الهوية العربية الجامعة حلاً للانقسامات

الأحد، 01 تشرين1/أكتوير 2017 عدد القراءات 121 مرة
الكاتب  فارس الجربوع

 

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الدول العربية إلى ما هي عليه اليوم تسعى لتقسيم الحدود فقط، بل كانت في هذا  تسعى إلى تقسيم العرب على أُسس هوياتية ليمهَد هذا التقسيم الهوياتي الطريق أمام أي مشروع استعماري أو أي مشروع احتلال، ويكون أيضاً طريقاَ ممهداً أمام أي مشروع لتقسيم اَخر في المنطقة العربية.

تمر منطقتنا العربية في أصعب مراحلها وأخطرها منذُ قرون، فالحروب والنزاعات المسلحة والاضطرابات السياسية لاتكاد تختفي من أي بلد عربي. ولهذا، فإن منطقتنا العربية تعتبر أرضا خصبة منذ فترة طويلة لمثل هذه الاضطرابات والنزاعات المسلحة، ولهذا الأمر عدة أسباب أهمها: تغليب الهوية الفرعية على الهوية العربية الجامعة، والذي نتج عنه انكفاء قُطري حاد ساهم في وجود انقسام مجتمعي وسياسي عربي.

قبل البدأ في الحديث عن الانقسام المجتمعي والسياسي في العالم العربي، علينا أن نؤكد هنا أن هذا الانقسام الذي نشاهده اليوم في دولنا العربية أثبت فشل تغليب الهويات الفرعية على حساب الهوية العربية الجامعة، بمعنى أنه لو كان لهذه الهويات الفرعية واقع يرى فيه المواطن العربي نفسه من خلالها لما حدث هذا النوع من الانقسام منذ اليوم الأول الذي اختارت فيه بعض الدول العربية تقديم نفسها عبر هذه الهويات.

أولاً، من المهم أن ذكر هنا أن الانقسام المجتمعي لايقل خطورة عن الانقسام السياسي بشكله الموجود الاَن. وبالطبع ليست كل الدول العربية مهدده بالانقسامات السياسية ولكن الأغلب منها يعاني من انقسامات مجتمعية كبيرة، أدَت وتؤدي إلى تفكك المجتمع العربي حتى من داخل القُطر الواحد.

ويُعد تغليب الهويات الفرعية على الهوية العربية الرئيسة أحد أهم الأسباب التي أسهمت في نمو مثل هذا النوع من الانقسام في الدول العربية. فمثلاً في بلد عربي كتونس، والتي تعتبر في مأمن من الانقسامات السياسية إلى حدٍ ما نجد أنها تعاني بشكل كبير من هذا الانقسام المجتمعي بشكل حاد، حتى إنه أصبح يهدد عملية التحول الديمقراطي هناك.

ومن الضروري هنا معرفة أن الانقسام المجتمعي يتشكل من خلال غياب العدالة بين مكونات المجتمع، ويغذيه غياب  الهوية الجامعة لهذه الطبقات. فهنا تتحول الوحدة المجتمعية من وحدة قائمة على أُسس مشتركة في المصالح والأهداف إلى وحدات منفصله داخل سياق مجتمعي ضيق بأهداف خاصة ومصالح لا يمكن أن تلتقي مع أي أطراف أخرى، ومنها على سبيل المثال: الانقسام المذهبي، الانقسام القبلي والانقسام المناطقي. هذه الوحدات المنقسمه صنعت لنفسها هويات خاصة لا تُعبر إلا عنها، قاطعة بذلك الطريق على أي مصلحة مجتمعية قد يلتقي بها الكل، وأعني بذلك نمو الفكرة القائلة بأن كل ما فيه نفع للجميع هو بالضرورة أمر مُضر لمصالحنا كفرق منقسمه، لأنه في النهاية يعزز من سلطة هذه الفرقة أو تلك.

أما على الجهة الأخرى، فإن هذا التغليب للهويات الفرعية أفضى إلى حالة من الانقسام السياسي داخل أغلب الأقطار العربية، سواءً على الصعيد الداخلي أو حتى الصعيد الخارجي. فعلى الصعيد الداخلي مثلاً، نستطيع أن نلاحظ كيف تحول دور الأحزاب السياسية من الرقابة على أداء الحكومة، التي لا تشارك فيها هذه الأحزاب، إلى دور اَخر وهو السعي إلى المحاصصة السياسية على أساس هذه الهويات الفرعية التي تنتمي لها، وبهذا تخلت هذه الأحزاب عن دورها المناط بها وهو ضمان أداء حكومي يخدم الجميع.

وأيضاً، دفع هذا النوع من الانقسام الحزب السياسي الذي يتولى السلطة إلى قيادة البلاد من منظور مصلحة الحزب لا مصلحة الشعوب، فغياب الهوية الجامعة هنا، والتي من المفترض أن تكون هي الغطاء الذي تتحرك من خلاله الأحزاب السياسية، أثر في دور الأحزاب لتغلب عليه النزعة الانعزالية عن المحيط الفعلي التي تأسست لخدمته، فأصبحت تعبر عن مصالح مجموعة صغيرة جداً ضمن محيط منقسم على نفسه.

ومن هذا المنطلق، لم يصبح للأحزاب السياسية دور فعال في حماية مصالح الشعب ككل ومصالح الدولة لأنها ببساطة تحولت في دورها من حزب سياسي إلى تنظيم ديني وقومي ومناطقي لا يعبر إلا عن من هو داخل إطار هذا المحيط. وبالطبع، مثل هذا الانقسام السياسي الداخلي يؤثر بشكل مباشر في عرقلة تقدم الدولة تجاه أي خطوة للأمام.

على الصعيد آخر، فإن تغليب الهوية الفرعية على حساب الهوية العربية الجامعة إدى إلى انقسام السياسة الخارجية للدول العربية فيما بينها، فنلاحظ هنا أن الخلاف أصبح سمة من سمات السياسة الخارجية العربية تجاه أي قضية في هذا العالم.

وحتى على مستوى القضايا العربية، فهناك انقسامات كبيرة تجاه بعض القضايا الرئيسية، كالقضية السورية والليبية والعراقية أيضاً. وهذه الاختلافات التي صنعتها هذه الهويات الفرعية جعلت من بعض الدول العربية تتحرك خارجياً بشكل فردي، ويُصاحب تحركها هذا قلق سياسي من الدول العربية الأخرى بسبب هذا الانقسام، فأصبح أي تحرك لهذه الدولة أو تلك هو بالضرورة تحرك يحمل أطماعا سياسية تتعارض مع دول عربية أخرى، مما نتج عنه توجه الدول العربية إلى بناء شبكة تحالفات أخرى خارج نطاق هذه المنطقة، وهي تحالفات بالضرورة لا تُعنى بالمصلحة العربية بشكل عام. هذه الإختلافات والتحركات الفردية للدول العربية عرَضها للاختراق بسهولة من قبل قوى إقليمية وقوى دولية في آن معا، وكل هذا باسم الحماية والدعم.

بعد مرور الكثير من الوقت على هذه الانقسامات، أصبح من المهم معرفة أن أي تحرك خارج نطاق الهوية العربية هو بالتأكيد أمر يزيد من حالة الانقسام العربي. فتغليب الهويات الفرعية هنا كان أحد أهم أسباب فشل السياسة الداخلية والخارجية للدول العربية، وهو ما حولها إلى مجموعات منقسمة على بعضها لا تملك مصالح مشتركة ولا رؤية واحدة تستطيع التحرك من خلالها، وهو ما ساهمم بشكل مباشر في ظهور دول عربية متهالكة.

 

المصدر: إيوان 24

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة