You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>قطر>تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القضاء في قطر

مراجعة كتاب: مجموعة من الباحثين، الدين والدولة في الوطن العربي

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1017 مرة
الكاتب  مجموعة من الباحثين

يعد كتاب"الدين والدولة في الوطن العربي" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية في طبعته الأولى لسنة 2013، عبارة عن أشغال ندوة فكرية وعلمية نظمها المركز والمعهد، والتي عقدت في تونس في أواخر عام 2012، بحضور عدد كبير من المفكرين والفاعلين والأساتذة والباحثين والمثقفين من مختلف التوجهات الفكرية والسياسية، للتداول العميق والهادئ حول وجهات النظر في سؤال العلاقة بين الدين والدولة في المجال العربي الإسلامي؛ بهدف استخلاص الدروس، وسعيًا لتقريب وجهات النظر المختلفة حول موضوع علاقة الدين بالدولة، وبحثا عن قواسم مشتركة فيه بين مختلف تلك التيارات والتوجهات.

تشير مقدمة الكتاب بأن قضية العلاقة بين الدين والدولة تفرض نفسها واحدةً من القضايا الإشكالية الكبرى التي يواجهها نموذج الدولة الحديثة في الوطن العربي، والكلام على الدين والدولة في الحالة العربية يعني إلى حد بعيد الكلام على العلاقة بين نماذج الدولة الحديثة التي أخذت في التشكل في مختلف الأقطار العربية منذ انهيار الخلافة العثمانية، وبين الإسلام السياسي الرافض لتلك النماذج بما تعنيه من فصل الدين عن الدولة واعتماد قانون وضعي كمصدر للتشريع...ومع وصول بعض القوى الإسلامية إلى السلطة عقب الثورات الأخيرة التي شهدها أكثر من بلد عربي، أخذت الدولة الوطنية تواجه تحديات من نوع آخر. وأمام هذا التصاعد لدور القوى الإسلامية في المشهد السياسي العربي، ومع تزايد حدة الاستقطاب بين القوى الدينية والقوى "العلمانية" حول مستقبل الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة، تتأكد الحاجة إلى البحث عن نماذج وصيَغ تكون موضع توافق أكثر بين مختلف التيارات السياسية والفكرية والفئات المجتمعية العربية؛ فأي نموذج للدولة الحديثة يبحث عنه العرب: هل هو نموذج الدولة الوطنية العلمانية المنقول عن الغرب، أم أنه نموذج الدولة الوطنية العلمانية المكيَّف مع البيئة الثقافية والاجتماعية العربية-الإسلامية، أم أنه العودة إلى عصر الخلافة بكل ما يعنيه ذلك من انقطاع عن التراكم الحضاري الذي لا يمكن الإسلام إلا أن يكون رافدًا من روافده.
أولا- الدين والدولة بين الفكر الإسلامي والوعي الحديث
يتضمن الكتاب ثلاثة عشر فصلًا، إضافة إلى التعقيبات والمناقشات والحوار المفتوح، الذي دار بين نخبة من المشاركين في الندوة، فقد كان السؤال الحاكم للندوة/الكتاب هو: كيف يمكن للسياسة أن تمارس الآن وفي المستقبل في الوطن العربي بشكل يقارب إشكالية الدين والدولة بفهم إسلامي معاصر يستوعب العصر ومتغيّراته، ويرفع عن الدولة والمجتمع عبء أزمةٍ في العلاقة بين الدينيّ والسياسيّ؟

بداية من البعد التاريخي للعلاقة بينهما، إلى التركيز على تقديم ما يفيد في اكتشاف كيف مورست السياسة في الماضي الإسلامي؛ سعى هذا العمل إلى معالجة جوهر القضايا التي تدخل ضمن العلاقة، والتي تواجه تنظيم الدولة المعاصرة عربيًا خاصةً بعد صعود الحركات الإسلامية إلى السلطة عقب الثورات العربية؛ ومثلما تطرح العلاقة أسئلة إشكالية على المستويات المفهومية والفقهية والتنظيرية، فإن الواقع العربي والإسلامي المعاصر يقدم تجارب لدول تصف نفسها، أو توصف، بالإسلامية  كالسعودية وإيران، بينما تقدم دول أخرى تجارب ما صار يعرف بالإسلام العلماني كما هو في تركيا مثلاً. كما شهدت بلدان أخرى بروز مؤسسات موازية للدولة قامت على أسس دينية ومذهبية.

افتتح الكتاب في فصله الأول في موضوع: "الدين والدولة في الاجتماع العربيّ المعاصر: نظريًا، وتاريخيًا، واستشرافًا"، لعبد الإله بلقزيز الذي حاول فيه تناول إشكالية الدين والدولة في سياقاتها الفكرية، وأنماط العلاقة التي نشأت بينها في تاريخ الإسلام وأوروبا الوسيطة والحديثة، والجدل المعاصر الجاري حولها في الوطن العربي، كما اهتم عبد الإله بلقزيز في بحثه اهتم بمحاولة استشراف صورة مستقبلية لهذه العلاقة في ضوء صعود الحركات الإسلامية وتجدّد حضور الديني في المجال السياسي، مستحضرا الحاجة إلى توفير حلٍّ تاريخي لجدليةٍ قد تهدّد المجتمع بالاستقطاب والدولة بالتأزُّم.

أما الفصل الثاني، المعنون بمداخلة: "الدين والدولة في الأصول الإسلامية والاجتهاد المعاصر" لراشد الغنوشي، فقد عالج نظرة الإسلام والمسلمين لعلاقة  الدين والدولة، وتجربة هذه العلاقة كما عيشت في التاريخ الإسلامي، ومدى اتساقها أو تضاربها مع المفهوم "الأصولي" الإسلامي لها، مبرزا الاجتهادات الفكرية والسياسية الإسلامية المعاصرة في النظر إليها، وما يمكن أن يكون لها من حظوظ التطبيق وفرص النجاح في الواقع الراهن.

في حين اهتم الفصل الثالث:" الدين والدولة من منظور إسلاميّ عصري ومنفتح" لرضوان السيد بالمسألة من وجهة نظر إسلامية جديدة تستوعب معطيات وحقائق التغيّر في العصر، وحاجة الإسلام إلى التكيّف معها، وخاصة انتظام السياسة والدولة على مقتضى مدني وديمقراطي، ومواطني، والحاجة إلى تأصيل هذه الأفكار الحديثة، وتوطينها في الوعي الإسلامي، ويلقي نظرةً على مساهمة الإصلاحية الإسلامية، في القرن التاسع عشر، والفكر الإسلامي المعاصر، على هذا الطريق.

وتطرق أدونيس العكره في الفصل الرابع لموضوع الدين والدولة في الأصول الفكرية والسياسية الحديثة، مبرزا صلة الدين بالدولة في منظور الفلسفة السياسية الحديثة (القرون 17و 18و 19)، وفي سياق تكوّن الدولة الوطنية الغربية الحديثة وتطوّرها، كما اهتم ببيان خريطة التمايزات والفروق بين نماذجها المختلفة (اليعقوبية، الجرمانية، الروسية...)، ومدى شرعية البناء- في فكرنا السياسي العربي- على تلك الأصول والنماذج.
ثانيا- تجارب ونماذج في علاقة الدين بالدولة

ركزت هذه المداخلات التي ضمها الكتاب/الندوة على تحليل نماذج من تجارب دول عربية وإسلامية تقوم أنظمتها السياسية على علاقة ارتباط بين الدين والدولة، في سعي إلى دراسة هذه النماذج ومحاولة استخلاص عناصر الاتساق أو التضارب بينها وبين المفهوم في أصوله الإسلامية من ناحية، وبينها وبين الرؤى المعاصرة للدولة من ناحية أخرى. كما أبرزت المداخلات طرق وآليات معالجة هذه التجارب لقضايا هامة وخلافية مثل: شكل نظام الحكم وموقع الأقليات والمرأة والأمن، وموضوعات الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة، وموقع التشريع الديني في الدولة، ومصادره، كما تم تخصيص مداخلة للنظر في تمثّلات الدين لدى الجاليات المسلمة في الغرب في تعاملها مع دولة علمانية تقيم التمييز بين المجال السياسيّ والمجال الدينيّ، متحدثا عن المسائل والقضايا الخلافية في علاقة الجاليات المسلمة في الغرب بنظم وقيم الدولة العلمانية التي يعيشون في ظلّها؛ كما أبرز تأثير الثقافة المدنية العلمانية الغربية(السلبي أو الإيجابي) في تمثّلات وممارسة معتقداتهم والحفاظ على ثقافتهم وهويتهم، وعلى انتمائهم الإيجابي إلى الدول المقيمين فيها.

لقد شكل كل من الفصل الخامس"شاهين ألباي" والسادس"رفعت سيد أحمد " والسابع"توفيق السيف" والثامن"أحمد الخمليشي" والتاسع"ريكارد لاغيرفال"، جهدا في التعاطي النماذجي مع تجارب علاقة الدين بالدولة، في حالة كل من تركيا أو مقارنة بين تركيا وإيران أو دراسة حالة السعودية ودور المؤسسة الوهابية؛ كما تطرق إلى حالة المغرب ونموذجه المتمثل في مركزية مؤسسة إمارة المؤمنين في نظام الحكم، ودورها في تدبير الشأن الديني، ومدى التماهي أو التمايز، بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية.
ثالثا- سؤال العلاقة بين الدين والدولة ما بعد الربيع الديمقراطي

عالجت الأوراق المقدمة في هذا المحور المسألة الدينية السياسية في سياقاتها الراهنة، بعد التغييرات الاجتماعية والسياسية المصاحبة للثورات العربية، وكيف تطرح العلاقة بين السياسة والدين عربيًا وخاصة في البلدان التي وصلت فيها نخب إسلامية إلى السلطة.

لقد حاولت الدراسات تحليل حالة الجدل في البلدان المعنية حول قضايا خلافية مطروحة مثل (شكل نظام الحكم، الأقليات، المرأة، الأمن، الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة، دين الدولة والتشريع، مصادر التشريع، إلخ.)، فكانت مداخلة طارق البشري حول علاقة الدين بالدولة في حالة مصر بعد الثورة، مبينا مكانة الدين في نظام الحكم في مصر بعد الثورة، وفي ضوء صعود التيارين الإخواني والسلفي إلى السلطة، وما الذي يمكن أن ينتج من التأكيد على إسلامية التشريع من مشكلات سياسية (العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين)، واجتماعية (حقوق المرأة، الحريات،..)، ودينية (المخاوف القبطية)، وأكد المستشار طارق البشري في بحثه على ضرورة تحقيق توافقٍ فكري وسياسي وطني على مضمون الدولة المدني، وعلى تحييد الدين في صراعات المصالح الاجتماعية والسياسية حمايةً للدين والدولة والوحدة الوطنية.

وفي دراسة الحالة الثورية التونسية اشتغل صلاح الدين الجورشي ببيان مكانة الدين في نظام الحكم في تونس بعد الثورة، في ضوء نجاح "حركة النهضة" في الانتخابات، وصعود التيار السلفي، وكيفية معالجة مشكلة مدنية الدولة، والحفاظ على المكتسبات التحديثية في البلاد، ومنها حقوق المرأة وحرية الفكر والرأي، وحقوق المخالفين؛ أما في الحالة الليبية فتناوله بحث عبير إبراهيم أمنينة محللا الجدل الدائر في ليبيا بشأن شكل ومؤسسات النظام السياسي الجديد في علاقتها برؤى التيارات الإسلامية الليبية المختلفة، مركّزًا على موقع العلاقة بين الدين والدولة من هذا الجدل الذي تشارك فيه أطياف فكرية أخرى؛ كما استهدف البحث الإحاطة بآفاق صعود الإسلاميين للسلطة عقب أول انتخابات تجرى في هذا البلد، وكيف يمكن لذلك أن يتأثّر بالأوضاع في مصر وتونس، من ناحية، وبما يمكن أن يقود إليه من إعادة صياغة لدور الدين في الحياة السياسية والتحديات المختلفة لذلك على مستقبل البلاد السياسي من ناحية أخرى.

وفي سياق ترشيد النظرة إلى الدين والدولة ختم الكتاب فصله الثالث عشر المسمى بـ"مداخل إلى إصلاح الخطاب الديني المعاصر" لأحمد كمال أبو المجد بقضية الخطاب الديني المعاصر، والخطاب الحركيّ منه بوجه خاص، برؤية نقدية تحلّل وجوه القصور فيه، وما يعتَوِره من مظاهر الضِّيق، والجمود، وانعدام المرونة في النظر إلى النصّ والواقع، وما يرتبه العمل به من تَبِعات على الأمّة: في اجتماعها الداخلي، وفي علاقتها بالمحيط الكوني؛ مثلما يتناول المسألة برؤية إصلاحية تتغيَّا التصحيح، والتصويب، والترشيد وتَبْيِئَةَ تقاليد الاجتهاد والتسامح وسعة النظر في منطلقات هذا الخطاب ومفرداته.

وانتهى الكتاب/ الندوة أعماله من خلال حوار مفتوح:"من أجل تفاهم فكري سياسي في مسألة الدين والدولة"، مهتما بإمكان      الاهتداء إلى نظرة جامعة لعلاقة  الدين والدولة في الوطن العربي، اليوم وفي المستقبل، تغلِّب المشتركات على الخلافات، وترسم حدودًا وقواعد للخلاف بحيث لا يتحوّل إلى منازعة، وبحيث يُنظّم الاختلاف في نطاقه الفكري الصرف، متناولا مؤشرات تلك النظرة الجامعة إن كان لها أن تنشأ

المصدر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة