You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>دراسات وبحوث>تعزيز المواطنة في البلدان التعددية في العالم العربي

علي الرجال: الدولة والمأزق الثوري

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1138 مرة
الكاتب  علي الرجال

في بداية الثورة لم تبدو الدولة كحجر عثرة في وجه الثورة. حاولت السلطة الحاكمة إخماد الثورة من خلال التحجج بالشرعية الدستورية وهيبة الدولة والخوف على الاقتصاد وعجلة الإنتاج وما إلى ذلك من موضوعات لم تأتي أُكلها مع الثوار. إلا أنه مع رحيل الرئيس المخلوع ويمكن القول بالتحديد مع استقالة شفيق رجعت الدولة لتقف أمام الثورة. فالثورة كانت قد حاصرت الدولة وأخمدت فاعليتها. إلا أنها لم تستطع تحطيمها أو تجاوزها بالكامل. فلقد حققت الثورة آنذاك أهم مطالبها. وبدأت الجموع في ترك الميادين والشوارع. وبدأت الحياة الطبيعية هي الأخرى في العودة. ومن هنا عادت الدولة وخرجت من عباب الثورة لتفصح عن أنها مازالت باقية وتعلن عن أنها الأزمة القادمة.

وبعيدًا عن مناصب الدولة، فلقد فشلت الثورة في إزاحة نفس وجوه الإعلاميين الذين كانوا يدعمون النظام السابق أو حتى أولئك الذين أبدو تعاطفًا كبيرًا مع الرئيس المخلوع. فهي نفس الوجوه التي ملئت شاشات الفضائيات الخاصة. فمني الشاذلي الذي بكت مع خطاب الرئيس الثاني في نفس موقعها وتوفيق عكاشة مدير ومذيع قناة الفراعين مازال يقوم بعمله كأن ثورة لم تحدث في البلاد. أضف إلى ذلك كل من عمرو وعماد الدين أديب. فالأخير كان أحد أذرع النظام في شن حرب الأفكار من خلال قناة الحياة. وعمرو سجل له أكثر من مرة مدحه لشخص الرئيس مبارك. وهكذا تفوقت البنية القديمة على الحالة الثورية. بل إن الخوف من إمكانية إعادة إنتاج النظام السابق من خلال الحفاظ على بناه القديمة أصبح ذعر يقلق الكثيرين مثلما شرحت مسبقًا.

ولقد أعرب لينن في سياق يبدو مختلف للبعض عن سياق ثورتنا هذه –إلا أنني لا أري اختلافً كبيراً في هذه النقطة- أن البروليتاريا لا تستطيع قيادة الدولة ولذلك ربما ينبغي عليها في وقت الثورة سحقها مثلما كان ماركس وأنجيلز يعلمان البروليتاريا (لينن:1917). فالدولة بالنسبة له هي الأداة التي تسيطر عليها الفئة المهيمنة اقتصاديًا وتتحكم في قهر العمال. والفكر المركسي عموما ينشد تجاوز الدولة وتحللها للوصول إلى مرحلة المجتمع الشيوعي. إلا أن دور الدولة في هذا الفكر مازال محير إلى حد بعيد. فهل تعد الدولة محطة مهمة للوصول إلى المجتمع الشيوعي وبالتالي يجب الحفاظ عليها وصيانتها. أم يجب تحطيمها لأنها جهاز باستطاعة البرجوازية فقط إدارته. ويمكن أن تكون الدولة أيضا أداة لترسيخ طبقة على حساب أخري وتتحول لأداة قمعية وهي بالفعل في أساسها كذلك. ويبدو لي أننا في احتياج لإعادة قراءة علاقة الثورة بالدولة. لأنه من خلالها يمكن أن تنفتح الثورة على خيارات عديدة. ويمكنها ذلك من انتقاء الأنسب لها. فمن الممكن أن يثار من هذا النقاش نقاط عدة. ومنها مثلاً هل علينا تحطيم وسحق الدولة لكي تجتاز الثورة أهم مراحلها؟ هل ينبغي علينا احتلالها وبالتالي إعادة تشكيل وهيكلة الثورة بما يسمح بذلك؟ هل تترك للكوادر وأفراد النظام السابق الذين هم من قاموا بإدارتها سابقًا؟ هل نحاصر هذه البنية ونتسلل إليها في محاولة جادة لتحويلها أو تطهيرها من الداخل؟ أسئلة كثيرة وإجابات تفتح مسارات جذرية في مسار الثورة.

لقد ناقش فوكو هذه الإشكالية قائلاً أن كثيرًا ما يحدث بعد الثورات أن يكون هناك احتياج ماس لصيانة الدولة واستخدامها كأداة مرة أخري. وهو ما يدفع للحفاظ على طبقة البورجوازية وبعض التكنوقراط من العهد السابق لقدرتهم على إدارة الدولة (فوكو: 1980، 60). والحقيقة أن لعنة الدولة قد أصابت الكثير وبالأخص مع حالة غياب الأمن التي تشهدها البلاد منذ اندلاع الثورة بسبب تغيب الشرطة أحيانًا وعدم قدرتها على ممارسة عملها أحيانًا أخري. أضف إلى احتياج الناس العام للعودة للحياة اليومية الطبيعية والقيام بأعمالهم لتوفير الاحتياجات الأساسية. ولأن الثورة لا تملك القدرة على إزاحة الأفراد الذين يحتلون مناصب الدولة المختلفة – باستثناء الوزراء والقيادات العليا التي قامت بخلعهم بالفعل - لأنها لا تمتلك كوادر بديلة جاهزة للإحلال والتبديل، كان هناك خوف كبير من انهيار كامل في النظام العام. وهو ما جعلنا نشهد تأجيل إقالة رؤساء الجامعات حتى السنة الدراسية المقبلة، ثم استمرار الكثير من القيادات المختلفة ورؤساء الهيئات والمؤسسات في مناصبهم حتى اليوم. وهي نفس المشكلة التي واجهت الثورة في إحداث تغير جذري واجتثاث كامل للفاسدين من منظومة الشرطة. فهناك تخوف كبير من انهيار كامل للبنية في حالة حدوث مثل هذا القرار الثوري.

ومن هنا نجد طبيعة ونمط تفاعل غريب بين الثورة المصرية الأخيرة والدولة. ففي ثورة أو انقلاب يوليو 1952 كانت هناك كتلة، تمثلت في الضباط الأحرار، قامت باحتلال الدولة والسيطرة عليها. وبغض النظر عن معايير الكفاءة من عدمها، لقد أدار هذا الجهاز من قاموا بالثورة. وفي عز المعركة الثورية التي سبقت رحيل مبارك، واجه الثوار هذه الإشكالية. حيث قام عدد لا بأس به من منظري النظام وكتبته بمناقشة هذه النقطة مدعين عدم وجود بدائل تطرحها الثورة وعدم قدرتها على اعتلاء المناصب التي يطالبون بإسقاط أفرادها. وجادلوا بأن الشرعية الثورية التي ولدت من رحم ثورة 1952 كانت لها مجموعة قامت هي باحتلال المناصب نفسها. والحقيقة المريرة أن ثوار 25 يناير لم يكن لديهم- وليس لديهم حتى الآن- مشروع بديل لتغيير ترتيب بنية السلطة السياسية، وإنما لديهم مشروع متكامل وواضح المعالم في تغيير نمط تفاعل السلطة وأشكال ممارساتها وعلاقة مؤسسات الدولة بالمجتمع وأفراده.

ولا شك أن مثل هذا النمط من الثورات يعد ثورة في عالم الثورات في حد ذاته؛ لأننا مثلاً رأينا اكتمال تصور أو تخيل ما لنظام اجتماعي واقتصادي في بعض الثورات مثل التي شاهدتها شرق ووسط أوروبا في ثورتها ضد النظم الشيوعية (بومن:1994). وهذا جعل مفهوم إسقاط النظام واضح المعالم والأهداف: وهو متمثل في إسقاط النظام السياسي بالتحديد. مما جعل مفكر سياسي كبير مثل زيجمند باومان يلقبها بالثورات التي لها ترتيب منظم وممنهج " “systemic revolutions(بومن:1994). ومن هنا يعرف باومان الثورة السياسية بأنها تحرر النظام من قيوده السياسية. وبسبب الضبابية التي تحيط بالثورة المصرية في علاقتها بالدولة وعدم قدرتها على إزاحة الطبقة الحاكمة في المستويات الأصغر، قام بعض الأكاديميين مثل آصف بيات بوصفها ثورة لدفع عملية الإصلاحrefo-lution (بيات: 2011). وهو يقصد بهذا المصطلح أن الجماهير كانت في احتياج لإسقاط أجزاء وأشكال معينة من النظام السياسي وعلى رأسهم الرئيس المخلوع، لأنهم كانوا عائقا رئيسيا في مسار الإصلاح والتحول الديمقراطي.

ومن هنا يتم فهم واختزال الثورة المصرية في أنها محاولة لإزاحة العقبات لا أنها ثورة مكتملة في حد ذاتها. ونفس الإشكالية - الثورة والدولة - هي ما دفعت آخرين لوصفها انتفاضة وليست ثورة. وهذا لأنها تمردت على السلطة السياسية والمتمثلة تحديدًا في جسد الرئيس وبعض المحيطين به. وبالفعل قامت بدفعهم للتنحي، ولكنها لم تقم بعملية هدم أو تغيير كامل في بنية المجتمع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية. والحقيقة أن مثل هذا الجدال له وجاهته الشديدة. إن عدم إزاحة الطبقات الحاكمة في المستويات الأدنى أو الأصغر من السلطة والممارسات، وبقاء واستمرار نفس آليات التفاعل داخل المؤسسات والبنى المختلفة، وبقاء نفس الترتيب الاجتماعي والاقتصادي وعلاقات القوى يعنى الإمكانية الكامنة والكاملة لإعادة إنتاج النظام الذي تمردت عليه الجماهير.

إن مسار الجدل عندي في قضية حرب الأماكن يجسده مشهدين أنا عاصرتهم وكنت فيهم بالفعل والحركة والتفكير. لقد سيطر –وأقول سيطر لا أحتل لأن الاحتلال يعني إمكانية الاستدامة أما السيطرة فمن الممكن أن تكون لحظية أو لمدة معينة- الثوار على ميدان التحرير. وبالفعل كان بإمكانهم اقتحام جميع المؤسسات المجاورة له. وكما قلنا سابقًا فإن أغلب مؤسسات الدولة المهمة متواجدة بجوار الميدان. إلا أن أحدا لم يقم حتى باحتلال مبني التحرير الذي سيطر الثوار على كل شيء بجواره. وكان يمكن إعلان الإسكندرية مدينة مستقلة على الرغم من أنه يمكن القول أن الكثيرين تعاملوا على هذا الأساس. إلا أن الفكرة –احتلال الدولة- لم تكن ملحة والإمكانية لم تكن موجودة هي الأخرى. ويجب فهم العلاقة بين الثورة والدولة في مصر من خلال الدوافع والاحتياجات. ولقد شهدت مواقف كثيرة تعامل فيها الثوار والمواطنين أيضاً بمنطق أننا نريد أن نسقط من بداخل الدولة أما الدولة ذاتها فهى ملكنا وعلينا الحفاظ عليها.

والثورة قامت أحياناً بضرب الدولة وبقوة. إلا أن الدافع وراء هذا لم يكن الرغبة في السيطرة عليها في حد ذاتها. بل لم يكن هناك احتياج لذلك. فالدوافع الحقيقية كانت محاصرة وإسقاط نظام مبارك. فمطالب الثوار لم تكن تحويل نظام الدولة من ملكية لجمهورية أو من اشتراكية لرأسمالية. وحتى لو افترضنا صحة مقولة د/هبة رؤوف عزت أن الثورة كانت "لاستعادة الجمهورية" (عزت:2011). فمطلب الثورة كان تصحيح مسار ممارسات الدولة والنظام السياسي لا الدولة في ذاتها ولذاتها. فنحن كنا أمام دولة تدعي النظام الجمهوري. ولكننا كنا أمام نظام يتفاعل وكأنه في دولة ملكية. ومن هنا نستطيع فهم محاولات التوريث وسخط الناس ضد هذه المحاولات. إلا أن هذا يؤكد صحة تحليلنا وهي أن الثورة كانت ضد نمط الممارسات التي أتبعتها بنية السلطة وليست ضد بنية السلطة ذاتها. وأنا أري أن على الثورة -كي تحقق أكبر قدر من النجاح- أن تتسق مع طبيعتها ونمطها. ومن هنا تتمكن من الاستمرارية وعدم أعطاء الفرصة لحدوث أي انقطاع بين روح الثورة ومرحلة ما بعد الثورة.

لقد حررت الثورة المصرية مساحات واسعة من الفضاءات العامة. وقامت بقطع يد الأمن عنها. وانعتق المصريين لا شك من سطوة وهيمنة النظام السابق. بل يمكن القول أنهم بالفعل نجحوا في إسقاط أجزاء من أركان النظام السياسي السابق. و صارت حرية العمل والتنظيم والتجمع أمرًا عاديًا وشبه يوميًا، على الرغم من أن الإضرابات الاجتماعية والتي تسميها القوة الحاكمة الآن –المجلس العسكري- بالفئوية وتجرمها. ولكن الثورة قامت بتحرير الفضاءات العامة ثم تركتها. وأنا هنا لا أتحدث عن الاحتلال وحرب الأماكن للسيطرة على الدولة وبقية المؤسسات الحيوية في مصر. أنا هنا أتحدث عن التوغل والتغلغل داخل المجتمع. فلقد أثبتنا أن الثورة ربما ليست لديها قدرة الاحتلال ولكننا نقطع أن لديها قدرة فائقة على المحاصرة والتغلغل. والثوار قاموا بخلق نمط من الثورة أدهش العالم. إلا أنهم قاموا بتفكيك ثورتهم بأنفسهم. بل إن الأخطر من ذلك هو أنهم لم يعطوا أنفسهم الوقت والفرصة للتجذر داخل المجتمع المصري. ولو تجذرت الثورة لكان من شأن هذا توسيع الثورة بشكل أفقي حتى يمس لهيب الثورة عموم الجمهورية بشكل حقيقي. وكان من الممكن تكوين قواعد شعبية مع جهات مختلفة مع من يمكن أن يمثلوا حلفاء طبيعيين للثورة مثل الفلاحين وفي الصعيد وفي هوامش المدينة. ولا شك أن هذا كان من شأنه تمكين الثوار في مواجهة الثورة المضادة التي تستخدم معها الدولة في حربها على الثورة. والتجذر في المجتمع سمنع قدرة الاعلام المضاد للثورة من التلاعب بفزاعة الأمن وتخريب الدولة وهدمها وتقسيمها إلي أربع دويلات وما إلي ذلك من أشياء تستخدم لتشويه الثوار. وسيمكن الثوار والمجتمع بشكل عام من الدخول في حوار عميق حول تفكيك الدولة وإعادة بنائها وتركيبها بشكل يتواكب مع تطلعات وآمال الثورة. بالإضافة إلي أننا أمام جهاز-أي الدولة- شديدة المركزية والتسلط والعنف بحكم السياق التي تطورت بنيته من خلاله. ويأتي السؤال عن الشكل المستقبلي وعما يمكن فعله في المرحلة القادمة في طبيعة العلاقة بين الدولة المصرية العميقة والثورة الأقل عمقاً.

* باحث وناشط سياسي مصري.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة