You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>تعزيز المواطنة في البلدان التعددية في العالم العربي

التعايُش والتواصُل فـي المسـاواة والتنـوُّع

السبت، 30 أيلول/سبتمبر 2017 عدد القراءات 119 مرة
الكاتب  كمال عبد اللطيف

 

أعادت ظواهر الإرهاب والعنف في العالم المعاصر، سؤال التعايُش بين الأفراد والجماعات إلى دوائر الجدل السياسي والثقافي في العالم أجمع. ففي الأحداث الإرهابية التي تنفجر كل يوم في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب، نتبيَّن ملامح التربُّص والتخندُق وقد عادا إلى الظهور بأشكال وصور مختلفة، الأمر الذي حوَّل المجتمعات إلى مَعْقِل للخوف وعدم الأمان. 

وإذا كان من المؤكد أن الحروب المتواصلة في العالم، تتخذ اليوم صوراً جديدة مختلفة عن أنماط الحروب التي مرّت في التاريخ، فإن من المؤكد أيضاً، أننا نعيش اليوم أنماطاً من المواجهات الحربية، تستعمل فيها وسائط عديدة أبرزها فزَّاعة الإرهاب، حيث تُمارس انفجارات بالوكالة، مُخَلِّفَةً عشرات القتلى ومئات الجرحى، إضافة إلى آلاف المهجَّرين والخائفين والمغرَّر بهم، الأمر الذي يُنتج أشكالاً من الحقد بين المجتمعات، يترتَّب عنها استبعاد إمكانية التواصل والتعايُش. فينبعث التمييز العنصري والكراهية مُعَزَّزَين بلغة القطع واليقين المعادية لمنطق التاريخ، لغة المواجهة بين الإسلام والغرب، بين الأعراق والألوان والهويّات، وهي لغات تستنجد بقيم وقواعد ومفردات مُعادية للتعايُش والحوار، ومُخاصمة لروح التعاون والتضامن، أي مُعادية لكل القيم الضامنة للاستقرار في المجتمع الواحد وبين المجتمعات. 

لنتأمَّل أوضاع ساكنة المدن الفرنسية اليوم من العرب المسلمين، وسط الوقائع الإرهابية التي عمّت مدناً فرنسية عديدة، ولنتأمَّل أيضاً حالة المهجَّرين من بؤر الحروب في المشرق العربي، ففي أوضاع من أشرنا إليهم على سبيل التمثيل تسود صُور من الريبة والخوف. ويصبح المجتمع بمثابة فضاء لتوقُّع أبشع أشكال القتل والحرق، بدل أن يكون إطاراً للتعارف والتعاون والتآزر. 

يقتضي العيش المشترك في المجتمع الواحد الانتصار لقيم المجتمع المنفتح على التنوُّع والتعدُّد، تنوُّع الثقافات وتعدُّد العقائد، كما يقتضي ضرورة الإيمان بالمساواة رغم الاختلافات العديدة القائمة بين أفراد ومجموعات التنظيم الاجتماعي. ولا شك في أن مختلف المبادئ والقيم التي أشرنا إليها، تعبِّر عن شكل من أشكال تطوُّر المجتمعات البشرية في العالم الحديث. 

إذا كنا نعرف أن عمليات التَّعَوْلُم الجارية في عالم اليوم، تدعمها بصورة قوية آليات التطوُّر الحاصل في تقنيات التواصل الافتراضي بوسائطها التقنية الجديدة، أدركنا أهمية تطوير آليات وأنظمة الاندماج في عالم تتقلص المسافات بين فضاءاته، في الوقت الذي تتضاعف فيه بين مكوِّناته أخلاق التَّنافُر والتَّنَابُذ. فكيف نعيد الاعتبار لمبدأ التعايُش الثقافي والحضاري دون إقصاء مبدأ الاختلاف والتنوُّع، أي دون جعل التنميط القسري بديلاً لمآثر التنوُّع والتعدُّد في المجال الثقافي؟

نُفكّر في موضوع التعايُش الثقافي انطلاقاً من مقدّمة كبرى، نقرّ فيها بأنه لا حديث عن عيش مشترك وعن تواصل متفاعل مع الآخر والآخرين دون اختلاف وتعدُّد في وجهات النظر، في كل ما يجري بيننا وما يجري في العالم من حولنا، فنحن نفترض أن فهم وتعقُّل مختلف أوجه الحياة لا يمكن أن يحصل بطريقة واحدة. كما نفترض أن الحوار الناشئ في قلب المجتمعات، يتيح إمكانية تقريب وتجسير الفجوات والاختلافات التي تنشأ بين الذين يتقاسمون الحياة في المجتمع الواحد والكوكب الواحد. 

ينتج عن المقدّمة السابقة مقدّمة أخرى مفادها، أنه لا تعايُش ولا تواصُل دون تسليم بالنديّة والتكافؤ بين من يجمعهم مصير مشترك، والمقدمتان معاً تعتبران من القواعد الكبرى المؤسِّسة لروح الفكر والثّقافة في المجتمعات الحديثة. صحيح أن الاختلاف بين البشر قديم، وأن منظومات الفكر والثّقافة والتعاون في التاريخ رُكِّبََت في إطاره، وصحيح أيضاً أن أفق المساواة شَكَّل ويشكّل بؤرة ناظمة لتطلعات وأحلام البشر في التاريخ، إلّا أن حديثنا هنا عن هذه المقدمات يرتبط بفضاء التحديث السياسي والثقافي المطلوبين في مجتمعاتنا، حيث أصبح مبدأ الاختلاف ومبدأ التكافؤ بمثابة الأسين الناظمين لكل مشروع ثقافي، وأصبحت قوة النماذج الثّقافيّة تستند أولاً وقبل كل شيء، إلى الجدارة المعرفية والتاريخية التي تؤهلها لتكون مقنعة وفاعلة داخل المجتمع، دون إغفال فضائل منتوج التفاعل الحاصل بفعل التساكن ومقتضيات العيش المشترك. 

العيش المشترك وضرورة الاعتراف المتبادل

لو اتّجهنا للبحث في مبرِّرات أزمة التعايُش الثقافي القائمة داخل المجتمعات، لاكتشفنا أن وراءها سلاسل من الأوهام المعادية للاعتراف المتبادل، الاعتراف التاريخي والموضوعي الذي يُشكل في نظرنا الخطوة الأساس في كل حوار يُمَهِّد لإنجاز التوافقات المساعدة على حسن التصرُّف، أي المساعدة على بناء الخيارات المطابقة لواقع الحال في تعدُّده وتناقضه، في توتُّره واختلافه، من أجل إنتاج ما يساعد على تخطي العناصر التي تعوق بناء حاضر ومستقبل مشترك، حاضر يستند إلى الطموحات الجامعة بين كل الأطراف التي يهمها مصير الإنسانية في التاريخ. 

تقف في نظرنا، ثلاثة أوهام كبرى وراء المفاهيم المؤجِّجة اليوم في العالم، أوهام عقائديّة وأوهام نفسيّة وثالثة سياسيّة. تتمثَّل الأوهام العقائدية في التصوُّرات والأفكار التي تحوِّل المذاهب والعقائد إلى دوغمائيات صنمية، حيث يتم استبعاد التاريخ وتحويل الأفكار إلى نماذج نظرية مُغلقة، نماذج نُخاصِم العالم بواسطتها وانطلاقاً منها، وهذا الموقف يحوّل العقائد من أدوات مساعدة على الفهم والإدراك والتعقُّل، إلى أدوات مُرْبِكَة لآليات الفهم والتواصل والتعايُش؛ حيث نُصبح أمام مواقف تستبعد كما قلنا لغة التاريخ، لمصلحة لغات أخرى تحتفي بالمطلقات وتُعادي التاريخ. يعني استبعاد لغة التاريخ والفكر التاريخي استبعاد لغة النقد والنسبية، وهما من أكبر مكاسب التاريخ الحديث والمعاصر. 

نتعلّم من دروس الفكر المعاصر في الفلسفة والعلم، أن التعايُش الثّقافي المؤسَّس في إطار العيش المشترك يُساهم في تطوير منظومات الفكر كما يساهم في تطوّر المجتمعات البشرية. كما نتعلَّم من الدروس المذكورة، أن مشروع الثّقافة الكونية التي يتطلَّع إليها الجميع عبارة عن مشروع في التعدُّد والاختلاف، مشروع في احتضان النقد والفكر النقدي وبصورة متواصلة، وتُعَدُّ مكاسبها ومنجزاتها محصلةً لتاريخ من التعايُش المشترك، وأن مستقبلها مرهونٌ بانخراط الجميع في إعادة تأسيسها في ضوء ما يعرفه العالم من تحوُّلات ومآزق. 

إن كل حديث عن ثقافة غربية تخصّ مجموعة بشريّة بعينها يُعَدُّ في نظرنا مجرد حديث في الأعراق والأصول الأسطورية، أي مجرد حديث لا علاقة له بالتاريخ الفعلي، وهو تاريخ مفتوح ومتعدّد. كما أن الحديث عن الإسلام والحضارة الإسلامية بلغة الدوغما المغلقة والنص المعياري المطلق يندرج ضمن الأفق نفسه، أفق اليقينيات القطعية والنقية، وهو الأمر الذي تكذبه شواهد التاريخ، حيث لا يشكل الإسلام المعياري أكثر من يوتوبيا موازية في التاريخ للإسلام التاريخي، الإسلام كما نشأ وتطوَّر وما فتئ يتطوّر في التاريخ. ومقابل التقليص من حضور المطلقات العقائدية أثناء الحديث في المجال الثقافي، ينبغي أن نُولِيَ عناية كبيرة بمفهوم المثاقفة وأدوارها في التاريخ وفي التقدُّم. 

أما الأوهام النفسيّة فتتمثَّل في نظرنا في المحن والأزمات المرتبطة بوعي الفارق، وعي الأقوياء بقوتهم ووعي المتأخرين بتأخرهم، وهذا الأمر يولِّد في النفوس كثيراً من الضغائن والأحقاد المتبادلة. إلّا أننا نرى أن الإدراك الموضوعي والتاريخي لمظاهر القوة والتأخر، يتيح لنا إمكانية التفكير في كيفيات تقليص درجات التوتر، وبناء ما يسعف بترتيب علاقات تاريخية أكثر توازناً، وفي هذه الحالة تكون الأطراف المعنية بالعيش المشترك مطالبة باستحضار مطلب التفكير بالقيم والمفاهيم النسبية والتاريخية، أي المفاهيم القادرة على بناء توافقات يكون بإمكانها بلورة خيارات ومواثيق مساعدة على تقليل حِدّة التوترات، وتقليص درجات الغليان المولِّد لأشكال من الانفجار بعضها حصل وبعضها الآخر ممكن الحصول، وهو ما يعني المزيد من المساهمة في تكريس التنافر والتباعد القائمين. 

أما الأوهام النفسيّة فيترتَّب عنها مجموعة من الضغوط التي لا تسمح بالتعايُش الثقافي، ولن نتمكّن من تفتيت الضغوط السائدة إلّا بتركيب مفاهيم قادرةٍ على إنجاز التواصل المساعد على بلورة ممكنات التوافق التاريخي، الذي يجعل الجميع يشتركون في صناعة ثقافة المستقبل. 

يُمكن تعيين الأوهام السياسيّة القائمة في الخلط بين مستويات الاختلاف والتناقُض، المنتشرة بين المجموعات الثّقافيّة والسياسيّة في العالم المعاصر، وهي المجموعات التي تندرج جميعها في فضاء التعايُش المطلوب في عالمنا، وهو اختلاف مشروع ومُبرَّر، بين إرادة في الهيمنة تروم تنميط العالم وفق تصوُّر واحد، دون مراعاة القيمة التاريخيّة للتنوُّع والتعدُّد الثقافي في التاريخ. فإذا كان من المؤكد تاريخياً وجود صراعات ومعارك سياسيّة متعدّدة في العالم، صراعات في أكثر من جبهة وجهة، فإن هذه المعارك ينبغي ألّا تتحوّل إلى معارك متجاوزة لحدود معطياتها التاريخية المحدَّدة لتصنع أعداء مفترضين لثقافة وحضارات يملكها الجميع. 

نعم هناك خلافات سياسية عنيفة بيننا وبين الغرب الأوروبي والأميركي، وهي خلافات ترتبط بقضايا مُحدَّدة في الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد وتدبير العلاقات والمصالح المشتركة، إلّا أنه لا ينبغي التفكير في هذه الخلافات خارج سقفها العياني والمحدَّد، وهو السقف الذي تُعَيِّن معاييره الضابطة آليات المنافع والمصالح التاريخية والمادية. أما المساعي التي تتجه لابتكار أسماء ومفاهيم لا علاقة لها بمسارات الصراع القائمة، فإنها تساهم كما قلنا في كثير من الأحيان في صناعة أعداء بمقاسات أخطر مما يتصوَّر المساهمون في تركيب هذه الصوَّر، فقد تنطلي الصور المركَّبة على مبتكريها وعلى المنسوبة إليهم، فتتحوَّل السيناريوهات المفترضة إلى وقائع، حيث يصبح الاختلاط سيد المواقف والمواقع. وقد يترتب عن هذا الأمر جملة من الأمور غير المتوقّعة، لهذا السبب يكون من الضروري في خطابات فهم وتعقُّل الظواهر السياسيّة والتاريخيّة، التمييز في المعارك بين المعطيات في مستوياتها القريبة والبعيدة، حتى لا تنفلت الوقائع واللّغات، وتتحوّل المفاهيم إلى أدوات حربية، يصعب الحدّ من مفعولها في المدى الزمني القريب، وهو الأمر الذي يقتضي مزيداً من الحذر عند محاولة فهم معطيات التاريخ في أبعادها المختلفة.

 

المصدر: مجلة الدوحة

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة