You are here:الرئيسية>اتصل بنا>اتصل بنا - الجماعة العربية للديمقراطية

نص كتاب: حمد بن صنيتان، النخب السعودية: دراسة في التحولات والإخفاقات

السبت، 06 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1620 مرة
حمد بن صنيتان
 
 

يدرس الكتاب مكوّنات النّخب السعودية ميدانياً، ويحاول تشخيص الأسباب التي حدّدت فاعليّتها، وأعاقت أداءها لجملة وظائفها الرياديّة، وفي جملتها المساهمة من موقع متقدم في التحديث الاجتماعي والسياسي الحقيقي بما يدعم المواطنة والمشاركة السياسيّة الواسعة، والعدالة الاجتماعيّة.


لقد استطاع المجتمع السعودي أن يفرز نخباً كان وراءها بالأساس متغير التعليم، ومتغير النفط والإرادة السياسيّة، وتشير أهم نتائج الدراسة في الكتاب إلى أن هذه النّخب لم تفلح في أن تكون رياديّة، بل هي عامل يغذي أحياناً الثنائيات القديمة، ونزعات التفاخر الإقليمي أو المناطقي، والمفاضلة بين البدو والحضر، مع ما للاستتباعات الخطيرة التي غذاها النفط، كالسلوك الاستهلاكي، والبذخ التفاخري، وعلاقات السمسرة والمحسوبيّة من أثر حاسم.


غير أن العقد الأخير بما تضمنه من حرب الخليج وضغوطاتها وتبعاتها الاقتصاديّة والماليّة والسياسيّة، وما يحدث في دول الجوار من تحوّلات قد تدفع هذه النّخب إلى مراجعة مقولاتها وسلوكها.

نظريّة النّخبة
تعود بداية مفهوم النخبة إلى أعمال الفيلسوف اليوناني أفلاطون، عندما تكلم عن ضرورة أن يحكم المجتمع جماعة من الأفراد النابهين، وقد اتّخذت كلمة النخبة في القرن السابع عشر لوصف السلع ذات النوعيّة الممتازة، أما أقدم استخدام في اللغة الإنجليزيّة لكلمة "النخبة" فكان في عام 1823 حينما كانت تنطبق بالفعل على الجماعات الاجتماعيّة.
أما عن انغلاق النخبة وانفتاحها فإن (موسكا) يرى أن الدول الديموقراطية تتميز نخبها بالانفتاح، لأن الحركة بين المستويات الاجتماعيّة يمثل أعظم خاصية للمجتمعات الرأسماليّة الحديثة.
وقد حدّدت اتجاهات دراسة النخبة بالاتجاه التنظيمي ويمثله (موسكا)، ويذهب هذا الاتجاه إلى أن النخبة تمتلك القوة لقدراتها التنظيميّة في تقدير مصادر القوة في المجتمع، والاتجاه

السيكولوجي، وتمثله كتابات (باريتو) الذي اعتبر النخبة نتاج الخصائص الإنسانيّة الثابتة غير التاريخية، والاتجاه الاقتصادي ويمثله (بيرنهام) الذي يؤكد فيه أن النظام الرأسمالي سيتحول تدريجياً إلى مجتمع تسيطر عليه نخبة إدارية تتولى شؤونه الاقتصاديّة والسياسيّة، والاتجاه النظامي والذي يمثله (ميلز)، الذي يرى أن مكانة النخبة وبناءها لا يتوقفان على مواهب الأفراد، ولكن يتحدّد في ضوء البناء الاجتماعي الاقتصادي لمجتمع معيّن.


وقد حدد الدارسون سمات النخبة في الملاحظة التاريخيّة لتحديد من يمكن أن يندرج في إطار النّخبة، وتشخيص المناصب الرئيسة في المجتمع ودراسة صناعة القرار؛ فمن يشارك في صنع القرار هو بالضرورة من أعضاء النّخبة، والخلفيّة الاجتماعيّة سواء الطبقيّة أو الدينيّة أو التعليميّة... الخ والسلوك الاجتماعي السياسي، والقيم التي يتبنّوْنها ابتداء من القيم السياسيّة حتى معيشتهم الخاصة.

مكونات النّخب السعوديّة:
النخبة الوزارية: "مجلس الوزراء"
هو أعلى جهاز تنظيمي تنفيذي إداري في المملكة العربيّة السعوديّة، أنشئ في عهد الملك عبد العزيز، وقد بدأ بست وزارات هي: الخارجيّة، والداخليّة، والماليّة، والدفاع والطيران، والصحة، والمواصلات، وانتهى بثلاث وعشرين وزارة، ورئيس المجلس هو الملك، ويُشترط في الوزير أن يكون سعوديّ الأصل والمنشأ، ويتولى الملك اختيار الوزير وتعيينه وعزله.


تتميّز النخبة الوزاريّة ببعض السمات، مثل: القاعدة في تعيين الوزراء هي الولاء والثقة، وليست بالضرورة دوماً الكفاءة ومعظم الوزراء -ولا سيما في عهد الملك خالد حتى الآن- هم شباب ومؤهّلون تأهيلاً علمياً، وتتسم ممارسة الوزراء لمهامهم الفرديّة ؛ إذ يندر الاعتماد على فريق مستشارين يساعدونهم على صنع القرار، وتمتاز في ووجود فراغ "مؤسساتي" داخل الوزارات لضعف التقنيين الإداري؛ فالهياكل الإداريّة ما زالت ضعيفة وغير فاعلة، كذلك السمة العائليّة للنخبة؛ إذ يمكن أن يوجد في جلسة مجلس الوزراء أخوان وزراء أو أعضاء في المجلس، وقد يوجد ثلاثة أو أربعة أبناء عمومة.


أما بالنسبة لحراك النخبة الوزاريّة وانغلاقها فأوضحت الدراسة أن الذين استمروا في عضويّة مجلس الوزراء من عشر إلى سبع سنوات إلى سبع وأربعين سنة كانوا اثنين وثلاثين وزيراً من (105) وزارات أي نسبة 30%، والذين شغلوا المناصب لمدة أربع سنوات، وهي المدة المحدّدة لمجلس الوزارة قد بلغ 14%، ومما يؤكد انغلاق النّخبة الوزاريّة بلغ عمر المجلس (47) في (105) وزير، وفي عهد الملك خالد وما بعده أُعطي لأصحاب المؤهلات العليا أهمية في التنصيب؛ فبلغت نسبة التأهيل العالي ما نسبته55% من مجموع عمر الوزارة، وهم ينتمون إلى الطبقة العليا والوسطى؛ لأنهم قبل توليهم كانت لهم مناصب عليا في التدرّج الوظيفي.


تكاد تحتكر مناطق معينة الحقائب الوزارية؛ فنسبة الرياض والمناطق التابعة لها مثل سدير والوشم وغيرها يمثلون 40% من كامل الحقائب الوزارية، بالإضافة إلى رئيس الوزراء وخمسة وزراء من الأسرة المالكة، حتى الإقليم نفسه لا يشارك بكامله حيث توجد مناطق ليس لها جهد يذكر في عملية التأسيس، ثم يأتي بعد ذلك مناطق الحجاز فمكة وجدة والمدينة يتحدر منها ما نسبته 31%، في حين بقية المناطق لا يتحدّر منها أي وزير، أما مناطق القصيم فشكلت نسبة18% والمنطقة الشرقية شكلت 6%.


أما السمات السلوكيّة والسياسيّة للنخب الوزارية فبدأ يظهر على مستوى النخبة التملّق والانتهازيّة والوصوليّة؛ فالنفاق السياسي والاجتماعي أصبح ظاهرة تسود معظم فئات الشعب، كما ظهر فيما تعارف عليه المجتمع السعودي بظاهرة"الطفرة".


وفي المملكة العربية السعودية يرأس الملك الجهاز التنفيذي بأكمله سياسياً وإدارياً، وهو القائد الأعلى لعموم القوات المسلحة، وخادم الحرمين الشريفين، وله صلاحيات واسعة كتحديد صلاة الاستقساء، وإعلان رمضان والأضحى وصلاة القنوت والخوف، وله صلاحية السلطة التشريعيّة، وتعيين القضاة وكبار العلماء، وأعضاء مجلس والوزراء؛ فكل الصلاحيات تسمح للمك بممارسة الرقابة مطلقة لمختلف الأنشطة التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة فيما يتعلق بالتعيين والعزل.


وعادة ما يتم اختيار الوزراء من خلال شبكات غير رسميّة، ويكون للمجلس العائلي دور فاعل وقويّ، كما تخضع علاقات المنفعة المتبادلة في تجنيد أفراد النخبة.

النخبة الاستشارية:
تُعدّ مهام مجلس الشورى شوريّة من خلال إعطاء مشورته للأنظمة التي تُحال إليه، فهو لا يراقب أعضاء الحكومة بل يستمع إلى رأيه في الاختبارات المطروحة من قبل الحكومة ذاتها.
إذ إن الغالبية من أعضاء المجلس هم من متوسطي الأعمار، وقد حققوا نسبة 88%، ومن خلال السيرة الذاتية لأعضاء المجلس تبين أن معظمهم يحملون درجات عليا، وتكون مؤهلاتهم من الدرجة الجامعية فأعلى. وتميز مجلس الشورى وهو أحدث الأجهزة بارتفاع مستوى تعليم أعضائه؛ فالذين يتحدثون اللغة الإنجليزية ولغات أخرى قد بلغ نسبتهم9% والذين لا يتحدثون إلا العربية كانت 13%، وبلغت نسبة من يتحدثون العربية والإنجليزية 72%. وقد توزعت تخصصات المجلس بين الشريعة والهندسة والإعلام والقانون والاقتصاد والتربية، وهذا التنوّع في التخصصات يعطي المجلس القدرة على مواجهة قضايا المجتمع، ويمكّن المجلس من استشراف رغبات المجتمع.


أما التوزيع الجغرافي لأعضاء المجلس فقد حظيت نجد مع الرياض والقصيم بنسبة50%، والحجاز 29%، والجنوب عسير ونجران الباحة ما نسبته 7%، والمنطقة الشرقيّة 10%، والقبائل 6% ، وفيما يتعلق بالنخبة الاستشاريّة ينسحب على بقية النخب بأن نمط العلاقة التي تربط الملك ببقية الوزراء وكبار موظفي الدولة ومجلس الشورى وباقي المؤسسات المدنيّة والعسكريّة تقوم على الاختيار الذي يعتمد على الولاء أساساً ثم الكفاءة والمعايير أخرى.

النخبة المشايخية:
يمكن تعريف العلماء"المشايخ" من خلال امتلاكهم لوجاهة تستند إلى المعارف الدقيقة والواسعة في مجال مسائل الشريعة والعقيدة، وأيضاً من خلال التبليغ الذي يمارس فيه الشيخ نشاطه من خلال الخطب وشرح العقيدة للناس وتعليم الناشئة العلم الشرعي، ويُعدّ المشايخ هم النخبة المثقفة في مجتمع المسلمين إلى حدود قيام العلوم الحديثة، والعلماء المشايخ مؤهلون لتفسير كتاب الله، ومقصودون للفتوى، وقد خُصصت لهم مؤسسات تعليميّة تُعنى بتخريجهم.


ويمكن تصنيف المشايخ وفقا للهرم الإداري إلى دار الإفتاء ويرأسها المفتي العام، وهيئة كبار العلماء ومجلس القضاء الأعلى ومحاكم التمييز، ورؤساء المحاكم، والقضاة في المحاكم وديوان المظالم، وأئمة المساجد، والمؤذنون، وخدم المساجد.


بالنسبة لعلاقة المشايخ بالسلطة استثمرت هذه العلاقة منذ عهد الملك عبد العزيز بين الملك والعلماء، وارتهنت بحسب متطلبات النموذج المشايخي من جهة والرمز الملكي من جهة ثانية؛ فكلما كان الرمز الملكي يقدر النموذج المشايخي حصل أصحاب المعرفة والمشايخ على قسط مميّز من السلطة، ووضعوا في موقع القوّة.


فالمؤسسة النموذجيّة المشايخيّة تتمتع بسبق تاريخي على حامل المؤهلات العصريّة، ولها قاعدة كبيرة للقبول من المجتمع لكونه مجتمعاً مسلماً بالأساس.

الانتلجنسيا السعوديّة (النخبة المثقفة):
يمكن تعريف المثقف السعودي باعتباره الشخص الذي حاز على درجة عليا من العلوم المعاصرة وغير المعاصرة، على أن يكون له اهتمام بالشأن الوطني وقضايا المجتمع، ويتجسد هذا الاهتمام فيما يكتبه من آراء عبر وسائل التعبير المتاحة كالكتب والدوريات ووسائل الأعلام، والمتتبع لإنتاج المثقفين السعوديين يدرك أن بعض المثقفين السعوديين حاولوا أن يكون لهم دور في مسار التنمية وإدارة الشأن العام، إلا أن ذلك انحصر في المستوى النظري.


ويرى محمد صبور أن انتقال المثقف من المجال الجامعي إلى مجال النخبة يتم عبر النجاح المعرفي العلمي، والالتزام والتحالف السياسي، والوظيفة الإداريّة والتكنوقراطيّة، والطاقات الاجتماعيّة والمثقف السعودي مطلوب منه أن يكون ضمير الدولة ووجدان المواطن، وذلك إذا التزم الصراحة والجرأة العلمية ليدركها المجتمع إلا أن المجتمع السعودي يعاني من القحط الثقافي خصوصاً في مجال المضمون الواعي والهادف.


ويمكن القول: إن الصوت المشايخي وصوت المثقف العصري في المجتمع السعودي عادة ما يتعارضان، إلا أنهما يتفقان في خصوصيّة واحدة، وهي انشغالهم بالأطروحات النظرية أكثر من العملية، وترديد مقولات تراثيّة، أو إحياء أفكار استنفدها التاريخ.

النخبة البيروقراطيّة:
مرت الإدارة في المملكة وتطوّرت عبر مراحل، من مرحلة إعلان الدولة واستكمال تكوّنها السياسي 1343هـ، وكان التكليف يتمّ على شكل مهمات، ولا يوجد مسمّيات وظيفيّة ما عدا القاضي والمؤذن والخراص برواتب شهرية، ومرحلة عام 1347هـ بداية الاستقرار وإصدار الأنظمة، وما صاحبها من قوانين، وابتدأ الملك عبد العزير بمنطقة الحجاز، ومرحلة 1347-1390هـ وهي مرحلة عرفت اعتناءً خاصاً بالوظيفة، وكان فيها حضور في التشريعات المدنية والتشريعات الدقيقة، ثم مرحلة 1391هـ إلى عام1420هـ وهي المرحلة الحالية التي شهدت هيكلة ديوان الموظفين، وهذه المرحلة شهدت ولادة البيروقراطيّة السعوديّة، وتزامنت هذه الحقبة مع السيولة النفطيّة والماليّة.


إن الجهاز البيروقراطي بصفته آلة الدولة في تسيير الخدمات والتحكم فيها قد أعطى الرئيس والتابع على السواء حق المنع والمنح والهبة حتى أصبحت البيروقراطيّة أفعى متعددة الرؤوس، والمعالجة التي تقوم بها النخبة البيروقراطيّة للقضايا المطروحة لا تكون حلولاّ جذرية بل هي حلول مؤقتة.


إن الموظف الحكومي له نصيبه من الهيبة والجاه والتقدير، ويمكن تحقيق مصالحه الخاصة وذلك تبعاً لموضعه في الهرم الإداري الحكومي، وقد يكون "الأمان الوظيفي" من بعض أهداف مخرجات التعليم، وفي بلد لا يستوعب خريجي تعليمه أصبحت البطالة ظاهرة متفشّية بين المتعلمين الذين يعتمدون على ما توفره الدولة من وظائف.


المستفيد الإقليمي من البيروقراطيّة يتركز في الحجاز والمثلث النجدي، فالتوظيف وتوزيع المناصب وإعطاء المواقع وتوفير حظوظ الصعود في المجتمع السعودي يتم في إطار ضيّق، فئويّ، ومناطقيّ، وعائليّ، على حساب القاعدة، ويبقى أبناء القبائل خارج اللعبة، وخارج الغنيمة فخلوّ "الذهن القبلي" من الأيدولوجيا السياسيّة همّشها، ولم يبق منها سوى المستهلك النهم لبضاعة السوق.

المصدر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة