You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>من نحن>المشاركون في لقاءات وأنشطة المشروع

انعكاسات التحركات العربية من أجل الديمقراطية على البحرين

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2408 مرة
الكاتب  علي محمد فخرو

تاريخ بلدان الخليج العربي عبر القرن الماضي كله يؤكًد بأن تلك البلدان تأثًّرت بمختلف أحداث المشرق العربي السياسية وتفاعلت مع التغيرات الثقافية والفكرية في الوطن العربي كلًه.

بعد تفجُّر ثورتي تونس ومصر النًّاجحتين وامتداد آثارهما إلى العديد من أقطار المشرق والمغرب العربيين بنسب متفاوتة، طُّرح السؤال الآتي:

هل ستتأثًّر مجتمعات الخليج العربي بذلك المدٍّ الثوري؟ وقد جاء الجواب سريعاً، أولاً في البحرين ثم في المنطقة الشرقية السعودية، ثم في مسقط، وإلى قدراً محدود في الكويت. ويستطيع الأخوة الأعضاء من تلك الأقطار الحديث عن ذلك.

حالة البحرين: كان تأثًّر البحرين أكبر بكثير من غيرها لأسباب عدًة:

1- وجود إشكالات وقضايا دستورية وقانونية ومعيشية عالقة فملفات من مثل الخلاف حول شرعية دستور 2002 المنحة بالمقارنة إلى دستور 1973 العقدي ، وملف قانون الانتخابات الذي تراه المعارضة منحازاً ضد تمثيل أكثر عدلاً للناخبين الشيعة ، وملف سلطات واستقلالية المجلس التشريعي المنتخب وعلاقته بمجلس الشورى المعيًّن ، وملف ما تسميه المعارضة بالتجنيس السياسي ، وملف ملكية ومضاربات الأراضي البحرية المدفونة ذات الأحجام الكبيرة وتأثيره السلبي على السياسة الإسكانية وذلك بوجود قوائم انتظار طويلة للحصول على سكن قد تمتد بأصحابها من محدودي الدخل إلى الانتظار لعشرين سنة من أجل الحصول على بيت متواضع أو قرض محدود ، وملف الفساد المالي والإداري. كل تلك الملًفات ، وغيرها العديد ، كانت تحتاج إلى حوار بشأنها والتوصًّل إلى حلول معقولة ، لكنًّها ظلُّت عبر العديد من السًّنين معلقة بانتظار طرحها في فترات الهياج السياسي.

2- وجود جمعيات سياسية نشيطة وعلنية ولها أعضاء في البرلمان وأنشطة مجتمعية وإعلامية كبيرة، كذلك وجود نقابات تاريخية منظُّمة ومرتبط بعضها بالجمعيات السياسية. إضافة لذلك وجود مؤسسات مجتمع مدني مهنية وحقوقية ونسائية شديدة التنوًّع والارتباط بالسياسة.

3- وجود شارع مجيًّش سياسياً منذ خمسينات القرن الماضي وقابل للحراك السياسي الجماهيري الواسع والملتزم .

4- تصادف مرور عشر سنوات على العمل بالميثاق الوطني وذلك بتاريخ 14 فبراير 2011 ، ووجود توجُّه لدى جلالة الملك والقوى السياسية لتقييم تجربة ديموقراطية ما بعد الميثاق ولفتح حوار مجتمعي بشأن تطوير تلك التجربة إلى مستويات ديموقراطية أعلى. ولما جاء ت مناسبة 14 فبراير البحرينية في قلب الأحداث العربية الكبرى كان طبيعياً أن تتأثًّر بأطروحاتها وأهدافها ووسائلها واعتمادها الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى قيامها في الأساس على أكتاف الشباب غير المنتظم في أحزاب سياسية ، مثلهم مثل زملائهم الشباب في مصر وتونس واليمن وغيرها.

5- من الممكن إضافة عاملين آخرين وهما : أولاً إجراء جلالة الملك اتصالات ببعض القيادات السياسية والتأكيد لها بأنه شخصياً يفكًّر في إجراء مراجعة تقييمية لتجربة ما بعد الميثاق الديموقراطية ومن ثمُ تطوير العملية الديموقراطية 0 وثانياً ، وجود أكثر من ثلاثمائة معتقل ينتظرون المحاكمة منذ بضعة شهور وينتمون أساساً لجمعيتين انشقتا عن الوفاق ، الجمعية الأم ، ورفضتا الاندماج في الحياة البرلمانية وآمنتا بضرورة تجيش الشارع في كثير من المناسبات. تلك بعض من الأسباب التي جعلت البحرين أكثر قابلية للتأثرٌ بأحداث الوطن العربي المتعاظمة والواعدة.

المراوحة بين الأمني والسياسي

وقد كان لدى الكثيرين انطباع بأن المظاهرات التي عرف عن قرار أصحابها الخروج يوم 14 فبراير ستكون محدودة في العدد وفي التأثير على الأوضاع العامة. وفٌهم أن التوجيهات كانت بالحرص الشديد على سلمية المظاهرات إلى أبعد الحدود ، فلا يقذفون الحجارة ولا يحرقون إطارات السيارات ولا يرفعون أعلاماً غير بحرينية. الموضوعية تحتُّم القول بأن المظاهرات التزمت في يومها الأول بالسلمية وكان بالإمكان إعتبارها نوعاً من حريٌة التعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور والميثاق الوطني. لكٌن مقتل متظاهر في اليوم الأول ومقتل أخر يحضر جنازته في اليوم التالي غيًّر المشهد جذرياً. لقد تعمُّد الحراك بالدم ودخل موضوع الأموات الشهداء على مسرح الأحداث. وكان الموضوع من الخطورة بمكان بحيث خرج جلالة الملك نفسه على شاشة التلفزيون البحريني ليبدي أسفه لما حدث ويعلن عن تكوين لجنة تحقيق 0 كما قدُم وزير الداخلية اعتذاراً عمَا حدث وأمر بالتحقيق الفوري.

كانت الخطوتان مهدًئتين وحاملتين لمسؤولية قيادية رفيعة المستوى سياسياً وأخلاقياً 0 لكن ما إن مرُت 18 ساعة تقريباً على تلك الخطوتين الرُائعتين حتى هوجم المتظاهرون في دوار اللؤلؤة في ساعات الفجر وأعلن عن وفاة أربعة من المعتصمين. كان ذلك مفاجئة وإشعالاً لفتنة طائفية. ومن أجل التهدئة أمر جلالة الملك بانسحاب القوات المسلُّحة وقوات الأمن وسمح بالاعتصام السلمي في دوار اللؤلؤة.

عودة المعتصمون إلى الدوار

لكن مع الأسف فان الشهيد الميًّت يظل يصرخ في قبره ليولًّد ألف ثائر حيُ يتكلمون باسمه 0 ولمدة ثلاثة أسابيع التالية ظلُت الألوف تتجمُع في دوار اللؤلؤة وتجوب الشوارع في مظاهرات صاخبة. في هذا الجو المرتبك ارتكب المحتجون في الدوار ، ومعهم الجمعيات السياسية الرًاكضة تلهث من ورائهم ، ما يمكن اعتباره أخطاء وخطايا ، كان من أهُمها ما يلي:

1- جنحت بعض الخطابات اليومية في الدُوار نحو التجريح المبتذل لبعض شخصيات الحكم الكبيرة.

2- ارتفع سقف المطالب إلى حدود غير معقولة من مثل مطلب إسقاط النظام ، أي إسقاط حكم العائلة الحاكمة. وذلك بالرغم من أن هذا المطلب سيعنى نسفاً لمحطات تاريخية أساسية في تاريخ ما بعد الاستقلال البحريني ونسفاً لمواثيق مجتمعية دستورية بين المجتمع والعائلة الحاكمة من مثل الاستفتاء الذي قامت به هيئة الأمم المتحدة في بداية السُّبعينيات وأكٌد عروبة البحرين وارتضاء غالبية كبيرة بحكم آل خليفة ، ومن مثل دستور البحرين عامي 1973 أو عام 2002 وميثاق العمل الوطني في عام 2000اللًّذان نصُا على أن الحكم يكون وراثياً في عائلة آل خليفة.

3- ثم جاءت الطًامة الكبرى عندما طرح بعضهم شعار المطالبة باستبدال الحكم الملكي الحالي بنظام جمهوري فكان ذلك صداماً مباشراً مع الحكم واجتيازاً لخطً سياسي أحمر يهيًئ للعنف.

4- ثم أضيف لذلك إغلاق شارع يمتدُ من دوار اللؤلؤة إلى مرفأ البحرين المالي ، وهو شارع بالغ الأهمية لأنه يمثل المدخل الرئيسي للمنطقة التجارية في وسط العاصمة. هنا انتقلت حريًّة التعبير إلى حريُّة الفعل التي لا يمكن إلاٌ أن تؤدًي إلى الاعتداء على مصالح الغير وحقوقهم. وهذا ما حدث إذ بدأ تجار البحرين بالشكوى العلنيًّة ضدُّ ما اعتبروه تهديداً لمصالحهم وأرزاقهم.

5- ووصل الفعل العبثي إلى قمًته بأخذ قرار التظاهر في منطقة الرفاع ، أمام قصر جلالة الملك وبالرغم من التحذيرات التي أطلقها الكثيرون من أن ذلك الفعل هو عبث جنوني لا مكان له إلاٌ أن بعض المتظاهرين ذهبوا إلى الرفاع وحدثت اصطدام مروعة مع أهالي الرفاع ومع قوى الأمن.

6- إذا أضيف إلى كل ذلك بأن حدث اقتناع عند كثيرين من قادة السنًّة بأن ما يجري كان يتخطُاهم بل وقد يكون ضدٌ مصالحهم ، وبالتالي تجمًّع عشرات الألوف أمام جامع الفاتح للتأكيد على أن الشارع السنًّى له مطالبه ومواقفه السياسية الخاصة به.. أذا أضيف ذلك الانشقاق المجتمعي يتبيًن لنا مدى تعقُّد الموضوع وانتقاله ليصبح أزمة مجتمعية بامتياز. هنا أصبح الدوار أمام ساحة أخرى وأمام حكم.

وهنا وصلت سلطة الحكم إلى اقتناع بأن الكيل زاد عن حدًه وأنه قد حان الوقت لحسم الموضوع.

وهكذا بتاريخ 16 مارس دخلت قوات درع الجزيرة وأصبحت البحرين ساحة صراع إقليمي وأعلن عن تطبيق قانون السلامة الوطنية ( قانون الطوارئ) وأخلي الدٌّوار بالقوة ، بل ومسح نصبه من الوجود ، ودخلت البحرين في جحيم الانشطار الطائفي والمجتمعي الذي لم تعرفه طيلة تاريخها، كما انتقلت البحرين إلى تغليب الحلول الأمنية على الحلول السياسية 0 لقد قبض على الكثيرين الذين جأروا بالشكوى من جرّاء تعذيبهم وتحقير كرامتهم وفيهم الكثير من النساء ، وقُّدم الكثيرون إلى المحاكم العسكرية ، وصدرت أحكام بالإعدام والسجن المؤبد ، وقام ملثمون بفرز الناس عند نقاط التفتيش حسب أسمهم الطائفي ومناطق سكنهم... إلخ

هل كان بالإمكان أفضل مما كان

هل كان بالإمكان تجنٌّب ذلك ؟ نعم ، كان بالإمكان لو تمُ مايلي:

1- عدم التصدي بالقوة للمظاهرات في الأيام الأولى الأمر الذي عُّمد الحراك السلمي بالدٌّم.

2- عدم طرح الشعارات الخاطئة التي سبق ذكرها.

3- الاقتصار على الاعتصام في الدوار وعدم التعرًّض لمصالح الناس المعيشية اليومية.

4- عدم إقحام المستشفي الحكومي الأساسي ، مستشفي السلمانية في موضوع الصًّراع السياسي الذي كان مكانه الدُّوار وشوارع المظاهرات السلمية غير المربكة لحياة المواطنين.

5- عدم تلكًّو الجمعيات السياسية في الدخول في الحوار الواعد الذي طرحه سمو ولي العهد وباركه جلالة الملك. وكان سموه قد طرح نقاطاً هامة كجدول أعمال للحوار. وهنا يجب القول بأن خوف الجمعيات السياسية من فقدان الشارع في الحاضر والمستقبل جعلها تفقد توازنها وتفضًّل التكتيك على الاستراتيجي.

6- عدم تشتُّت وتصاعد المطالب واقتصارها على مطلب تعديلات دستورية معقولة وإصلاحات أساسية لجعل المجلس المنتخب مؤسسة فاعلة ومستقلة قادرة على تحقيق إصلاحات معيشية كثيرة.

7- العمل بجديُّة أكبر وبفهم أعمق لإجراء تفاهم متوازن بين مطالب دوار اللؤلؤة وساحة جامع الفاتح الكبير وذلك من أجل جعل الحوار حواراً بين مجتمع متفاهم متعاضد وسلطة حكم كانت مهيُّأة لقبول الكثير من الحلول الإصلاحية .

8- التعامل من قبل مختلف الجهات مع ما حدث سابقاً وذلك إبٌان فترة قانون السلامة الوطنية ، بتسامح ، وحفظ صارم لكرامة الناس الإنسانية الأساسية ، والرٌفض التام لمشاعر الكراهية والحقد الأعمى والتحدًي الطفو لي ، وتغليب الحلول المدنية على الحلول الأمنية العسكرية ، وممارسة حساسية إنسانية شديدة لروح ومنطوق قوانين الحقوق الإنسانية في التعامل مع أي متُهم ـ وعدم السٌماح لبعض الموتورين بإشعال الفتن الحارقة للجميع.

لقد ارتكب الجميع أخطاء وخطايا وأضاعوا فرصة تاريخية للانتقال بصيرورة الديمقراطية إلى الأمام.

المستقبل أولى

الآن وقد أوقف قانون السلامة الوطنية وطرح جلالة الملك شعاري إعادة بناء اللحمة الوطنية والرجوع إلى طاولة الحوار غير المشروط.. تحتاج الجمعيات السياسية وغيرها من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في حقل السياسة والدٍّين للاستفادة من دروس وعبر تلك التجربة. وذلك للبدء بمسيرة الألف ميل بعد أن كانت تلك المسيرة منذ بضعة شهور أقصر من ذلك بكــــثير .

تحتاج البحرين الآن أن تصعد فوق الطائفية والقبلية والعائلية ، والمهاترات الإعلامية وجنون الموتورين والانتهازيين وأصحاب المصالح الضيٍّقة ، ومماحكات الصًّراعات الإقليمية المذهبية والسياسية... تحتاج أن ترتفع فوق كل ذلك وتغلُّب الوطنيُة الجامعة والدًّين الجامع والعيش التاريخي المشترك ومبادئ الديموقراطية لتصبح البحرين واحة عيش وسلام لجميع أهلها ضمن عروبتها وإسلامها ووطنها العربي الكبير.

هذا تحدً تاريخي يجب مواجهته وفي البحرين عقلاء كثيرون.

*مداخلة رئيسية قدمت في اللقاء التخصصي لمنتدى التنمية، دبي 9-6-2011. سوف تنشر هذه الورقة قريبا مع بقية الأوراق وما جرى عليها من نقاش في كتاب بعنوان "معالم نظام حكم ديمقراطي منشود في دول مجلس التعاون"، يقوم بتنسيقه وتحريره الدكتور علي خليفه الكواري.

الأوراق المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة