You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>مختارات الموقع>ببلوغرافيا مختارة للدراسات حول المواطنة

عبدالعزيز الخاطر: عرض كتاب الحركات الاسلامية والمخاوف المتبادلة

الإثنين، 09 أيار 2016 عدد القراءات 2086 مرة
الكاتب  عبدالعزيز الخاطر

مقدمة:


تأتي أهمية هذا الكتاب من عدة نقاط ، أولها ما يتعلق بالموضوع نفسه فهو يتطرق إلى هوية الأمة المتمثلة في الإسلام من خلال مواقف الحركات الإسلامية وفهمها المنبثق من المرجعية الإسلامية على سعتها للديمقراطية كمنهج للعصر وما يترتب على هذا الفهم من إمكانية للنهوض أو تراجع وإنكفاء على النفس.
النقطة الثانية ، التي تؤكد على أهمية هذا الكتاب ، تتمثل في الهدف الذي يسمو إلى تحقيقه وهو كما يشير "المحرر" في التوطئة له إيجاد الأرضية الصالحة لإمكانية إقامة التسوية التاريخية بين الجانبين لتجاوز العقبات حيث لا بد من نقطة إلتقاء بين الجانبين ولا بد كذلك من وجود جزء مشترك بينهما مهما كا ذلك صغيراً أو محدداً يمكن من خلاله تحقيق هذه التسوية التاريخية.


النقطة الأخيرة التي تبرز هذه الأهمية هي في كونه حصيلة منتدى فكري إلتقت فيه مختلف الآراء قرباً أو بعداً في نظرتها من إمكانية تحقيق مثل هذه التسوية التاريخية إعتماداً على رؤيتها وتصوراتها حول مفهوم الديمقراطية وملاءمته للإلتصاق بالمنظور الإسلامي من عدمه. أيضاً تأتي مقدمة الكتاب التي كتبها د. علي محمد فخرو الوزير البحريني السابق والمفكرة المعروف لتضفي جانباً من الأهمية على طريقة معالجة مثل هذا الموضوع الشائك ، حيث يشير إلى نقطة هامة موضوعية يجب التركيز عليها بعيداً علن المعالجة الفكرية لمسألة الديمقراطية التي أشبعت بحثاً وهذه النقطة تتمثل في السؤال التالي ، هل تحمل الديمقراطية حلولاً أساسية وفاعلية لمشاكل المجتمع العربي؟ ويشير كذلك إلى عدم أهمية المسمى ولكن يجب الإتفاق على الأقل على حد أدنى للعلاقات ضمن أي نظام يتمثل في إعتبار الفرد مواطناً لا مرعياً وحقوق العدل والمساواة وحق الناس في إختيار حكامهم وإيجاد دستور وإستقلال القضاء وتداول السلطة… إلخ. ويؤكد كذلك ومن خلال تجربته الشخصية وجود مشاكل في معالجة موضوع الديمقراطية ولا سيما لدى النخب فهناك الموقف "الثقافوي" الذي يتعامل مع المجتمع من خلال ثقافته وليس من خلال حاجته كالإشارة إلى عدل أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند الحديث عن الديمقراطية وتتبنى هذا الموقف النخب التقليدية من قبيلة وعائلة حيث الحديث عن السلف الصالح. أما الموقف الآخر فهو موقف إنفصامي ونكوصي وغير أخلاقي حينما ترفض النخب العربية إفرازات الديمقراطية حيث تكون النتيجة تسلم الإسلاميين الحكم كما حصل في الجزائر وهو موقف يتبناه أصحاب الإنقلابات والرتب العسكرية ويحدد د. فخرو على أنه ربما تكون الخطوة العملية هي في قيام جبهة عريضة من مختلف التيارات داخل المجتمع تتفق فيما بينها على تبني قضيتين أو ثلاث من قضايا المجتمع المحورية لإيقاف سرعة هذا التدهور الذي يشهده الوضع العربي الحالي.


الفصل الأول: أولاً : الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية "وليد نويهض"


1 . تحديد إطار البحث:


يقرر هذا الفصل صعوبة حصر مواقف الحركة الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية لعدة أسباب منها ، تنوع التنظيمات الإسلامية وإختلاف ظروفها المكانية والزمانية وكذلك تاريخ كل تنظيم وتطور أفكاره وتعرض توجهه السياسي بين فترة وأخرى وأيضاً صعوبة الحصول على وثائق مختلف التنظيمات نظراً لتنوعها من جهة ولجوء بعضها إلى العمل السري من جهة أخرى وكذلك إنقسام التنظيم الواحد وتعدد مصادر كل طرف سواءً الفكرية أو الثقافية أو الإجتماعية. لذلك قام الباحث بتوزيع عمل الجبهات الإسلامية إلى فريقين حتى يكن حصر البحث ، الفريق الأول هو ذلك الذي يشارك وبنسب متفاوتة في بعض البرلمانات العربية وحكوماتها ، والثاني هو ذلك الذي يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق وعسكرياً في مناطق أخرى.


وقد قام الباحث بإستبعاد الفريق الأول لسبب بسيط وهو عدم وجود مشكلة لديه مع الدول العربية التي يتحرك داخلها ، وأنصب الإهتمام على الفريق الثاني لتواجد المشكلة سواءً كانت في سلبية التنظيم نفسه من الديمقراطية أو سلبية الدولة وحساسيتها من التنظيم ، وتم كذلك تحديد ثلاثة نقاط لا بد من إلقاء الضوء عليها لتوضيح وجهة هذا الفريق من الديمقراطية وهي أولاً؛ تطور الفكرة وإختلافها داخل التنظيم نفسه. والثانية: التنازع بين المنظمات الإسلامية وإختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطيـة ، والثالثة: فهي علاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها ولإكتمال البحث كان لا بد كذلك من تحديد نمط العلاقة بين هذه التنظيمات والدولة الوطنية "المعاصرة الحديثة" وأيضاً موقف الدولة من مسألتي الديمقراطية.


2 . الإشكالية المعرفية:


ثم يتطرق الباحث إلى أهمية وضع إطار عام لحدود الإشكالية المعرفية المتعلقة بفكرة الديمقراطية فهناك فرق كبير بين أن تكون الديمقراطية فكرة أيديولوجية جاهزة بمعنى معطى نهائي يقدم كنموذج سحري للشعوب والأمم وبين أن تكون صيغة تاريخية قابلة للتعديل والإضافة والتطور لذلك فهي تختلف من مجتمع متجانس عنها في مجتمع آخر غير متجانس كما لاحظ ذلك بعض علماء الإجتماع ، فهي في الأول تعزز الوحدة وتطورها سليماً بينما في الثاني لا بد من أن تكون توافقية تحترم حقوق الأقليات المختلفة عن الأكثرية ، ويطرح الباحث هنا تعريف د. علي خليفة الكوراي حول خصائص الديمقراطية المعاصرة (مجلة المستقبل العربي – فبراير 1993م) الذي يرتكز على نقطتين أساسيتين ، الأولى أن الديمقراطية منهج وليست عقيدة والثانية أنها مقيدة وليست مطلقة إذ لا بد من دستور يتراضى الجميع على أحكامه ويقبلون الإحتكام إليه ويتطرق التعريف إلى إشكالة إستبداد الأغلبية في منطقة تتنوع فيها الديانات والسلالات والمذاهب والتركيبات الإجتماعية التقليدية ويشير الباحث إلى أهمية هذا الجزء من التعريف لأنه يخرج الديمقراطية من عالم الأفكار إلى عام الواقع ويؤسسها على الإجتماع والتاريخ لا على النظريات المجردة فتخرج من معطى النص إلى تعقيدات الواقع. كما يتعرض إلى محاولة الشيخ راشد الغنوشي "رئيس جمعية النهضة التونسية" ردم الهوة بين المستوى المعرفي والمستوى التاريخي فيما يتعلق بمفهوم الديمقراطية حيث ربط بين الديمقراطية والهوية بحيث لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بلد دونما الحديث عن هويته لأن التنظيم الإجتماعي للحرية في شكل دولة يفترض وجود أرضية معينة يتحرك عليها العمل السياسي وتكون هي الإطار الجامع للجماعات السياسية حيث تشترك في هوية شخصية جامعة لذلك فالديمقراطية تفترض مضموناً ثقافياً وهذا المضمون في المجتمعات الإسلامية هو الإسلام. أما فهمي هويدي فيذكر أن الديمقراطية ما هي إلا تطوير أوروبي لنظام النحل والملل الإسلامية نتيجة لإحتكاك الدول الأوروبية بالدول العثمانية. كما يبين هذا الفصل إلى أن هناك قراءات مختلفة للديمقراطية من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة ، فهي كفكرة كانت حاضرة في أعمال الإسلاميين الفكرية منــــذ منتصف القــــرن التاسع عشـــر ويمكن إيجاز ذلك في أربعة مدارس:


الأولى: حاولت أن تبرز الإسلام مقابل الديمقراطية الغربية ، والثانية: أبرزت نظرية الشورى في الإسلام مقابل ديمقراطية الغرب ، والثالثة: حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية العرب ، والرابعة: رفضت الديمقراطية وأعتبرتها لا تمت إلى الإسلام بصلة " زكي احمد – المستقبل العربي – العدد 164".

3 . الخلط بين المفاهيم والمصطلحات:


أدى مثل هذا الخلط بين المفاهيم والمصطلحات إلى سجالات فكرية لا تنتهي ولم يساعد على إيجاد مقاربة فعلية بين الإسلام والديمقراطية ، فالخلط بين الديمقراطية كآلية لتنظيم الخلاف وبين المفاهيم الإيديولوجية المتعلقة بالعلمانية والليبرالية ، فالفكرة مقبولة إذا كانت تعني العدل والمساواة ومرفوضة إذا كانت تعني العلمانية والتغريب ، وهنا يحذر الشيخ راشد الغنوشي مـــــن الموقــــــف اللا أخلاقي الذي قد يتخذه الإسلاميون في حالة وصولهم إلى السلطة من مصادرة لحق العمل الحزبي وحرية التعبير وهو ما يطالبون به الأنظمة العلمانية حالياً ، ويؤكد العلامة محمد حسين فضل الله في هذا الخصوص أنه عندما يتكلم عن الديمقراطية فإنه يعني " ضد الإستبداد ولكن لا يمكن القبول والإلتزام بكل نتائجها على مستوى القضايا الإسلامية خاصة تلك التي تتصل بالتشريع". من هنا يمكن القول بأن ولكن هناك مستوى من القبول باللعبة الديمقراطية وممارستها ولكن السؤال الموجه إلى الأنظمة التي ترفض الديمقراطية وتقمع المجتمع السياسي ومحاولة إعتقاله ومنعه من التعبير عن ذاته كما سنرى في عدة دول عربية.


ثانياً : مسلمون وإسلاميون:


من الضروري التمييز بين خطين إسلاميين كبيرين يتنافسان على تأكيد شرعية التمثيل ومشروعية الفكر والمنهج وهما ، تيارات الأخوان المسلمين وتوجهها العقلاني وتيارات الجماعات الإسلامية ومنظمات الجهاد التي ترفض الأسلوب السلمي والفرق بين التيارين يتمثل في أسلوب المكاشفة لدى الأخوان مقابل أسلوب العمل السري لدى التيارات الأخرى.


1 . تطور فكرة الديمقراطية لدى تيار الأخوان المسلمين : تغير موقف الأخوان إيجابياً تجاه فكرة الديمقراطية بعد تعرضها للحل إبان الحكم الناصري وهي التي كانت تدعو إلى حل جميع الأحزاب قبل عام 1952م في حين أن الجماعات الإسلامية ترى أن الديمقراطية تنبع من تعدد الإيديولوجيات وهذا أمر مناهض ومرفوض مع الإسلام ، فكان التباين واضحاً. ونتيجة هذا التطور في فكر الأخوان أصدروا ثلاثة وثائق هامة بل الأهم في تاريخهم يوضحون فيها مواقفهم الإيجابي من قضايا هي في صميم الديمقراطية كالمواطنة ودحض العنف وضرورة إختيار الحكام عن طريق رضا المحكومين ومشاركة المرأة ومساواتها بالرجل وحقها في الممارسة السياسية. ولكن الإنتكاسة كانت في موقف السلطة من هذا التحول حيث قامت بحملة إعتقالات كبيرة وأعتقل الكثيرون عام 1995م.


ثالثاً : صدمة السودان:


يرى الباحث أن ثورة الإنقاذ العسكرية عام 1989م لعبت دوراً بارزاً في إعادة إنتاج الخلافات السابقة حيث وضعت الإسلاميين أمام خيار صعب إما بتأييد الإنقلاب العسكري أو معارضته وكلاهما يبحثان عن تفسير جديد لعلاقات القوى ودور الدولة والأسلوب السلمي في كسب الغالبية العظمى وترفض الجبهة الإسلامية القومية إتهامها بأنها وراء ذلك الانقلاب ، ولكنها وافقت على شروط الثورة للتعاون وحل جميع التنظيمات الحزبية والإندماج بمؤسسات الحكم. والخلاف بين الجبهة والأخوان المسلمين يرجع إلى إدراك د. حسن الترابي بخصوصية المجتمع السوداني وتركيبته الإجتماعية وأهمية دور الدولة الأساسي في توحيد مثل هذه المساحة الشاسعة القليلة السكان ورؤيته حول ضرورة تأسيس تيار معاصر يشق طريقه المختلف عن القوتين الإسلاميتين المركزيتين ، طائفة الأنصار (حزب الأمة ) والطائفة الختمية الميرغنية (الإتحاد الديمقراطي ) ويقوم على منهج الترابي بضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية. ويلاحظ هنا أن مثل هذه الأفكار لم يكن من السهل زرعها في مجتمع إسلامي تقليدي متدين بالفطرة مما جعل الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية وحتى الحركات الصوفية والحركة السلفية بالإضافة إلى تيار الأخوان المسلمين يقفون في صف واحد ضد ثورة الإنقاذ.


رابعاً : صدمة الجزائر: 


الدولة في الجزائر قوية ومسيطرة على المجتمع وتختلف التجرية هنا عنها في السودان فالصراع هنا دمــوي. لقد كان هناك إختلاف واضح لدى القوى الإسلامية في الجزائر على فكرة الإنتخابات حتى قبل الانقلاب علىنتائجها فالجماعات المسلحة ترفض إضاعة الوقت مع النظام في حين أن حـــــزب النهضة الإسلامي الجزائري وحركة حماس الجزائرية يطالبان بالحد الأدنى من الديمقراطية بينا راهنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الديمقراطية وأدى إنقلاب السلطة على نتائج الإنتخابات إلى صدمة لها دويها الهائل في الوطن العربي بأكمله بين مؤيد لذلك الفعل ومستنكـــر لـــه ، ولكن الجماعات المسلحة واجهت إنقلاب الدولة على النتائج بعنف مضاد إستدرج فيه بعض إتجاهات جبهة الإنقاذ وأستبيح الدم الحرام بدون تأويل.


خامساً : تونس الضحية:


كان لما حدث في الجزائر أثره البالغ في إستكمال الدولة في تونس لمشروعها الإنقلابي على المجتمع بذريعة عدم التساهل الديمقراطي والحيلولة دون إنتقال العدوى إليها من الجزائر بالرغم من إعتراف حركة النهضة التونسية بضرورة إحترام رغبة الناس ورفضها لمصادرة الرأي الآخر وعلى منهج جديد للسياسية يعبر عنه راشد الغنوشي " بأنها عالم المعقول وليس علم الغيبيات ، هي العالم الموضوعي" . وبالرغم من ذلك كله أوغلت الدولة في سياستها القمعية ومصادرتها لخيارات الشعب وأتهم الغنوشي بالردة والعلمانية من قبل جماعات الجهاد.


سادساً : صدمة أوسلو:


أقرت حركة حماس الفسلطينية بإحترام التعددية حيث أملت الظروف عليها ذلك لإغتناء الساحة الفسلطينية بمختلف التيارات (خالد الحروب – في أحد كتبه عن حركة حماس) ورغم مخالفتها معارضتها لإتفاق أوسلو إلا أنها أعلنت أنها لن تستخدم العنف ودعت إلى تبني الحوار الوطني وقاطعت حماس وقوى فلسطينية إنتخابات عام 1996م فما كان من السلطة الفسلطينية إلا أن أستخدمت العنف والبطش والإعتقال . ولا شك أن سلطات الإحتلال الإسرائيلي كانت وراء ذلك بحجة أن حماس تقف ضد الإتفاق بين الطرفين.


سابعاً : صدمة أربكان 1996م:


أدرك أربكان زعيم حزب الرفاه ضرورة إعادة الحياة المدنية وضبطها تحت سقف الأتاتوركية بعد فوزه دون أن ينال أكثرية تمكنه من الحكم بمفرده ، وهو الأمر الذي سبب له كثير من الاحتجاجات والإنتقادات من قبل جماعات الجهاد وكذلك غضب العلمانيون لتصرف أربكان هذا وهو ما أفسد رهانهم بتدخل الجيش للتدخل لضبط الأمور وإعادتها تحت رقابة الدولة بعيداً عن تحولات المجتمع. ولكن أربكان كان يدرك أن الوقت الحالي هو وقت التسوية التاريخية لإنقاذ تركيا من الإنقسام ، وأدرك أن الحوار في مرحلة الإنتقال وهي مرحلة مركبة تلتقي فيها القوى التقليدية بالأنماط الحديثة ، ويمكن إعتبار تجربة أربكان بداية التأسيس للمجتمع السياسي الذي يركب وعيه التاريخي من عناصر مفككة وتؤكد كذلك على خطأ تصور النخبة ( الدولة المعاصرة) بأنها تستطيع بأسم التقدم والحداثة أن تحقق قفزات إجتماعية بمعزل عن الجماعات السياسية وهيئاتها ومنظومتها المتوارثة تقليدياً وعن حركة المجتمع والإعتبار لتوازنه الطبيعي. 


الفصل الثاني : مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي: (زياد أحمد بهاء الدين).


في هذه الورقة يقدم السيد زياد كما يشير عرضاً لآراء القطاعات الواسعة من الجماهير العربية بصرف النظر عن موقفها الإيماني في الدين الإسلامي كعقيدة إلا أنها ليست مؤيدة للتيار الإسلامي كقوة سياسية تنافس على الحكم. وتعرض هذه الورقة كذلك لمبررات السماح بتكوين أحزاب إسلامية وهي كما تراها القطاعات الواسعة من الجماهير العربية في أن جوهر الديمقراطية يعني تمكين الشعب من إختيار ممثليه وكذلك الإعتبار السياسي لثقل تيار المعارضة الإسلامية حيث هي القوة المتبقية في مواجهة السلطة. وكذلك مبرر عدم دفع أي تيار شعبي يحرم من التعبير عن ذاته إلى اللجوء إلى العنف أو العمل السري.


أولاً : المخاوف التي يثيرها إشتراك التيار الإسلامي في العمل السياسي:


وهي تتمحور حول خطورة الإدعاء بوجود ممثل وحيد للإسلام دون غيره وكذلك الخوف من لجوءها إلى العنف كخيار دائم كلما ضاقت السبل والإعتقاد كذلك لدى قطاع كبير من أن موقف التيار الإسلامي من الديمقراطية موقف إنتهازي للوصول إلى السلطة ومن ثم الانقلاب على غيره من التيارات وهناك أيضاً التباين بين الفكر والممارسة الواضح من موقف التيار الإسلامي من قضايا كقضية المرأة وحقوق الأقليات.


ثانياً : نحو موقف جديد:


تدعو الورقة إلى الوصول إلى حد أدنى من الإتفاق ، فلم يعد إستبعاد التيار الإسلامي مقبولاً ويجب أن لا تتحول التحفظات على إشتراكه إلى رفض تام وإنما مؤقتة حتى لا يتحقق للنظم الحاكمة ما تتمناه. وكذلك أهمية الوصول إلى صيغة تتفق فيها كافة القوى الوطنية تتضمن قبول التيار الإسلامي في مقابل إلتزامه بمواقف محددة ومقبولة وملزمة. ونظراً لعدم إعتماد هذا الفصل على المصادر الأكاديمية والإكتفاء بالتكلم عن رأى قطاعات كبيرة من الشعب العربي حيث يمكن إتصافه بالتعميم فقد قوبل بنقد في مواقف عديدة.


المناقشات:


سنركز هنا على المناقشات التي أضافت جديداً إلى موضوع الورقتين حيث تناول الحوار جوانب عديدة أثرت وواجهت بالنقد بعض ما قدمته الورقتين وكانت هذه المناقشات في فحواها تؤكد على أهمية التحدي الذي توجهه الأمة وضرورة إيجاد نوع من التوافق بين الإسلام والديمقراطية من خلال فهم أعم وأشمل لأنهما يلتقيان على الأقل في نبذ العنف وحقن الدماء والأخذ بالرأي الآخر ، ولعل أهم ما دار في هذه المناقشة الحوار الذي تم بين السيد محمد محمود (السودان – الولايات المتحدة) وراشد الغنوشي (بريطانيا- تونس) حينما تطرق السيد محمود إلى حقيقة ثابتة يعتقدها ويحاول الإسلاميون طمسها وهي مركزية العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية وإحتفاظ العلمانية بإستقلالها بحيث يمكن التقرير بان كل مجتمع ديمقراطي هو مجتمع علماني ولكن ليس كل مجتمع علماني هو بالضرورة مجتمع ديمقراطي لأن الديمقراطية تتأسس على حرية الفكر والإعتقاد وحرية العقيدة …إلخ ، ويؤكد على أنه لا بد من وجود أرضية ثقافية ديمقراطية وهو ما يتفق فيه مع محاوره راشد الغنوشي إلا أنه مرجعية بشرية في ظل الواقع التاريخي الذي نعيشه جميعاً كبشر ونتصارع فيه إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وليس مرجعية دينية. ويؤكد على ضرورة التفريق بين الإسلام كقعيدة دينية وكثقافة حيث تحتمل الثقافة مالا تحتمله العقيدة فعلى مستوى الثقافة يحتمل الأمر أن يكون المسلم علمانيـــــاً في أن العقيدة لها حدودها الواضحة والصارمة كإقامة الحد على مرتكب الزنا وشارب الخمر في أن الثقافة الإسلامية تحتمل أن يكون المسلم شارباً للخمر أي أنه لا يخرج من دائرة الإسلام ، في حين أن الشيخ راشد الغنوشي (تونس / بريطانيا) يؤكد أنه لا يمكن للعالم العربي بالذات أن ينتقل إلى الديمقراطية ما لم يسلم بالمرجعية الإسلامية وبعد ذلك يمكـــن الإختلاف حول هذا الإسلام بغير هذا التسليم لا يمكن حصول الإنتقال الديمقراطي لأن الإسلام هو المكون الثقافي للأمة ويصحح مقولة الإستاذ محمد محمود حيث لا ديمقراطية بدون إسلام وليس لا ديمقراطية دون علمانية. وبدون الأرضية الثقافية المشتركة لا يمكن للمجتمع أن يستقر والتسليم بهذه المرجعية اليوم أمر مهم للنخبة حيث يعيد تواصلها مع الجماهير ويعمل على نزع سلطة رجال الدين ومثل هذا التسليم ينتج حضارة في إطار القاعدة الثقافية كما كانت المذاهب الإسلامية تنطلق من مرجع ديني واحد وكل يفسر هذه النصوص حسب نوع ثقافته فما الذي جعل شمال إفريقيا مالكية سنية ومنطقة أخرى شافعية …إلخ ، لم يكن ذلك بقرار من الدولة. وهنا يرى الإستاذ يوسف شويري (لبنان / بريطانيا ) أن الأمر يختلف عن ذلك لدى الغرب حيث أتفق هذا الغرب على قواعد اللعبة الديمقراطية فقط ولم تكن هناك أرضية ثقافية متفق عليها قبل قيام الديمقراطية في تلك المجتمعات.


في إتجاه آخر يعتقد السيد بشير نافع (فلسطين / بريطانيا) أن الدولة الحديثة في العالم الإسلامي مسكونة بالعنف منذ القرن التاسع عشر حيث بدأت عملية طويلة من ضرب قوى المجتمع المدني وتقويضها ويشبه هنا ما يؤكد راشد الغنوشي على خطورته عندما تمحى البنى التقليدية في المجتمع دونما وجود بديل آخر يزداد تسلط الدولة وطغيانها" ويتصور شويري أن قيام الحربين العالميتين هما نتيجتان لعصر التنوير بينما يرى محمد جابر الأنصاري (البحرين) أنهما بسبب هزيمة فكر التنوير لأن التنوير يدعو إلى التعامل العقلاني والسلمي. ويؤكد على معرفة القاع السيسولوجي للمجتمعات العربية لأنه العامل الحاسم في عملية الإنتقال الديمقراطي وليس السقف الأيديولوجي ويؤكد أن هذا القاع لدى هذه المجتمعات مضاد للديمقراطية نظراً لتركيبته العصبوية والأمر يتطلب جهوداً تتعدى النيات الطيبة والتنظير الجميل.

المصدر: الحوار المتمدين. 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة