسوية السلمية مع اسرائيل وبين ان يتحول هذا التعدد الى انقسامات داخلية وعداوات بين افراد الأمة الواحدة تفوق العداوة السابقة بين العربي والاسرائيلي. وفارق بين أن يختلف الناس حول طبيعة التحول الاقتصادي والاجتماعي المرغوب، وبين أن ينقسم المجتمع الى قلة فاحشة الثراء وغالبية تعيش في مستويات للفقر وصارت تعتبر في العالم كله من سمات العصور الغابرة. وفارق بين أن تؤدي الصحوة الاسلامية الى رفع شأن المعارضة واعادة طرح قضايا هامة حول طبيعة الدين والمجتمع، وبين أن ينقسم المجتمع العربي حولها الى معســـكرات متناحرة لا يوجد أرضية مشتركة بينها ولا طريق أمامها سوى أن يغني أحد الجانبين. فارق بين قضايا تثار من أجل النهوض بحال الأمة وايقاظها من غفوة طالت أكثر ما ينبغي، وبين خلافات تتفاقم حتى تؤتي على الأخضر واليابس وتسنزف موارد الأمة وطاقاتها في تناحر داخلي لا جدوى منه.

المطلوب اذن، وأكثر من أي وقت مضى، هو الوصول الى صيغ مقبولة يمكن جمع الجماهير العربية عليها - والجمع هنا غير الاجماع - في قضايا التسوية السلمية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك في موضوع الديمقراطية وعلاقته بالتيار الاسلامي، وفي غيرها من القضايا الكبرى التي صار الناس بحاجة فيها الى سماع صوت جديد.

وهذه الورقة لا ترمي الى صياغة هذا الموقف الجديد في مسألة الديمقراطية والتيار الاسلامي قدر ما تسعى الى ايجاد قدر أدنى من الاتفاق حول مدخل يؤدي الى بلورة مثل هذه الصياغة الجديدة. هذا القدر الأدنى من الاتفاق يمكن اجماله في النقاط التالية:

1 - أن استبعاد التيار الاسلامي بأسره من المشاركة المشروعة في العمل السياسي لم يعد مقبولا للأسباب المبدئية والسياسية والعملية المذكورة في هذه الورقة. فلا بد اذن من الوصول الى صيغة تسمح للمنتمين الى التيار الاسلامي بأن يكون لهم دور في العمل السياسي بعيدا عن أعمال العنف وعن التآمر للاستيلاء عنوة على السلطة، أو عرقلة مؤسسات الدولة.

2 - أن القبول - من حيث المبدأ - بالمشاركة الاسلامية في النشاط السياسي لا يجوز ان يكون على حساب تجاهل المخاوف والتحفظات العديدة التي يثيرها التيار الاسلامي، والتي ورد ذكرها في هذه الورقة.

والمخرج من هذه الاشكالية - اشكالية التوفيق بين ضرورة مشاركة التيار الاسلامي في العمل السياسي وبين المخاوف والتحفظات من هذا الاشتراك - يجب أن يكون في التوصل الى صيغة تنفق عليها كافة القوى الوطنية وتتضمن قبول التيار الاسلامي في ساحة العمل السياسي المشروع، في مقابل التزامه بمواقف محددة ومقبولة وملزمة قدر الامكان لعموم التيار وليس فقط لنخبته. ومع صعوبة الوصول الى هذا القدر من الاتفاق الا أن المرجو أن فتح باب الحوار بشأنه، والتعرف على المخاوف والعقبات الرئيسية التي تعترضه قد يمثل على الأقل نقطة بداية ملائمة.

3 - أهمية أن يتضح في ذهن كل القوى الوطنية أن التحفظ على اشتراك التيار الاسلامي طالما أنه لم يلتزم بالحد الأدنى المقبول من شروط مشاركته في العمل السياسي يجب ان تكون مؤقتة ومشروطة بحيث لا تتحول الى رفض عام ينتهي به الأمر الى أن يحقق هدف النظم الحاكمة في تسكيت المعارضة الاسلامية بدعوى مواجهة المد الأصولي. ومن هنا فإن التحفظ على قيام حزب اسلامي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتسع فيشمل قبول المحاكم العسكرية والاجراءات الاستثنائية الخارجة عن القانون الطبيعي وانتهاكات حقوق الانسان والمواطن التي تواجه بها الحكومات خصومها من التيار الاسلامي، ولا أن يشمل استبعاد أشخاص ينتمون الى التيار الاسلامي انتماء فكريا حتى وان كان نشاطهم يقوم على الصفة الشخصية لا الحزبية. فالغاء انتخابات نقابية مثلا لمجرد أن الفائزين فيها معروفون بميولهم الاسلامية لا مبرر له لأن الحظر المعروف هو على قيام حزب ديني وليس على اعتناق فكر معين.

4 - الى ان يثمر الحوار المأمول عن نتائج محددة ومقنعة لكافة الأطراف، فالمرجو أن يتوقف طرفا النزاع - أي أنصار التيار الاسلامي وخصومه - عن استنزاف طاقتهما التأييد الجماهيري لهما في قضايا فرعية ومساجلات ثانوية لأن عليهما أن يدركا أن هزيمة الواحد ليست بالضرورة انتصار للآخر، فلو فقد الناس ثقتهم في التيارات السياسية كلها، ولو سئموا التناحر الحزبي القيم، ولو يأسوا من أن يعمل أي من التيارات السياسية على مخاطبة مشاكلهم الملحة وقضاياهم المصيرية فإن الأمة العربية كلها ستكون هي الخاسرة.

 

القارئ العزيز، يمكنك زيارة هذه الصفحة لتصفح كل ما يتصل باللقاءات السنوية لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية التي بدأت عام 1991 في جامعة أكسفورد.

تتضمن صفحات معظم اللقاءات: موضوع اللقاء - المشاركون فيه - البحوث والأوراق التي قدمت - المداخلات والتعقيبات - المراجعات والخلاصات - ومضامين الكتاب الذي نشر في حالة نشر أعمال اللقاء.

 
 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

  

 

تحميل المرفقات :
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة