You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>أنشطة وفعاليات>ندوات>ندوة القاهرة - أبريل 2011>ندوة معالم نظام حكم ديمقراطي في مصر

الكبيسي: توجهات التعليم العام والتعليم العالي في قطر

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2407 مرة
الكاتب  عبدالله جمعه الكبيسي

مقدمه:

يُعقد لقاء الاثنين بمجلس الدكتور علي خليفة الكواري بواقع مرة كل شهر تقريباً، وهدف هذا اللقاء مناقشة الظواهر الاجتماعية الخاصة بالواقع الاجتماعي المحلي، كما يهدف أيضاً لإتاحة ألفرصه لمجموعة من المثقفين ألقطريين للتحاور بشكل حر, حول موضوع يتم الإعداد له مُسبقاً من قبل أحد المشاركين، ومن نتائج مثل هذه الندوات تنمية فهم موضوعي حول حجم وطبيعة المشكلات التي يعاني منها المجتمع.

بالإضافة لذلك فإن هذه الندوات لها دور حيوي يتمثل في تقريب وجهات النظر بين المهتمين بالشأن العام.

وقد قام عدد من الأخوة الزملاء بتقديم أوراق عمل حللت مجموعة من الظواهر الاجتماعية وكان لي نصيب في هذا الجهد تمحور حول قضايا التعليم العام والتعليم العالي ، وفيما يلي عرضاً وتحليلاً لهذا الموضوع:

محاور الموضوع:

التعليم العام
المحاولة الأولى 1990
المحاولة الثانية 1996
المحاولة الثالثة 1997
المحاولة الرابعة 2001
التعليم العالي (جامعة قطر)
أهم نتائج عملية التطوير
أثر عملية التطوير على البيئة الجامعية

التعليم العام: محاولات إصلاح التعليم العام

كان معظم الحاضرين في تلك الندوة من غير المختصين في المجال التربوي، وكان يشغل ذهنهم أثناء الحديث قبل الشروع في عرض موضوع الندوة، التطورات الأخيره التي حدثت بدءً من مطلع عام 2001 والتي شكلت صدمة للمختصين وغير المختصين بدرجات مختلفة.

وقد رأيت أن أرجئ الحديث عن هذه الفترة للبدء بمقدمة تاريخية لمحاولات إصلاح النظام التعليمي, التي سبقت هذه المرحلة ، ليتعرف الحاضرون على الجهود التي بذلتها وزارة التربية والتعليم في مضمار إصلاح التعليم.

ومن أبرز تلك الجهود ما يلي:

محاولة الإصلاح الأولى (1990)

تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية بتاريخ 23/10/1990 لإجراء مراجعة تقويمية للنظام التعليمي من أجل اقتراح خطة مبرمجة تهدف إلى تطويره ، وقدم الخبراء تقريراً لوزير التربية والتعليم يقع في 232 صفحة أشتمل على وصف وتحليل للواقع التربوي.

وكان التقرير بمثابة دليل عمل متكامل من شأن الأخذ به في إطاره الشامل أن يساعد النظام التعليمي على الانتقال بأسلوب منهجي يغير من الواقع الذي كان يعمل من خلاله إلى مستوى أفضل من حيث وضوح السياسات والأهداف ، و من حيث كفاءة النظام الإداري والمالي ، وحداثة المناهج وجودة محتواها ، وفعالية أساليب التعليم والتعلم وطرق التقويم والقياس والارتقاء بكفاءة البيئة المدرسية مما يكون له مردود إيجابي على مخرجات التعليم وكفاءته. وقد عبر وزير التربية والتعليم عن تقديره واهتمامه بموضوعيه هذا التقرير والذي ستوليه الوزارة كل عناية واهتمام ،كما عبر الأمير لدى مقابلتة لرئيس الفريق عن عميق أهتمامه بمهمة فريق التقويم وعن قناعته بضرورة تقويم نظام التعليم، أما ولي العهد فقد عبر كذلك عن اهتمامه بالتقرير وأكد أن الدولة ستولى تقرير الفريق عناية فائقة، وتجعل تطوير التعليم من أولويات إهتماماتها.

وبالرغم من كل الحماس الرسمي لعملية إصلاح التعليم إلا أن الواقع سار بعكس ذلك تماماً، فلم تؤخذ نتائج تقرير فريق اليونسكو مأخذ الجد، ولم تؤمن لها الإمكانيات المادية والبشرية. بل حدث عكس ذلك تماماً إذ خفضت مرتبات وعلاوات المعلمين غير القطريين وجُمدت مشاريع المباني المدرسية وخُفضت بنود الصيانة للمباني المدرسية والأجهزة العلمية والمعملية إلى حدودها الدنيا.

وعانت وزارة التربية والتعليم خلال الأعوام 1992– 1996 صدمة خيبة الأمل في تحقيق مشاريع وآمال الإصلاح التربوي واكتفت برصد مشاريع وخطط الإصلاح التربوي كما وردت في تقرير فريق التقويم في تقاريرها السنوية من باب رفع العتب وبراءة الذمة .

محاولة إصلاح الثانية (1990 )

وفي عام 1996 كلف الأمير لجنة مكونة من تسعة أعضاء من داخل دولة قطر ، وكانت مهمة اللجنة القيام بتقويم وتطوير نظام التعليم في إطار نظرة شاملة تتناول جميع مكوناته بمنهجية علمية وقد استعانت اللجنة بفريق من المختصين والباحثين من جامعة قطر ومن وزارة التربية والتعليم بلغ عددهم حوالي سبعين عضواً توزعوا على لجان.

نتائج أعمال اللجان:

وقامت اللجنة بإنجاز أعمالها في مجلدين بعنوان ( واقع التعليم العام في دولة قطر وتوصيات لتطوير التعليم). ومن خلال دراسة تقارير اللجان نُبرز النقاط التالية:

مُحصلة التقارير كانت رصداً للواقع وإبرازاً لجوانب القوة والضعف فيه، بالإضافة لتقديم عدد من التوصيات والمقترحات لتحسينه وتطويره.


كشفت التقارير عن بعض القضايا المُلحة مثل :

أ – النقص في مؤهلات المعلمين التربوية.
ب – النقص الكبير في عدد وكفاءة المباني المدرسية
جـ - النقص الكبير في عدد وكفاءة المختبرات العلمية
د – الانخفاض المُستمر في الميزانية لسنوات من 85/1986 – 95/1996
وقد جاء عمل اللجان في مجمله قوياً في رصد الواقع وتحليله, ضعيفاً في بلورة رؤية متكاملة لإصلاح التعليم وتطويره ، ماعدا توصيات ومقترحات وردت في نهاية كل تقرير لا يضمها إطار فلسفي ولا تدعمها رؤية كليه.

يُعد هذا نقصاً منهجياً كبيراً لمُساهمة اللجنة الرئيسية لأن المشكلات التي كشفت عنها اللجان في تقاريرها معروفة وقد سبق أن تناولها بالعرض والتحليل فريق خبراء اليونسكو المُشار إليه سابقاً.

محاولة الإصلاح الثالثة ( 1997 )

لم تقف محاولات إصلاح التعليم عند ذلك الحد بل أمتدت الجهود للاستعانة بهيئات أخرى مثل المكتب الإقليمي بهيئة الأمم المتحدة (UNDP ) والمكتب الإقليمي لليونسكو في قطر ، فقد قام فريق العمل التابع لهيئة الأمم المتحدة بتقديم مشروع عن التنمية البشرية المُستدامة في دولة قطر ، ويعتبر المشروع دراسة حالة تهدف إلى إعادة قراءة بيانات التنمية في دولة قطر للتعرف على أوضاع التنمية فيها، وقد تناول المشروع دراسة عدة قطاعات كالصحة والزراعة والثروة المائية والتركيبة السكانية وقوة العمل وقطاع التربية والتعليم.

وفي مجال التربية والتعليم أعُدت دراسة بعنوان ( التعليم في قطر بين الكم والكيف ) وحاولت الدراسة في فصولها الأخيرة أن تطرح مشروعاً لإعداد إستراتيجية لتطوير التعليم العام في قطر .
أما المكتب الإقليمي لليونسكو في قطر ، فإن مساهماته كثيرة ومن أبرزها دعوة فريق من المختصين في فبراير من عام 1997 مكون من سبعة خبراء أربعة منهم من الولايات المتحدة الأمريكية ، وواحد من الجامعة الأمريكية ببيروت ، وآخرين من ماليزيا ومن منظمة العمل الدولية بالكويت . وكانت مهمتهم تقديم دراسة حول إستراتيجية الموارد البشرية في دولة قطر. وقدم فريق الخبراء رأيه في خمسة مجلدات باللغة الإنجليزية، تناولت قضايا التعليم المختلفة وواقع التركيبة السكانية وقوة العمل.

قد توصل فريق الخبراء إلى نتائج عامة حول واقع التعليم وضرورة إصلاحه كالتي توصلت إليها فرق لجان الخبراء السابقة. ولم يكن مصير هذا الجهد بأفضل من جهود المحاولات السابقة، التي لم توضع مُقترحاتها موضع التنفيذ ، وأصبح تكرار ضياع فرص إصلاح التعليم ظاهرة تُثير التساؤل.

ونلاحظ من تتبع تلك الجهود السابقة والمتلاحقة زمنياً أنها تدور في نطاق إصلاح النظام التربوي من خلال وزارة التربية والتعليم. ولم نر ملاحظة واحدة من قِبل جميع الخبراء اللذين قاموا بدراسة الوضع التربوي تُشير إلى اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أولى للتعليم.

محاولات إصلاح التعليم " التعليم لمرحلة جديدة " ( 2001 )

جاء الأخذ بنظام التعليم لمرحلة جديدة الذي طُبق في العام الدراسي 2004 / 2005 مبتوراً عن السياق التاريخي لمحاولات إصلاح التعليم السابقة، دون توضيحاً كافياً للأسباب والدوافع الكامنة وراء هذا التحول المفاجئ في السياسة التعليمية على مستوى مُتخذي القرار.
وسأحاول أن أقدم لكم بإختصار عرضاً وتحليلاً لهذا النظام من خلال المحاور التالية:

– كيف تحول نظام التعليم من نظام له مكوناته الوطنية والقومية التي تُعلي من اعتزاز الدارسين فيه بلغتهم العربية وتراثهم الوطني والقومي وبثقافتهم الإسلامية العريقة إلى نظام هش في تلك المبادئ والقيم التربوية ؟

حدث ذلك عندما تعاقدت الدولة مع مؤسسة ( رند ) في مطلع عام 2001 لتقديم مشروعاً لإصلاح التعليم العام، وقد تم الأخذ به بحذافيره.

المحور الأول : الموقف من وزارة التربية والتعليم:

طرحت مؤسسة (رند) ثلاثة بدائل لإصلاح التعليم.

البديل الأول:

إصلاح التعليم من خلال وزارة التربية والتعليم، وقد أستبُعد هذا البديل بحجة أن وزارة التربية والتعليم بحسب رأي ( رند ) غير مؤهلة لقيادة متطلبات الإصلاح التربوي المرغوب فيه، لأنها تتصف بخبرات تاريخية يغلُب عليها طابع النظام الإداري البيروقراطي المركزي. وبهذا حُكم على وزارة التربية والتعليم بإطلاق رصاصة الرحمة عليها.

بعد ذلك تم طرح بديلين آخرين متلازمين وهما:

نظام المدارس التعاقدية Charter School والذي أُطلق عليه مُسمى ( المدارس المُستقلة).
نظام الكوبونات Voucher School .

قد تم اختيار البديل الأول منهما لأنه يجمع بين مسؤولية الدولة في تحمل أعباء تكاليف التعليم وبين تمتع المدارس في النظام الجديد باستقلالية مُطلقة في إدارة شؤونها التعليمية والإدارية.

ونشهد اليوم عملية ترويج مُكثفة للأخذ بنظام الكوبونات الذي وصُف بأنه نظام تعليمي يتمتع بحرية كبيرة لأولياء أمور الطلبة لإختيار المدارس التي يرغبون في إرسال أبنائهم للدراسة فيها من خلال منحهم كوبونات لتغطية كُلفة التعليم حسب المراحل التعليمية المختلفة.

ومن الواضح أن هذا البديل يهدف في نهاية المطاف إلى تحويل نظام التعليم الحكومي إلى تعليم خاص . والذي سيترتب عليه تخلي الحكومة عن مسؤوليتها المباشرة على الإشراف على متطلبات التعليم كأحد مكونات الدولة.

ولنا أن نتخيل بعد ذلك نوع المخرجات التعليمية في البديلين التي ستتأثر بتوجهات وتوجيهات جداً مختلفه , ومدى تأثيرها في قيادة المجتمع في المستقل.


المحور الثاني : إعادة هيكلة النظام التعليمي من منظور جديد:

- إنشاء المجلس أعلى للتعليم وهيئاته.

صدر مرسوماً أميرياً في عام 2002 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم وهيئاته التابعة له بصفته السلطة العليا المخولة برسم سياسة التعليم في الدولة والإشراف على خطة تطويرها وتنفيذها وتشكل المجلس برئاسة ولي العهد ونائب للرئيس وثمانية أعضاء يمثلون بعض وزارات الدولة وهيئاتها والقطاع الخاص وضم المجلس ثلاث هيئات الأولى تختص بشؤون التعليم والثانية بشؤون التقويم والثالثة تختص بشؤون التعليم العالي والبعثات .


المحور الثالث : شكل ومضمون وفلسفة هذا النظام:

الشكل العام لإدارة المدارس:

منحت المدارس الحكومية لأفراد أصطلح على تسميتهم بأصحاب التراخيص ، يتمتعون بصلاحيات مطلقة في الشؤون الإدارية والمالية والتعليمية ، وتم إغرائهم في بدء مسيرة التعليم بالاحتفاظ بفائض الميزانية لأنفسهم.

وبهذا تحولت المدارس المستقلة في نظر أصحاب التراخيص إلى مدارس ربحية مما أدى إلى تدافع أعداداً كبيرةً منهم ، ومعظمهم من غير المختصين ومن غير المؤهلين قيادياً وتربوياً ، للحصول على مدرسة جديدة كلما أعلن عن فوج جديد من هذه المدارس.
مضمون التعليم ومحتواه وفلسفته ولغته :

مضمون التعليم:

أنحصر موضوع التعليم في أربع مواد رئيسية اشتملت على اللغة العربية واللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات ، لكل مراحل التعليم العام.

وتركت باقي المواد مثل الثقافة الإسلامية والجغرافيا والتربية الوطنية والرياضة والرسم لأصحاب التراخيص ومديرو المدارس ليقرروا ما يتناسب منها لمدارسهم.

فإذا علمنا أن المواد الأربع الرئيسية قد خُصص لكل واحدة منها خمس ساعات أسبوعياً أي بمعدل 20 ساعة من مجموع ساعات الجدول الدراسي الأسبوعي البالغ 26 ساعة ، فإن المتبقي هو 6 ساعات أسبوعياً لتغطية باقي المواد ، فإذا حللنا هذا الخلل المقصود في البناء النسبي لهذه المُقررات الدراسية ، نجد أنها تركز على الجوانب العقلية وتهُمل ما عداها من الجوانب الوجدانية والثقافية والبدنية.

وهو مبدأ مخالف لما يؤكد عليه المختصون في بناء المناهج الدراسية الذين يهتمون دائماً بضرورة مراعاة التوازن النسبي في توزيع المواد الدراسية ، بحيث تؤدي في تكاملها إلى بناء شخصية الدارسين بناءاً متوازناً عقلياً ووجدانياً وثقافياً وجسمياً.

محتوى المنهج العام والمُقررات الدراسية:

عندما بدأ التعليم على أرض الواقع في المدارس المستقلة لم يكن لدى القائمين على إدارة هذه المدارس منهج تعليمي عام واضح الأهداف والمحتوى للعملية التعليمية ولم يكن لديهم مُقررات دراسية تترجم محتوى المواد الدراسية بحيث توحد الإطار التعليمي والتربوي العام للعملية التعليمية في هذه المدارس.

والنتيجة التي ترتبت على ذلك هي إفساح المجال للمدرسين في تلك المدارس طبقاً لخبراتهم السابقة بالإعتماد على موضوعات من مصادر مختلفة لأغراض الدارسة ومتطلباتها الضرورية دونما سياق منهجي متكامل يربط فيما بينها.

مما أدى إلى ظهور مدارس أشبه بالجزر المنعزلة التي لا يرطبها خط فكري عام وواضح.

فلسفة النظام التعليمي:

من المتعارف عليه عالمياً أن لكل نظام تعليمي فلسفة واضحة المعالم ، تشتمل على منظومة من المبادئ والأهداف والغايات والخطط والبرامج ، تُشكل الإطار المرجعي الذي يسير على هديه العاملون في الحقل التربوي بحيث تشكل العامل المشترك فيما بينهم.

لكن الذي حدث أن فلسفة النظام التعليمي الجديد لم تنشر ولم يعرف عنها شيئاً. والسؤال المشروع الذي يمكن طرحه في هذا المجال: لماذا حُجبت هذه الفلسفة ؟ وهل هي مخفية كسر من الأسرار لدى مؤسسة (رند) التي كلفت بإعداد هذا النظام والإشراف على تنفيذه؟

لأنه من غير المعقول أن يتم التحول من نظام تربوي قد مضى عليه أكثر من خمة عقود إلى نظام تربوي جديد دون أن يسبقه إعداد فلسفة شاملة لكل مكوناته التعليمية والتربوية المختلفة، وأن تكون مُعتمدة من مجلس الوزراء ومُتاحة للمختصين وغيرهم من المهتمين بالشأن العام، أخذاً بمبدأ الشفافية.

لغة التعليم :
كما ذكرت لكم في حديثي أن فلسفة التعليم لم يعرف عنها شيئاً ، وهل كان من ضمن عناصرها التأكيد على أن تكون لغة التدريس باللغة الإنجليزية.
ولكن لاحظنا أن المدارس المستقلة قد وجهِت من قِبل هيئة التعليم بإعتماد اللغة الإنجليزية لتدريس مواد العلوم والرياضيات والحاسب الآلي.
هذا التوجه أثار علامات استفهام كثيرة، منها أن النظام التعليمي الجديد قد تخلى عن التدريس باللغة الرسمية التي نص عليها الدستور.
وقد ترتب على ذلك أن أصبحت اللغة العربية وهي تُمثل الوعاء الفكري للمواطنين لغة ثانية للتعليم، مما سيضعف الاعتزاز بها لدى الناشئة، وبالتالي يضعُف إحساس الإنتماء لديهم لثقافة وطنهم وتقاليده ولتاريخ أمتهم العربية وأمجادها وثقافتها وقضاياها القومية والإسلامية.

وأتفق مع القائلين بضرورة تعلم اللغة الإنجليزية بطريقة سليمة عالية الكفاءة ، ولكن ليس على حساب اللغة العربية للمُبررات التالية:

أ-أن اللغة العربية لغة عريقة في تاريخها غنية بمفرداتها ومعانيها ومشتقاتها وبلاغتها، وهي من اللغات الخمس المُعتمدة في هيئة الأمم ومنظماتها الرئيسية. وهي فوق هذا وذاك لغة القرآن الكريم.
ب- أن جميع دول العالم تحرص على أن تكون لغتها القومية هي اللغة السائدة في مجال التعليم والتعلم في جميع مراحل التعليم العامة.
ج-أن جميع دول العالم لا تتخلى عن التدريس بلغتها القومية إلا تحت ظروف الإستعمار القاهرة، فكيف ببلدنا وهو دولة مستقلة ذات سيادة وجزء من العالم العربي ولغته الرسمية هي اللغة العربية كما نص عليها الدستور يقع في مثل هذا التناقض؟ ! .
ه-إن الحقائق التي تعني بمُدخلات التعليم الجيد تؤكد أنه لا يوجد معامل إرتباط بين التدريس باللغة الإنجليزية وبين عملية إصلاح التعليم والتقدم العلمي.

مصير الثروة البشرية المواطنة من المُدرسات:

قبل تطبيق النظام التعليمي الجديد كانت وزارة التربية والتعليم تعتمد في تسيير مدارسها على ما يقرب من 95 % من مجموع مُدرسيها من النساء من القطريات ، يغطون كل مدارس البنات وجزء كبير من مدارس البنين في المرحلة الإبتدائية التي أُطلق عليها مُسمى المدارس النموذجية.

هذه الثروة البشرية من المُدرسات التي تم إعدادها على المستوى الجامعي تم الإستغناء عن نسبة كبيرة منها بحجة أنها غير مؤهلة للقيام بمتطلبات التعليم لمرحلة جديدة لأنها متأثرة تاريخياً بخبرات وأساليب العمل في وزارة التربية والتعليم . وبهذا ضاعت هذه الثروة البشرية دون مُبررات كافية، وكان الأجدر بالقائمين على السياسة التعليمية أن يحافظوا عليها وأن يستثمروها أفضل إستثمار من خلال البرامج التأهيلية والتكوينية المتعارف عليها.

أكتفي بهذا القدر من العرض والتحليل لمسار التعليم العام وما وصل إليه وأنتقل للحديث عن التعليم العالي ، وسأركز على مرحلة الإصلاح التي شهدتها جامعة قطر في مطلع 2003،
وسأترك الحديث عن فروع الجامعات الأجنبية التي تحتضنها المدينة التعليمية للإبن سعد المطوي

التعليم العالي : (جامعة قطــر)

شهدت جامعة قطر منذ نشأتها في عام 1977 عملية تطوير وتحديث لمكونات نظامها التعليمي، وكانت تلك الجهود تتم من خلال الاعتماد على قدراتها الذاتية، ولكن في عام 2003 حدث تطوراً أخر شكل حالة إنفصال تام عن الماضي بكل ماله من حسنات وبكل ما فيه من نواقص.

وسأحاول أن أعرض بشيء من التحليل أهم التطورات التي حدثت في الجامعة خلال هذه الحقبة.

دور مؤسسة (رند) في عملية تطوير الجامعة:

بعد أن أنجزت مؤسسة رند مهمتها بصياغة هيكلية النظام التعليمي العام، كلفت من جديد في عام 2003 بإجراء مماثل لإصلاح نظام التعليم الجامعي وقد أسفرت جهود مؤسسة رند في تحقيق النتائج التالية:
– تشكيل مجلس أمناء للجامعة برئاسة ولي العهد.
– منح الجامعة إستقلالها الإداري والمالي والأكاديمي.
– إقرار هيكل أكاديمي جديد للجامعة.
– إصدار قانون جديد للجامعة.
– إقرار لوائح أكاديمية وإدارية جديدة للجامعة.
لا يتسع المجال أيها الزملاء للحديث المفصل عن تلك العناصر ولكن الذي يهمكم مدى إنعكاس عملية التطوير على البيئة الجامعية . والتي سألخصها على الشكل التالي:
– عدم مشاركة معظم أعضاء هيئة التدريس القطريين في عملية التطوير:
إنشغلت مؤسسة ( رند ) واللجنة العليا في الجامعة ولجانها الفرعية خلال المدة من 2003 – 2007 . بصياغة اللوائح الأكاديمية والإدارية للجامعة .
وقد طبقت مؤسسة ( رند ) نفس المنهج الذي سارت عليه من قبل عندما كلفت بتغيير هيكلة التعليم العام ، حيث التزمت بسرية تامة ، وشددت على اللجان الفرعية بأن لا يفصحوا للجمهور الجامعي عن شيء من سير أعمال اللجان حتى يتم إنجاز المهمة بالكامل، وكان المُبرر لهذا الإجراء من وجهة نظري مؤسسة ( رند ) واللجنة العليا في الجامعة هو تجنب مقاومة توجهات خطط الإصلاح الجامعي.

من الواضح أن عملية التغيير التي حدثت في الجامعة قد جاءت ضمن سياسة فرض الأمر الواقع، دون الإهتمام ببذل أي جهد لإقناع الجمهور الجامعي بجدوى هذا التغيير، منطلقة من مفهوم خاطئ بأن أي محاولة لإقناع معظم أعضاء هيئة التدريس لن تجدي نفعاً وأن نتيجتها مضيعة للوقت والجهد لأن معظمهم محافظون ومقاومون للتغير وبخاصة أعضاء هيئة التدريس القطريين.

هذه الإجراءات المقصودة لعزل معظم أعضاء هيئة التدريس القطريين عن المشاركة بالرأي في مستقبل جامعتهم قد أثر بدرجات مختلفة على جوانب كثيرة من حياة الأستقرار والرضى في المحيط الجامعي.

– ظاهرة الإستغناء عن خدمات أعضاء هيئة التدريس القطريين:

كما رأينا من قبل عندما تحدثنا في القسم الأول من هذه الندوة ، كيف تم هدر الثروة البشرية من العاملين في وزارة التربية والتعليم ، فقد طالت سياسة الهدر هذه أعضاء هيئة التدريس القطريين غير الجامعيين ، وقد حدث ذلك عندما أُقر قانون التقاعد في الجامعة. كان عدد أعضاء هيئة التدريس القطريين في العام الأكاديمي 2001 – 2002 قد بلغ 306 حسب التقرير الإحصائي للجامعة . أنخفض هذا العدد إلى 222 في العام الأكاديمي 2008 – 2009 بفاقد بلغ 94 عضواً. وفي كل عام تفقد الجامعة عدداً من أعضاء هيئة التدريس القطريين الذين بلغوا سن الستين عاماً. بالإضافة لذلك فإن إدارة الجامعة تنتهج أسلوب المساومة لمن تبقى منهم ولم يبلغ الستين لترك الجامعة.

ونتوقع في السنوات المقبلة أن تعانى الجامعة من نقص شديداٍ في عدد أعضاء هيئة التدريس القطريين وبخاصة أن سياسة البعثات لدرجة الماجستير والدكتوراه تكاد تكون متوقفة، وعندها يصبح شعار توطين المعرفة لا معنى له. وهذا التوجه المنافي لكل الأعراف والتقاليد الجامعية، يثير كثيراً من علامات الإستفهام التي لا نجد لها أي تفسير منطقي، لأن أعضاء هيئة التدريس القطريين اللذين تم الإستغناء عن خدماتهم والذين هم على قائمة الإنتظار, قد حصلوا على درجاتهم العلمية من جامعات أجنبية مُعترف بها. ومعظمهم أيضاً من الحاصلين على درجة الأستاذية في تخصصات مختلفة. والجامعات في كل أرجاء العالم تسعى دائماً للإفتخار بالإحتفاظ بقوتها الوطنية من أعضاء هيئة التدريس فيها، لأنه من أهم المعايير التي تقيم على أساسها، فماذا بقي اليوم لجامعة قطر أن تزهو به في المحافل الأكاديمية الدولية.

– لغة التعليم في الجامعة:
من الواضح أن سياسة مؤسسة (رند) قد نجحت في سعيها لإضعاف مكونات اللغة العربية على مستوى التعليم العام، وقد حققت أهدافها على مستوى التعليم الجامعي، فبالرغم من أن قانون الجامعة لم يحدد لغة التعليم، إلا أن لوائحها الأكاديمية قد نصت على أن اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعة، ولكن الممارسة الفعلية قد خرجت عن ذلك بفرض اللغة الإنجليزية على معظم برامج وتخصصات الكليات في الجامعة، وعلى معظم المعاملات الإدارية والمالية.

لسنا من الذين يعترضون على الإهتمام بتدريس اللغات الأجنبية ومنها اللغة الإنجليزية كأحد المُدخلات الضرورية لتمكين الطلبة من إتقانها والإستفادة منها لمعرفة العلوم والمعارف العصرية، ولكننا نرى أن الغلو في هذا المجال له إنعكاسته الخطيرة على دور الجامعة في تعزيز الثقافة العربية وإثرائها على مستوى الدارسين وإعدادهم كقوة فاعلة تعتز بثقافتها ولغتها القومية. من الواضح أن في صلب ذلك التوجه إنجراف مهين نحو التبعية الثقافية الغربية ومتطلباتها الخطرة على حاضر الوطن ومستقبله.

كان من المفروض أن تتصرف الجامعة بمسؤولية تجاه ثقافة المجتمع الذي يتعرض بشكل قوي لعمليات التغريب وأن تعمل على تأكيد دورها كجامعة وطنية في الدفاع عن ثوابت المجتمع المتمثلة في لغته وثقافته العربية والإسلامية لا أن تنجرف هي الأخرى في مجال ثقافة التغريب وتعزيزها وبخاصة أن هناك فروعاً لجامعات أجنبية تحتضنها المدينة التعليمية تقوم بهذا الغرض.

- محو الذاكرة الجامعية على مستوى الأفراد والوثائق والسجلات:
لم تتوقف جهود التغيير التي سعت إليها مؤسسة (رند) عند حد ما أشير إليه سابقاً، بل طال التغيير أيضاً مكونات عديدة من أرث الجامعة. فقد تم إلغاء مصادر النشر من حوليات ودوريات، وتم كذلك تدمير الوثائق والسجلات الجامعية، وأصبح الجمهور الجامعي اليوم لا يعي إلا حلقات باهتة من تاريخ الجامعة. ونحن كغيرنا من المختصين يعرفون أنه من تقاليد الجامعات في العالم الإهتمام بحفظ ذاكرة جامعاتهم والعمل على صيانتها من خلال المحافظة على وثائقها وسجلاتها الأكاديمية والإدارية وحمايتها من التلف، لأن تلك المواد تروي قصة مراحل تطورها والجهود التي قام بها العاملون في الجامعات عبر الزمن.

خـاتمـــة

ماذا نستنتج مما عرضناه عن واقع التعليم العام والعالي بالإضافة لما تم عرضه لظواهر أخرى من قبِل الأخوة الزملاء في الندوات السابقة؟

يمكن أن نضع أيدينا على خيط يربط بين مجموعة من الظواهر الإجتماعية ، يُفسر لنا توجهات المسار المستقبلي لمجتمعنا الذي سيصُبح فيه معظم المواطنين خارج عملية التأثير في صُنع القرار ومن هذه الظواهر ما يلي:

1 – ظاهرة تغريب التعليم العام والعالي وهشاشته التي ستنعكس على نوعية المخرجات في الحاضر والمستقبل.
2 – ظاهرة الإعتماد شبه الكامل على اللغة الإنجليزية في التعامل في الإدارات الحكومية، والإعتماد الكامل على التعامل باللغة الإنجليزية في قطاع المؤسسات الصناعية والتجارية.
3 – ظاهرة برمجة إزاحة المواطنين عن مواقع صُنع القرار، وتهميش ذوي الخبرات منهم ومن ثم إحالتهم على التقاعد أو البند المركزي.
4 – ظاهرة كارثة الخلل السكاني وإفرازتها الخطيرة على قوة العمل المواطنة وعلى ثقافة المجتمع القومي.

أيها الأخوة الزملاء أقف عند هذا الحد من الحديث عن همومنا المشتركة وأترك الباب مُشرعاً لتساؤلاتكم وأسئلتكم عن ما جرى ويجري للتخطيط لمُستقبلكم ومُستقبل أبناؤكم..


المصادر

لمزيد من التعرف على خلفيات هذه الندوة يمكن الرجوع للمصادر التالية:

1 – عبد الله جمعة الكُبيسي، محاولات إصلاح النظام التربوي والتعليم (حولية كلية التربية – العدد 15 لسنة 1999)
2 – عبد الله جمعة الكبيسي، النظام التعليمي في دولة قطـر - التعليم لمرحلة جديدة - دار الثقافة والطباعة والنشر، الدوحة - 2010.
3 – عبد الله جمعة الكبيسي، التعليم العالي في دولة قطـر – دراسة وصفية تحليلية، مقدمة للقاء السنوي الثاني والثلاثين لمنتدى التنمية، البحرين - 2011 .

* محاضرة مقدمة بتاريخ 16/5/2011- لقاء الاثنين الذي يقام في مجلس الدكتور علي خليفة الكواري.

** الدكتور عبدالله جمعة الكبيسي أستاذ أصول التربية والمدير الأسبق لجامعة قطر.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة