You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفهوم الديمقراطية>التربية على المواطنية وحقوق الإنسان

الكتاب الفائز بالمركز الأول في جائزة المدرسة العربية للدراسات الديمقراطية

الإثنين، 01 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2136 مرة
موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 11 سبتمبر 2013

 

 

عنوان الكتاب: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر.

الكاتب: الدكتور منير مباركية.

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2013.

رابط الكتاب على موقع الناشر.

يعرض موقع الجماعة العربية للديمقراطية تقديم ومقدمة وخلاصة الكتاب الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر" للدكتور منير مباركية.

 

وكتاب الأستاذ منير مباركية هو الكتاب الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة المدرسة العربية للدراسات الديمقراطية في دورتها الأولى 2011-2012.

يحتوي الكتاب ثلاثة فصول إلى جانب المقدمة والخلاصة العامة والملاحق: الفصل الأول: "المواطنة: دراسة المفهوم وتطوره التاريخي"؛ الفصل الثاني: "واقع المواطنة في الدول الديمقراطية: المواطنة في فرنسا"؛ والفصل الثالث: "المواطنة في البلدان العربية: حالة المواطنة في الجزائر".

تقديم الدكتور علي خليفة الكواري

لكتاب "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر" للدكتور منير مباركية

"مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر"، عنوان هذا الكتاب للأستاذ منير مباركية وموضوع هذه الدراسة الرائدة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة المدرسة العربية في دراسات الديمقراطية، هي باكورة مشروع معرفي  مشترك بين المدرسة العربية للبحوث والدراسات والجماعة العربية للديمقراطية.

ويأتي هذا المشروع المعرفي الذي نأمل أن لا توقفه العقبات الكثيرة التي واجهت الدورة الأولى،  ليساهم في تطوير ما بدأه مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية من جهد ملحوظ في تنمية معرفة عربية بالديمقراطية وضبط  مفاهيمها والمصطلحات، إلى جانب تعزيز جهود العاملين من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية من خلال الدراسة والحوار الذي بدأه مشروع دراسات الديمقراطية ألذي يتخذ من أكسفورد مقرا له، منذ عام 1991.

لقد بدأ التفكير  في عام 2010، بعد مرور عشرين سنة على انطلاق مشروع دراسات الديمقراطية، في مرحلة ثانية من جهود تعزيز المساعي الديمقراطية في الدول العربية وذلك من خلال إنشاء الجماعة العربية للديمقراطية، وإطلاق مسابقة المدرسة العربية في دراسات الديمقراطية كجهد مشترك بين الجماعة  ومشروع المدرسة العربية لتحقيق جانبا من غرض المدرسة المتمثل في" تعزيز جهود إنتاج المعرفة، والمشاركة مع الآخرين في تنمية وجهات نظر عربية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية".

وقد تقرر أن يكون موضوع الدورة الاولى من مسابقة المدرسة العربية لدراسات الديمقراطية هو دراسة مبدأ المواطنه وضبط مفهومه العام والمشترك في الدولة الديمقراطية، على اعتبار أن إقرار مبدأ المواطنة هو حجر الزاوية في كل نظام حكم ديمقراطي وهو الوجه الاخر للمبدأ الجوهري الاول للنظام الديمقراطي، والمتمثل في نفي سيادة فرد أو قلة على الشعب واعتبار الشعب مصدر السلطات. ولا يمكن أن يتحقق مبدأ الشعب مصدر السلطات إلا إذا أقر وطبق  مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية لكافة المنتمين إلى المجتمع اللوطن دون تميز، وأصبحت العلاقة بين جماعات وأفراد المواطنين وبينهم وبين الدولة وكافة مؤسساتها يحكمها عقد مجتمعي متجدد هو الدستور الديمقراطي المتعارف عليه والمتضمن نصا وروحا للحد الأدنى من مقومات النظام الديمقراطي.. انظر: 

نحو مفهوم جامع يعزز الانتقال إلى الديمقراطية - د.علي خليفة الكواري

وقد جاء في دعوة المشاركة، التي وجهت إلى الباحثين الشباب، أن هدف المسابقة هو "الارتقاء بالبحث العلمي وتنمية المعرفة العربية ونشر الثقافة الديمقراطية في مجال الفكر والممارسة الديمقراطية، وذلك من خلال تشجيع الباحثين الواعدين من الشباب الناطقين باللغة العربية، على تناول قضايا الفكر والممارسة الديمقراطية ودراسة حالة الديمقراطية في دولهم العربية" (انظر الملحق 1).

 
وحددت الشروط المرجعية للمسابقة ثلاثة محاور رئيسة تركز عليها الدراسات المتنافسة:

أولها: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة. ويبدأ هذا المحور برصد تحليلي تاريخي لمدى الاقتراب من مبدأ المواطنة في النظم السياسية عبر الحضارات ، والتوقف بشكل خاص عند الحضارة اليونانية والرومانية وصولا الى الحضارة الغربية في العصر الحديث. وكذلك التطرق لمدى مقاربة الاسلام والأديان والحضارات الشرقية بشكل عام لمبدأ المواطنة. ثم يقوم الباحث برصد نمو مفهوم المواطنة في العصر الحديث وتحديد المفهوم العام المشترك لمبدأ المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة.

ثانيها: دراسة لتطبيق مبدأ المواطنة على أرض الواقع في دولة ديمقراطية وما يرد على تطبيقها من نقد، وذلك في ضوء المفهوم العام المشترك لمبدأ المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة.

ثالثها: واقع حال مبدأ المواطنة في دولة عربية مختارة، يفضل (لكن ليس شرطا) أن تكون موطن الباحث. وعلى الباحث أن يتطرق هنا لمدى الاقتراب أو الابتعاد عن مبدأ المواطنة في النصوص الدستورية وقانون الجنسية وغيرها من القوانين المؤثرة، وذلك على اعتبار أن "المواطنة هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات العامة ". وبعد دراسة منطوق النصوص ينظر إلى التطبيق الفعلي لها على أرض الواقع في الدولة التي يقوم بدراستها، خاتمًا دراسته بما يراه من فرص وتحديات تواجه قبول مبدأ المواطنة باعتباره مصدر حقوق المواطنين ومناط واجباتهم.

وتشكلت في أواخر عام 2010 لجنة للإشراف على المسابقة التي أعلنت على موقع الجماعة العربية للديمقراطية www.arabsfordemocracy.org في مطلع عام 2011 مصادفة مع بداية التحركات العربية من أجل الديمقراطية. كما تم توزيع الدعوة للمشاركة على كل من استطعنا الوصول إليه من المعارف والمهتمين. وتكونت لجنة الإشراف من:

الدكتور عبدا لله الفقيه منسق المسابقة وأستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء؛

الدكتور عبد الفتاح ماضي عن الجماعة العربية للديمقراطية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الاسكندرية؛

الدكتور علي خليفه الكواري عن مشروع المدرسة العربية للبحوث والدراسات؛

وقد وضعت لجنة الإشراف نظام إدارة وتحكيم المسابقة ونشرته على موقع الجماعة (أنظر الملحق 2 ). وكلف بالتحكيم وكتابة تقرير بما يجب تداركه في الدراسات الفائزة قبل نشرها، من بين عدد  من الأساتذة المختصين الذين تطوعوا للقيام بالمهمة، كل من: الأستاذة الدكتورة صفاء الشويحات من الجامعة الألمانية الأردنية بالمملكة الأردنية الهاشمية، والأستاذ الدكتور فؤاد الصلاحي من جامعة صنعاء بالجمهورية اليمنية.

وفاز بالمركز الأول في المسابقة، بحسب نتائج التحكيم، الباحث الشاب منير مباركية عن دراسته "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر" والتي يضمها هذا الكتاب. وفازت الباحثة أسماء يوسف بالمركز الثاني عن دراستها حول المواطنة في مصر. وحجبت الجائزة الثالثة بسبب عدم تأهل أي من الدراسات المقدمة لنيل هذه الجائزة.

وجدير بالذكر أن عدد المتقدمين للمشاركة في المسابقة بلغ أكثر من عشرين مشاركة ومشارك من أكثر من عشر دول عربية،  قدم عشرة منهم مشروعات قبلت للمشاركة في التنافس على الجوائز. ولم يتمكن عدد من المشاركين من إكمال دراساتهم بسبب التحركات التي شهدتها عدد من الدول العربية مثل تونس ومصر واليمن وليبيا و سوريا والبحرين والأردن.

وإذا كان لي أن أبدي ملاحظة على مستوى المشروعات والدراسات التي قدمت للمشاركة في المسابقة، فإنني وأعضاء لجنة الاشراف فوجئنا بتدني مستوى البحث العلمي في المنطقة العربية واضطراب مفهومه. كما لاحظنا تشوه مفهوم المسابقات، حيث ينظر إليها البعض على أنها مجرد منافسة مع اخرين من أجل الفوز، دون التزام بالشروط المرجعية والمناهج العلمية الواجب إتباعها في البحث. وقد فوجئنا بوصول دراسات لا يتوفر فيها الحد الادنى من شروط البحث العلمي ناهيك عن كثرة القص واللصق والتلخيص الأمر الذي وضع على كاهل  لجنة الاشراف مهمة إضافية تمثلت في الأخذ بيد الباحثين ولفت نظرهم لأوجه القصور بهدف الارتقاء بالدراسات إلى مستوى الدراسات العلمية.

وقد كان لهذه الجهود الإضافية كما نأمل مردود على بعض الباحثين سواء من فازت دراساتهم أو من لم تكتمل شروط تقديمها للتحكيم، وتكون المسابقة في حال تحقق ذلك، قد ساهمت في نشر الاهتمام بمبدأ المواطنة في الدولة الديمقراطية ودراسة حالتها في الدول العربية لدى عدد من الباحثين الواعدين، وهذا هدف رئيسي من أهداف المسابقة. 

وفي الختام أتقدم بالشكر للأستاذ منير مباركية لما بذله من جهود متواصلة في التنقيح والمراجعة وفقا لمتطلبات المسابقة وكذلك وفقا لمتطلبات تحكيم الناشر، مركز دراسات الوحدة العربية الذي أخذ على عاتقه مشكورا نشر هذا الدراسة القيمة. والشكر موصول لكل من تقدم للمسابقة بدراسة أو  بمشروع دراسة واهتم بموضوع المواطنة.

ولا يفوتني ان أتقدم بالشكر والتقدير  للزملاء الدكتور عبدالله الفقيه  منسق المسابقة والدكتور عبد الفتاح ماضي على ما بذلوه من جهد متواصل ومضني لمدة عامين، وللزميلين المحكمين في دراسات المسابقة وهما الدكتورة صفاء الشويحات والدكتور فؤاد الصلاحي على تحكيمهما وما قدماه من ملاحظات قيمة للفائزين.

وأخص الزميل العزيز والصديق الوفي الدكتور عبد الناصر جابي بالشكر والتقدير على كتابته مقدمة الدراسة، و التي ربطت الدراسة بالإطار التاريخي لتكوين الشخصية الجزائرية ودعت مشكورة لمواصلة البحث في هذا الركن الرئيسي من أركان نظام الحكم الديمقراطي.

والله من وراء القصد.

       الدوحه 6-7-2013                              علي خليفه الكواري

 
مقدمة الدكتور عبدالناصر جابي

لكتاب "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر" للدكتور منير مباركية

في الوقت الذي كنت منكبا فيه على قراءة دراسة "منير مباركية" حول المواطنة في الجزائر، لانجاز المقدمة التي طلبها مني صديقي الدكتور على خليفة الكواري. في نفس هذا الوقت كنت مشغولا مع مجموعة من الأصدقاء بتصوير فيلم وثائقي حول الحركة الطلابية الجزائرية ومرحلة تأسيس الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين الذي ظهر للنور في جويلية 1955.

كان علي لإنجاز سيناريو هذا الفيلم القيام بقراءات متنوعة تتعلق بهذه الفترة، ليس حول الحركة الطلابية فقط بل حتى حول الحياة الثقافية والفكرية في الجزائر ودور مختلف النخب أثناء الحركة الوطنية. ما استرعى انتباهي فعلا وأنا أقوم بهذه القراءات أن الجزائريين، من دون المغاربة والتوانسة، كانوا الوحيدين الذين أصرٌوا على تسمية اتحادهم بالاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين، في حين اكتفى أشقاؤهم بإضافة الوطنية المغربية أو التونسية، لتسمية اتحادهم الوطني. علما بان طلبة الدول المغربية الثلاث كانوا لغاية هذه الفترة ينشطون في نفس الجمعية للدفاع عن مصالحهم كطلبة. فقد وحٌدت الرأسمالية، حتى وإن كانت بشكلها الكلونيالي، الحركة الطلابية المغاربية، في حين فرقٌتها الوطنيات، حتى قبل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية التي رسٌخت الخصوصيات الوطنية الضيقة على حساب الانتماء المغربي الأوسع.

إضافة صفة "إسلامية" في الجزائر التي لم تقتصر على اتحاد الطلبة، بل شملت النوادي الرياضية التي سميت بالمولودية، تيمنا بالمولد النبوي، والكشافة الإسلامية وغيرها من التنظيمات التي لجأت الحركة الوطنية بشكلها العصري إلى تشكيلها ابتداء من عشرينيات القرن الماضي.

يتبين بالعودة إلى النقاشات الفكرية التي شهدتها الساحة الطلابية والسياسية خلال فترة تأسيس الاتحاد أن الأمر لم يكن يعني الحركة الطلابية فقط، فقد كان يعني كل الحركة الوطنية الجزائرية وهي في مرحلة التأسيس. بل أكثر من ذلك فقد كان يعني التأسيس لمحتوى المواطنة في الجزائر المستقلة. فمعركة "الميم" كما سميت، التي أصرٌ من خلالها طلبة الحركة الوطنية الاستقلالية على إضافة صفة إسلامي إلى الاتحاد كانت في مواجهة تيارات فكرية أخرى كان على رأسها مناضلي التيار الشيوعي الذين كانوا يريدون كإستراتيجية للاستقواء بجزء من الطلبة، من أبناء المعمرين، بما فيها أقلية من اليهود للسيطرة على الاتحاد وهو قيد التأسيس، بحجة أن الاتحاد منظمة طلابية نقابية مفتوحة لكل من يُعرٌف نفسه بأنه جزائري، كان أوروبي الأصل أم من سكان الجزائر الأصليين من عرب وأمازيغ. وأنه ليس من المقبول أن يتم الإقصاء على أساس الدين والأصل العرقي في تشكيل اتحاد طلابي. موقف مبني على تعريف محدد للجزائر والجزائريين اشتهر به اليسار الفرنسي كان يرى فيها أمة في طور البناء مكونة من مجموعة من الأعراق والديانات. كان يفترض أن تبقى تحت الحماية وحتى الاستعمار لغاية تشكلها النهائي داخل الاتحاد الفرنسي.

على خلاف هذا الرأي كان موقف الطلبة الجزائريين، والذين كانوا يدرسون كلهم بالفرنسية في جامعة الجزائر والجامعات الفرنسية، بأن الشخصية الوطنية الجزائرية، وبالتالي المواطنة الجزائرية، لابد أن تبنى على العمق العربي والإسلامي باعتبارهما مكونات أساسية للهوية الوطنية الجزائرية وأن الجزائر كأمة كانت موجودة قبل الاحتلال بكل ما يميزها من ثقافة ودين ولغة وحدود...الخ وأن الاحتلال ليس إلا ظاهرة مؤقتة وحدث تاريخي آيل للزوال. وأن الأوروبيين المقيمين في إطار الظاهرة الاستعمارية بالجزائر سيبقون أجانب ومحتلين من وجهة نظر الشعب الجزائري.

صراع حسم لصالح هذه الرؤية التي انتصرت في نهاية الأمر بشكل ديمقراطي جدا عن طريق الصندوق ومن باريس بالذات التي تم فيها إعلان الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين في جويلية 1955. الاتحاد الذي لن ينخرط فيه إلا الطلبة المسلمين الجزائريين. الذين يقصد بهم في تلك الفترة الجزائريين الأصليين من عرب وأمازيغ وليس الأوروبيين. 

كان هذا التمهيد ضروريا لفهم ما يميٌز موضوع المواطنة في الجزائر الذي كان موضوع بحث منير مباركية. فمن دون العودة إلى فترة حرب التحرير وقبلها الحركة الوطنية لفهم خصوصيات الاستعمار الاستيطاني الطويل الذي تعرضت له الجزائر لا يمكن فهم ما يميز الطرح الجزائري من تميٌز وخصوصية عند الحديث عن موضوع المواطنة.

من بين الطلبة الذي دافعوا عن موقف فتح الاتحاد العام أمام كل طالب يصر على أنه جزائري ويتخذ مواقف مؤيدة للقضية الوطنية، كان الطالب "محمد حربي" المؤرخ المشهور فيما بعد والمناضل في صفوف الحركة الوطنية الاستقلالية بدءا من حزب الشعب لغاية جبهة التحرير، مرورا بحركة الانتصار. محمد حربي الذي كان شيوعيا في عين الوطنيين ووطنيا من وجهة نظر الشيوعيين، دافع عن موقفه حتى آخر لحظة مقتنعا أن الجزائر المستقلة لابد أن تبنى على المواطنة وليس على الانتماء الديني أو العرقي، وهو ما دافع عنه ثلاث عقود بعد هذه المحطة في كتابه المشهور "مواطنون أو مؤمنون"[1] الذي لم يعد إليه الباحث "منير مباركية" في دراسته هو وبعض المؤلفات الجديدة التي طرحت مسألة المواطنة من وجهة نظر الحركة الامازيغية، كما كان الحال مع الباحث ابراهيم صالحي،[2] مفضلا الاكتفاء بذكر رأي مالك بن نبي. الحركة الامازيغية التي كان من مطالبها الأساسية إعادة تعريف المواطنة الجزائرية من وجهة نظر ثقافية –لغوية، بدفاعها عن الثقافة واللغة الأمازيعية كمكون أساسي في تعريف المواطنة الجزائرية. مكون أنكره وحاربه جزء من الحركة الوطنية التي تبنت الدولة الوطنية فيما بعد مواقفها، متأثرة بالثقافة اليعقوبية الفرنسية التي ترفض كل تعددية مهما كانت.

وهو ما يعود بنا للقراءة التي قام بها منير مباركية للمواطنة في الحالة الفرنسية التي خصص لها الفصل الثاني من بحثه. نموذج ظهرت عليه الكثير من علامات الإعياء في الفترة الأخيرة، بعد ظهور موجة أفكار اليمين المتطرف التي وقفت في وجه مبدأ القبول بالمواطن المختلف حتى وإن كان فرنسيا منذ الجيل الثالث والرابع كما هو حال أبناء الجالية المغاربية والجزائرية تحديدا، من الذين شاركوا بقوة في بناء فرنسا ودافعوا عنها أيام الحروب والمحن.

النموذج الفرنسي للمواطنة الذي لازال مُصرا في عمقه على التشبث بالأصول المسيحية والأوربية البيضاء لأمة ذات تاريخ استعماري قديم، فتحت أبوابها في فترات تاريخية طويلة أمام أبناء المستعمرات من قارات وديانات مختلفة لأسباب اقتصادية عسكرية في المقام الأول، لكنها لا تريدهم الآن كمواطنين بكامل حقوق المواطنة، لأنهم أفارقة أو عرب أو مسلمين، مختلفين ثقافيا، على غرار أبناء منطقة القبائل من الجزائريين الذين يتواجدون في فرنسا قبل دخول عائلة الرئيس الفرنسي الأسبق "نيكولا ساركوزي" إلى هذا البلد وبمدة طويلة. عائلة ساركوزي المجرية اليهودية التي تبناها النموذج الفرنسي بعد "مقايضة " حول اسم العائلة المجري اليهودي الذي كان مطلوبا أن يتم فرنسته أكثر للقبول به. نفس النموذج الذي يرفض في المقابل قبول وإدماج أبناء المهاجرين الجزائريين إلا بشرط التخلي عن كل ما يمت بصلة لانتماءاتهم الأصلية كالاسم والدين والثقافة وطريقة اللباس وحتى لون البشرة الطبيعي.

إنها أزمة النموذج  الفرنسي للنظر إلى المواطنة والتعامل بها ومعها في الحياة اليومية التي لا تكفي القراءة الدستورية والقانونية لها، كما وسع في ذلك بشكل جيد منير، فما يمنحه القانون والدستور يمكن أن يلغيه أو تقلص منه الممارسات اليومية في مجتمعات تعرف موجة أزمات اقتصادية متتالية شحت فيها مصادر الرزق وزاد فيها الصراع على الثروة والمواقع الاجتماعية. وضعية سمحت بظهور حركات اجتماعية جديدة تعتمد على الأجيال الصغيرة من المواطنين الفرنسيين الذين نجدهم أكثر انفتاحا على الآخر وأكثر قبولا لتحديد شروط مواطنة أكثر اتساعا من الضيق الذي يظهر بين أبناء الطبقة السياسية والحزبية القديمة، وهي الديناميكية التي انتبهت لها دراسة منير مباركية في آخر الفصل الثاني الذي خصصه للحالة الفرنسية، عندما تكلم ... عن تآكل نظام الرعاية الاجتماعية والأزمة الاقتصادية كأسباب اقتصادية واجتماعية وتقوي تيارات اليمين المتطرف وألا تسامح الديني وظهور المواطنة الأوروبية كتحدي للمواطنة الفرنسية عليها أن تتعامل معه...

النموذج الفرنسي للمواطنة، ورغم كل عيوبه، لم يتم تبنيه في الجزائر بعد الاستقلال في أبعاده الدستورية والقانونية على وجه الخصوص إلا بعد أن افرغ من محتواه الليبرالي. فقد فضٌلت الجزائر الاعتماد على تعريف ديني –ثقافي للمواطنة يرتكز على صلة الدم حتى وهي تعيد العمل بكل القوانين الفرنسية بعد الاستقلال، إلا بما تعارض مع السيادة الوطنية كما جاء بالعبارة المشهورة عند الاستقلال، ليبقى الفرق الأساسي بين النموذجين الفرنسي والجزائري أن فرنسا تحولت مع الوقت إلى دولة قانون ومؤسسات عكس الجزائر التي لم تصل إلى هذه المرحلة، مما جعل الباحث يصف الأوضاع فيها على هذا النحو «... واقع المواطنة في الجزائر، لا هو واقعها في الدول الديمقراطية، ولا هو واقعها في الدول الاستبدادية والديكتاتورية، إنه ببساطة واقع المواطنة في الدولة العربية المتحولة نحو الديمقراطية بخطوات متثاقلة...».

واقع يحصل فيه أن يمنح الدستور والقانون الكثير من الحقوق فيها للمواطنين، لكنها تبقى حقوقا على الورق، لعدة أسباب منها ما هو متعلق بعدم نضج فكرة المواطنة أصلا عند "المواطن " كفرد في سلوكياته وكحركات سياسية واجتماعية شعبية، كانت كفيلة بتحويل هذه الحقوق المكتوبة إلى حقوق فعلية في الواقع المعاش كما حصل ذلك في مجتمعات ديمقراطيتها أكثر تكريسا كما هو حال فرنسا، وطالبت بالمزيد. متجاوزة في ذلك مؤسسات العمل الكلاسيكية كالحزب والنقابة بظهور حركات اجتماعية جديدة جندت فئات جديدة بكل الخصوصية التي تميز مطالبها الجديدة التي لم يتكلم عنها في الأصل الدستور والقانون، لكنه تكيف معها وشملها بعد عدة تعديلات.

في المقابل فإن التجربة الجزائرية للمواطنة لا يمكن فهم عيوبها وعدم التوازن بين الحقوق والواجبات فيها، أو حتى عمقها الذي اخذ بعدا اجتماعيا واقتصاديا، إلا بالعودة إلى نفس التاريخ السياسي الذي تكلمنا فيه مركزين على مرحلة الاستعمار وخصوصياته وما ميٌز الحركة الوطنية وثورة التحرير.

طوٌر "المواطن " الجزائري تاريخيا، خلال المرحلة الاستعمارية الطويلة، موقفا معاديا من الدولة الاستعمارية ظهرت خلال الفترة التركية وربما حتى قبلها ركزت في تعاملها مع هذا المواطن المتمرد على البعدين الجبائي والأمني. فالأتراك على سبيل المثال الذين استمروا لفترة طويلة في الجزائر –أكثر من ثلاث قرون 1554-1830 لم يكن يهمهم في نهاية الأمر بالجزائر إلا ما يحصلون منها على جباية في المقام الأول، مفضلين التعامل مع الشعب الجزائري معاملة أمنية في الأساس. مما طوٌر فكرة معاداة السلطة، ورفض مؤسسات الدولة التي تكاد تتحول إلى جزء أساسي من الثقافة السياسية الشعبية بدءا من هذه المرحلة التاريخية.

هذه الثقافة التي ترسٌخت وتحولت إلى قيمة مركزية في الثقافة السياسية الشعبية خلال الفترة الاستعمارية الطويلة (1830/1962). نتيجة الممارسات اليومية للإدارة الفرنسية التي انتكست عن كل القيم التي نادت بها فرنسا الديمقراطية وحقوق المواطنة نظريا. هذه التجربة الطويلة التي عاشها الجزائريون أثٌرت كثيرا في بلورة ثقافتهم السياسية ونظرتهم إلى المواطنة وممارستهم لها حتى بعد الاستقلال، فالكثير من الجزائريين لازالوا يتندرون عن تلك الممارسات التي برزت مباشرة بعد الاستقلال والتي يمكن تلخيصها في صورة المواطن الذي يرفض أن يدفع ثمن تذكرة الحافلة التي يستعملها بحجة أنه الآن يعيش في ظل الاستقلال بعد خروج المستعمر الفرنسي.

مواطن فهم المواطنة كحقوق ذات محتوى اقتصادي واجتماعي أساسا بعد أن عاش لفترة طويلة من الحرمان بسبب الظاهرة الاستعمارية. فأصبح يعتقد جازما أن من حقه الحصول على منصب عمل ومدرسة لأبنائه وطبيب لمرضاه ووو ... لأنه يعيش في دولة الاستقلال، دون أن يراعي دائما مسألة الواجبات التي يتطلبها توفير مثل هذه الحقوق –كما بينت ذلك دراسة مباركية - مما أثٌر سلبا على عملية التسيير الاقتصادي ككل خاصة عندما تعلق الأمر بالقطاع الاقتصادي العمومي التابع للدولة الذي طور مع الوقت ما سميته في إحدى الدراسات [3] "المواطن –العامل" عكس القطاع الخاص الذي أنتج "العامل –المواطن" الأكثر مراعاة لواجباته. هذا البعد الاقتصادي الاجتماعي للمواطنة في الجزائر الذي دعمه الطابع الريعي للاقتصاد المبني على دخل المحروقات بالطبع وأدى إلى فشل كبير في التجربة التنموية التي اعتمدت على الدولة كفاعل اقتصادي.

لا يمكن فهم أوجه القصور الكثيرة التي اعترت بروز مواطنة فعلية في الميادين السياسية، على وجه الخصوص في الجزائر، كتلك النقائص التي اعترت التمثيل السياسي وعدم جدية آلية الانتخابات في التعبير عن أراء المواطنين ومواقفهم وصعوبة التمثيل السياسي عن طريق العمل الحزبي الذي احتكر لفترة طويلة من قبل حزب واحد (1962/1988) والكثير من الممارسات السياسية المعادية للنهوض بالمواطنة الفعلية التي ذكرتها الدراسة، لا يمكن فهم كل هذا إلا بالعودة إلى ذلك العقد الذي بنيت عليه مرحلة ما بعد الاستقلال بين السلطة الجديدة والمواطن الجزائري الذي كان مطلوبا منه التنازل عن الكثير من حقوقه السياسية في مقابل تمتعه ببعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تم التركيز عليها كإحدى التجليات الأساسية للمواطنة الجماعية في الجزائر، عكس الحقوق السياسية التي تمت محاربتها والتقليل من شأنها باعتبارها حقوق فرد. نموذج كان اقرب لتجربة دول المعسكر الاشتراكي التي تبنت الجزائر الكثير مما يميزها من أحادية سياسية ودور اقتصادي للدولة وسياسة اجتماعية...الخ.

لتعيش الجزائر فترة طويلة ضمن هذا الصراع بين مواطنة –جماعية بمحتوى اقتصادي –اجتماعي تتمتع بالكثير من الشرعية عند المطالبة بها، بل يمكن حتى التفاوض والمطالبة بتوسيعها، مقابل مواطنة سياسية –فردية تمت محاربتها بحجة أنها جزء من نظرة برجوازية تارة، وغير متفقة مع القيم الجماعة الجزائرية تارة أخرى، أو أن وقتها لم يحن بعد، في نوع من المرحلية التي تعطي الأولوية للمحتوى الاقتصادي الاجتماعي للمواطنة الأكثر إلحاحا من الأبعاد السياسية التي يمكن أن تنتظر، بعد أن تلبى هذه المواطنة الاقتصادية والاجتماعية التي تتعامل مع الكم.

مرحلية هذه النظرة التي نجدها مجسدة في نوعية الحراك الذي يعرفه المجتمع الجزائري منذ سنوات. ففي الوقت الذي يزداد فيه حجم وأشكال الاحتجاج الاجتماعي من كل نوع، حول الكثير من المطالب، ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي التي يتبناها المواطنون في المدن الكبرى والأرياف، لازالت المطالب السياسية ذات حضور ضعيف ولا يوجد حولها نفس الإجماع الذي نجده عندما يتعلق الأمر بالمطالب الاقتصادية الاجتماعية التي تتمتع بشرعية كبيرة. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى نوع من المواجهة الفعلية أو المفتعلة بين حقوق "الشعب " الاقتصادية والاجتماعية التي يتم التعامل معها بإيجاب من قبل الدولة ومؤسساتها، وبين حقوق النخبة التي ترفض بحجة أنها لا تمثل الجزائر العميقة.

نفس المرحلية التي نجدها عند الحديث عن حقوق المرأة التي تم النظر إليها بهذه النظرة التي عبٌر عنها الخطاب السياسي والقانوني بأشكال مختلفة، فالمرأة الجزائرية من وجهة النظر هذه، يتمثل حقها الأول في الحصول على تعليم وربما شغل في مرحلة لاحقة، لتأتي بعدها الحقوق المدنية والسياسية كالتمثيل السياسي والحضور في الفضاء العام الذي لازال غير مقبولا تماما ولا يتمتع بالشرعية المطلوبة، مما قد يفسر العنف المتعدد الأشكال الذي تلاقيه المرأة عند خروجها للعمل والنشاط السياسي والنقابي الذي تكلمت عنه دراسة مباركية.

لدرجة أن إقرار نظام التمييز الايجابي دستوريا  في سنة 2008 كان تحت تأثير الأبعاد الدولية في المقام الأول وليس قناعة مترسخة[4] لدى صاحب القرار، لتسويق صورة مقبولة عن الجزائر دوليا ،دون نسيان الضغط الذي قامت به الحركة النسوية منذ سنوات. قوانين عادة ما يتم التلاعب بها عند التطبيق بأشكال مختلفة،نظرا للمقاومة التي لازالت تجدها داخل الكثير من المؤسسات –مثال الأحزاب السياسية- التي لازالت تحت سيطرة الثقافة الذكورية، مما يحيلنا إلى الأبعاد الثقافية العميقة التي لازالت تعيق تمتع المواطن الجزائري بمواطنته الكاملة خاصة عندما ترتبط بقراءة مبتورة للنص الديني.

هذه النظرة التي يمكن أن نستشف بعض آثارها في دراسة منير مباركية وهو يتحدث عن مواقف معادية تكون قد ظهرت بعد تعديل قانون الأسرة (2005)، صادرة عن قوى دينية واجتماعية محافظة في الجزائر، من دون أن يذكر مراجع تسند رأيها، اللهم ما درجت هذه النظرة المحافظة على ربطه بالمرأة عندما تحصل على بعض حقوقها التي تتحول إلى مصدر الكثير من الشرور حسب وجهة النظر هذه: «... أما عن التداعيات الواقعية لهذا القانون وتعديلاته، فإنها أثارت استياء الكثيرين من رجال الدين ومن فئات المجتمع الجزائري التي تدرك جيٌدا أن الحياة الزوجية لا تستقيم في ظل الإحساس بهذه المساواة المطلقة والتي لا تتناسب ليومنا هذا مع ثقافة المجتمع وديانته».

«وللأمانة، فإن حالات الطلاق تزايدت بشكل رهيب ومخيف بعد إصدار هذا القانون ودخوله حيز التنفيذ، كما انتشرت حالات الزواج العرفي، وحتى العزوف عن الزواج واللجوء إلى العلاقات غير الشرعية... وهي ممارسات ليست في صالح المرأة ذاتها، ما جعل بعض الخبراء يقولون أن "المرأة وقعت ضحية مطالبها المصطنعة والمستوردة، ومواجهتها لقيمها وقيم مجتمعها الأصلية"».

«...هذا إضافة إلى آثار أخرى من قبيل: إطالة فترة الخطوبة، والتي قد لا تنتهي بالزواج في غالب الأحيان، اغتياظ الرجال الذين أصبحوا أكثر قسوة تجاه المرأة من ذي قبل ، جرأة أكثر لدى المرأة مما فاقم من حدة الخلافات الزوجية وعقٌد مساعي الصلح.. ».

نتمنى في الأخير أن دراسة الباحث الشاب "منير مباركية" التي حصلت على المرتبة الأول في هذه المسابقة العربية، ستكون دعما لانطلاق فعلي للبحث العلمي في مجال العلوم السياسية في الجزائر والعالم العربي، بالتوفيق لمنير ومبروك...

                                                                       

الجزائر في: 1-7-2013
عبدالناصر جابي
 
خلاصة

كتاب "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة وحالة المواطنة في الجزائر" للدكتور منير مباركية

بقلم منير مباركية

 

 

مرفق الخلاصة في ملف PDF
 
------------------------------------
 
 
هوامش مقدمة الدكتور عبدالناصر جابي:

[1]-   Harbi mohamed , l Algérie et son destin , croyants ou citoyens , (paris : édition arcantere , 1992).

[2]- Mohammed brahim salhi , Algérie ,citoyenneté et identité , (tizi ouzou : éditions Achab , 2010).  

[3] - عبد الناصر جابي، الجزائر من الحركة العمالية إلى الحركات الاجتماعية، (الجزائر: المعهد الوطني للعمل، 2001).

[4] - حتى وهو يعلن عن التعديل الدستوري الذي يعطي للمرأة حق التمثيل السياسي –نوفمبر 2008- فان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد قايضه بإعادة النظر في المادة الدستورية التي كانت تمنعه من الترشح لأكثر من عهدتين. مما يمس جديا بالحق في التداول على السلطة وظهور إمكانية   بروز الرئيس مدى الحياة التي حد منها دستور 1996.

 

المواد المنسورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

 

تحميل المرفقات :
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة