You are here:الرئيسية>الأرشيف>مقترح لاستئناف المسار الديمقراطي

مراجعة كتاب: أكرم كساب، الانتخابات: أحكام وضوابط

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 818 مرة
الكاتب  أكرم كساب

تعيش مصر هذه الأيام حراكا سياسيا غير مسبوق، فهي مقبلة بعد أيام قليلة وبالتحديد يوم الأربعاء 23 من الشهر الجاري على عملية غير مسبوقة في تاريخها، ألا وهي اختيار الشعب لرئيسه. وأيا كانت التحفظات والانتقادات الموجهة لآلية الاختيار فهي تجربة رائدة لم تحدث في تاريخ مصر القديم ولا الحديث.. ولقد كانت وما زالت العملية الانتخابية مثار جدل بين أطياف الحركة الإسلامية، وقد غالى البعض في تحريمها، حتى جعلوا المشاركة فيها كفرًا يخرج من الملة، ومن ثم كانت أهمية كتاب الدكتور أكرم كساب الانتخابات.. برلمانية - رئاسية – محليات..  أحكام وضوابط، والذي صدر حديثا عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة بالقاهرة.. ويأتي هذا الكتاب متبنيا المنهج الوسط، ليعالج هذه القضية الشائكة بأسلوب علمي هادئ، بعيدا عن الغمز واللمز، أو السب والتجريح، وإنما هدفه الأول إبراز ما هدي إليه كاتبه من خلال الأدلة الشرعية.
الانتخابات بين المؤيدين والمعارضين

هذا الكتاب - كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي في تقديمه له - حاول أن يوجد للانتخابات حكما شرعيا، وناقش أمهات المسائل في مباحثه الثمانية، مستعينا بآيات القرآن، وأحاديث الرسول، وأقوال المفسرين، وشروح المحدّثين، وفقه المتفقهين، وتأويلات المؤولين، وكثيرا ما وُفّق إلى الرأي الراجح الوسط، الذي تنشرح به الصدور وتطمئن له القلوب.

تطرق الكتاب إلى تعريف الانتخابات لغة واصطلاحًا، وحدد أركان العملية الانتخابية، وأنواع الانتخابات، كما أعطى نبذة عن البدايات الأولى لعملية الانتخابات والانتخابات في القرآن والسنة، ومتى عرف المسلمون الانتخابات، وعرض صور الانتخابات من خلال السيرة، ودلل على حكم تقسيمات الانتخابات.

كما عرض المؤلف آراء القائلين بعدم جواز الانتخابات، فهناك من ذهب إلى أنها آلية حادثة خرجت من رحم الديمقراطية التي يعتقدها مخالفة للإسلام فحرمها، وهناك من فرق بين الآلية والمنظومة الفكرية، ووازن بين المضار والمكاسب، وأعمل القواعد الفقهية فقال بالجواز، وهو ما يميل إليه المؤلف وتبناه لقناعته بقوة أدلتهم وواقعيتها، معتقدا أن طريقة اختيار الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت نموذجا رائعا نفذه الصحابة بناء على تعليمات الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه، وهو النموذج الذي يرى أنه يحتاج لدراسة متأنية، لأن فيه سبقا للنظام الإسلامي في العملية الانتخابية ونزاهتها، وتميزت باختيار عدد محدد من المرشحين الستة، واستبعاد الأقرباء حتى ولو كانوا من النخبة والصفوة، واستبعاد جميع المرشحين من أي عمل تكون فيه شبهة تفضيل، وتعيين مراقبين خارجيين للعملية الانتخابية، وتحديد مدة زمنية لا يتجاوزها القوم (ثلاثة أيام).

هل الانتخابات شهادة أم وكالة؟ قال المؤلف: إن من الفقهاء من اعتبر الانتخابات وكالة بين الناخب والمرشح أو صورة من صور الوكالة والنيابة، ومنهم من اعتبرها شهادة، إذ يدعى الناس يوم الانتخابات لتقديم شهادة بشأن من يصلح ولمن لا يصلح، مشيرا إلى أن الشيخ يوسف القرضاوي على هذا الرأي، غير أن المؤلف اختار الجمع بين الأمرين واعتبرها وكالة وإنابة وشهادة وتزكية.
ضوابط المرشح وآدابه

بين المؤلف ضوابط المرشح وآدابه وجعلها عشرة، منها ألا يكون الترشيح من الشخص نفسه، والوفاء بالعهود والوعود، مجيبا على سؤال ترشيح المرأة نفسها للبرلمان، حيث استعرض رأي المجيزين والمانعين وأدلتهم، وانتصر لفريق المجيزين، لأن الأصل في الأمور الإباحة، ولأن  النص الصحيح الصريح جاء بجواز أن تكون المرأة ناخبة ومنتخبة ومرشِحة ومرشَحة مدلية بصوتها، ونائبة عن الشعب، بدليل بيعة العقبة التي لم تستثن المرأة في عملية اختيار 12 نقيبا. وإذا لم تكن المرأة من بين النقباء الاثني عشر فإن ذلك راجع لطبيعة المجتمع يومها، ولا يعني ذلك حرمانها من هذا الأمر.

كما عرض لرأي المانعين والمجيزين لمشاركة غير المسلمين في العلمية الانتخابية، ورجح رأي المجيزين، واضعا ستة ضوابط للمشاركة، منها أن تكون في إطار حجمهم الطبيعي، وأن لا يترتب على ذلك مفسدة للبلاد والعباد، وأن تُستبعد آراؤهم فيما يتعلق بالشريعة. كما ناقش نسبة الـ (50%) من العمال والفلاحين، وبين من هو النائب الذي نريد، ووظيفته..

كما طرح المؤلف سؤالا شغل المصريين وهم يستعدون للانتخابات الرئاسية، يتعلق بانتخاب الفلول ومن في حكمهم، واعتبر انتخابهم انتكاسة سياسية وجريمة شرعية، داعيا إلى عدم اتهام أي إنسان أو عضو في الحزب الوطني بأنه من الفلول بدون دليل يثبت تواطؤه مع النظام البائد وانتفاعه بخدماته. ونفى المؤلف صفة الفلول عمن توفرت فيه شروط ستة، منها أن يكون معروفا بالصلاح بين أفراد المجتمع، ولم يكن له دور في تشجيع الحزب وفساده، متحدثا في الوقت نفسه عن خصائص الفلول الاثنتي عشرة، ومنها الحرص على إقصاء الآخر مهما كان خادما لمصالح بلاده، وإشاعة الفوضى في البلاد للعمل على عودة المفسدين لمواقعهم.

كما بين المؤلف ضوابط العملية الانتخابية وآدابها، وأجاز تمويل الدعاية الانتخابية من الزكوات والصدقات، على اعتبار أنها صورة من صور الجهاد، وعمل يندرج تحت العمل في سبيل الله، مستشهدا بفتوى للشيخ يوسف القرضاوي، خاصة إذا كان المرشح كفؤًا ويعول عليه ليكون ممن يدعم شرع الله ويسعى لإقرار القوانين الموافقة للشريعة أو غير المتعارضة معها، على أن تكون للتمويل قيود، أولها أن يكون المرشح مشهودا له بالصلاح، ومن أصحاب التوجه الإسلامي والحريص على تطبيق شرع الله، وأن يكون الإنفاق بالقدر المعقول، وألا يكون التنافس بين اثنين من التوجه الإسلامي إلا إذا قدم الأكفاء والأجدر.

كما لم ير مانعا من الإنفاق على الانتخابات من الأموال الربوية، رغم أن الفوائد الربوية مما أجمع العلماء على حرمته، لكن حرمتها على صاحبها. ويؤكد المؤلف أنه يجوز إنفاقها في أبواب الخير والبر وأعمال البر لدعم مرشح يتبنى العمل بشريعة الإسلام ويدافع عن مقدسات الأمة وحرماتها، بخلاف الدعاية من الأموال المشبوهة والمجهولة المصدر التي لا يجوز لدعاة التيار الإسلامي أن يقبلوها أو يتعاملوا مع أصحابها. ونفس الحكم ينطبق على دعم المؤسسات الأجنبية المشبوهة التي دعا المؤلف للبعد عنها، لأنها لا تريد إلا مصلحتها، ولا يجب الانخداع بشعاراتها البراقة.
التنافس بين الإسلاميين يخدم العلمانيين

تحدث المؤلف عن الترشح للانتخابات والتنافس بين المرشحين، مؤكدًا أن الشرع نهى الفرد عن ترشيح وتزكية نفسه لقوله تعالى: "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"، ورأى جواز ترشيح الفرد لنفسه تحت الضرورة والحاجة، لأن ترك التزكية والترشيح عند عدم وجود الغير ترك لفرض عين ومعصية تستوجب التوبة، على أن يتكلف أعوانه بالتعريف به وفق شروط منها: التركيز على البرنامج، ووجود الحاجة للتعريف والتقديم، وتجنب المرشح الكبر والغرور، وعدم المبالغة في المدح، والاكتفاء بما يحصل به الأمر، والبعد عن الكذب والتزوير. ورأى المؤلف أن التنافس بين الإسلاميين دون غيرهم يفرض احترام آداب الإسلام وأخلاق التنافس لإعطاء النموذج.

أما إذا كان التنافس يشمل غير الإسلاميين ممن يعارض الفكرة الإسلامية ويدعو لفصل الدين عن الدولة، فإن الموقف يفرض عليهم الوحدة ودفع الأجدر حتى لا تتفرق الأصوات فيصعد خصمهم جميعا فتكون "حماقة سياسية وكارثة دعوية وجريمة بحق الأمة ومعصية تستحق التوبة"، مقترحا ميثاق شرف بين الإسلاميين، وضع له 18 ضابطا يغلّب مصلحة الأمة على الفرد ومصلحة البلد على الحزب، والتنسيق لاختيار القوي الأمين، والتنازل واعتبار الخبرة والتجربة عاملا أساسيا للاختيار، وإيجاد لجنة حكماء مشتركة محايدة لفض النزاعات وغيرها.

كما أكد على أن اختيار الرئيس حق من حقوق الأمة، ولا يجوز أن تمنع منه، وأن الإسلام لم يعتمد طريقة معينة لاختيار رئيس الدولة يلزم بها الأمة حتى يحرم عليها أن تمارس غيرها، وإنما هي اجتهادات لتحقيق وجود الحاكم الذي يحفظ للأمة دينها ودنياها، مشددا على أنه لا تعتبر أي دولة من الدول الإسلامية دولة الإسلام، بل هي جزء من دول الإسلام –التي يزيد عددها عن الخمسين- وأن التطورات العلمية المعاصرة تساعد على وجود وحدة وتذيب الفوارق وتقرب المسافات، وينتهي الكتاب بالحديث عن انتخابات المحليات (البلدية).
المؤلف

ومما يذكر أن الدكتور أكرم كساب، عضو مؤسس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وحاصل على درجة الماجستير في أصول الدين من جامعة وادي النيل، وحاصل على الدكتوراه من جامعة مكة المكرمة المفتوحة 2011م، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى وأوصت اللجنة بطباعة الرسالة.

ومن مؤلفاته: الصهيونية وخطرها على البشرية، مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجه، تيسير أحكام الزكاة، المنهج الدعوي عند القرضاوي، التنصير: مفهومه ـ جذوره ـ أهدافه ـ أنواعه ـ وسائله ـ صولاته، النصارى في القرآن والسنة وعبر التاريخ، القرضاوي مرتكزات دعوته وجبهاته الدعوية، دور القرضاوي في إبراز الوسطية، كيف تزور البيت الحرام... شرحًا وصورة، ومع المصطفى صلى الله عليه وسلم في ضحكه.

المصدر: القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة