مراجعة كتاب: مريم يافوت، وضع المرأة داخل الحركات الإسلامية المغربية بين التأويل النسوي والمشاركة السياسية: أطروحة دكتوراة

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1076 مرة
الكاتب  مريم يافوت

- مقدمة

- الإسلاميات كموضوع للبحث والمساءلة

- القطاع النسائي لفصيل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية

- القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

- خلاصات عامة

- ملاحظات على البحث
مقدمة

  كثيرا ما انصب الحديث عن الظاهرة الإسلامية بصيغة المذكر، والحديث عن الإسلاميين والسلطة والحكم والديمقراطية وقضايا المجتمع... لكن نادرا ما تم التطرق إلى الإسلاميات وقضاياهن ورؤيتهن وتصورهن أوتصوراتهن ! وما يفرض السؤال الملح: هل هذا راجع إلى تغييب منهجي وسيطرة للعقلية الذكورية الاحتكارية، وخضوع تام للعنصر النسائي إلى درجة الخنوع ؟ أم هونتيجة تقصير الإسلاميات وعدم مساهمتهن الفعالة، على المستوى التنظيري والتصوري للتعبير عن مواقفهن وتطلعاتهن ؟

أما وقد بلغت التجربة الإسلامية حوالي تسعة عقود من الوجود والتدافع المجتمعي الشامل، بل أضحى الاتجاه الإسلامي أقوى تيار سياسي ومجتمعي في العالم العربي والإسلامي، فلا مناص من البحث والسؤال عن نون النسوة، وعن هن في العمل الإسلامي، وعن تصورهن النابع من كيانهن ومن دون وصاية.

وفي هذا الإطار، تندرج دراسة الأستاذة مريم يافوت 1، والتي هي في الأصل أطروحة لنيل دكتوراه نوقشت شهر مايو من 2012 بـ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية/ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

حول: وضع المرأة داخل الحركات الإسلامية المغربية بين التأويل النسوي والمشاركة السياسية.

نموذج القطاع النسائي بكل من : جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية.2

1_ الإسلاميات كموضوع للبحث والمساءلة.

 هي المرة الأولى التي تكون فيها المرأة الإسلامية 3 موضوع بحث تفصيلي، بحجم رسالة دكتوراه، إذ عادة ما كان يتم التطرق للمرأة عمومًا من دون خصوصية إيديولوجية. وحتى إذ كان يتم ذلك، فلم يكن يتم فيه التركيز على نوع وفصيل بعينه، أو كان الحديث عن المرأة الإسلامية في مقابل المرأة العلمانية كواجهة متممة ولاحقة للصراع بين المنظومتين: الإسلامية والعلمانية 4. وهو ما يضع عمل الباحثة في خانة الإضافة النوعية، ورؤية من الداخل على اعتبار أنها قد شغلت منصب مسؤولة القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، وعضوة بالأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، والتي تعد أكبر جماعة إسلامية بالمغرب. ما أهل الباحثة لأن تخبر مسارات البيت الداخلي بدقة، وتلامس الإشكاليات والعقبات الداخلية بخبرة، وبدراية أهل الدار. وقد أشرف على تأطير رسالة الدكتوراه الباحث السياسي المغربي/الفرنسي الدكتور محمد الطوزي، أحد أهم المتخصصين في علاقة الحقل السياسي المغربي، بالحقل الديني. أكثر من ذلك فالدكتور الطوزي يعد من أبرز الوجوه العلمانية المغربية.

وأما عن حقل الدراسة ومجالها، فقد اتجهت نحو القطاع النسائي لأكبر فصيلين إسلاميين بالمغرب، جماعة العدل والإحسان، وحركة التوحيد والإصلاح ومعها جناحها السياسي المتمثل في حزب العدالة والتنمية المغربي القائد للتجربة الحكومية الحالية.

2 _ القطاع النسائي لفصيل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية

 تقوم رؤية نساء هذا الفصيل الإسلامي المكون من حركة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية على عدم الفصل بين وضعية المرأة والأسرة ككل، على اعتبار الأهمية البالغة التي تحظى بها الأسرة. وعليه لا يمكن فصل الحقوق الفردية عن الإطار العام الأسري، كما يسعى القطاع إلى تطوير مقاربة تعلي من شأن الأمومة وعمل المرأة داخل البيت، من دون أن يعني أنها تخلت عن وظائفها كالبيت والأمومة بل والحياة العامة أيضًا......وهي الثنائية التي يعمل عليها نساء الحركة ويحاولن إيجاد توافق بين تحرير وتأهيل المرأة وأولية المسالة العائلية، على اعتبار أنهما مسألتنا غير متناقضتان.

ويعتبرن الغرب عاملًا رئيسيًا في تدهور المرأة، نتيجة الهيمنة الغربية التي ولدت معارضة قوية لكل ما قد يأتي من الغرب، والذي قفز على فروق واختلافات جوهرية بين الجنسين. وتحاول نساء الحركة والحزب إنتاج مفاهيم خاصة نابعة من صميم الشريعة والثقافة، وعلى رأسها مبدأ التكافؤ والتكامل والتدافع مع ضمان تام للحريات الفردية، واحترام أيضًا للخصوصية والاختلافات الطبيعة.

3 _ القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

 على عكس القطاع النسائي لحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، تولي جماعة العدل والإحسان المسألة التنظيرية التصورية أولية متميزة، حيث وضع مرشد عام الجماعة ومؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين تصورا للقضية في مؤلف مستقل، حمل اسم: تنوير المؤمنات 5 الذي يعد الكتاب التصوري الأم لرؤية العمل النسائي، وقد عمل القطاع النسائي على تطوير مقاربة حركية، وعملية من أجل الرفع من الوعي النسائي شرعيًا وسياسيًا، حيث حدد أهم المعوقات في هيمنة العقلية الذكورية الإقصائية على المستوى الاجتماعي، والاستبداد على المستوى السياسي. هذا التشخيص لوضع المرأة نتج عنه مشروع/ منهج تحرري للمرأة عبر اجتهاد من داخل النصوص يمكن تلخيص أهم معالمه في :

1 _ ارتكازه على الرؤية التجديدية في مختلف المجالات.

2 _ عدم رفضه لكل التراث التشريعي السابق، ولكنها بمثابة رؤية نقدية، لنساء القطاع لا تتعارض مع المقاصد الإسلامية العامة، ومنها إعادة الاعتبار للمرأة.

3 _ شجع المشروع/ المنهج على الولوج الملموس للمرأة لعالم الاجتهاد عبر آلية ما يعرف بالمرأة العالمة.

4 _ ومن معالم هذا المشروع/ المنهج هو الجمع بين المسألة النظرية التنظيرية والمسألة العملية التطبيقية، عبر العمل الميداني سواء التنظيمي الداخلي أو الخارجي النسائي أو المختلط عبر العمل الجمعوي/ الأهلي.

5 _ ومن الملاحظات حول هذا المشروع/ المنهج عدم اعتبار المرأة المسؤولة الوحيدة عن الاستقرار الأسري، بل إشراك الرجل بنفس القدر في المسؤولية.

وفي المقابل إذا كانت مقاربة القطاع النسائي في الجماعة تمجد من قيم مثل العائلة والأمومة والصالح العام...فإنها لا تألو جهدًا في الدفاع عن قيم الفردية المعاصرة مثل: الاستقلال المالي للمرأة؛ والتشجيع على ولوج العمل العام، وحرية الاختيار على مستويات الملبس......

4 _ خلاصات عامة

 وقد اختتمت الرسالة بخلاصات عامة واستنتاجات بحثية، إذ تنبهت الباحثة إلى أن النساء موضع الدراسة يدفعن بفكرة ولوج المرأة على الفضاء العمومي والاقتصادي، وكذا هيئات صنع القرار داخل التنظيمات الذي ينتمين إليه من أجل تنمية معارفهن ومداركهن المعرفية والعلمية والخبراتية، مع السعي إلى بلورة فهم نابع من اجتهادهن ورؤيتهن، مع المطالبة بعلاقة مبنية على التكافؤ. كما أن استراتيجيتهن متحركة وليست جامدة اتجاه قضايا مثل: العلاقة مع الغرب والسلطة والنظام الأبوي، هذه النتائج تولد عنها سؤال إشكالي استشرافي مركزي هو: كيف تتبنى النساء الإسلاميات استراتيجية تندرج ضمن الحداثة ؟ ألا يعد هذا مجرد تكتيك من أجل الظهور بالمظهر الحداثي ؟

 وفي تقدير الباحثة، فالمدافعة التي لمستها عند عدد من القيادات الإسلاميات المستجوبات تساعد على إبراز صورة المظهر الحداثي لعدد معتبر منهن، وعلى انطلاقة دينامية جديدة داخل الحركات الإسلامية، وحتى لوكان هذا مجرد فعل تكتيكي من أجل إحداث تعاطف دولي ووطني بغية الرفع من مكانة المرأة، فسيكون من الصعب تجاوزه لتوافقه مع مطلب جوهري من صلب الشريعة، كما أن تراجعهن عن مطالبهن من شأنه إحداث انقسامات داخل الحركات الإسلامية موضوع الدراسة والبحث.

 هذه الدينامية الجديدة أجبرت الحركات الإسلامية إلى الخوض في عدد من القضايا الجديدة؛ كالتنوع؛ وصعود المرأة إلى هيئات صنع القرار السياسي والجمعوي/ الأهلي، والمشاركة في البحث عن حلول لمشاكل مطروحة عبر آلية الاجتهاد. وهذا المظهر الجديد سيدفع بالقطاع النسائي بالحركات الإسلامية نحو الحداثة، سيما مع تقاطع خطابهن مع قيم الحداثة وأسئلة العصر، و في نأي تام عن ثنائيات متجاوزة من قبيل: أسلمة/ إسلاميون في مقابل فيمينيزم؛ وحداثة في مقابل تقليد....

5 _ ملاحظات على البحث.

بعد استعراضنا للبحث ولخلاصاته ونتائجه التي توصل إليها، نعرض هنا مجموعة من الملاحظات على البحث وعلى المنهجية.

أول ملاحظة قد تستوقف المتابع للشأن الحركي الإسلامي المغربي، هو الأستاذ المشرف على الرسالة، ألا وهو الدكتور محمد الطوزي، والذي لا يمكن وصفه بالخبير في الحركات الإسلامية المغربية بقدر ما مجال تخصصه في الفضاء السياسي المغربي وعلاقته بالديني، علاوة على موقفه القبلي من الحركة الإسلامية، باعتبار تموقعه الإيديولوجي، إذ يعد أحد أقطاب العلمانية بالمغرب. ألم يؤثر هذا بطريقة أو بأخرى على توجيه البحث ؟ أم هو مجرد توافق ومصادفة بحثية لا غير، لا علاقة لها فيها بهذه الخصوصيات والحيثيات ؟

أما الملاحظة الثانية فهي الصورة الوردية التي يقدمها البحث عن الحركة الإسلامية والقطاع النسائي تحديدًا، في شبه خلاصة موجزة مفادها بأن القطاع النسائي للحركة الإسلامية قد شب عن الطوق، وبأنه في مرحلة استقلال تام، وأنه قد قطع مع "الوصاية" التنظيمية التي كان يفرضها العنصر الذكوري. فوصول المرأة إلى المناصب التقريرية داخل التنظيمات لا يعني مشاركتها الفعالة في اتخاذ القرار.

وهذه صورة وردية متعالية تمامًا عن الواقع الحركي والتنظيمي، ولكنها أيضًا تحمل نبرة تمردية على التنظيم, ولا أدل على ذلك أن الباحثة التي كانت مسؤولة عن القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، قد قدمت استقالتها رفقة عدد من زميلاتها في القطاع نتيجة اختلافات مع التنظيم.

وتبقى قوة ضعف القطاعات النسائية للفصائل المدروسة، وإن تهيأ لها أنها قد شبت عن الطوق، وأنها قد قطعت أشواطًا، وهذا نسبيًا صحيح إلا أنها ما تزال لم تشب عن الطوق التصوري والتنظيري ! فالقطاعات النسائية للحركات الإسلامية لم تنجب منظرات ينظرن ويؤسسن التنظيرات والتصورات القائمة، من صميم القطاع ومخاض التجربة. وكل الكتابات التي تخطها أقلام نسائية إسلامية مغربية تعد على أصابع اليد، هي كتابات تنشيطية لا غير ! بعيدة كل البعد عن الكتابة التنظيرية والتأسيس لتصورات اجتهادات جديدة.

 صحيح أن القطاعات النسائية الإسلامية تطورت بالمقارنة مع الماضي في خروجها إلى الحياة العامة، واهتمامها بالشأن العام بل ومنافستها الرجل في أعلى السلاليم الوظيفية، لكن ضمن خانة الاستثناء وليس العموم. علاوة أن الخطاب النسائي المغربي عموما بشقيه الإسلامي والعلماني ما يزال يعيش ثنائية في قمة التناقض، الدعوة إلى تكافؤ الفرص/ عند الإسلاميات، والدعوة إلى المناصفة / عند العلمانيات 6. وفي الوقت نفسه؛ يستفدن ويدعمن التمييز الإيجابي في حقهن سيما على مستوى الكوتة/ النسبة داخل البرلمان أو حتى الهيئات التنظيمية الداخلية ! مما يترجم حجم التخبط والخوف من دخول منافسة حقيقية ومباشرة مع العنصر الذكوري في حالة الانتخابات المباشرة، سواء داخل التنظيمات الحركية أو على مستوى الحياة السياسية. ما يعني أن الحديث عن النقلة النوعية التي تعرفها المرأة الإسلامية هو حديث نسبي يجب أن يقرأ في سياقه، وهو سياق الكوتة/ النسبة والتمثيلية الإجبارية والتمييز الإيجابي للمرأة والامتيازات التي تحظى بها.

 وهو الشيء الذي حاولت الدراسة أن لا تقف عنده كثيرا، لأنه يظهر ضعف المرأة وعدم قدرتها على ولوج الحياة العامة والسياسية اعتمادًا على مؤهلاتها الشخصية وحسب، وهو ما قد يزكي النظرة القلبية التي بنيت عليها الدراسة، مما جعلها تخلص إلى النتائج الإيجابية التي سبق ذكرها ! وإن كنا لا نقلل من قيمة ما تحقق للمرأة سواء على المستوى التنظيمي الداخلي، أو على مستوى الحياة السياسية، بيد أن هذا لم يأت نتيجة نضال المرأة بقدر ما كان نتيجة سياقات وإكراهات دولية وسياقات داخلية سياسية لتلميع الواجهة بالأساس.

مراجع

1 _ اعتمدت في دراستي على ملخص الرسالة التي بعثت بها إلي الباحثة، علاوة على دراسة سابقة لها تصب في السياق نفسه:

Femmes au sein des mouvements islamistes

facteur de modernisation ?

ضمن ورقة بحثية قدمت بالرباط/ المغرب 24_21 أبريل/ نيسان 2008 في إطار:

 Réseau d’excellence des centres de recherche en sciences humaines sur la Méditerranée.

Genre en Méditerranée : Les femmes face aux transformations socio-économiques/ Conflits, négociations et émergence de nouveaux rapports Socieux.

2 _ عنوان الأطروحة كما قدمت ونوقشت باللغة الفرنسية:

Le statut des femmes au sein des mouvements islamistes Marocains . Entre exégèse au féminin et participation politique. Cas des femmes appartenant à Al Adl Wal Ihassane et au MUR/PJD par Merieme Yafout

3 _ "لفيمينيزم الإسلامي": وضعت الباحثة الكلمة بين قوسين نتيجة تحفظ إلى درجة اعتراض عدد واسع من الإسلاميين، بل من الحركة النسائية الإسلامية على الكلمة والمصطلح، سيما إذا قرن بالإسلامي حيث : تعتبره إشكالا اصطلاحيا لا غير، وترى بأنه لا داعي للوقوف عند المصطلحات إذا ما نجحت في تحقيق المقصود. وغاية "الفيمينيزم الإسلامي" أن يبين بأن الدين الإسلامي لا يتعارض مع إعطاء المرأة مكانة متميزة ومتقدمة لا تقل في شيء عن مكانة الرجل......

نص حوار مع الباحثة نشر على موقع الإلكتروني المغربي نون : http://noun.ma/5162.html

4 _ سؤال المرجعية في العمل الجمعوي:حالة الحركة النسائية، ضمن كتاب الحقل السياسي المغربي: الأسئلة الحاضرة والأجوبة الغائبة. محمد ضريف/ منشورات المجلة المغربي لعم الاجتماع السياسي ط 1 نوفمبر 1998.

5 _ تنوير المؤمنات/ الأستاذ عبد السلام ياسين _ في جزأين. طبعة دار البشير للثقافة والعلوم طنطا جمهورية مصر العربية.

6 _ اللوبي النسائي المغربي ومعركة الثلث في أفق المناصفة، العربي ايعيش/ دفاتر وجهة نظر 21/ طبعة أولى

المصدر: الدار البيضاء: جامعة الحسن الثاني: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة