امام ما يجري في المنطقة من حالة غموض افرزتها الظروف والمعطيات والتي بدأت تظهر إفرازاتها السلبية بما يعرف بنشر الفتن المذهبية التي فرضتها الأحداث الاجتماعية التي تشهدها مجموعة البلدان العربية في الآونة الأخيرة ، ولازالت مستمرة ، وما يعد لها من تأجيج فكري وسياسي وتاريخي في آن واحد ، للتغطية على المشاريع المناهضة للسياسات الأمريكية في العالم العربي ، وتلجأ ايضاً إلى تسعير الخلافات في فلسطين حيث لا يوجد تعدد مذهبي ، من خلال الانقسام الداخلي، تتطلب من الجميع التنبه لهذه المخاطر .
المتتبع لأوضاع الثورات العربية ، سيرى بأن الثورات في تلك البلدن قد اتخدت مسارا مختلفا وخاصة ان الشعوب العربية انتفضت من اجل التغيير والديمقراطية والعدالة والاجتماعية وانهاء الفساد والاستبداد ، ولكن للاسف بدأت تخيم على ثورات الشعوب الغيوم والضباب بسبب ما يجري اليوم.
أن الثورات العربية اتخدت منعطفا آخر وهذا ما لاشك فيه، يستدعي من كافة القوى والاحزاب العربية والحركات الإحتجاجية تغيير خططها وإعادة قراءة ما يجري حولها على أرض الواقع لإعادة ترتيب أوراقهم بناء على المعطيات الجديدة التي تشهدها الوقائع الجديدة للثورات لتفادي مآزق تطرحها استراتيجية الثورة وآليات الثورة المضادة والتي تحول اليوم البلدان إلى حالة حرب حقيقية لا ينتج عنها سوى تدمير بلدانهم واقتصادهم وسيطرة القوى الامبريالية والاستعمارية على المنطقة وثرواتها .
لهذا نرى ان وتيرة حصاد الإسلاميين لنتائج الثورات الجماهيرية في البلدان العربية , ربما لا تنتهي المهمة عند البلدان المذكورة فقط , ستتعداها إلى بلدان أخرى , ولا ندري في أي مكان آخر أيضا , ويبدو إن أسلمة الثورات العربية هي عاقبة كل ثورة تطالب بالتغيير الاجتماعي والحريات الديمقراطية .
ان ما نبرهن عليه هي وصول الإسلاميون للسلطة بأقصى سرعة بعد أن فتحت لهم أمريكا الضوء الأخضر , فالقاطرة الإسلامية بالرغم من صدئها هي الممثل المناسب للمصالح الرأسمالية الغربية , فالحب بين الرأسمال العالمي والإسلامية ( المصون ) له تاريخه منذ عدة عقود وبلغ الآن مرحلة الزواج , كان الاختيار موفقا جدا وناجحا لمصلحة الرأسمال , وخير بديل يرجع بالمجتمعات الرُّجوعُ إِلى الخلف . ويعود بها إلى أزمنة الظلام بدلا كل أمل ثوري يطمح بالتغيير بعالم غير هذا العالم المغترب والراكد , وأن تشتعل المنطقة بحروب داخلية طائفية شهدنا منها الكثير , بدلا من توجه الناس إلى حل أزمتها الاجتماعية والمعيشية .
امام ذلك نرى ان بوصلة الثورات العربية بعيدة عن فلسطين ، وبعيدة عن العدو الرئيسي للشعوب ، حيث للاسف يتمشى البعض مع المشروع الامريكي الاستعماري الهادف الى تقسيم المنطقة العربية إلى كانتونات مقطعة وشرق أوسط جديد ، تنتهك تحت أتون الحروب الداخلية ، وهذا يتطلب من جميع القوى الحية استنهاض طاقاتها لمواجهة ما تخطط له الإدارة الأمريكية بموضوعي الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة ، وتسعير الخلافات الداخلية في فلسطين بسبب الانقسام لإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني .
ان تجدد معادلة الصراع في الإستراتيجية الأمريكية من اجل استعادة دورها بعد هزائمها ، هو اشعال خط المقاومة بتلك الصراعات المذهبية وكافة إشكال صور الاقتتال الداخلي ، فتتحول استراتيجياتها نحو تلك الزواريب الداخلية وأزمات الشارع ، وبالتالي تستنزف جهود خط المقاومة ، في تلك الزواريب الداخلية والصراعات المذهبية ، وتخلو الساحة للمشروع الأمريكي الصهيوني ، ليلعب في الساحة العربية كما يريد ، و بالتالي يحفظ مستقبل الكيان الاسرائيلي من المساس به من خلال إنهاك جميع القوى ، واستنزاف كافة إشكال المقاومة في تلك البؤر المذهبية الضيقة وبالتالي يصبح الأفق فارعاً أمام التدخل الأمريكي نحو تعزيز مصالحها النفطية والإستراتيجية في عالمنا العربي الإسلامي ، وهنا يجب التنبيه إلى دور السياسة الأمريكية وأدواتها في توجيه الأنظار نحو عدو وهمي اي دور إيران ، بهدف تأجيج الرأي العام ، مما يوجب التنبيه الجدي لتلك المخططات الأمريكية وأخذها بعين الاعتبار.
ولا بد من القول ان تعزيز ثقافة الحوار ووحدة القوى اليسارية والقومية والديمقراطية العربية تشكل في معطياتها القومية والإنسانية ، التنوع الثقافي والتعددية الحزبية السياسية تحت مشروع موحدا يستند الى ثوابت نهضوية وقومية عربية مشتركة ، واستكمال النضال الوطني الديمقراطي في كل بلد من البلدان العربية من اجل التغيير والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ورفض مسميات متعددة للاقتتال الداخلي لانه لا يأتيا بخير ، بل يصنع الحواجز النفسية وهذه الحواجز النفسية تعزز صور من الاختراق، وتشويه صورة شعوبنا ، والعمل توجيه الأنظار نحو عدو واحد يتشكل في المشروع الأمريكي الصهيوني في العالم العربي الإسلامي .
امام ما سبق نؤكد أهمية أن نبني للتعايش والتعارف والتعاون في تعزيز وحدة الموقف ، بحيث تحول دون الحروب والمواجهة حتى نحقق رسالة حضارية امام العالم اجمع ،من خلال تعميق بناء المشترك الإنساني والارتقاء بالإنسان، وتحقيق كرامته واسترداد إنسانيته ، لذلك فإن الحوار هو الأساس والمرتكز ، ففاقد الشئ لايعطيه ، وان اختيار موضوعات الحوار وتقدير أهميتها، وطرحها للمحاورة والمناقشة والمراجعة مهم لدى احزاب وقوى وهيئات كل بلد عربي، للوصول إلى تفاهم ، ومن ثم التعاون، فإن لذلك كله له دور كبير في إثراء الحوار والوصول به إلى تحقيق أهدافه ، أما تصاعد وتيرة الخلافات يستنزف الطاقات .
أن الخلافات المذهبية الذاتية ا طائفيا ومذهبيا وحزبياً مسلكها خطر وعر ، وهي مهلكة للجميع ، والعقلانية تنادي إلى تأكيد الوعي بما يجري ، وتجنب الوقوع في الصراعات المذهبية والطائفية والعرقية والحزبية ، وكذلك تجنيب الوقوع في دسائس تلك المواجهات وحبالها الخفية ، لأنها تأكل الأخضر واليابس ، ويخسر فيها الجميع ، والفائز الوحيد في تلك المعارك السوداء هو العدو لامحالة ، فلا بد من الوعي الكافي لتلك الفتن السوداء التي عرفت قديما في السياسة البريطانية " فرق تسد " ، والأيام خير كاشف عنها ، في دسائس السياسة ومنتديات القرارات لانما تريده القوى المتأمرة هو تغيير اقليمي ودولي وسياسي يتحرك بسرعة كاسحة على جبهة عريضة ويحدث اثارا عميقة .
ان القضية الفلسطينية يجب ان تبقى بوصلة الجميع ،ولعل الحصار الظالم على قطاع غزة من قبل قوات الاحتلال الغاشمة واستمرار العدوان والاستيطان في الضفة الفلسطينية وتهويد المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس ، يفرز المزيد من المواقف الدولية ويعريها من أي مصداقية تحاول أن تستر بها عورة مواقفها، فقيام الاحتلال الصهيوني بالقرصنة والعربدة على سفينة (إيستيل) واختطاف المتضامنين الأوروبيين من على متنها، حيث لم نسمع من ما تسمى بقوى المجتمع الدولي يفضح مصداقيتها تجاه ما ترفعه من شعارات مزعومة تحمل اسم مبادئ إنسانية قيِّمة وهي "حقوق الإنسان، والحرية، وحماية المدنيين"، حيث الكلمات المشفوعة بالإجراءات العقابية التي تنطلق في مواجهة الدول العربية والإسلامية وتدبيج القرارات في مجلس الأمن الدولي لتبرير الاحتلال، واستخدام القوة لإسقاط الأنظمة وضرب استقرار الدول العربية والإسلامية وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية.
ما من شك أن الكيان الصهيوني يشعر بارتياح عميق بالنظر للمواقف الدولية الموالية والمدافعة، وللصمت العربي المطبق المكتفي بالتفرج على جرائم الحرب الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني لأن هذا يخدم مخطط الصهاينة المعلن لالتهام الأرض الفلسطينية، وبسط نفوذ منفرد على كامل الشرق الأوسط باعتبار أن هذا الكيان المسخ هو الكيان النووي الوحيد في المنطقة، بالإضافة إلى الردع الدبلوماسي الذي يوفره لهم الوسطاء المخلصون للمبادئ الصهيونية، فالخوف من أي إدانة أو خطوة عقابية بحق المحتل الصهيوني على جرائم حربه المتوالية، قد ولَّى إلى غير رجعة، ما دام المرشحون الأميركيون يتزلفون رضا الكيان الصهيوني وصوت اللوبي الصهيوني، وما دام العرب يتزلفون للأميركيين لمساعدة بعضهم على بعض وتدمير بلدانهم الواحد تلو الآخر. وغني عن القول ان ما يجري في الساحة الفلسطينية من تمترس خلف المواقف واستمرار الحملات الإعلامية المتبادلة والتجريح والقدح على الهواء والتهرب من تنفيذ التفاهمات الداخلية وأهمها اتفاق المصالحة، وتدخل الاحتلال والضغوط الإقليمية والعربية، يتطلب وقفة جادة من كافة القوى والفصائل وذلك من خلال اعادة الحوار الفلسطيني في الداخل ليكون الجميع بمنأى عن أية ضغوطات، خاصة مع فشل المفاوضات التي تجري في ظل تزايد وتيرة الاستيطان والاعتقالات وتهويد الارض والمقدسات، وخاصة ان هذا الحوار اصبح حاجة ملحة ، والعمل على تحريك الشارع الفلسطيني برفع الصوت عاليا من اجل انهاء الانقسام الداخلي ، وتعزيز الوحدة الوطنية في اطار منظمة التحرير ، والتمسك بالثقافة الوحدوية كجزء أساسي من الوصول الى بوابة الامان التي تحمي القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني من المخططات المعادية .
ختاما : نبارك للشعب الفلسطيني العظيم نجاح عرسه الديمقراطي في الانتخابات المحلية التي جرت في محافظات الضفة الفلسطينية ، ونحيي كل الجهود التي صنعت هذا العرس الديمقراطي بطريقة حضارية وديمقراطية ، عكست روح التنافس بين مختلف القوائم ، انتصارا جديدا للديمقراطية الفلسطينية.
لم تكن علاقة الفلسفة بالمجتمعات على ما يرام، بل حُوربت منذ بدئها بوصفها عملية خلق للحكمة، وجذوة دهشة مستمرة، واشتعالاً لا ينطفئ لسؤالٍ موحش. حارب البعض الفلسفة بوصفها طريقاً نحو الضلال، كما يروى عن الشافعي أنه حكم بضرب المتفلسفين بالجريد والنعال، بينما لولا منطق أرسطو لما استطاع الشافعي تدوين متن «الرسالة» الكتاب الأهم في تاريخ التأسيس لأصول الفقه.
هذه الأيام، ومع التحولات الاجتماعية في السعودية، ثمة مطالبات عبر الإعلام لوزارة التعليم أن تبدأ بخطة لتدريس الفلسفة في الثانويات والجامعات، وهذه دعوة مهمة ومؤيدة وأساسية بلا نزاع، فتدريس الفلسفة أمرٌ ضروريٌ من الناحية التعليمية، وقد سبقتنا لذلك دول عربية عديدة في الشام وشمال أفريقيا، وحتى بعض دول الخليج، وعليه فإن تدريس الفلسفة من الجانب التعليمي أمر مطلوب، ولكن للفلسفة أسئلتها حول عثرات تدريسها والمشكلات التي تواجهها.
بالطبع كان الفلاسفة يدرّسون نظرياتهم منذ الأكاديميات الإغريقية الصغيرة وحتى قاعات الدرس التي حوّلت مسار الفلسفة في القرون الثلاثة الأخيرة لدى هيغل وشوبنهاور وشلنج وفيخته وفيورباخ وهابرماس ودلوز وفوكو ودريدا وراولز، وسواهم، إلا أن الفلسفة تتحسس من عبارة «التعليم»، وهنا تأتي المخاتلة أن نلاحظ ردة فعل الفلسفة على تعليمها.
إن المجال الفلسفي حقل أسئلة، وباحة حوار، وورشة نقاش، وفي معرض التداول الفلسفي تتساوى الرؤوس، وتنعدم الحقيقة (بأل التعريف). والتعليم ببنيته يحتاج إلى حدٍ أدنى من الحقائق ليكررها ويروجها، والفلسفة لا تحتوي على ذلك، وإنما تضمن في جوفها تاريخ ألفين وخمسمائة سنة من الصراع حول النار والكون والضوء والشمس والفلك والوجود واللغة والزمن والموت. والفلسفة ليست واحدة حتى يتم تعليمها، بل إن كل نظرية تُخلق تعتبر فلسفة بذاتها، فالفلسفة تاريخ من الاحتمالات والأخطاء والتجارب والمواجهات والإخفاقات، وآية ذلك أن موجاتٍ فلسفية حين تم تدجينها شعبوياً اشتهرت ثم سرعان ما خفت إشعاعها، مثل الوجودية، والوضعية المنطقية، والفلسفة التحليلية، وقل مثل ذلك عن الموجات المتقاطعة مع الفلسفة مثل البنيوية.
سبعون عاماً مرّت على تدريس الفلسفة بالعالم العربي؛ لم تكن النتائج مرضية، وذلك لسبب أساسي أن تعليمها بقي ضمن مسار التلقين والحفظ، أو على الأقل التقديس للحقائق المعطاة، ولم تشحذ هذه الحصص الصفّية لتكون مجالاً لإطلاق عنان الخيال الخصب لدى الطلاب أن يبوحوا بما يروق لهم من أسئلة ترد على خواطرهم، وهذا بنظري ممتنع لدى المجتمعات العربية والإسلامية، بل يكاد يكون موضع عقاب حاد، ولهذا فإن الفلسفة في حال تخصيص حصص لها تحتاج إلى مناخٍ عام يمكن الطالب من التناول الحر لأي سؤال، والرد والتجاوز والاستنكار، وهذه البيئة هي التي تخلق إمكانات تحول الفلسفة إلى مجال متطور، ويمكن حينها ملاحظة مردود معقول جراء تدريس الفلسفة أو تعليمها.
جيل دلوزن، فيلسوف فرنسي مؤثر، رحل عام 1996، درّس في الثانويات بداية، ومن ثم صار يحاضر في السوربون، لديه فيديوهات على «يوتيوب» توضّح كيف كان يدير حلقة الدرس الفلسفي، على طاولته يتحلق الطلاب خارج الكراسي المعدة، ويحدث أن يتربّع جالساً على الطاولة، وقد اصطفّ الطلاب وقوفاً على مدار جلسته.. لديه كتاب بات مرجعاً كلاسيكياً في تجديد التعريف الفلسفي، وهو بعنوان «ما الفلسفة» بالشراكة مع فليكس غيتاري، وعلاوة على تعريفه الشهير للفلسفة، بوصفها خلق أو صناعة المفاهيم، فإنه يبحث في الاضطراب بين الفلسفة والعلم، فالعلم لديه: «ليس موضوعه المفاهيم، بل الوظائف التي تتمثل كقضايا في أنظمة خطابية معينة، وتدعى عناصر الوظائف بالوظيفية (Fonctifs)، فالمفهوم العلمي يتحدد ليس بالمفاهيم، وإنما بوظائف أو قضايا، إنها فكرة متنوعة جداً، معقدة جداً، كما يمكن أن نرى ذلك في استخدام هذه الوظائف والقضايا من قبل كل من الرياضيات والبيولوجيا وعلم الأحياء... ليس العلم بحاجة إلى الفلسفة أبداً في هذه المهمات». ومنه مقولة هيدغر: «العلم لا يفكّر»، وهذه ليست إدانة أو انتقاصاً من المجال العلمي، وإنما لتسجيل الاختلاف ضد التداخل بين المجالين بوصفهما ضمن وظائف وبنى مختلفة، والفلسفة كما يصف دلوز لديها «مهمة جينالوجية دائمة».
ومن هنا تكون الفلسفة ممانعة أحياناً من التبويب الذي يحصرها، من السجون التي تخنقها، ومن ذلك حدها بالتعريف العلمي، أو حجرها في الصفّ التعليمي، ولذلك فالفلسفة حليفة التمرد، تتأبى على السكون، فهي مع الموج والريح والنار، وليست مع الأسن والجمود والرماد، والتعليم كله في جذره جمود، بيد أن الذي عزز من حضور الفلسفة في الجامعات والمدارس في أميركا وأوروبا تلك النجاحات الخارقة للفلاسفة بكيفية التناول للمعنى والمفهوم الفلسفي حتى نراهم يطوّرون محاضراتهم بناءً على نقاشاتهم مع تلامذتهم في قلب الدرس، كما فعل الفلاسفة الألمان، بوصفهم ممن برع في تحويل القاعة إلى مجال خلق ودرس وتداخل حتى مع المجال العام، كما يروي غادامير تلميذ هيدغر والمعاصر لجمع من كبار الفلاسفة الألمان، وذلك في كتابه «التلمذة الفلسفية».
باختصار، فإن تدريس الفلسفة يحتاج إلى مناخ حر، وإلا فإن الكليات في إسلام آباد وكابل وطهران تدرّس الفلسفة... من الضروري تحرير المناخ من القمع المعرفي، مثل ذلك البدء بتدريس الفلسفات الشرقية في الهند والصين والشرق القديم. ومن ثم المرحلة السقراطية ثم أفلاطون وأرسطو، والرواقية، والأبيقورية، وصولاً إلى القرون الوسطى حيث أوغسطينوس ودينيس سكوت ووليم أوكام ونيقولا دي كوسا. ومن ثم عصر النهضة وبدء التأسيس لنظرية المعرفة منذ استقرائية فرانسيس بيكون وإلى ديكارت وليبنتز وهوبز ولوك وبريكلي وديفيد هيوم وسميث وباسكال وفولتير ومنتسكيو وروسو، ومن ثم كانط، ومن بعده من الفلاسفة الألمان حتى شوبنهاور ونيتشه وديلتاي، وفي القرن العشرين تنفجر الفلسفات المهمة للنقاش في الأكاديميات والثانويات، مثل الظاهراتية لهوسرل، وتحليلية راسل، ونظرية منطق اللغة لفتغنشتاين، وفلسفات الاختلاف التي عرفت بالموجة ما بعد الحداثية، وهكذا تكون العملية قد أخذت مساراً ممكناً وأولياً ومدرسياً تستطيع مع شحّه ومع كونه نظراً بدائياً أن تنطلق منه إلى التأسيس وشحذ السؤال... وعلى حد تعبير دلوز: «إن المفاهيم استواءات من دون درجات، إحداثيات من دون تراتب، من هنا تأتي أهمية الأسئلة في الفلسفة».
المصدر: الشرق الأوسط
تعيش العديد من دول العالم وشعوبها حالة التنوع الديني والقومي والطائفي ، وقد شكل هذا التنوع عبئا على بعض الدول فوصل الامر الى حالة من الصراع الاثني الذي ذهب ضحيته الالاف من الضحايا، وقد أوصل بعضها الى حالة الانقسام ، كما حدث في القارة الهندية او في يوغسلافيا ومناطق اخرى من العالم .
المشكلة هنا ليست في التنوع بحد ذاته ، اذ يمكن ان لايعد واقعا سلبيا وعامل ضعف في الواقع المجتمعي لو تمت ادارته بحكمة وانسانية من خلال التأسيس لمبدأ المواطنة الذي يتساوى من خلالها الجميع في الحقوق والواجبات ، فتتحقق المشاركة السياسية والثقافية والاقتصادية للجميع بغض النظر عن انتمائهم .
وقد عاشت الدول بسلام وقوة وتقدم في ظل التنوع الذي اصبح حالة ايجابية ومصدر قوة في حياة تلك الدول كما في الولايات المتحدة الاميركية .
وقد اشار الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلنتون الى التنوع الاثني والثقافي في الولايات المتحدة في خطابه امام الكونغرس في 27 كانون الثاني 2000 :( في غضون اكثر من خمسين عاما لن يعود هناك عرق أكثري في امريكا، ففي عالم مترابط بشكل متزايد، يمكن لهذا التنوع ان يكون ورقتنا الرابحة الاكثر عظمة ، يكفي النظر الى هذه القاعة، انظروا حولكم، فلدينا في هذا الكونغرس اعضاء من كل الاصول الاثنية والدينية تقريبا واعتقد بأنكم تشاطرونني الرأي بأن امريكا أكثر قوة لهذا السبب)
مأزق الهوية
متى يبدأ المواطن او الفرد بالبحث عن هويته ؟
يرى الكثيرون ان هذا البحث يبدأ ،حين يمارس الاقصاء والتهميش للفرد ، او حين يحرم من اي نوع من انواع المشاركة (اقتصادية او سياسية) يقول امين معلوف (إن المواجهات التي يتعرض لها الفرد بسبب أحد عناصر هويته أو بعضها، عامل رئيس في توليد الشعور بالخوف لديه) وفي بحث المواطن عن مأوى او مظلة أو خيمة يستظل بها، فلا يجد غير هويته الفرعية، فيكرسها وطنا بديلا وهوية يشعر بها وينتمي لها او يستعيدها او يعيد ارتباطه بها ليحصل على الامان والاطمئنان .كيف يحقق الفرد قبولا اجتماعيا ويلبي توقعات الجماعة الاجتماعية بدون هوية ؟
يقول عالم النفس اريك فروم “ان فقدان الذات واحلال ذات اخرى مكانها، يدفع الفرد الى حالة من انعدام الاطمئنان، فالشك يلاحقه اذ انه اساس مرآة لتوقعات الاخرين منه، بينما هو فقد هويته الى حد كبير، وفي سبيل تجاوز الهلع الناتج عن خسارة الهوية هذه، نراه مضطرا للبحث عن هوية ما من خلال قبول واعتراف مستمرين به من قبل الاخرين”.
يشير مفهوم الهوية إلى مجموعة من الناس ، تشكل جزء من الكل المجتمعي، وهي وعي الذات ووعي الاخر وتشكيل موقف متوقع من الذات الكلية او من الاخر الشريك ، ويمكن ان يعبر عنها بوصفها اطارا مرجعيا وثقافيا لسلوك ما ، لهذا الفرد المعبر عن تلك الجماعة التي هو جزء منها.ومن هنا يعبر عن الهوية بالقول (ما هو ليس من الذات فهو خارجها وما ليس من الاخر فهو فيها ).
وحين نصر على استخدام مفهوم الهوية للدلالة على الانتماء الى جماعة ما ، لانها تشكل توصيفا لذات الفرد ومجموعته التي ينتمي اليها وتتشكل من عدد من السمات الثقافية والسلوكية للجماعة ، وتصورات الجماعة عن الاخرين وموقفها منهم.
ويمكن ان يكون للهوية لحظة تضخم لخضوع الهوية للتحدي والاستجابة ، انبساطا وانقباضا ، فالتميز والنبذ او الفرز الاجتماعي او التهميش جميعها لحظات انتعاش للهوية.
هل يمكن ان تتعدد هويات الفرد وجماعته ، كما في السياق العراقي؟
فالفرد قد يكون مسلما وعربيا وعراقيا وشيعيا في آن معا ، فان كان هناك صراع قومي كانت عروبته حاضرة فهو عربي قومي، وان كان هناك تحدي يتعرض له وطنه العراق فهو عراقي قبل كل شئ ، وان اسيء للاسلام تبرز هويته الاسلامية ، ولو كان هناك صراعا طائفيا او تعرض للتمييز كونه شيعيا حضرت هويته الشيعية بوضوح،فالهوية موقف وسلوك ولحظة مواجهة.
الاعتزاز بالانتماء لهوية معينة قد يجعل الفرد امام مسؤولية ابراز الهوية وعرضها وإشهارها ، وهذا يتم من خلال وسائل عدة ، اذ يمكن ان يتمظهر في طقس ديني او زي او لغة ، القصد منه التمييز عن الاخر او للاستعراض .
فتتحول الهوية ومجموعة رموزها الى ايقونة او مجموعة ايقونات تصبح دلالة طريق ثقافي او اطار للهوية او تمظهر لها .
اللا تعايش هو هيمنة أجواء من الشك والريبة وعدم اطمئنان المكونات القومية والعرقية والدينية لبعضها البعض،لابديل عن التعايش الانساني والأخاء غير العنف والدمار والقتل وهو ماحصل ويحصل اليوم بكل أسف،مسألة التعايش بين المكونات الاثنية هي مسألة سياسية بالدرجة الاولى وان الزعم والأدعاء القائل بوجود فوارق “ثقافية” ناجمة عن البيئة والسلوك الاجتماعي والموروث الديني بين الطوائف والاثنيات لن تكون حائلا دون تحقيق التعايش اذا حلت المسائل السياسية،هذه المكونات مصادر وروافد للتنوع والازدهار والمنافسة في ظل سيادة الأمن الاجتماعي واحترام الاختلاف بين هذه المكونات . ان الهويات الفرعية حقيقة سوسيولوجية موضوعية لا يمكن التنكر لها بل يجب احترامها واخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار وهي مصدر قوة وغنى للهوية العراقية.
فضيلة اخلاقية
تعيش العديد من المجتمعات حالة التنوع الثقافي والديني والعرقي ،اذ ليس التنوع بحد ذاته معضلة تواجه الدول والمجتمعات ، بل المعضلة في ادارة هذا التنوع، فقد يصبح عبئا ومشكلة في حالة عدم النجاح في ادارته فيشكل عاملا للتصدع والصراع الذي قد يصل الى مستويات عالية من العنف.
و(السمة الرئيسة في تعريف كلمة (التعايش) هو علاقتها بكلمة (الاخرين) والاعتراف بأن (الاخرين) موجودون ، التعايش يعني التعلم للعيش المشترك، والقبول بالتنوع،، بما يضمن وجود علاقة ايجابية مع الاخر..فعندما تكون العلاقة ايجابية وعلى قدم المساواة معه فان ذلك سوف يعزز الكرامة والحرية والاستقلال، وعندما تكون العلاقات سلبية ومدمرة فان ذلك سيقوض الكرامة الانسانية وقيمتنا الذاتية.)
فالتعايش هو فن ادارة المجتمعات وفرصة لاقامة السلم الاجتماعي بين الجماعات في مجتمعات التنوع الديني والطائفي والقومي،ومنع نشوب الصراعات(من الممكن العيش سويا رغم تبايناتنا) ، وعكس هذا يمكن ان يكون الصراع بين الجماعات الى قيام حرب اهلية ،قد تصل الى حد تقسيم الدولة الواحدة.
يعبر الفرد والمجتمع من خلال ايمانه بقيمة التعايش عن انسانيته واخلاقه ومستواه التربوي والثقافي ، اذا لايمكن ان يؤمن بالتعايش الا من انطلق في مواقفه وسلوكه من اطار مرجعي ثقافي ديمقراطي يؤمن بحقوق الانسان ، وحقه في الاختلاف عن الاخرين واختيار دينه وطائفته دون اكراه .
التعايش ليس موقفا سلبيا سكونيا ، بل هو عملية تفاعل وقبول اجتماعي واعتراف متبادل بين الانواع الاجتماعية والثقافية والدينية والطائفية خارج اطر النبذ الاجتماعي او الاقصاء السياسي والحرمان الاقتصادي .
وهو رؤية لبناء الحاضر والتأسيس للمستقبل برؤية انسانية يشترك فيها الجميع دون استفراد او استحواذ،
واحترام الخصوصية لكل جماعة دون تقديم لتنازلات عن هذه الخصوصية للطرف الاخر ، بل ايجاد قاعدة مشتركة ومنطقة وسط يلتقي الجميع عليها لبناء الواقع ومغادرة ماهو قائم من عدوانية او تعصب.
يحتاج التعايش الى اطر دستورية وقانونية تنظمه وتحميه وتوفر له بيئة من السلم الاجتماعي المحمي قانونيا .
لايمكن ان يكون هناك تعايش حقيقي دون وجود دولة قوية ، دولة تحترم الانسان وتصون كرامته وتحمي معتقده ، دولة لا تتبنى معتقد او دين او طائفة ، بل دولة الجميع وللجميع .
الجهد الدولي في بناء التعايش
ارتبط مفهوم التعايش بعدة مفاهيم وقيم انسانية كالتسامح، والاعتراف بالاخر، والتعدد والتنوع.
وقد اعتبرت هذه القيم والمبادئ هي الاسس المهمة لبناء التعايش وقد اهتم العالم ومنظماته الدولية بها وعمل على التاكيد عليها واشاعتها لايجاد بيئة يسودها السلام محليا وعالميا، وخصصت لها ايام للاحتفاء والاحتفال بها ، كيوم التسامح العالمي (16 تشرين الثاني) ويوم التنوع الثقافي الذي خصص له يوما عالميا هو (21 مايس).
التسامح
في عام 1996 دعت الجمعية العامة الدول الأعضاء إلى الاحتفال باليوم الدولي للتسامح في 16 تشرين الثاني ، من خلال القيام بأنشطة ملائمة توجه نحو كل من المؤسسات التعليمية وعامة الجمهور (القرار 51/95 ، المؤرخ 12 كانون الأول/ ديسمبر).
وجاء هذا الإجراء في أعقاب إعلان الجمعية العامة في عام 1993 بأن يكون عام 1995 سنة الأمم المتحدة للتسامح (القرار 48/126 ). وأعلنت هذه السنة بناء على مبادرة من المؤتمر العام لليونسكو في16 تيشرين الثاني/نوفمبر 1995، حيث اعتمدت الدول الأعضاء إعلان المبادئ المتعلقة بالتسامح و خطة عمل متابعة سنة الأمم المتحدة للتسامح .
توجز وثيقة نتائج مؤتمر القمة العالمي لعام 2005 (A/RES/60/1 ) ، التزام الدول الأعضاء والحكومات بالعمل على النهوض برفاه الإنسان وحريته وتقدمه في كل مكان ، وتشجيع التسامح والاحترام والحوار والتعاون فيما بين مختلف الثقافات والحضارات والشعوب.
تحتفل دول العالم في (16 تشرين الثاني) من كل عام باليوم الدولي للتسامح باعتباره فرصة لتأكيد قيم الاخاء والمحبة والتعايش بين الشعوب والقوميات والاديان والثقافات المختلفة، فيتم التأكيد على اهمية تقدير التنوع الديني والطائفي والقومي والسياسي والاختلاف الثقافي، وهو انفتاح على أفكار الآخرين وفلسفاتهم، منبثق من الرغبة في التعلم والإطلاع على ما لدى الآخرين، والاستعداد لعدم رفض ما لا نعرفه، والتسامح احد اهم مبادئ التعايش في مجتمعات التنوع الديني والطائفي والقومي.
التنوع
تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة اعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي الذي قدمته اليونسكو في شهر تشرين الثاني 2001 وأعلنت يوم 21 مايس يوما عالميا للتنوع الثقافي.
ودعت الأمم المتحدة الى الاحتفال بهذا اليوم من اجل تعزيز قيم التنوع الثقافي وزيادة الوعي بشأن أهمية استثماره في التنمية تعبيرا عن العلاقة الايجابية بين الثقافة والتنمية وأهمية الدور الذي يجب أن تلعبه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الحوار الثقافي والتنمية المجتمعية .
ودعت الامم المتحدة الى اعتبار هذا اليوم فرصة مهمة للاعتراف بالتنوع ومن ثم التعايش معه بوصفه واقعا لايمكن الهروب منه او غلق الابواب دونه بوصفه فرصة لبناء السلام.
وقادت الامم المتحدة بالتعاون مع اليونسكو عدة حملات لرفع الوعي على مستوى العالم بشأن أهمية الحوار بين الثقافات من أجل الوصول الى مايمكن تسميته بالمجتمع العالمي.
ويمكن اعتبار اليوم العالمي للتنوع الثقافي فرصة للحوار واللقاء بين الثقافات من اجل التلاقح دون هيمنة ومغادرة عقدة الهوية التي يتحجج بها البعض من دعاة الانغلاق والعزلة.
فقد اثبتت الفترات التي مرت بها الامم ان لامجال للعزلة لانها آلية للنكوص والانكسار الداخلي وهو مايجعل اية امة تعيش تحت تأثير هذه الآلية ستجد نفسها خارج سياق التاريخ والزمن والتطور وستتسع الهوة الثقافية والعلمية بينها وبين الامم الاخرى.
وبقدر تعلق الامر بالعالم الثالث وعالمنا العربي فانه أشد مايكون الى التعايش والاعتراف بالتنوع وبخاصة في المجال المحلي ، وهذا يشمل مجتمعات التنوع والتعدد الاثني والديني والطائفي.
فيوم التنوع الثقافي فرصة لادامة التعايش وايجاد وبناء فضاءات السلم الاجتماعي وبناء قيم الاخوة الانسانية بعيدا عن العداء والاحتراب .
ويمكن القول ان التنوع الثقافي لا يمكن أن يزدهر الا في بيئة تضمن الحريات الأساسية وحقوق الانسان وايجاد ضمانات دستورية وقانونية تحمي التنوع وتنظم عملية رعايته وتنميته لان هذا يعني احترام كرامة الفرد وخياراته العقائدية والثقافية ، ولايمكن القفز على التنوع او تجاهله وتجاوزه لانه واقع سسيولوجي وثقافي لابد من الاعتراف به ورعايته وتوفير متطلبات تنميته.
الموقف الديني
يمكن ان نجد الكثير من النصوص الدينية، سيما في النص القرآني ، مايحث على قبول التنوع والاعتراف به ، بوصفه احد سنن الكون، وقد اتخذ الموقف من التعايش عدة وجهات ربما يتناساها المتطرفون والمتعصبون او يغضون الطرف عنها او يفسرونها على هواهم .
فبشأن التعددية الدينية جاء في النص القرآني (الإعتراف بكافة الأديان:
إن الذيم آمنوا والذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون).
(﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾، ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
ويوصي بالتعامل بالحسنى مع اتباع الديانات الاخرى ماداموا يعيشون معهم بسلام ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
فليس من شأن المسلم التدخل في شؤون الاخرين ، بل عليه ان يترك الامر كله لله (﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾، ﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
وعن التعددية القومية قال (يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
التعارف
يعد التعارف الجزء الاهم والركيزة الاساس في بناء التعايش ،اذ تأتي اهميته في الاجابة على العديد من الاسئلة من خلال التعارف.
من هو ؟
كيف اعترف به دون ان اعرفه ؟
انا اخافه ؟
هل هو عدوي؟
هل يستهدفني؟
ومن هنا فان التّعارف للتّعايش بالحوارِ والجدالِ بالتي هي أَحسن، وعدم احتكار الحقيقة ابداً لانّها تُلغي التّعدديّة التي جعلها الله تعالى كما في قوله عزّ وجلّ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
( ومن اهم طرق معرفة الاخر ان يتم التعرف عليه من مصادره ولا نكتفي بما نعلمه عنه من مصادرنا وحدها،، كما ينبغي وصفه على حقيقته لا كما نتمنى، وان يتم التعامل معه حسب تعريفه لنفسه لا كما نعرفه نحن)
فتزال العديد من الشكوك والمخاوف والمواقف المسبقة يقول محمد محفوظ (وذلك لتفكيك الرؤى النمطية التي تحبس الإنسان والمجموعات البشرية في قوالب جامدة، تزيد من فرص سوء الظن بين المختلفين. بينما التعارف المباشر يبدد الكثير من الصور النمطية، ويوفر فرصة التلاقي والانسجام النفسي، والذي بدوره يعزز إمكانية التعارف العميق بين المختلفين. التعارف الذي يدفع الجميع للانفتاح على الجميع بدون هواجس مسبقة سواء كانت ذات بعد تاريخي أو ذات بعد معاصر. وهكذا تتراكم قواعد التعايش في النفوس والعقول، وينفتح مجال التعاون على قاعدة المصير المشترك) .
يمكن ان يكون التعليم فرصة لتعليم التعايش وتعليم الطفل منذ المراحل الاولى على العيش المشترك والاعتراف بالتنوع المحيط به وقبوله.
فيوصلنا التعارف الى نتيجة نعم انت موجود ... نعم انت مختلف عني ... ليس لدي مشكلة معك .. من حقك ان تعيش ... من حقنا ان نعيش معا بسلام.
صناعة عقل التعايش
التعايش قيمة ثقافية مكتسبة يحصل عليها الانسان من بيئته الاجتماعية داخل الاسرة او المجتمع او المؤسسة التربوية .
ربما نستطيع ان نقول ان اهم المهام الملقات على عاتق من يريدون اقامة السلم الاجتماعي والتعايش بين المختلفين في مجتمعات التنوع هو صناعة عقل يستطيع التعايش ، عقل غير عدواني وليس كراهي ، نحتاج اعادة تأهيل عقل الانسان وانقاذه مما ترسب فيه من قيم ومفاهيم اقصائية .
والتخلص من العلاقة الصفرية التي تلغي الاخر أو التي تسعى الى الغائه بل فنائه، ومن هنا تأتي اهمية خصوصية الفرد وحريته في متبنياته من معتقدات وافكار .
(الغير عدو بالضرورة ) هكذا يفكر الاقصائي الذي لايعرف عقله شيئا من منظومة التعايش الاخلاقية .
كما لايمكن ان يكون هناك تعايش دون الاعتراف بالمساواة بالحقوق والواجبات وليس في الواجبات فقط،وهو مايؤكد عليه مبدأ المواطنة الذي يساوي بين الجميع.
المؤسسة التربوية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام فضلان عن المؤسسة الدينية ، جميع هؤلاء منفردين ومجتمعين قادرين على ايجاد فضاء اجتماعي متعايش ومطمئن ، ومجتمع يسوده السلم الاجتماعي .
جميع هذا بحاجة الى سند قانوني ودستوري يقدم ضمانة وطمأنينة للجميع من اجل تحقيق المساواة بين الجميع دون تمييز على اساس العرق او الدين والطائفة .
المصادر
ـــــــــــــــــــــــــــ
1ــ جوزيف ياكوب.. ما بعد الاقليات ، بديل عن تكاثر الدول، ترجمة حسين عمر.ــ بيروت: المركز الثقافي العربي ،2004 ص 282
2 ـــ شمخي جبر ... الهويات الفرعية وإنتـــاج ثقافة الانحطاط واللاتعايش .. موقع دروب
3 ـــ شمخي جبر ... المشروع الطائفي...فشل للدولة وحبل انقاذ لمشاريع التفرقة ـ الحوار المتمدن .. 2013 / 12 / 20
4ــ ماهو التعايش .. كومار ربسنكة ، ترجمة ذاكر ال حبيل..مجلة الكلمة . (نيو صوفيا / قبرص.)العدد ( 68 ) السنة السابعة عشر ، صيف 2010م ، 1431هـ
5ــ التعايش السلمي في ظل التنوع الديني..تقديم الامير عبد المحمود ابوhttp://sudaneseonline.com/
6ــ محمد محفوظ .. التعايش من منظور مختلف ... جريدة الرياض 25 /3 /2014
مصدر المقالة: الحوار المتمدن
الغرب والمجتمع والدولة والديمقراطية في البلدان العربية نموذج الحالة البحرينية
يعد جون راولز واحداً من أعظم فلاسفة القرن العشرين. وقد أسهمت أعماله في تغيير وجهة البحث في العدالة وتطبيقاتها بشكل جذري. هذا ما قاله امارتيا سن، الفيلسوف والمفكر الهندي الحائز جائزة نوبل للاقتصاد. قد تكون عبارات مثل «أهم» و«أعظم» انطباعية، لا سيما إذا صدرت عن أشخاص تأثروا فعلياً بأعمال راولز. لكن ثمة ما يدلنا على أنه كان بالفعل مفكراً استثنائياً، يندر إغفاله في أي دراسة جادة حول العدالة أو التنمية البشرية في العالم المعاصر.
طبقاً لتقارير «غوغل» الأكاديمية، فإن اسمه يظهر مرجعاً لدراسات عامة وأكاديمية بما يزيد على 160 ألف مرة، من بينها 110 آلاف مرة خلال السنوات الخمس الماضية فحسب. وهذا رقم يتجاوز عدد الإرجاعات المسجلة لأي مفكر آخر في العالم.
السر الذي جعل أعمال راولز واسعة التأثير، هو نجاحها في البرهنة على أن التزام السياسات العامة بقيمة العدالة طريق لتسريع النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الاستقرار الذي تنشده كل الحكومات، خلافاً لانطباع عام بين السياسيين والاقتصاديين، فحواه أن النمو الاقتصادي قد يتطلب تأجيل حقوق الإنسان الأساسية. في هذه النقطة بالذات، تتمايز رؤية راولز عن الليبرالية الكلاسيكية التي افترضت إمكانية التضحية بالمساواة أو على الأقل تأجيلها، في سبيل النهوض بالاقتصاد والمعيشة وتعزيز الحريات الفردية. كما تمايزت عن الرؤية الماركسية التي نادت بتأجيل الحريات الفردية والمدنية، حتى إقرار المساواة الكاملة بين جميع المواطنين.
يصر راولز على أن نظريته «العدالة كإنصاف» نظرية سياسية، بمعنى أنها قابلة للتطبيق في إطار سياسات وبرامج عملية، غايتها إعادة تشكيل البنية الأساسية للنظام الاجتماعي، بما فيها القانون والسياسات الرسمية وبرامج العمل، وصولاً إلى إقامة نظام اجتماعي عادل.
نعرف أن هذا التقدير لم يكن مجرد تأمل فلسفي. لقد ثبت فعلياً أن رؤية راولز - رغم ما يظهر عليها من نزوع مثالي - قابلة للتحول إلى برامج عمل. في عام 1990، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة جدول مؤشرات لقياس النمو الاقتصادي/ الاجتماعي الذي تحققه أقطار العالم في كل عام. وضع الجدول على يد محبوب الحق، أحد أشهر منظري التنمية المعاصرين، بمساعدة امارتيا سن، والسياسي الاسكوتلندي تام داليل. يشكل مجموع تلك المؤشرات دليلاً للمخططين في كل بلد، نحو تحقيق الهدف الأعلى للتنمية، أي تعزيز العدالة الاجتماعية، من خلال توسيع خيارات الأفراد وتمكينهم من إدارة حياتهم، على النحو الذي يترجم تصورهم الخاص للسعادة.
وفقاً لرؤية راولز، فإنه يمكن للعدالة أن تتحول من تطلع مثالي إلى قيمة متحركة في واقع الحياة، إذا صيغ مفهومها في سياق نقاشات مفتوحة بين مواطنين عقلاء أحرار. إن نقاشاً حراً بين الناس، سيفضي إلى إبراز مفهوم للعدالة، واقعي وقادر على توحيد الأطياف الاجتماعية المختلفة. وهو يقرر في كتابه «الليبرالية السياسية» أن النظم الليبرالية تواجه تحدياً جدياً، يتمثل في قابليتها لإنشاء فضاء واحد يوفر العدالة لجميع المواطنين، مهما اختلفت مشاربهم ومتبنياتهم الدينية والآيديولوجية ومستوى معيشتهم.
عقلانية الإنسان تتجلى - حسب راولز - في قدرته على إدراك حقيقة العدل وتمييز ما هو خير لنفسه وللآخرين. وبهذا فهو يؤكد قيمة محورية غالباً ما تناساها السياسيون، وهي أن سعي الإنسان لصالحه الخاص، لا يغير من حقيقة أن ذاته وفطرته خيرة، وأنه قادر على تدبير حياته دون عدوان على حقوق غيره.
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها
من مختارات الجماعة العربية للديمقراطية: عبدالوهاب الأفندي: إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الإسلام، من اللقاء السنوي للجماعة سنة 2000.
تناول موضع اللقاء السنوي العاشر لمشروع دراسات الديمقراطية: "المواطنة والديمقراطية في البلاد العربية".
وقد انعقد في كلية سانت كاثريز، جامعة أكسفورد، في 26 أغسطس 2000.
وتضمن الموضوعات التالية:
1- مبدأ المواطنة في الدول العربية: مناقشة عامة
2- النسوية والديمقراطية والمواطنة في الأردن - فادية الفقير
3- إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الإسلام - عبدالوهاب الأفندي
4- مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية - علي الكواري
5- المواطنة في الدول العربية: الشروط المرجعية - علي الكواري
6- تقديم لكتاب المواطنة والديمقراطية في البلاد العربية - رغيد الصلح وعلي الكواري
7- مبدأالمواطنة في الفكر القومي العربي - خالد الحروب
للإطلاع على الملف الكامل للقاء السنوي العاشر - اضغط هنا
یؤكد برنارد لویس بأن مفھوم المواطنة غریب تمامً ا على الإسلام، ویمثل ھذا الغیاب بالنسبة للویس حقیقة تاریخیة وثقافیة ممیزة في الفكر الإسلامي، وبحسب لویس فإنھ لا توجد كلمة "Citizen" مواطن في اللغات العربیة والفارسیة والتركیة وإنما یوجد مصطلح مقابل لھا یستخدم في كل منھا بمعنى ابن البلد، وھي كلمة تخلو بدرجة كبیرة من أیة مضامین أو إیحاءات لكلمة "Citizen" مواطن الإنكلیزیة التي تنحدر من أصول لاتینیة وإغریقیة بمعنى الفرد الذي یشارك في الشؤون المدنیة. إن سبب غیاب كلمة "مواطن" في اللغة العربیة واللغات الأخرى یرجع إلى غیاب فكرة المواطن كمشارك وفكرة المواطنة كعملیة مشاركة.
إن تأكید لویس ھذا كمثل غیره من التأكیدات التي صدرت منه أخیرً ا حول الإسلام خاطئ تمامً ا بالرغم من اتفاق آراء بعض الباحثین العرب معه حول غیاب مفھوم المواطنة في الإسلام. یستنتج سمیر أمین على سبیل المثال بأن "المساواة القانونیة لم تكن سمة من سمات الأنظمة التقلیدیة العربیة أو الشرقیة"، بینما یعبر محمد آركون عن رأي مماثل مفاده أن مفھوم الجماعة السیاسیة في الإسلام یخلو من أیة محاولة لتطویر "سیاق للمواطنة كشرط ضروري لیس لنشوء حكم القانون فحسب بل لظھور المجتمع المدني الذي یستطیع السیطرة على سلطات الدولة.
الملفات المرفقة بأسفل الصفحة تتضمن الورقة بالإضافة إالى التعقيبات والملاحظات على الورقة ومناقشات عامة حول اللقاء العاشر.
القارئ العزيز، يمكنك زيارة هذه الصفحة لتصفح كل ما يتصل باللقاءات السنوية لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية التي بدأت عام 1991 في جامعة أكسفورد.
تتضمن صفحات معظم اللقاءات: موضوع اللقاء - المشاركون فيه - البحوث والأوراق التي قدمت - المداخلات والتعقيبات - المراجعات والخلاصات - ومضامين الكتاب الذي نشر في حالة نشر أعمال اللقاء.
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها
من مختارات الجماعة العربية للديمقراطية: محمد الرميحي: الديمقرطية والنخب العربية، من اللقاء السنوي للجماعة سنة 2001.
كان موضوع اللقاء الحادي عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية هو:
"التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية"
وقد انعقد اللقاء في كلية سانت كاثرينز، جامعة أكسفورد بتاريخ 1 سبتمبر 2001، وحضره لفيف من الباحثين والكتاب والمهتمين بقضايا الديمقراطية في الدول العربية.
وتضمن الموضوعات التالية:
1- التحفظات على الديمقراطية: مناقشة عامة
2- حالة اليمن: المعارضة الصريحة والمستترة - سمير الشميري
3- تحفظات السلفيين على الديمقراطية - سعد الفقيه
4- الأردن: البنى الإجتماعية والتوجهات الديمقراطية - خالد سليمان
5- تحفظات عربية على الديمقراطية - فواز جرجس
6- الديمقراطية والنخب العربية - محمد الرميحي
للإطلاع على الملف الكامل للقاء السنوي الحادي عشر - اضغط هنا
في المرفقات يمكن تحميل البحث كاملا، التعقيبات، والمناقشة العامة الختامية للقاء الحادي عشر.
" وماذا بعد؟
هذا هو واقعنا، وهذه هي حقيقة وضعنا المأساوي على خارطة الحضارة العالمية. نحن هامشيون، ومهمشون، ووضعنا صعب للغاية، بل ويزداد سوءا. وهنا لن تنفعنا الثروة. فثرواتنا كلها لن تنقلنا من موقعنا الهامشي. وغرورنا باستخدام أحدث منتجات العصر الاستهلاكية لن ينفعنا عندما يسألنا أبناؤنا ماذا فعلتم من أجلنا؟ الثروة الحقيقية ليست في امتلاك المال، أو الاستمتاع بالسلع الاستهلاكية، بل هي في النشاط الإنتاجي والإبداعي، وقدرة المجتمع ذاته على التجدد، وتجديد ينابع الإبداع فيه، وامتلاك المعرفة وأدواتها.
إن أي رصد لواقعنا العربي لا يمكنه هول التردي الذي وصلنا إليه، وحجم التحديات المفروضة علينا إذا أردنا النهوض هو إعادة الديمقراطية إلى قلب الحياة العربية على مختلف الأصعدة. فقد غابت الديمقراطية عن التطور السياسي والثقافي والاجتماعي العربي في العصر الحديث. ولم تحتل الاولوية في جدول اعمال معظم - إن لم يكن كل - التيارات الفكرية والسياسية العربية. بل إن بعض التيارات رفضها جملة وتفصيلا بحجج متباينة، ومن قبلها تنكرت لها واقعا عمليا وممارسة يوميا ....... "
القارئ العزيز، يمكنك زيارة هذه الصفحة لتصفح كل ما يتصل باللقاءات السنوية لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية التي بدأت عام 1991 في جامعة أكسفورد.
تتضمن صفحات معظم اللقاءات: موضوع اللقاء - المشاركون فيه - البحوث والأوراق التي قدمت - المداخلات والتعقيبات - المراجعات والخلاصات - ومضامين الكتاب الذي نشر في حالة نشر أعمال اللقاء.
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها
من مختارات الجماعة العربية للديمقراطية: فواز جرجس: تحفظات عربية على الديمقراطية، من اللقاء السنوي للجماعة سنة 2001.
كان موضوع اللقاء الحادي عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية هو:
"التحفظات على الديمقراطية في البلاد العربية"
وقد انعقد اللقاء في كلية سانت كاثرينز، جامعة أكسفورد بتاريخ 1 سبتمبر 2001، وحضره لفيف من الباحثين والكتاب والمهتمين بقضايا الديمقراطية في الدول العربية.
وتضمن الموضوعات التالية:
1- التحفظات على الديمقراطية: مناقشة عامة
2- حالة اليمن: المعارضة الصريحة والمستترة - سمير الشميري
3- تحفظات السلفيين على الديمقراطية - سعد الفقيه
4- الأردن: البنى الإجتماعية والتوجهات الديمقراطية - خالد سليمان
5- تحفظات عربية على الديمقراطية - فواز جرجس
6- الديمقراطية والنخب العربية - محمد الرميحي
للإطلاع على الملف الكامل للقاء السنوي الحادي عشر - اضغط هنا
في المرفقات يمكن تحميل البحث, التعقيبات، والمناقشة العامة الختامية للقاء الحادي عشر.
"غالبًا ما يتساءل بعض الباحثين والمنظرين العرب والأجانب عن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية وهل تتلائم أو تتعارض الثقافة الإسلامية مع بعض التجربة الديمقراطية الغربية أو الليبرالية. ولأن السؤال سجالي أكثر منه علمي تاريخي، تتراوح معظم الأجوبة بين السجالية والإيديولوجية وعدم القدرة عمى التوثيق الدقيق والرفض المطمق أو القبول المطمق للأطروحة. لقد أنهك بالفعل هذا السؤال السجالي بحثًا ونقاشًا وعرضًا، وحدث فرز خطير في أدبيات الديمقراطية التي تعالج مستقبل التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية. واليوم هناك حاجة ملحة لفهم البنى المادية والأيديولوجية التي تلعب دوراً أساسيًا في إعاقة المسار الديمقرطي في المنطقة العربية ولفهم التحفظات الجوهرية للأحزاب وللمقوى والحركات الوطنية القومية واليسارية وحركات الإسلام السياسي، بالإضافة إلى النظم القائمة.
والسؤال النقدي الهيم الذي لم يعطى حقه من الدارسة هو: ما هي أهم الاعتراضات لدى القوى السياسية الرئيسية على مفهوم الديمقراطية البرجوازية؟ وهل يمكن أن تساعدنا دارسة هذه التحفظات واتباع المنهج (السلبي) في البحث على استيعاب للمخاوف المتجذرة في الذهنية العربية ضد مفاهيم الديمقراطية وايجاد الآليات والإستراتيجيات الفعالة للتعاطي معها وحل رموزها وتبديد شكوكها والانطلاق نحو الفضاء الديمقراطي؟ وهذا هو الهدف العلمي لهذه الورقة التي تتمحور حول تقديم مسح كامل وان كان ملخصًا وخارطة توضيحية للمناخ الديمقراطي لدى العرب والتيارات غير المواتية لها والمشككة في جدواها وفعاليتها وقدرتها على تفعيل المشروع النهضوي العربي.
وسنحاول في هذا العرض الملخص أن نستشف مواقف القوى السياسية العربية الإعتراضية بطريقة نقدية تحليلية من أجل فهم إطروحاتها وخلفيتها قبل الشروع في تفكيكيا أو تبريرها. يغلب، يا للأسف، على الأدب السياسي العربي منهج المواجهة اللفظية العنيف والرفض الأيديولوجي الحاد للرأي الآخر، مع أن حساسية الموضوع وأهميته تتطلب رؤية وحكمة وتفكير هادئ واعتراف مطلق بحرية الآخر في التعبير عن رأيه ومحاورته نقديًا وايجابيًا بدلاً من تخوينه أو تكفيره أو تلفيق التهم الخطيرة له."
القارئ العزيز، يمكنك زيارة هذه الصفحة لتصفح كل ما يتصل باللقاءات السنوية لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية التي بدأت عام 1991 في جامعة أكسفورد.
تتضمن صفحات معظم اللقاءات: موضوع اللقاء - المشاركون فيه - البحوث والأوراق التي قدمت - المداخلات والتعقيبات - المراجعات والخلاصات - ومضامين الكتاب الذي نشر في حالة نشر أعمال اللقاء.
المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها
المزيد...
من مختارات الجماعة العربية للديمقراطية: وليد نويهض - الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية، من اللقاء السنوي للجماعة سنة 1996.
كان موضوع اللقاء السنوي السادس لمشروع دراسات الديمقراطية هو "الحركات الإسلامية والديمقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة".
وقد انعقد اللقاء في كلية سانت كاثرينز، جامعة أكسفورد، أكسفورد في 31 أغسطس 1996.
وتضمن الموضوعات التالية:
1- مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي - زياد بهاءالدين.
2- الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية - وليد نويهض
للإطلاع على الملف الكامل للقاء السنوي السادس - اضغط هنا
الملفات المرفقة بأسفل الصفحة تتضمن التعقيبات والملاحظات على الورقة ومناقشات ومداخلات اللقاء السادس كاملة.
وليد نويهض - الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية
فهـــرس
1 - مقدمة
2 - الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديمقراطية
2-1 إعادة إنتاج الديمقراطية
2-2 الإسلاميون والمسألة الديمقراطية
2-3 الفكرة وتاريخها
2-4 المصطلح والمفهوم
3 - مسلمون وإسلاميون
3-1 الاختلاف على الديمقراطية
3-2 الأخوان والدولة والشورى
4 - صدمة السودان 1989
5 - صدمة الجزائر 1991
5-1 الجماعات المسلحة
5-2 الدولة والعنف
6 - تونس الضحية
7 - صدمة أوسلو 1993
8 - صدمة اربكان 1996
9 - الدولة والمجتمع والديمقراطية وشروط التسوية التاريخية
10- خلاصات عامة
11- مراجع البحث ومصادره
مقدمـــــة
من الصعب حصر مواقف الحركات الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية فهناك عقبات تمنع تحقيق الهدف المذكور منها:
أولاً: تنوع التنظيمات الإسلامية واختلاف ظروفها المكانية ونشأتها الزمانية.
ثانياً: تاريخ كل تنظيم وتطور أفكاره وتعارض توجهه السياسي بين فترة وأخرى.
ثالثاً: اتساع المساحة الجغرافية لعمل المنظمات الإسلامية واختلاف استراتيجياتها بين دولة عربية وأخرى.
رابعاً: انقسام التنظيم الواحد وتعدد مصادر كل طرف الفكرية والثقافية والاجتماعية.
خامساً: صعوبة الحصول على وثائق مختلف المنظمات نظراً لتنوعها من جهة، ولجوء بعضها آلي العمل السري من جهة أخرى.
حتى يتم حصر البحث كان لابد من توزيع عمل الجبهات الإسلامية آلي فريقين كبيرين: الأول يشارك بنسب متفاوتة في برلمانات بعض الدول العربية وحكوماتها. والثاني يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق، وعسكرياً في مناطق أخرى.
بعد تقسيم الجبهات آلي فريقين تم إهمال الأول لسبب بسيط وهو عدم وجود مشكلة لديه مع الدول العربية التي يتحرك في داخلها، الأمر الذي يسقط مبرر البحث وهو المسألة الديمقراطية. وتم التركيز على الفريق الثاني بسبب وجود تلك المشكلة وهي سلبية التنظيم من الديمقراطية أو سلبية الدولة وحساسيتها من التنظيم.
بعد أن تم تحديد الفريق الإسلامي المطالب بتوضيح وجهة نظره من الديمقراطية كان لابد من مراجعة المسألة في ضوء نقاط ثلاث:
الأولى: تطور الفكرة واختلافها داخل التنظيم نفسه بالتركيز على أدبياته الصادرة حديثاً في الثمانينات ومطلع التسعينات.
الثانية: التنازع بين المنظمات الإسلامية واختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطية.
الثالثة: علاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها.
وبسبب صلة الفكر بالسياسة كان لابد من قراءة أدبيات المنظمات الإسلامية من منظور سياسي لأنها في النهاية هيئات تنشط في المجتمع، الأمر الذي يغلب على عملها الجانب السياسي على الديني.
ونتيجة غلبة السياسي على الديني في أنشطة المنظمات الإسلامية كان من الصعب فصلها ذعن البيئات التي تتحرك فيها وتحديداً نمط علاقتها بالدولة الوطنية (المعاصرة والحديثة) وموقف الدولة نفسها من مسألتي الديمقراطية والإسلام. فالبحث في أفكار الهيئات الإسلامية يبقى قاصراً إذا لم يتم تناول المحيط السياسي الذي تنشط فيه، كذلك ستكون الأفكار مجرد أراء عامة معزولة عن حركة الواقع ومناخاته الاجتماعية والثقافية. ففضاء الحركات الإسلامية في النهاية فضاء سياسي ولابد من قراءة صلتها بالواقع لفهم اضطراب علاقتها بالدول العربية.
وبسبب تلك الصلة كان لابد من الإطلاع السريع على مواقف الدول العربية المعنية نفسها بسياسة المجتمع ومسألة الديمقراطية. فالمشكلة ليست من جهة واحدة بل من جهتين، وحتى تكتمل القراءة كان لابد من فهم تعقيدات العلاقة بين الطرفين التي تشهد أحياناً فترات هدوء واستقرار ثم تشهد أحياناً أخرى فترات اضطراب وتشنج.
وخوفاً من اتساع الملف تم القفز عن الكثير من القضايا المتعلقة بأسباب فشل أسلوب التحديث والتنمية وعجز الدول المعنية عن تطوير الإنتاج وزيادته ليتناسب مع ازدياد السكان، كذلك تم القفز عن إهمال الدول لقضية تطوير المجتمع السياسي وأهمية إطلاق الحريات لدفع الوعي السياسي آلي مرتبة أعلى تتناسب مع نمو وعي الناس لهوياتهم ومشاكلهم ومطالبهم. وبما أن الحرية لا تنمو في دولة استبدادية كذلك لا يمكن تطور فكرة الديمقراطية في دولة لا تعرف بها ولا بشروطها السياسية والإنسانية.
نحن إذن لسنا أمام فريق يرفض الديمقراطية وآخر يقبل بها، بل أننا أمام وضع لا سياسي وممنوعة فيه كل أشكال التعبير، الأمر الذي يجعل البحث في مسألة الديمقراطية مجرد ترف فكري لا علاقة له بمجرى حركة الواقع، وصلة الأخير بصراع الأفكار، وربما تكون النقطة الأخيرة أهم ما حاول البحث إبرازها من خلال صدمات عربية عنيفة شهدتها المنطقة في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات.
2 - الإسلاميون والدولة والصراع على المسألة الديمقراطية
تطغي على مفهوم الديمقراطية والخلاف المطروح في ساحة التداول الأيديولوجي نظرة إرادية تقوم على منهج تركيبي يغلب معطى النص على تعقيدات الواقع، فهناك أسئلة مثل كيف نعرف الديمقراطية، وكيف نطبقها ؟ وهل نريدها ومن أين نأتي بها، وهل هي مصطلح مفهومي أم معرفة، وهل للمعرفة - المصطلح علاقة بالتاريخ والثقافة أم هي نظرة مجردة يتم إنتاجها في المعاهد العلمية ويعاد تسويقها وتصديرها كفكرة هلامية تصلح لكل زمان ومكان ؟.
هل الديمقراطية نظرياً هي مجرد هيكل تنظيمي تقوم على فكرة أن الشعب مصدر السيادة وتشكل العلمانية أحد مكوناتها الأساسية (المواطن والصوت الواحد) وهل الديمقراطية عملياً هي مجرد تطبيقات سلوكية وإجرائية تتطلب وجود حكومة تمثيلية ودستورية وسلطة قضائية مستقلة، وهل هي أخيراً مجرد فكرة عامة ومبسطة تقول بالتعددية وتداول السلطة سلمياً الأمر الذي يفترض وجود أحزاب وتنظيمات وهيئات مستقلة ومتنوعة تعترف ببعضها وتتنافس على كسب الصوت الانتخابي.(مجلة شؤون الشرق الأوسط، العدد الثالث - ربيع - صيف 1993، 73-75).
إذا كان الأمر كذلك يمكن إذن تدريس الديمقراطيات في المعاهد والجامعات كمعلبات فكرية جاهزة يعاد صوغها في برامج أو نصوص قانونية وما على الشعب سوى تعلمها وحفظها وأخيراً ممارستها، فتنتهي المشكلة بعد جيل أو جيلين ويقضي الشعب أي شعب، حاجة تاريخية كان لابد منها لصنع تطوره.
لابد أن تكون المسألة أعقد من ذلك، لأن مثل ذاك التبسيط يسقط التاريخ من عملية التطور الديمقراطي وغير الديمقراطي بالقفز عن شروط المكان والزمان والقواعد التي يتأسس عليها الفكر. فالتبسيط الأيديولوجي لفكرة الديمقراطية لا يقل خطورة عن أفكار تلك التيارات التي ترفض الديمقراطية لأنها ترفض استخدام المفرد أو المصطلح أو لأنها تجد فيها فكرة مستوردة لا تناسب هذا التاريخ أو ذاك.
لابد من قراءة الديمقراطية قراءة واعية ومركبة تضع فكرتها في سياق تطورها التاريخي، فالديمقراطية لم تولد جاهزة ولا بقرار ولم تتسلل آلي التاريخ من المعاهد والجامعات، فهي أساساً خلاصة أنماط من التنظيمات الإدارية أدخلت عليها التعديلات والتطويرات آلي أن انتهت آلي ما انتهت إليه بصيغتها الحالية. والصيغة الحالية ليست نهائية كذلك بل هي قابلة للتطور التاريخي والإضافات والتعديلات لتتناسب مع المراحل المقبلة المتغيرة زمانياً ومكانياً.
تطرح علينا الإشكالية السؤال الآتي: هل التطور الاجتماعي-السياسي في أوربا مثلاً جاء نتاج الديمقراطية أو أن الديمقراطية كأسلوب حكم جاءت نتاج التطور الاجتماعي-السياسي؟.
إذا كانت الديمقراطية هي سبب التطور يكفي تطبيقها في أي بلد متخلف إقتصادياً واجتماعياً في العالم الثالث وما علينا إلا الانتظار لنرى النتائج، وبالتالي على "النخبة" أن تلخص برامجها بفكرة واحدة، وتصبح الديمقراطية هي المفتاح السحري لكل المشاكل حتى تلك الناجمة أصلاً عن تسلط الدول الديمقراطية الكبرى واستبدادها واحتكارها لمصادر الثروة والقوة.
أما إذا كانت الديمقراطية هي نتاج التطور إذن لابد من قراءة مختلفة لأزمات الدول المتخلفة اقتصادياً واجتماعياً في العالم الثالث وتصبح الديمقراطية فكرة يمكن إدراجها في بناء الوعي المركب الذي يربط التطور بتصور برنامجي يحدد أولويات مشروع النهوض والتقدم لهذه الأمة أو تلك.
كان لابد من وضع إطار عام لحدود الإشكالية المعرفية المتعلقة بفكرة الديمقراطية حتى نستطيع الدخول آلي الموضوع من سياق مختلف عن القراءات المتداولة. فهناك فارق كبير بين أن تكون الديمقراطية فكرة أيديولوجية جاهزة ومعطى نهائي يقدم كنموذج سحري للشعوب والأمم وبين أن تكون صيغة تاريخية قابلة للتعديل والإضافة والتطور. فالمدخل الأول سالب في علاقته مع الآخر المختلف يحاول أن يأتي التطور من نهايته التاريخية الراهنة. بينما المدخل الثاني إيجابي ومتفاعل مع الآخر المختلف، إذا يحاول أن يرافق التطور بالتكيف مع الموروث التاريخي ويتصالح معه في سياق حركته المكانية والزمانية.
وإذا كانت الديمقراطية صيغة قابلة للتطور أذن يمكن تطويرها لتتناسب مع درجات التطور الاجتماعي-السياسي واختلاف نسب التقدم بين الأمم. أما إذا كانت معطي نهائياً وجاهزة للتصدير كسلعة أنتجها الغرب فما علينا سوى تعلمها في جامعات أكسفورد وكمبريدج والسوربون ونقلها كنموذج بضاعي ولا حاجة بنا آلي العقل والتاريخ لصوغها من جديد وفق معطيات مختلفة في مكانها وزمانها.
بين النقل والعقل يفضل العقل، وبين السلعة البضاعية والصيغة التاريخية يفضل التاريخ كمصنع بشري للتطور الإنساني الذي لا يقف عند حد نهائي وأخير.
طرح العديد من علماء الاجتماع أسئلة حول هوية الديمقراطية ومصدرها الأساسي هل هي يونانية-أوربية الأصل (مركزية المنشأ) أخذت تنتشر كونياً مع انتشار المركزية الأوربية أم هي عالمية الأصل قامت بأشكال مختلفة وابتكرت آليات خاصة تنسجم مع اختلاف ثقافات الشعوب وأخذت تتطور ذاتياً بتطور العلاقات الاجتماعية -الاقتصادية ؟ وهل هي فكرة (منهاج وممارسة) يتم استيرادها أم انها كنواة موجودة في كل المجتمعات والمطلوب تجديدها لتأخذ موقعها الخاص في العملية السياسية ؟
للإجابة عن تلك الأسئلة حاول بعض علماء الاجتماع التمييز بين الحياة السياسية في مجتمع مندمج وموحد دينياً وعرقياً ومذهبياً وبين مجتمع مفكك وغير موحد في تركيبه الديني والعرقي والمذهبي واللوني. فالديمقراطية في المجتمع المتجانس اجتماعياً والموحد قومياً تختلف عن الديمقراطية في مجتمع غير متجانس وتنقصه كثير من العناصر المشتركة لتعزيز وحدته القومية. في المجتمع الأول تنهض الديمقراطية كإطار سياسي يعزز الوحدة ويطورها سلمياً بينما في المجتمع الثاني لابد من ديمقراطية توافقية تحترم حقوق الأقليات المختلفة عن الأكثرية القومية أو الدينية أو المذهبية حتى تضمن مصالحها الخاصة في سياق مظلة كبرى تضم كل الأعداد الطائفية والأنواع القبلية، وحتى لا يقع علماء الاجتماع في تعميمات قانونية ودستورية وضعوا قواعد يقوم عليها الاختلاف بين ديمقراطية تأسست على تماسك الجماعة الواحدة وتجانس الدولة القومية وبين ديمقراطية تحاول تأسيس نفسها على جماعة غير موحدة ودولة غير متجانسة قومياً ودينياً.
ولعل الاختلاف المذكور بين المستويين يفسر نجاح الديمقراطية في البلدان المتجانسة قومياً ودينياً ومذهبياً إذ تعتمد قانون أحوال مدني (شخصي) موحداً، وفشل الديمقراطية في البلدان المتنوعة والمتعددة قومياً ودينياً وقبلياً لكنها تعتمد قوانين مختلفة للأحوال المدنية (الشخصية) المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها لاستيعاب التنوع والتعدد ضمن التجانس السياسي.
حتى الدول المتجانسة قومياً والمتماسكة اجتماعياً ونجحت في السيطرة على مصادر العنف الداخلي فشلت في السيطرة على مصادر العنف الخارجي فهي من جهة ديمقراطية داخلياً وغير ديمقراطية خارجياً. وهناك بعض الدول الديمقراطية يحارب الديمقراطية في دول أخرى إذا شكلت خطراً على مصالحه الاقتصادية وأمنه القومي، وهناك بعض الدول يمارس الديمقراطية بين مواطنيه ويتبع أساليب غير ديمقراطية ضد غيرهم أو ضد المختلف من مواطنيه تصل آلي حد العنصرية كما كان الأمر في جنوب أفريقيا وكما هو الأمر في فلسطين المحتلة.
الديمقراطية إذن ليست جواباً سحرياً عن كل الأسئلة، إذ يجب أن يسبقها تأسيس الدولة، وتأسيس الجماعة، وتأسيس التقاليد، وربما تكون الدولة هي اللاعب الأول في تأسيس السياسة من حيث كونها تملك قوة القانون الذي يعيد ترتيب العلاقات السياسية بين المجموعات الأهلية.
لاشك في أن الديمقراطية هي من الوسائل المرنة التي تلطف اصطدام المصالح وتحد من عنفه لكنها في النهاية ليست قادرة على إلغاء الاصطدام وعدم حصوله، فالمصالح شيء والديمقراطية كآلة تنظم تضارب المصالح شيء آخر، فالديمقراطية في النهاية مجرد آلة لا واعية لتنظيم خلافات الناس سلمياً وترتيب اختلاف وجهات نظرهم ومصالحهم في سياق لا عنفي. فهي ليست دولة ولا نظام حكم ولا تشريع ولا تمت بصلة للعلمانية والليبرالية.
وهنا نصل آلي سؤال غريب هل تستطيع الديمقراطية أن تلغي نفسها إذا قررت الغالبية السكانية أن المصلحة العامة تقضي بذلك ؟ إذا كان الجواب لا. من هي الجهة التي تمنع قرار إلغاء الديمقراطية ؟ وهل من شروط الديمقراطية أن تكون ديمقراطية أم أن صلاحياتها مطلقة تصل آلي حد إلغاء نفسها ؟ هل الديمقراطية هي حكم الشعب أم حكم الغالبية ؟.
إذا كانت حكم الشعب فهل معنى ذلك أنها حكم الوحدة الذي لا يقبل الانقسام وإذا كانت حكم الغالبية فهل تعني أنها حكم الانقسام الذي يؤكد الوحدة ويحترم تمثيل الآخر المختلف ؟ لنفترض مثلاً أن 51 في المائة من الشعب قرر قتل 49 في المائة بذريعة أن الآخر يخفف من التزايد السكاني ويدفع عجلة الاقتصاد آلي التقدم والنمو. هل ينفذ الأمر، لأن الغالبية قررت ذلك ولأن مصلحة من تبقى من الناس تقضي بذلك ؟.
لنفترض أيضاً أن 51 في المائة من الإسرائيليين قرروا طرد الشعب الفلسطيني من أراضي 1948 المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، هل تنفذ حكومة بنيامين نتانياهو رغبة الشعب؟.
لنفرض ايضاً وايضاً أن 51 في المائة من الإسرائيليين صوتوا لصالح احتلال دمشق أو بيروت أو عمان أو المدن الثلاث هل يبادر الجيش الإسرائيلي آلي تنفيذ رغبة الغالبية الإسرائيلية ؟.
وأخيراً لنفترض أن الغالبية قررت هدم الكنائس والمساجد وتحريم الحلال وتحليل الحرام بداعي أنها مؤسسات واجتهادات "ظلامية" تعطل "التقدم" والتنوير" هل تنفذ الدول رغبة الغالبية؟ وإذا كانت الديمقراطية مشروطة من يحدد تلك الشروط وكيف ؟.
أسئلة " ثقيلة الدم " لكنها في النهاية أسئلة تضع من جهة علامات استفهام حول معنى الديمقراطية كذلك تلقي من جهة أخرى الضوء على عدة التباسات ومخاوف يمكن أن تنشأ عند جهات سياسية وأقليات من " مخاطر " الديمقراطية الفالتة من الضوابط الدستورية والثوابت الإنسانية. لنتذكر هنا أن أدولف هتلر لم يأت السلطة من طريق الانقلاب العسكري بل بواسطة التصويت والاقتراع وصناديق الانتخاب.
تطرح الالتباسات سلسلة مخاوف الأمر الذي يفرض إعادة تعريف للديمقراطية.
هناك الكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع رفضوا فكرة الديمقراطية لأنها تعني في النهاية سلطة الغوغاء الهائجة التي لا تعرف ماذا تريد، وحكم الجماهير المزاجية التي تتقلب في خياراتها وتتأثر بالإعلام والمال وأجهزة الدعاية، واشترطوا عليها الكثير من الضوابط حتى يمكن السيطرة عليها وإدارتها في قنوات لا يجوز كسرها وإلا تحولت الغالبية المنتخبة إلى عدوان على الاقليات السياسية غير المنتخبة.
إذن لابد من احترام الأكثرية الأقلية كذلك على الأقلية أن تحترم الأكثرية، لكن مسألة الاحترام المتبادل تطرح إشكالية دستورية. من هي الجهة التي تشرف على ضبط التوازن السياسي بين الأكثرية والأقلية، وما هي صلاحيتها، ومن يعينها، وهل تنتخب، وما مدى صلاحياتها، وكيف تنفذ قراراتها، وهل هي سلطة أعلى من البرلمان أم أنها من البرلمان أم تنتخب من خارجه ؟.
تطرح هذه اللوحة من الاعتراضات جملة أسئلة لتحديد معاصر وأدق لمسألة الديمقراطية وفي الآن تكشف عن الخلل المنهجي في التعاطي مع الفكرة على المستويين: الدولة وأجهزتها، والمجتمع وهيئاته.
كان لابد من هذا المدخل لنفهم التحديدات الموضوعية للعملية الديمقراطية وتطورها الزمني كذلك لندرك أكثر المعنى الضمني لمخاوف الحكومات من الانتخابات ونتائجها وتردد الكثير من المنظمات السياسية في تبني الديمقراطية كإطار وحيد وجامع لتنظيم العلاقة بين قوى المجتمع ومراكز الدولة.
حاول على خليفة الكواري مثلاً إعادة تعريف خصائص الديمقراطية المعاصرة في مقال له نشر في مجلة "المستقبل العربي" استناداً إلى نقطتين: انها "منهج وليست عقيدة" وهـــي "ممارسة دستورية" هي منهج "لاتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بها" ومقيدة "بدستور يراعي الشروط التي تتراضي عليها القوى الفاعلة في المجتمع وتؤسس عليها الجماعة السياسية اجماعاً كافياً" وهى "تأخذ عقائد وقيم المجتمعات في الاعتبار" لذلك وهنا النقطة الثانية هي "مقيدة وليست مطلقة" إذ لابد من دستور "تتراضي القوى الفاعلة على أحكامه، وتقبل الاحتكام إلى شرعيته". (العدد 168 شباط/فبراير 1993).
حتى يتجنب الكواري تلك الأسئلة التي طرحناها أعلاه أكد على نسبية الديمقراطية وعلى أنها عملية تاريخية متدرجة، وغاية لا نصل إليها، وهي في النهاية مؤشر على توازن القوى، ونجاح المجتمع بالسيطرة على مصادر العنف وإدارة الاختلاف سلمياً، وإخضاع السلطة لمزيد من الضوابط من خلال قيود دستورية أو تكييفها مع شرائع المجتمع وقيمة. ويستعرض بعدها محاولات واجتهادات رواد ما يسمى بالنهضة العربية في مقاربة الديمقراطية ومقارنتها بالشورى وتوافقها معها. ثم يشير إلى نواقص الديمقراطيات المعاصرة في الممارسة والمشاركة وتوزيع الثروة والعلاقات الدولية. وعلى رغم تلك الثغرات تبقي الديمقراطية هي أفضل وسيلة للاستجابة إلى مقتضيات التغيير من دون أن تصل إلى الكمال، إذ تلعب الممارسة دورها في تطويرها وتعديلها. وشرط نضوج الديمقراطية وتقدمها هو توفر "المساواة السياسية بين المواطنين" والتوافق أو التراضي بين فعاليات المجتمع على "صيغة دستور ديمقراطي" ويتجه الكواري نحو تبني تعريف روبرت دال للديمقراطية بأنها "نظام حكم الكثرة".
ويستدرك الكواري في نهاية مقاله مخاطر فكرة "حكم الكثرة" في مجتمعات غير موحدة دينياً وسلبيات "الديمقراطيات العددية" في بلدان متنوعة عرقياً فيشير من دون أن يحلل إلى "إشكالية استبداد الأغلبية في منطقة تتنوع فيها الديانات والمذاهب والسلالات والتركيبات الاجتماعية التقليدية" (المستقبل العربي 1993).
لعل الفكرة الأخيرة في مقال الكواري هي الأهم لأنها الوحيدة التي تخرج الديمقراطية من عالم الأفكار إلى عالم الواقع وتؤسسها على الاجتماع والتاريخ لا على النظريات المجردة، فالفكرة الأخيرة تفتح النقاش على حقائق تاريخية ووقائع زمنية تسقط الكثير من الأوهام.
2 -1 إعادة إنتاج الديمقراطية:
يؤكد الاختلاف على تعريف الديمقراطية على أن المسألة تتجاوز التعريف وتفرض ضرورة العمل على إعادة إنتاج الفكرة على مستويين: الأول - المعرفة. والثاني - التاريخ. فإعادة إنتاج الديمقراطية في ضوء المعرفة يساهم في تطور منظومة الأفكار التي تتغير بالتجربة وبتطور حالات الزمان واختلاف المكان، الأمر الذي يساعد على ربطها بتاريخ البشر ودرجة التطور وبنية الجماعة السياسية.
لاحظ الأمر المذكور الكثير من المفكرين العلمانيين والقوميين والمسلمين من عرب وغير عرب، وحاول بعضهم تقديم اقتراحات وأحياناً إجابات لتوضيح الالتباسات وتحديد الجوانب الاجتماعية إلى جانب الإطارات القانونية والتنظيمية والدستورية والفقهية.
وساهمت تلك المحاولات في وضع المضامين الاجتماعية إلى جانب المفاهيم المعرفية لإعادة بلورة صيغة خاصة لتلك الآلية غير الواعية التي تلعب الدور الأساسي في إنتاج السياسة المعاصرة وتقرير مصير الدولة والمجتمع.
يشير جورج طرابيشي في مقالة عن "الديمقراطية والقومية والأقليات" إلى محاولات الدول الأوربية توسيع مفهوم الديمقراطية، ويرى أنه "حتى منتصف القرن العشرين كانت الديمقراطية تعني حصراً، وطبقاً للتقاليد البرلمانية للثورة الإنكليزية والتقاليد الجمهورية للثورة الفرنسية، احترام التعددية الحزبية والسياسية ضمن نطاق الدولة القومية الواحدة، لكن هذه التعددية لم تعد في العقود الأخيرة محصورة بالنطاق السياسي، بل باتت شاملة للثقافة كما في الولايات المتحدة الأمريكية، أو للغة كما في أسبانيا ما بعد الفرانكوية، أو للإثنية كما في فرنسا التي صار مباحاً فيها الكلام على الشعب الكورسيكي أو البلد الباسكي" (أبواب، العدد 9 صفحة 150).
ويحاول ايليا حريق في مقاله "الثورة الاثنية والاندماج السياسي في الشرق الأوسط" التمييز بين الاثنية والعرق والطائفة، فالطائفة الاثنية تشترك في خصائص متماثلة "مثل لغة متميزة أو دين أو ثقافة أو تجربة تاريخية قائمة بذاتها" وهي في الآن تعي "اختلافها عن الطوائف الأخرى بفضل هذه الخاصيات نفسها". فالباحث ايليا حريق يربط بين خصائص الجماعة (أقلية أو أكثرية) وبين وعي الجماعة لاختلاف خصائصها. ويقول حريق إن الأمر المذكور لم يكن موجوداً "عند منقلب القرن التاسع عشر" لأن الإسلام عمل على "مر السنين على تلطيف الاختلافات الأثنية بين شعوب الشرق الأوسط" وعندما صعد تيار القومية العلمانية إلى جانب الأصولية الدينية أخذت الصورة تتغير وبدأت "السمة الادماجية للدين الإسلامي والثقافة الإسلامية " بالتغير والاهتزاز.(أبواب، العدد 9 صفحة 165).
وبسبب حداثة المشكلة لم يلحظ فكر تيار القومية (العربية، التركية، الفارسية) المسألة وتأخر في اكتشاف "أن الديمقراطية إطار تنظيمي ضروري ليس فقط للتعددية في أحزاب الأمة وتياراتها السياسية، بل كذلك للتعددية في اثنياتها ولغاتها (...) فضلاً عن التعددية في شخصياتها القطرية... " (طرابيشي، أبواب، أبواب، العدد نفسه، صفحة 151).
وعلى رغم وجاهة ملاحظة طرابيشي، إلا أنه لا يعير اهتماماً لاختلاف النمو التاريخي بين تطور الدولة في الجمعيات الأوربية التي قادت التحولات الاجتماعية في القرون الخمسة الأخيرة ونجحت في تأسيس المجتمع السياسي القادر على حسم خلافاته، إلى حد كبير، سليماً من دون اللجوء إلى العنف، وبين مجتمعات ما تزال في طور التشكل السياسي وتلعب الدولة (النخبة) فيها دور المعرقل للتحولات الاجتماعية وتقمع السياسية والتعدد.
تساعد ملاحظة الاختلاف بين درجات التطور ودور الدولة في قيادة الاندماج التاريخي على فهم اختلاف النظرة إلى الآخر. فالدول القومية الأوربية أنجزت تاريخياً مهمة توحيد الجماعة السياسية وفرضت حالات من التجانس الاجتماعي في تركيب المجتمع باستثناءات قليلة ما تزال موجودة في أسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا وغيرها من دول غرب القارة الأوروبية وهي استثناءات على رغم قلتها وضعفها تشكل في أحيان كثيرة عقبات تثير المشاكل السياسية.
إذ كان هذا هو حال معظم دول أوربا الغربية فكيف هو حال أوربا الشرقية (وتحديداً البلقان) وكيف هو أمر الدول العربية التي ما تزال تعاني من مشاكل الهوية والتنمية وتحديد شخصية المواطن.
يفتح المأزق المذكور باب الحوار على معنى الديمقراطية ومساحتها السياسية وعمقها التاريخي - الاجتماعي.
حاول محمد فريد حجاب في "أزمة الديمقراطية الغربية وتحدياتها في العالم الثالث" أن يميز بين الديمقراطية المثالية التي تقوم على المساواة بين "المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة" وبين الفكرة الواقعية التي تقوم على التمييز "بين أولئك الذين يمثلون جمهرة لا حكم لها ولا تقدير (... ) والذين يساهمون حقاً، وهم قلة، برأي ذاتي موجه يتجاوبون مع المثل الأعلى للديمقراطية". (المستقبل العربي، العدد 164، 1992، صفحة 69 - 70).
يفسر راشد الغنوشي في حوار أجرى معه مسألة الاختلاف تلك بالقول "الظواهر الاجتماعية، ظواهر معقدة، لذلك عندما نقول ديمقراطية نعطي انطباعاً وكأن هناك نظاماً محدداً لا اختلاف حوله، على حين أن هناك ديمقراطيات، ليست هناك ديمقراطية واحدة" ويميز الغنوشي بين ديمقراطية وأخرى ويربط الفكرة الديمقراطية بمسائل الهوية ويفصل بين الليبرالية كنظام اقتصادي والليبرالية كنظام سياسي، ويلاحظ أن الديمقراطية الأوربية لا تعترف باختلاف قوانين الأحوال الشخصية وحق الجماعات الدينية والأقليات بالتمثيل السياسي لأنها تقوم على التمثيل الأكثرى فقط، ويذهب إلى عقد مقارنة ملفتة للنظر "نحن في تاريخنا رغم أنه ليس كل تاريخنا يمثل الفكرة الإسلامية، عرفنا للأقليات حقوقاً لم تصل إليها حتى الديمقراطية المعاصرة، حتى الآن لم تعرف رغم وجود عشرة ملايين مسلم في أوربا. لم نسمع حتى الآن بنائب واحد مسلم في برلمان، لم نسمع بسفير مسلم أو بوزير مسلم، بل في هذه الديمقراطيات تثار ضجة من أجل قطعة قماش تحملها مسلمة على رأسها".(كتاب حوارات قصي صالح درويش مع راشد الغنوشي، صفحة 65 و 68).
انطلاقاً من الهوة المذكورة يحاول محمد فريد حجاب قراءة اختلاف الديمقراطية ومعضلاتها في العالم الثالث استناداً على تفاوت التطور السياسي وعدم انسجامه الاجتماعي-الديني فيتحدث عن تخلف التصنيع وضعف التنظيم المهني والحزبي وانتشار الأمية والانقسامات الإقليمية والطائفية والعشائرية وعدم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعمل إلى نهوض المؤسسات القانونية في دول العالم الثالث من أعلى والتأثيرات السلبية للتجربة الاستعمارية. ويرى، وهذا هو الأهم، أن "تكوين الأمة في الغرب سبق بوجه عام تكوين الدولة، والأمر على خلاف ذلك في العالم الثالث حيث ظهرت الدولة قبل تشكيل الأمة" (المستقبل العربي، العدد 164، صفحة 80).
ويريد حجاب فشل الديمقراطية في العالم الثالث إلى التكوين غير الكامل للأمة لأن مسألة الديمقراطية تفترض مفهوم "تأميم السلطة" وأن يقبل الحكام ذاك المفهوم، و "يقروا برقابة الشعب على سلطتهم". ويشير إلى التخلف وتزايد الهوة بين العالم الثالث والعالم الأوربي -الأمريكي وخطورتهما على الديمقراطية. فالعالم الثالث "مملوء بالتناقضات ويختلف تماماً عن البلدان الديمقراطية في العالم الغربي" لذلك لابد من تقديم المساعدات له وبذل الجهود للخروج من التخلف بعدها تظهر الديمقراطية "تلقائياً إذا ما اكتملت مقوماتها الأولية (... ) لأن الديمقراطية لا تفرض بقرار من السلطة، أو بمطالبة شعبية فورية " (العدد نفسه،صفحة 84).
يطرح الغنوشي فكرة مهمة في سياق مشروعة لحل المأزق وردم التفاوت بين الواقع الاجتماعي المتخلف والوعي السياسي لمشكلة السلطة وعلاقتها بهوية المجتمع وثقافته، فيذكر في حوار أجرى معه في آب (أغسطس) 1989 "أن التنظيم الاجتماعي للحرية في شكل دولة يفترض وجود أرضية معينة يتحرك عليها العمل السياسي وتكون هي الإطار الجامع للجماعات السياسية طالما أن الجماعات السياسية ليست مجرد تراكم أفراد، وإنما هي جماعة سياسية، تشترك في هوية شخصية جامعة، وبالتالي الحرية السياسية تفترض، أو الديمقراطية تفترض مضموناً ثقافياً، فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية في أي بلد إلا بالحديث عن هوية، عن المضمون الثقافي الذي يتحرك في إطار الجهاز الديمقراطي" (حوارات، صفحة 33). وبرأيه أن الإكراه غير ممكن وبالتالي "فإن حرية المعتقد هي حكم وجودي (...) وخصم الإسلام الألد هو الاستبداد ومصادرة حرية التفكير وحرية التعبير" (حوارات صفحة 32). لذلك يربط الغنوشي الديمقراطية بالثقافة والهوية ويجد أن الديمقراطية ليست نوعاً واحداً، بل سلسلة أنواع تقوم على تعدد الثقافات والحضارات والقوميات والديانات، وعندما نتحدث عن الحرية بالمعنى السياسي، تنظيم المجتمع، فإن تنظيم المجتمع يقتضي أرضية ثقافية، وفي المجتمعات الإسلامية تكون هذه الأرضية الثقافية هي الإسلام " (حوارات صفحة 33). ويدفع المفكر المصري فهمي هويدي مسألة الديمقراطية إلى نهايتها عندما يؤكد أن الديمقراطية هي تطوير أوربي لنظام النحل والملل الإسلامي، ويشير إلى تلك المفارقة في كتابه "الإسلام والديمقراطية" إذ يرى "أن فكرة التعددية لم تعرفها أوربا إلا من خلال احتكاكها بالدولة العثمانية، التي طبقت نظام الملل منطلقة من سعة الإسلام، فأفسحت لكل آخر مكاناً ومكانه، حتى أمنت وحتمت كافة التمايزات الدينية التي حفلت بها البلدان الداخلة في نطاق الإمبراطورية. قبل النموذج العثماني لم تكن فكرة شرعية الآخر واردة في التجربة الأوربية، لكن الاحتكاك العثماني-الأوربي كان كفيلاً بانتقالها ضمن ما جرى تبادله من خبرات وأفكار بين الجانبين خلال القرون الخمسة التي هي عمر الإمبراطورية العثمانية" (ص71-72).
2-2 الإسلاميون والمسألة الديمقراطية
يعتقد البعض أن الديمقراطية كمنهج كفيلة بتذليل كل العقبات والمشاكل التي تعترض التقدم والنمو والتنمية وتزيل كل الغام الحروب الأهلية والصراعات الدموية والتوتر الاجتماعي والعوامل الدافعة للعنف. هذا نصف الحقيقة بينما النصف الآخر يجد تفسيره في عوامل أخرى ربما تزيد أهمية أو تنقص عن أهمية الديمقراطية كآلة تنظيم سليمة لتعارض مصالح البشر.
كيف قرأ الإسلاميون هذه المسألة ولماذا انقسموا عليها بين رافض للفكرة إذا كانت تعني محاربة العقيدة وقابل لها إذا كانت توافقها ؟.
قبل أن نقرأ الخلاف على الديمقراطية في الحركات الإسلامية المعاصرة لابد من التأكد على أنها تلعب سلسلة أدوار متفاوتة بين بلد عربي وآخر، فهناك تنظيمات مشاركة في البرلمان وموجودة بنسبة عالية في أربعة برلمانات عربية (الأردن، الكويت، اليمن، ولبنان). وهناك تنظيمات حاكمة أو مشاركة في الحكم بنسب متفاوتة (السودان واليمن).ومجرد القبول باللعبة الديمقراطية وممارستها سياسياً والدخول كطرف مشارك في الحكم أو الحكومة يعني نظرياً أن الإسلاميين يوافقون عموماً على اللعبة وشروطها ويحتكمون للاختيار والانتخاب وصندوق الاقتراع وفكرة التداول السلمي للسلطة.
لعل التجارب المذكورة، على قلتها، توفر علينا الكثير من الجهد النظري في نقاش فكرة قبول الديمقراطية أو رفضها. فالمشاركة تذلل الكثير من العوائق الأيديولوجية وتطرح السؤال على الأنظمة التي ترفض الديمقراطية وتقمع المجتمع السياسي وتلاحق المعارضة على اختلافها كما حصل ويحصل في الجزائر (حين حرم الإسلاميون من حق اكتسبوه عن طريق الاقتراع الشعبي) وكما حصل ويحصل في تونس (حين منع الإسلاميون من حق تشكيل حزب سياسي والمشاركة في الانتخابات) وكما حصل ويحصل في مصر (حين اعتقل الإسلاميون الذين تقدموا بطلب ترخيص لإنشاء حزب الوسط بمشاركة الأقباط وغيرهم من قوى سياسية غير إسلامية).
إذن السؤال يجب أن يوجه للأنظمة في وقت نحاول أن نقرأ الفكرة الديمقراطية (نظرياً وسياسياً) في أيديولوجية الحركات الإسلامية، فمن يُحرم من حقوقه السياسية ويطارد ويلاحق ويمنع من تشكيل حزب سياسي يرفض العنف ويدينه ويهاجم تصرفات حركات التطرف ويقبل بأسلوب الاقتراع والانتخاب وتداول السلطة سلمياً لا يُطالب بشيء محروم منه بل المطالب بالرد على السؤال هو الأنظمة التي تخاف الحرية خوفاً على نفسها.
مع ذلك يمكن قبول المعادلة ولو كانت معكوسة حتى يمكن التوصل إلى صيغة مركبة تحاول قدر الإمكان تسوية المأزق سلمياً، فما هو مفهوم الديمقراطية في صيغه المتداولة في عقل التنظيمات الإسلامية (تحديداً المفكرين والقادة من بينهم) وكيف تصنف تلك المنظمات السياسية فكرة الديمقراطية وكيف تقرأ آلياتها ؟.
2-3 الفكرة وتاريخها
يستعرض زكي احمد تاريخ فكرة "الديمقراطية في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر" فيذكر أنها كانت حاضرة في أعمال الإسلاميين الفكرية "منذ حركة الإصلاح الإسلامي. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي إلى هذا الوقت (...) إلا انه حضور محدود وعرضي ومتأثر بظروف الزمان والمكان" (المستقبل العربي،العدد 164، صفحة113). ويصنف زكي احمد تلك الأعمال الفكرية في حقل الديمقراطية إلى مدارس أربع: الأولى: حاولت أن تبرز ديمقراطية الإسلام مقابل ديمقراطية الغرب، وتأتي محاولة الأديب المصري عباس محمود العقاد (توفي 1964) في الطليعة حين اصدر كتابه "الديمقراطية في الإسلام" الذي أثر في جيل الباحثين فصدرت بعده دراسات منها:"نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام" لمحمد جلال شرف، "والفكر السياسي في الإسلام - شخصيات ومذاهب" لعلي عبد المعطي محمد ومحمد جلال شرف، و "الحرية السياسية في الإسلام" لأحمد شوقي الفنجري وبعد العقاد صدر كتاب المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي (توفى 1973) تحت عنوان "حول الديمقراطية في الإسلام" أكد فيه على الشورى ودلالاتها السياسية.
الثانية: حاولت أن تبرز نظرية الشورى في الإسلام مقابل الديمقراطية في الغرب، وأبرزها محاولة الدكتور حسن الترابي في كتابه "نظرات في الفقه السياسي" وكتاب عبد الحميد الأنصاري "الشورى وأثرها في الديمقراطية".
الثالثة: حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية الغرب، وأبرزها محاولة خالد محمد خالد في كتابه "الديمقراطية... أبداً "، وكتاب محمد قطب "مذاهب فكرية معاصرة".
الرابعة: رفضت الديمقراطية واعتبرتها فكرة لا تمت للإسلام بصلة، أبرزها كتاب كاظم الحائري "أساس الحكومة الإسلامية" وكتابات "حزب التحرير الإسلامي " ومؤسسة الشيخ تقي الدين النبهاني (المستقبل العربي، العدد 164 صفحات 113، 114، 115).
من جهة تقدم فكرة التعددية وتراجعها يربط فهمي هويدي الأسباب بالواقع الإسلامي وعصور "التراجع والاستبداد السياسي". ويلاحظ أن جماعة الأخوان المسلمين وضعت تحفظاتها على فكرة الحزبية في وقت مبكر، كذلك كان الموقف التقليدي للجماعة الإسلامية في الهند وباكستان، ويشير إلى محاضرة مؤسس الجماعة الشيخ أبو الأعلى المودودي التي ألقاها سنة 1939 وأكد فيها أن "الإسلام يأبى أن يتحزب أهل المشورة" وجاء الدستور الإسلامي الذي أقره علماء شبه القارة الهندية (31 فقيهاً) في العام 1951 وشمل 22 نقطة ليتجاهل مسألة الديمقراطية، لكنه أشار إلى "حرية إبداء الرأي وحرية التنقل وحرية الاجتماع". (راجع الإسلام والديمقراطية، صفحة 72-73).
ويرى هويدي أن موقف الجماعتين الإسلاميتين في الهند وباكستان اختلف في السبعينات والثمانينات حين قبلتا بفكرة التعددية. كذلك حصل التطور نفسه في فكر جماعة الأخوان في مصر، كذلك نص دستور حزب التحرير الإسلامي على قبول فكرة التعددية الحزبية في مشروعة الذي صدر في مطلع الستينات، ويربط هويدي التطور المذكور بتطور الفكرة نفسها واختلاف ظروفها المكانية والسياسية، ويشير إلى جهود العديد من الفقهاء مثل "محمد عبده ورشيد رضا إلى الشيخ محمود شلتوت، في موضوع نظام الحكم أو رؤية الإسلام السياسية (...) وما قاله الشيخان عبده ورضا عن الشورى في تفسير المنار، وما ذكره الشيخ شلتوت بصدد المبادئ الأساسية في الحكم، يزيل كل التباس في الموضوع". ويعتبر هويدي أن تطور الفكرة جاء في سياق التصالح معها. فبعد أن زالت تأثيرات الاشتباك مع الغرب الاستعماري تصرف العقل الإسلامي "بوعي كاف حين ميز بين ما هو حضاري في الغرب وبين ما هو سياسي" (الإسلام والديمقراطية، صفحة 123-124).
ويناقش هويدي أفكار الجماعة الإسلامية المحظورة في مصر التي تعتبر أن "الديمقراطية على النقيض من الإسلام" ويرى في كلامها "شذوذاً على الخطاب الإسلامي العام" (ص132-133).
ويثبت فتوى "الفقيه الأصولي المعروف" الشيخ يوسف القرضاوي التي صدرت في نهاية الثمانينات ونشرها في كتابة (فتاوي معاصرة، صفحة 636) لتأكيد أن التيار العام والأساسي هو مؤيد للديمقراطية والتعددية.
تمتد فتوى القرضاوي على 14 صفحة وفيها يؤكد على جوهر الديمقراطية التي تشمل الانتخاب، الاستفتاء العام، ترجيح حكم الأكثرية، تعدد الأحزاب السياسية، حق الأقلية في المعارضة، حرية الصحافة، واستقلال القضاء، وغيرها من الشؤون والمسائل. ويرى أن الإسلام قرر "الشورى قاعدة من قواعد الحياة الإسلامية، وأوجب على الحاكم أن يستشير، وأوجب على الأمة أن تنصح، حتى جعل النصيحة هي الدين كله (...) كما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة لازمة (...) وان الحاكم في نظر الإسلام وكيل عن الأمة أو أجير عندها" وينتهي في فتواه بالتأكيد على أن الشورى الإسلامية تقترب من روح الديمقراطية أو جوهر الديمقراطية يقترب من روح الشورى الإسلامية. (راجع الإسلام والديمقراطية، هويدي، 135-149).
جاءت فتوى الشيخ القرضاوي لتحسم الخلاف وترجح وجهة نظر على أخرى لكنها حتى الآن لم تقطع دابر النقاش لأن الآراء السياسية والفقهية متنوعة وتختلف باختلاف الظروف والبيئات، وتتركز معظم السجلات على المصطلح وشرعية استخدامه، المفهوم ومضمونه العقائدي.
2-4 المصلح والمفهوم
تلعب أحياناً مسألة المفاهيم دورها في تقرير الكثير من المواقف الفكرية، وربما تؤدي إلى سجالات أيديولوجية لا تنتهي في وقت تكون الآراء متقاربة.
يمكن أن نلحظ ذاك الاختلاط على أكثر من مستوى، واحياناً يلعب المفرد أو المصطلح (الكلمة) دوره في أحداث التشويش بسبب عدم انسجام بنية اللغة مع بنية العقل، ويكفي تدوير المصطلح أو مقارنته بما يقابله من مفرد في اللغة حتى يزول اللبس.
أكثر ما نجد الاختلاط المذكور في فكرة الديمقراطية (كأسلوب عمل ومنهج علاقات) حين يتم تناولها كمفهوم تتداخل فيه مسائل الفقه والحكم والتشريع والليبرالية والعلمانية والتغريب والغرب. فالبعض يتناول فكرة الديمقراطية ويخلطها من دون وعي منه بقضايا أخرى لا علاقة بها مثل الليبرالية والدولة والعلمانية أو الفقه.
وهناك من يرى الديمقراطية وسيلة من أدوات السيطرة الأجنبية وهي "جهاز واع" لمصالحه غير منفصلة عن سلسلة لقات من المفاهيم المترابطة تبدأ بالاختيار الحر وتنتهي بتدخل الدولة في شؤون المجتمع وحرية الفرد ومعتقداته فتقوم عن طريق الإكراه "الديمقراطي" بفرض قناعات يرى أنها غير شرعية ومشروعة ولا تنسجم مع دينه إلى الخلط الفكري بين الديمقراطية كآلية تنظم الخلافات وبين المفاهيم الأيديولوجية المتعلقة بالعلمانية والليبرالية نلاحظ ايضاً الالتباس نفسه بين فكرة الديمقراطية ونظام الحكم وتشريعاته. لكن يمكن ملاحظة مسألة ذات شأن وهي أن النقد العنيف الذي نجده عند مختلف التنظيمات الإسلامية في مقارعة التغريب والعلمانية والإلحاد وغيرها لا نجده بالحدة نفسها عن مناقشتها فكرة الديمقراطية وكأن هناك ما يشبه الاتفاق على قبولها كمضمون لا كمفرد أو مصطلح وشرط أن لا تتعرض لمعتقدات الفرد الإيمانية. فالفكرة مقبولة بشروط وضوابط مثلها مثل الاشتراكية فهي مرفوضة كمفرد ومصطلح ومقبولة إذا كانت تعني العدل والعدالة والمساواة بين البشر. بينما نجد غيرها من المفردات مرفوضة شكلاً ومضموناً (مفرداً ومحتوى) كالعلمانية والتغريب مثلاً. كذلك نجد الخلط نفسه بين التحديث كضرورة تاريخية وحاجة بشرية والحداثة كمنظور قيمي للأفراد وكنظرة للحياة والفن، مع ذلك يمكن تلمس ما يشبه التمييز بين التحديث بمعنى الإصلاح والتجديد وبين الحداثة كقطع مع القديم والماضي , فالأول مقبول والثاني مرفوض.
وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الكثير من المتشابهات والمتقابلات بين التراث والحداثة في سياق متناقض بين خطين الأول يقبل بها لأنها أساساً موجودة في التراث وهناك ما يقابلها من تجارب الماضي، والثاني يرفضها لأنها غير موجودة وما هو موجود لا ينسجم مع المعروض.
ولاشك في أن الخلاف النظري القائم بين الاتجاهين ليس جديداً بل هو يستمد نفسه من الماضي والتراث ايضاً إذا نجد العديد من الحالات المشابهة في السجال بين أهل الحديث واهل التحديث وبين من يريد التوفيق بينهما. ونجد أيضاً السجال نفسه في عصرنا بين أهل الإصلاح وأهل السلف وبين من يريد التوفيق بينهما بذريعة أن الشرع لا يعترض على التجديد والإصلاح لا يتناقض مع السلف إذا أخذنا شروط اختلاف المكان والزمان في الاعتبار وهو ما يسميه الشيخ راشد الغنوشي اختلاف البيئات.
يبقى الخلط عند بعض الإسلاميين بين الديمقراطية كآلة تنظيم العلاقات والخلافات سلمياً وبين مفاهيم الليبرالية والعلمانية وغيرها آهين بكثير من اخطر خلط قد يحصل في التفكير الإسلامي وهو ذاك القائم بين الحكم الإلهي والحكم بما أنزله الله على البشر، فهناك من لا يقدر المسافة بين المسألتين ويعتبرهما مسألة واحدة، ولا يلحظ انهما تختلفان في درجات.
أحياناً لا نجد هذا التمييز بين الحكم لله وبين الحكم بما أنزله الله، فهناك بعض الاجتهادات التنظيمية لا يقيم مسافة بين الحكم والحكام ويعتبر أن الحكم بما أنزله الله هو نفسه حكم الله متجاهلاً تلك القناة الفاصلة بين الله عز وجل وبين أدوات التنفيذ وهم البشر، وتجاهل الفارق عند بعض الفصائل الإسلامية بين المستويين يثير التباسات عدة ويدفع به إلى رفض كل أشكال الحوار مع المختلف والآخر حتى لو كان من المسلمين المؤمنين المتعبدين.
هناك من الإسلاميين من يقيم مسافة بين أيمانه ومستوى تعبده وبين غيره من الناس (مسلمون وغير مسلمين) الذين يتدرجون في تقواهم ويتفاوتون في مستويات التزامهم بالمنهج الإسلامي في حياتهم اليومية. وهناك من الإسلاميين من يلغي المسافة بينه وبين غيره ويفترض نظرياً أن التقوى والالتزام والتعبد هم على درجة واحدة ويجب أن يتساوى الناس في مدى تلبيتهم لشروط الشرع في حياتهم اليومية.
يعكس الاختلاف المذكور بين الإسلاميين في فهم الشريعة ومناهج تطبيقها، نفسه على مستوى السياسة فيقبل الفريق الأول الحوار مع الآخر المختلف، بينما يرفض الفريق الثاني الحوار ويكفر الآخر ويدعو إلى هجرته حاكماً أو محكوماً بذريعة انه ينتمي إلى الجاهلية ويشرك ما أنزله الله بما صنعه البشر، ويمكن ملاحظة هذه المسألة أكثر ما يكون في حوارات الإسلاميين ضد بعضهم خصوصاً عند تناولهم مواضيع التعددية والحزبية والبرلمانية والائتلاف مع الأحزاب والمنظمات المختلفة ايديولوجياً وفكرياً.
في مقال تحت عنوان "دروس من تجربة الحركة الإسلامية" نشرته مجلة "الإنسان" الصادرة في فرنسا (العدد التاسع، كانون الأول (ديسمبر) 1992) ويأتي الشيخ راشد الغنوشي على تناقض الإسلاميين فيذكر "أن الإسلامي بصفة عامة واقع في مفارقة عجيبة، فهو من ناحية ضحية القمع والإقصاء العلماني ولذلك فهو يطالب بالحرية وقد يعتمد حتى على مبادئ حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في الضغط على الحكام المستبدين ولكن كأني به هو الآخر يحمل عقلية اقصائية لخصومة أو هو يخشى تلك الحرية التي يطالب بها ولذلك بمجرد أن يظفر بها حتى يخنقها ويضيق نطاقها" ويتابع رئيس حركة "النهضة الإسلامية" التونسية "حتى لترى كثيراً من الإسلاميين كأنهم لا يشعرون بالتناقض بين مطالبتهم الأنظمة العلمانية أن تعرف لهم بحق العمل الحزبي وحريات التعبير والتنافس على السلطة بينما هم لا تقر كتبهم بتلك الحقوق لمواطنيهم العلمانيين" (صفحة9). ويرى الشيخ الغنوشي أن ذاك الموقف "لا أخلاقي، كيف أطالب العلمانيين بحق احرمهم منه لحظة التمكن ؟" (صفحة 10).
وعلى الأساس المذكور يطالب باستحداث "ثقافة إسلامية جديدة تستوعب ثقافة العصر" لأن الدعوة حتى تنجح في بيئة جديدة "لامناص من تفاعلها مع ظروف تلك البيئة" ويحدد شروط نجاح الثقافة الجديدة بنقاط عدة أبرزها "أولوية الحرية على الإكراه" و"لمنهج السلمي الديمقراطي" لأن التقدم البطيئ "الذي تحققه أساليب العمل السلمي كثيراً مافاقت جدواها المغامرات". ويرفض الاستراتيجيات المتناقضة داخل التنظيم الواحد والدمج بين "استراتيجية التغيير السلمي والتغيير العنيف" ويؤكد أخيراً على الحوار في مختلف أشكاله والتداول السلمي على السلطة وتنظيم الأمة في مؤسسات شعبية قوية تدار بالشورى.(ص11 و12).
يمكن أن نقلب كلام الشيخ الغنوشي الصارم في نقده لعقلية الحركات الإسلامية ونسأل أليس من العيوب أن ترفض الأحزاب التي تسمى نفسها "ديمقراطية" و "علمانية" و "ليبرالية" وغيرها أن يرخص للأحزاب المختلفة معها ايديولوجياً.
يفتح نقد الشيخ الغنوشي الذاتي والقاسمي النقاش حول موضوع الديمقراطية على مستوى مختلف.
لذلك حتى تكون قراءتنا موضوعية ومتوازنة لكيفية تداول الحركات الإسلامية فكرة الديمقراطية واختلاف مواقفها منها لابد من وضع التصورات المتعاكسة في سياق زمني لا أيديولوجي وإلا ضعنا في متاهات نصوصية لا تفيدنا ولا نستطيع أن نصل معها إلى نتيجة منطقية، فالنصوص المنقولة تحاول ترجمة المعطي النهائي وتحويله إلى نموذج خالص يمكن تركيبه نظرياً على الأوراق وطباعته في الكتب لكن من الصعب تطبيقه على الواقع المغاير. وإسقاط العملية التاريخية وطرد النزعة التجريبية من فكرة الديمقراطية وتطورها الزمني وتقدمها من محطة إلى أخرى يعطل علينا فهم الحركات الإسلامية ومواقفها من الكثير من المسائل خصوصاً المسألة الديمقراطية. فالحركات الإسلامية ليست متفقة على الفكرة على رغم اتفاقها على موضوعة الحرية واحترام الآخر، بسبب إشكالية المفرد أو المصطلح. والحركات الإسلامية ليست معادية للفكرة على رغم أن بعضها يتجنب الإشارة إلى الموضوع الديمقراطي لا بسبب رفض الفكرة بل بسبب اقتناعه بوجود ما يقابلها في موروثنا التاريخي (النصوص والتجارب والشواهد). كذلك لا تجتمع الحركات الإسلامية على برنامج أولويات موحد بل هي مختلفة ومتعددة في برامجها وأساليب عملها. فهناك من يرفض اللجوء إلى التصويت ولا يقبل بالانتخاب كأسلوب سلمي للاختيار والمفاضلة، وهناك من يقر التصويت ويقبل بالانتخاب كأسلوب للتداول والاختيار والمفاضلة، وهناك من يعتمد العنف وهناك من يرفضه، وهناك من يرفض الدولة بداعي جاهليتها وهناك من يقبل بها، وهناك من يرفض المجتمع بذريعة جاهليته وهناك من يتعاطي معه ويؤكد على ضرورة استخدام أساليب التوعية والتربية الطويلة النفس.
يحاول الدكتور علي كريم سعيد في كتابه "أصول الضعف، دراسة في الميل العربي المشترك، دمشق، دار النشر وتاريخ الطباعة غير محددتين" أن يفسر المسألة بالقول "رغم أن المسلمين متفقون على مبدأ اختيار حكامهم بالبيعة، لكنهم لم يضعوا لها شكلاً محدداً، وقد تفنن المسيطرون عبر التاريخ في أساليب انتزاع البيعة وأخذها" (ص187)، ويرى أن رفض بعض الإسلاميين مصطلح الديمقراطية كشكل ومحتوى ومقابلتهم له بالشورى سياسياً "فيه دقة كبيرة ومنطق عملي" لأسباب ثلاثة عددها الباحث كالآتي: أولاً: أن الديمقراطية هي مصطلح (كلمة) يمكن أن يوضع لها تعريف أجرائي يحدد الشكل والمحتوى الذي نرغب به، أو يرغب به هذا الطرف أو ذاك، ثانياً: لم يدع فلاسفة الديمقراطية أو الليبرالية الغربية بأن مفهوم الديمقراطية الذي ينادون به، وتمارسه عملياً دولهم، بأنه يوفر نظاماً كاملاً ومتكاملاً، تام الفعالية في تحقيق الحرية الإنسانية والعدالة والمساواة، بل هم يقرون أن الممارسة والنظرية الديمقراطية في الغرب ناقصة وأدنى بكثير من ما يروم الإنسان تحقيقه لنفسه. ثالثاً: أن الشورى كمفهوم سياسي إسلامي أو لغوي، مازال وعاء شبه فارغ، أو لنقل غير ممتلئ (صفحات 182-184) ويقترح علي كريم سعيد أن "يجري تحقيق الديمقراطية عن طريق عدم إملائها بمحتوى وتعريف، وإنما بتقديمها كإطار فارغ من المحتوى، وعند ممارسة حق الانتخاب داخل الإطار -المناخ- سيمتلئ هذا الإطار ويتنوع بالآراء والمواقف المختلفة..." (ص154-155). ويصل في صفحة 180 إلى نتيجة وضعها في هامش الصفحة تقول: "في ظل غياب طريقة محددة للشورى فإن المسلمين يمكنهم تأسيس شكل سياسي يكون نابعاً من الشعب ويسود فيه البرنامج الذي تصوت عليه الأكثرية وذلك سيوفر الحافز -الميكانزم- التنافسي بين فئات الشعب المتنافسة لاختيار قائد ديني- ثم لاختيار مجلس شوري شعبي - يترك له حق انتخاب رئيس للدولة أو يتم انتخابه من الشعب مباشرة". فالمسألة إذن مسألة مصطلحات ومفردات وتنتهي الإشكالية إذا استبدلت الكلمة بكلمة وأعطيت مضامين مختلفة ومتكيفة مع واقع الناس ومناخهم.
وفي حوار طويل أجراه محمد عبد الجبار مع السيد محمد حسين فضل الله وصدر في كتاب بعنوان "المشروع الحضاري الإسلامي" أبدى العلامة فضل الله تحفظه على المفرد -المصطلح وذكر انه عندما يتحدث عن الديمقراطية يقصد "ضد الاستبداد" أي "أننا مع الديمقراطية بمعنى أننا ضد الاستبداد لكننا لا نستطيع أن نلتزم بكل نتائجها على مستوى القضايا الإسلامية" ويضيف في مكان آخر: "إننا كإسلاميين لا نعتبر أن الديمقراطية هي الخط الذي يعطي الشرعية للقضايا المطروحة في حياة الناس ولا سيما إذا كانت هذه القضايا تتصل بالتشريع لأننا نعتبر أن الناس لا دخل لهم في مسألة التشريع..." (ص125و126، مؤسسة العارف، بيروت، الطبعة الأولى 1991). نلاحظ أن السيد فضل الله لا يرفض الديمقراطية كمفهوم يعزز الحرية ضد الاستبداد لكنه يرفضها إذا تجاوزت حدها وأخذت تتدخل بمعتقدات الفرد وإيمانه وقضايا التشريع الديني. فالسيد فضل الله يريد أن يضبط فكرة الديمقراطية في إطار مفهومي ويقنن حدود تدخلها. فهو يقبلها كإطار لتنظيم الخلافات السياسية بين الناس ويرفضها إذا تحولت إلى أداة تدخل في شؤون الناس الاعتقادية.
3 - مسلمون وإسلاميون
تختلف كتابات المفكر الإسلامي عن التنظيمات الإسلامية، فالمفكر يمزج بين علومه وأهداف التنظيم ويقدم اطروحاته السياسية بشكل تحليلي ومنهجي، بينما أفكار التنظيمات تكون أكثر مباشرة ووضوحاً وهي أقرب إلى البرنامج العلمي المختصر في نقاط محددة، ولابد من ملاحظة هذا الفرز بين كتابات المفكر وأفكار التنظيم حتى تنجلي صور المواقف وألوانها.
كذلك تختلف آراء التنظيمات الإسلامية وتفترق على أكثر من محور، ولا تقتصر الاختلافات على تصور المسائل بل في تحليلها وتحديد معالجتها أيضاً، وتصل الخلافات احياناً إلى حد التناقض في منهج المعرفة ومداخل قراءة المشاكل وأساليب حلها وطرق تذليلها، ولا يقتصر الاختلاف على الأسلوب فقط بل يطال جوهر القضايا كالديمقراطية والحوار مع الآخر والاعتراف به والائتلاف الحزبي مع أحزاب ليست إسلامية ودور البرلمان والتشريعات الرسمية وغيرها من النقاط الحساسة التي تطال هموم المواطن ومتطلباته.
ويمكن التمييز بين خطين إسلاميين كبيرين يتنافسان على تأكيد شرعية التمثيل ومشروعية الفكر والمنهج وهما: تيارات الأخوان المسلمين التي تمثل التوجه العقلاني والمعتدل والواقعي، وتيارات الجماعات الإسلامية ومنظمات الجهاد وهي التي ترفض الأسلوب السلمي وترجح الجهاد وقتال السلطة وتخون "الأخوان" بسبب تساهلهم ومرونتهم وقبولهم بمبدأ التفاوض مع السلطة والتعاون معها.
وإذا قمنا بجرده سريعة لمنشورات تيارات الجماعات والجهاد نلاحظ أن معظم المقالات والبيانات والتصريحات المنشورة تركز على مهاجمة سلوك الخوان وفكرهم اكثر من تركيزها على نقد السلطات ومهاجمتها، بل نجد كثيراً من النقد الجارح الممزوج بالشماتة والسخرية من مواقف الأخوان ومراهناتهم على السلطات وتعاونهم معها ومجاراة الحكومات في نقدهم للعنف والتطرف والإرهاب، وكثيراً ما تستعين جماعات الجهاد بمواقف الحكومة المصرية (رفضها إعطاء تصريح لحزب إسلامي) وتجربة الجزائر (الانقلاب على الانتخاب) إلى مواقف السلطات وسلبيتها من الأخوان كذريعة تعمل لمصلحة استراتيجية الجهاد وفي الآن نفسه لحث الأخوان والضغط عليهم نفسيا للإقلاع عن الأسلوب السلمي الديمقراطي واللجوء إلى السلاح كلغة وحيدة في "السياسة الشرعية" الواجب إتباعها في مخاطبة الحكومات، وهكذا تصبح حركة الأخوان "رهينة المحبسين" فهي مطاردة من السلطات بذريعة كثرة بسلاميتها وملاحقة من تنظيمات الجهاد والجماعات بذريعة قلة اسلاميتها.
وأهم مفارقة يمكن ملاحظتها بين توجه الأخوان وتوجه حركات الجهاد والجماعات أن الأولى علنية تتبع أسلوب المكاشفة والمصارحة وتعتبر نفسها مسئولة عن أعمالها وسياساتها وهي تدين تصرفات غيرها لأنها لا تتفق معها. بينما الثانية سرية وغير علنية على رغم صراحة ووضوح أفكارها ومواقفها، إذ أن البيانات والتصريحات الصادرة عن الجماعات والجهاد سرية وأسماء قياداتهم مستعارة وعناوينهم مجهولة ومراكزهم غير معروفة.
ولعل اختلاف أسلوب عمل كل فريق يفسر اختلاف تفكير ومنهاج عمل كل طرف، فحركة الأخوان مسئولة عن كل كلمة لذلك تزنها قبل أن تقولها، بينما لجوء حركات الجهاد والجماعات الإسلامية إلى الاستعارة وسرية العناوين والأسماء يترك مساحة أوسع لقول كل الأشياء لأن المسئولية ستقع في النهاية على مجهول أو مجهولين، فمن يعيش في عالم من السرية المحكم إلى درجة الانغلاق تصبح الأفكار محكومة بذاك العالم الداخلي المغلق على نفسه وغيره، وتصبح لغة المخاطبة محصورة في "مجتمع مغلق" يخاطب نفسه ولا يكترث كثيراً لوقع الكلمة ومسئولياتها وتأثيرها على جيل أو أجيال، فأسلوب الأخوان سلمي وتربوي وطويل النفس بينما أساليب الجماعات وحركات الجهاد انقلابي وتعبوي ودعاوى يعتمد على تواصل التضحية وضمير الأمة من دون اكتراث للمكاسب الراهنة والمؤقتة.
لعل الاختلافات المذكورة توضح تلاوين الصورة السياسية للمفكرين وقيادات الإسلاميين خصوصاً من مسائل العنف والديمقراطية والتعاطي مع الآخر المختلف.
يرى رئيس "الجبهة الإسلامية القومية" الدكتور حسن الترابي في مقال له نشرته مجلة "الإنسان" أن التدين أصبح "نسبة إلى الإسلام لا ايماناً بالدين، أصبح الفقه محفوظات من الآثار ثم أصبحت الأمة تاريخياً" (ص13).
ويقترح الترابي حتى يعود الإسلام إلى لعب دوره التاريخي اعتماد الخطوات الآتية: أحياء التوحيد، تطوير الاقتصاد، بعث حياة اجتماعية لا تقوم على العصبية، خروج المرأة من عزلتها، تحديث العلم وتوحيده، تجديد الفقه، اعتماد الشورى والرأي، واختيار الحاكم الصحيح، وبناء علاقات دولية قانونية.
ويطلق الترابي على تصوره تسمية "النظام المركب" إذ لا بد "للحركات الإسلامية اليوم أن تبدل هذه الأصول وتعود مرة أخرى لقرار الشورى الذي يسمى الإجماع" ويطالب المسلمين أن "يتصلوا ببعضهم عبر العالم قاطبة" لأنهم "أخوان في الأمة" كذلك يطالب "الاتصال بالغرب عبر الحوار والدعوة قصد هدايتهم" ويقترح أيضاً تقديم نموذج للنظام "العالمي العادل" لأن نظام الأمم المتحدة "مؤسس على غير العدل ولا يراعيه، وهو مخالف حتى للنظم الديمقراطية الغربية" ويرى الترابي أن "البرلمان في أوربا أقوي من السلطة التنفيذية، لكن مجلس الأمن أقوى من البرلمان العالمي بما فيه الدول العظمى"
لا ينكر الترابي الشورى والرأي والاختيار فهي واردة لكنها تأتي بعد التوحيد والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي وحقوق المرأة والعلوم والفقه، فبرنامج الأولويات تحدده في النهاية الحاجات وشروط المكان والزمان.
وفي كتاب "حقوق الإنسان في الإسلام" يشرح الدكتور إبراهيم مدكور والدكتور عدنان الخطيب وجهة نظرهما حول نظام الحكم في الإسلام فيذكر أن "لاشك فيه أن الإسلام لم يأت لنظام معين من أنظمة الحكم وإنما وضع مبادئ عامة تصلح لكل زمان ومكان، كالشورى، والعدالة، والحرية، والمساواة، وفي عمومها ما اكسبها مرونة تفسح المجال للتطور والتجديد" ويحدد الباحثان مصادر التشريع في الإسلام وهي كما هو معروف، القرآن "وهو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، يخاطب العامة، ولا يدخل في التفاصيل والجزئيات" وتشريع السنة "وهو المصدر الثاني، ينصب على أحداث أخرى في ضوء ظروف جديدة" ويؤكدان أن الإسلام لم يعرف مبدأ فصل السلطات "وكثيراً ما اجتمعت هذه السلطات في يد واحدة، وعند تعددها قد لا تلتزم بما رأته سلطة أخرى". وبعد اتساع رقعة الإسلام "تكونت مدارس تشريعية متعددة، وحاول الفقهاء والمجتهدون أن يضطلعوا بالعبء وان يسدوا الفراغ" وهكذا "لم يقف التشريع الإسلامي عند النصوص وحدها، بل كان للرأي فيه مجال" وينتهي الباحثان إلى اقتراح شرعة لحقوق الإنسان انطلاقاً من فكرتهما التي تقول أن نظام الحكم في الإسلام "لم يرسم له نظام معين وأفسح نسبة المجال للاجتهاد واختيار الملائم، على شريطة أن يقوم الحكم أساساً على الشورى، والعدالة، والحرية، والمساواة" (صفحات 38-44، دارس طلاس، دمشق 1992، الطبعة الأولى).
وبعد أن يضعا مسودة دستور مقترح لحقوق الإنسان يؤكدان على "أن اشد النظم المعاصرة قرباً من المبادئ التي جاء بها الإسلام في الشورى والصالح العام هو نظام الحكم الديمقراطي". ويطلبان الأخذ بها خصوصاً تلك " التي تتفق والمبادئ المقررة في الإسلام مع اجتناب عيوبها التي تخالف المبادئ الإسلامية".
وإذا كان الغنوشي والترابي وفضل الله وغيرهم من المفكرين الإسلاميين يؤكدون على مسائل الشورى والرأي والاختيار مع وجود اختلاف بينهم على استخدام المفرد أو على تفسير المصطلح نرى هناك من يقول بالشورى لكنه يشك بالديمقراطية وصحة خيارها بسبب خللها التنظيمي والتمثيلي.
قرأ الأستاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد طي صلاحيات الحاكم في العصر الحديث وقارنها بصلاحيات الحاكم في الإسلام ووجد أن "الأديان السماوية وفي مقدمها الدين الإسلامي قضت ومنذ البدء على الحاكم أن يحكم بما انزل الله" فالحاكم ليس مطلق الصلاحية وعليه التزامات تجاه الشريعة والناس "حتى يستطيع بالمقابل أن يطلب من الناس طاعتهم ومؤازرتهم في تحقيق خططه" (العرفان، تشرين الثاني، وكانون الأول 1994).
وانطلاقاً من المبدأ المذكور يأخذ الباحث بنقد ثغرات النظام البرلماني وعدم صلاحياته التمثيلية لأن البرلمان " ليس هو الواضع الحقيقي للتشريعات" لذلك يلجأ أحياناً إلى "منح الحكومة صلاحيـــــة اتخاذ المراسيم الاشتراعية" لأن البرلمان "يتلهى بالنقاشات والمزايدات لإرضاء ناخبيه، فيما الحكومة بحاجة إلى بت المسائل بسرعة نظراً لسرعة وتأثر التطور".
ويوافق الباحث الحقوقي على أن مسألة الانتخاب "إنجاز عظيم في القوانين الوضعية" غير أنها لا تكشف "عن ارداة الشعب بكامله ولا حتى بأكثريته" بسبب عدم مشاركة جميع المسجلين في الاقتراع ولأن البرلمان حين يصوت "لا يصوت بوعي وحرية كاملين" بسبب انتماء الأعضاء للأحزاب أو "أكثريته تمثل في الحكومة وتأتمر بأوامرها" ولأن التصويت واختيار المرشحين يتأثر بعاملين "الأيديولوجية والقيم من جهة وبقوى الضغط القائمة في المجتمع من جهة أخرى" ويبقى المحروم "قابعاً في محيطه الضيق مهما تكن كفاءاته وقدراته القيادية والتمثيلية". والنتيجة برأي الحقوقي اللبناني "أن الشعب لا يمكن أن يحكم أو يقرر على الأقل في كل بلدان العالم اليوم".
لذلك يقترح أن يثقف الشعب "بالثقافة الإسلامية" حتى تتفق خياراته "مع ما يقرره الشرع الحنيف". ويطالب بأن يختار المسلمون "لأنفسهم اماماً" على أن تختار الإمام "مجموعات العلماء والمكلفين بالإشراف على الترشيح وقبول ترشيحات من تتوفر فيهم الشروط التي حددها الإمام.
وهكذا بعد أن ميز الأستاذ في كلية الحقوق بين صلاحيات السلطة الاشتراعية (البرلمان) وصلاحيات السلطة التنفيذية(الحكومة) اختصر الاقتراع على اختيار هيئة من العلماء تقوم بانتخاب الإمام صاحب الصلاحيات الواسعة الملزمة بالشورى والشرع، لأن السلطة في الإسلام تعود برأيه إلى الله وهو الذي "يمنحها للحاكم مقيدة بالأحكام التي وضعها كأصول وأحياناً كتفاصيل" ولا يخشى من الشطط "مادام العلم والعدالة متوفرين لدى الحاكم وما دام القاضي محمياً مادياً ومعنوياً" (العرفان، صفحات 109-121).
لا يمكن أن نفهم تحليل أستاذ الحقوق في إطاره المجرد لأن الخلاف على مثل تلك المسألة لا يقوم على النص بل على أدوات التنفيذ. فهو يفترض من جهة نسبة عالية من الوعي والإدراك والنزاهة والتجرد ويقترح من جهة أخرى درجة تمثيلية شديدة الاختصاص تتوسط صيغة الحاكم المطلق والبرلمان المشرع على مختلف الضغوط والأهواء، فمثلاً يوافق على اختيار المسلمين إمامهم بواسطة مجموعة العلماء والمشرفين لكنه لم يحدد اختيار هؤلاء هل يتم ذلك عن طريق الاقتراع وصناديق التصويت أم تقوم "صفوة" مختارة من "نخبة" المجتمع باختيار الإمام بمعزل عن الناس ؟ فالصيغة الغامضة تدل على ذاك الالتباس الذي يخلط بين الحكم والحكام والحكومة، فالقوى التي تنفذ أحكام الدستور سواء في حكومة إسلامية وغير إسلامية هي عناصر بشرية لابد من وجود آلية أو هيئات تقوم باختيارها أو انتخابها، وهذا لا يتم برد الاختيار إلى صفوة بمعزل عن إرادة الناس وحقهم في الاختيار.
ومن هم الناس، وما هي أصافهم ؟ وكيف يراهم بعض المنظرين لفكر بعض حركات الجهاد والجماعات الإسلامية، وكيف يتم التميز بين المسلم والإسلامي ؟.
يقسم "أبو عبدالله" في مقال جاء تحت عنوان "في السياسة وفقه الواقع" الناس إلى "ثلاث مدارس رئيسية تفرع عنها من اخذ باثنين من هذه الأسباب ولم يكتمل الحال إلا لمن وفقه الله للأسباب الثلاثة". وحدد المدارس الثلاث كالآتي: "قوم جعلوا القوة مقصورة على تصحيح الاعتقاد بالسلوك (...) بلا جهد ولا نصب وطالبوا العقول أن تقبلها ونعتوا كل منكر لها بأوصاف الانحراف والضلال والقصور".
"آخرون جعلوا القوة هي فهم الواقع وإدراك اللعبة السياسية المحلية والدولية والتحرك في هامش المصالح بلا ضوابط من دين الله فنشأت مدارس للعمل الإسلامي أوصلت أصحابها للشرك والضلال أو كادت كل بحسب ممارسته".
"فريق ثالث ومعظمهم من الشباب المخلص ظنوا نتيجة عجز هؤلاء وأولئك أن القوة هي الرمي مع حظ ما من القوة الأولى وشبه جهل مطبق بالقوة الثانية فقدموا نماذج على الإخلاص وقوة الاستشهاد في إطار من الفشل المتكرر".
ويرى "أبو عبدالله" أن شباب الفريق الثالث "اكثر الفرقاء إخلاصاً وافهم قبولاً وقرباً من النجاة والنجاح" ويقترح "أبو عبدالله" على الشباب حتى يأخذوا حظهم بالنجاح أن يأخذوا من القوة الأولى "صحة المنهج والاعتقاد" ومن الثانية "فهم السياسة والواقع ليكتمل لهم المسار".
ويبدأ "أبو عبدالله" بشرح فكرته التي تجمع بين مناهج الفرقاء الثلاثة: صحة العقيدة والالتزام بالسلوك، فهم الواقع وإدراك اللعبة السياسية المحلية والدولية، والإخلاص والعمل والجهاد وقوة الاستشهاد (الفجر، العدد15، السنة الثانية 1996، تصدر عن مركز الإعلام الإسلامي، الدنمارك).
نلاحظ من التقسيم المذكور أن فرز الناس يتم على أساس السياسة ومنهج الاعتقاد ولا يقيم أي أهمية للمصالح والعلاقات، وعلى أساس الفرز العقائدي يظهر أن مجال الاختيار محصور في دائرة ضيقة يخرج منها كل من لا تنطبق عليه الشروط الثلاثة التي حددها "أبو عبدالله" فالديمقراطية غير واردة لأنها أصلاً لا تدخل في سياق التقسيم أو الاختيار بين الناس وفئاتهما.
هذا الغموض لا نجده في مقال "مصطلح الثابت والمتغير في ميزان الأصول والواقع" كتبه الشيخ "أبو قتادة" رد فيه على كتاب الدكتور صلاح الصاوي "الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر" الذي حاول أن يفسر الاختلافات وخلافات الحركات الإسلامية في العمل الإسلامي مستخدماً المنهج القرآني والسنة النبوية ومدارس الفقه.
اتهم الشيخ "أبو قتادة" الدكتور الصاوي بأنه " تجاوز في كل كتابه البحث عن التوصيف الشرعي لواقع الحكومات والدول التي تعيشها الحركات الإسلامية، وهو توصيف يجب الاتفاق عليه ويجب أن يكون من الثوابت لأن هذا التوصيف متعلق بالثوابت والمحكمات في قضية الإيمان...".
ويرد الشيخ "أبو قتادة" على جعل الدكتور الصاوي "مسألة الدخول في البرلمان والاشتراك في العملية الديمقراطية من باب المتغيرات ومن مجاري الاجتهاد التي يتفاوت الناس في تقديرها". ويؤكد على أن هذه النقطة "من المسائل المختلف عليها بين الإسلاميين(...) وهو خلاف يدور بين موجب ومجوز ومانع، والمانع بين حاظر مؤثم ومفكر مضلل...".
ويشير الشيخ إلى شروط الدكتور لدخول المجالس النيابية منها "الاجتناب والبراءة حتى يعلم قيامها على الإسلام والتزامها حالاً ومقالاً بسيادة الشريعة الإسلامية(...). والدعوة إلى هذا الأصل الجامع ونصرة الدين الحق وإقامة الحجة على المرتابين".
ويسخر الشيخ"ابو قتادة" من شروط الدكتور إذ "كيف يمكن للنائب في البرلمان أن يدخل هذا البرلمان بهذا الشرط ؟ " ويعلق "فهلا قلت لنا لا يجوز وكفى" لأن مثل هذا البرلمان غير موجود، ويرى الشيخ "أن ما تقوم به على ارض الواقع جماعات العمل السياسي (...) هو استجابة واقعية (بغض النظر عن النية والقصد) لمطالب الجاهلية". (الفجر، العدد نفسه).
يلاحظ من قراءة الشيخ"ابو قتادة" انه لا يرفض فكرة البرلمان بالمطلق لكنه يرفض البرلمانات القائمة حالياً ويهاجم القوة الإسلامية التي وافقت على الدخول بلعبتها على رغم علمها بجاهليتها، لكن الشيخ لا يحدد شروطه أو يرسم مواصفات البرلمان المقترح وهيئاته وأساليب انتخابه، ويرجح انه يرفض فكرة الانتخاب ويفضل مسألة الحشد.
ويوزع الكاتب " عمر عبد الحكيم" في مقال تحت عنوان "الحركات الجهادية... وعملية الحشد والتجنيد" المدارس الإسلامية السياسية على ست:
الأولى: لحركة التي يجب أصحابها أن يسموها الأم" ويسخر من حركة الإخوان التي تخلت عن شعاراتها السابقة وباتت تطرح الآن "الديمقراطية دستورنا، والبرلمان سبيلنا، والحصول على مقعد في وزارة طاغوت اسمى أمانينا".
الثانية: "التجمعات والمدارس التي رفعت شعار (أهل السنة والجماعة) وتبنت (منهج السلف) وانتمت حتى اسمياً لهذا المسمى الشريف (السلفية)"، ويتهم قادة هذا التيار بأنهم تخلوا عن منهجهم وأصبحوا "عباد الشيوخ والأمراء (...) بعد أن سوغ كبيرهم كل الموبقات وأبشع المؤامرات...".
الثالثة: "طرحت نظرية تحتوي على كثير من جوانب الخير منهجاً وتربية، منطلقين من تصحيح (الولاء والبراءة) والتركيز عل توحيد الحاكمية لبناء (قاعدة صلبة) مؤهلة..." ويتهم قادة هذه المدرسة بأنها تعيش "على جدالات (بيزنطية) ما تفتأ تدور وتعيد في حلقات البحث المجرد ".
الرابعة: "ترخصت وتوسعت في طرح نظريتها على حساب أساسيات معتقدات هذا الدين الحنيف لتواكب مستوى الفهم والممارسات السياسية بزعمها وتعتمد التثقيف والتربية السياسية والواقعية أساساً لتعبئة قواعدها"، ويرد عليها بأنها خرجت عن "القرار الصائب والممارسة المجدية".
الخامسة: "وهم الذين اهتدوا "إلى أن الطريق هو (التبليغ والدعوة)". ويرى "إذا ضربنا صفحاً عن القصور والعوج في منهجهم من الناحية الشرعية والواقعية وجئنا لنقارن في زاوية الخير التي لديهم والنتيجة التي حصلوها (...) ونظرنا إلى عملية التبليغ والدعوة (...) لوجدنا أن الله هدى ببركات الجهاد (...) عشرات أضعاف ما حصلوا بجهودهم المشكورة".
السادسة: وهم أولئك الذين "نسبوا أنفسهم إلى (السلوك والتربية) بزعم التصوف وتزكية النفس" ويرى أن هذه الفئة انحرفت وضلت وخرجت على شعاراتها.
ويخلص الكاتب "عمر عبد الحكيم" أن المدارس الست انتهى دورها "على اختلاف بعدها وقربها" ويرى أن حركات الجهاد المسلح "قد ورثت واقعاً ومنهجاً جوانب الخير وجوهر الشعارات الخيرة المرفوعة في كافة مناحي ما سمى بالعمل الإسلامي أو الدعوة الإسلامية أو الصحوة، وتجاوزت ما وقعت به من قصور وعوج" وينتهي اخيراً إلى وضع برنامج من تسع نقاط للحركات الجهادية لترث "الحشد البشري لسلسلة الجهود الخيرة لمشروع الصحوة عبر القرن الأخير" لأن "التجمعات الجهادية" يجب أن "تنتبه إلى عظم المسئولية وتشعبها ومن ذلك ومن أهمه وضع نظرية مستقيمة مدروسة لعملية (الحشد والتعبئة) قبل أن يفاجئها نصر بفعلها أو بفعل الظرف فتجد نفسها عاجزة بحكم واقعها عن قيادة أمة´
يلاحظ من نصوص الإسلاميين أن لكل حال مقال وان شروط المقام (المكان والزمان) تحدد إلى حد كبير وجهة التفكير. فالحقوقي اللبناني يعدد أخطاء البرلمان القانونية ويقرأ ثغراته التمثيلية ليركز السلطة في هيئة واعية تقع عليها مسئولية اختيار الحاكم، وهذا ما يخالف رأي رئيس البرلمان السوداني حسن الترابي الذي يرى أن سلطة البرلمان وصلاحياته القانونية أقوى بكثير من سلطات الحكومات التنفيذية وصلاحياتها، والشيخ المطارد والملاحق راشد الغنوشي يشدد على الديمقراطية ويطالب بالحريات واحترام الرأي وحق الاختلاف ووجوب تداول السلطة سلمياً، ويلتقي الدكتور الترابي مع القوى الجهادية في رفضها للنظام العالمي واستبداده الدولي لأنه يطوق السودان ويحاصره ويضيق عليه حريته وحقه في اختيار نظامه وسياساته ويختلف معها في الأسلوب واستراتيجية المواجهة، بينما تتجه الحركات الجهادية (الجماعة والجهاد) إلى رفض فكرة البرلمان لسببين: الأولى لأنها جاهلية والثانية أنها لا تسمح للإسلاميين بدخوله، لذلك تدعو إلى عدم إضاعة الوقت ورفض المساومة أو الصلح أو التسوية والاستمرار في الكفاح ضد الأنظمة، فالتعبئة والحشد والمواجهة المباشرة هي البدائل، عند الحركات الجهادية، عن خوض الانتخابات غير مجدية يتم تداولها باسم الديمقراطية.
لم تنشأ الخلافات بين القوى الإسلامية فجأة ودفعة واحدة بل تدرجت تاريخياً وعبرت مراحل ومحطات إلى أن انفجرت ووصلت إلى حد الصدامات في نهاية الثمانينات.
3 -1 الاختلاف على الديمقراطية:
أهم تطور حصل في التيارات الإسلامية هو انتقال الخلاف من الخصومات العقائدية في نهاية السبعينات إلى المواجهات السياسية والاشتباكات بين الطرفين، خصوصاً بين الجماعة الإسلامية وحركة الأخوان.
ازدادت الصدامات عندما بدأت الحكومة المصرية تفرج عن قيادات الجماعة الإسلامية في العام 1984 وأخذت الأخيرة تنشط وتعيد تنظيم نفسها فاندلعت المواجهات وانتقل الخلاف إلى الجامعات والمؤسسات والمحافظات ووصل أحياناً إلى الاشتباك واستخدام السكاكين والخناجر والخنازير وأسياخ الحديد كما حصل في أسيوط في عام 1987 و 1988، وانتهت المواجهات إلى إصدار كل طرف بيانات يتهم فيها الطرف الآخر بالاعتداء، وتطورت حرب المناشير إلى صدور بيانات توثق الخلافات وتقوم على تأصيله عقائدياً وسياسياً.
وبصدور البيانات العقائدية تأسست خطوط أيديولوجية متناقضة تختلف على معظم المسائل والمحاور، وبقراءة تلك المنشورات يتبين أن الصراع ليس بسيطاً، بل يتركب من عناصر متعددة تبدأ بالموقف من الدولة (الحكومة والبرلمان) وتنتهي إلى أبسط المسائل المتعلقة بالناس والتعامل مع المجتمع، وأبرز وثيقة أصدرتها الجماعة الإسلامية كانت تلك التي تحمل عنوان "نحن والأخوان" ضرحت فيها بالتفصيل خلافاتها مع الأخوان ورفضها لمواقفها السياسية وخلطها المفاهيم الإسلامية بالشوائب العلمانية وتساهلها مع النظام المصري ومشاركة الأخوان في البرلمان (هشام مبارك، الإرهابيون قادمون ص 222).
شكل الهجوم الذي شنته الجماعة الإسلامية على الأخوان بداية قطع ليس مع قيادة الإخوان آنذاك بل مع تاريخ الحركة، وتحديداً مؤسسها حسن ألبنا، ففكرة دخول البرلمان والمشاركة في الحياة النيابية ليست جديدة وليست بدعة اخترعها قادة الإخوان في دورة 1984 (التحالف مع حزب الوفد) ولا في دورة 1987 (التحالف مع حزبي العمل والأحرار) حتى يستنكرها قادة الجماعة.
فكرة المشاركة في الدورات الانتخابية قديمة ويعتبر حسن ألبنا أول من أسسها ودعا إليها، بل قرر ترشيح نفسه في انتخابات عام 1942 في ظل حكومة كان يرأسها آنذاك حزب الوفد، وبلغ وقتها "عدد مرشحي جماعة الإخوان سبعة عشر مرشحاً وعلى رأسهم المرشد العام حسن ألبنا نفسه في دائرة الإسماعيلية، وركز دعايته على تطبيق الشريعة الإسلامية، وفي تلك الآونة وقع صدام بين الوفد والإخوان عندما رفض النحاس باشا زعيم الوفد ترشيح حسن ألبنا في الانتخابات على أساس أن الأخوان جماعة دينية ولا تعمل بالسياسة (...) وفي محاولة أخرى وبعد إقالة وزارة النحاس باشا في تشرين الأول (أكتوبر) 1944 وحل مجلس النواب الوفدي، رشح حسن ألبنا نفسه مرة أخرى في انتخابات كانون الثاني(يناير) 1945، وفي دائرة الإسماعيلية أيضاً، ووقتها أفتى الأخوان بأن الدين يبيح دخول الانتخابات ما دام ذلك يؤدي إلى نشر الإسلام" (الإخوان في البرلمان، محمد الطويل صفحة 45-46).
تؤكد الخلافات بين حركة الإخوان وحركات الجهاد والجماعات الإسلامية على أن وجهات النظر لم تتناقض بسبب آراء قادة الحركة وقبولهم بالمساومة والتسوية، بل بسبب حصول تطور في التناقض انتهى إلى القطع مع ماضي الحركة ومؤسسها، الأمر الذي يشير إلى وجود تيارين ينقسمان أيديولوجياً ويختلفان في الرأي والاجتهاد والممارسة، وتحتل مسائل الموقف من العنف والأسلوب السلمي نقاط تماس تعيد إنتاج التوتر بين الطرفين في كل فترة زمنية.
يمر حل الباحث مبارك تطور الفكرة الديمقراطية عند جماعة الأخوان ويرى أنها كانت قبل العام 1952، تدعو إلى حل الأحزاب جميعها بدعوى "أنها تؤدي إلى تمزيق وتشتيت وحدة الأمة" (ص339)، إلا أن حركة الإخوان أعادت النظر بموقفها السابق بعد تعرضها إلى الحل والملاحقة والاضطهاد في فترة الحكم الناصري الذي امتد إلى العام 1970.
بعد المصالحة المشروطة مع النظام بدأت الحركة بإصدار مجلة "الدعوة" وأخذت منذ العام 1971 تتحدث عن الديمقراطية ورفض الفتنة واحترام الدستور.
وعلى رغم الاتفاق على مضمون الفكرة، استمر النقاش على الأساليب وأشكال تحقيق الأهداف سلمياً، ويستعرض مبارك أراء قيادات الحركة بالفكرة الديمقراطية ويسجل تصريحات عبد القادر عودة الذي يرى أن الإسلام سبق التشريعات المدنية في مسألة الديمقراطية حين "أسس نظرية الشورى لتكتمل الشريعة ورفع الجماعة ودفع أفرادها على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر والسيطرة على الحكام ومراقبتهم" ويرى أن نظام الحكم في الإسلام ليس دينياً ولا ديمقراطياً لأنه "يقيد الحاكمين والمحكومين بما أنزل الله" (ص340-341). ويخالف مأمون الهضيبي رأي زميله ويرى أن حركة الأخوان اختارات الديمقراطية "باقتناع وإيمان" ويؤكد على أنها الأساس الأول "للبناء الاقتصادي والاجتماعي وهي أرض الأقوياء الذين يلتزمون بالدستور ويقيمون التوازن بين الحقوق والواجبات ويسعون بين الرأي والرأي الآخر لتحقيق مصالح المجتمع" (ص341)، ويتجه عصام العريان وسيف الإسلام حسن ألبنا الاتجاه نفسه ويطالبان بالمزيد من الديمقراطية وبإلغاء "جميع القوانين المقيدة للحرية" خصوصاً تكوين الأحزاب والجمعيات والاتحادات والنقابات والهيئات والأندية.
ويعلق مبارك على أنه لم تظهر حتى الآن عند جماعة الإخوان أي مواقف متعارضة مع الديمقراطية، لكنه يلاحظ أنه "يمكننا أن نرصد تشوشاً وخلطاً بين الديمقراطية والشورى" (ص341)، ويستنتج أنه مع تغير الظروف السياسية والاجتماعية في مصر "أصبح للإخوان المسلمين رؤية تكاد تكون متناقضة تماماً مع ما كان يدعو إليه حسن ألبنا من قبل" (ص342)، ويفسر مصطفى مشهور (مرشد الأخوان في مصر) الخلاف بين التصورين لأنه "نحن في الأصل جماعة ولسنا حزباً وقد ظهرت فكرة مطالبتنا بحزب لكي نستطيع ممارسة نشاطنا بشكل شرعي" (ص342).
ويخلص مبارك إلى "أن قادة الأخوان يرون إمكانية للتوفيق بين الديمقراطية والشورى ويتقبلون التعددية الحزبية بشرط عدم تعارضها مع المبادئ الدينية" بينما، والرأي له، لا "تكتفي حركة الجهاد الإسلامي برفض الديمقراطية ولكنها توجه انتقادات حادة للإخوان المسلمين لتبنيهم لها".
تهاجم وثيقة "معالم العمل الثوري" قبول حركة الأخوان فكرة الديمقراطية وتدعو بدلاً عنها إلى وحدة فصائل الحركة الإسلامية وحشدها "لمواجهة الجاهلية". وترفض مجلة "الفتح" الناطق باسم حركة الجهاد الديمقراطية لأنها "فكرة غربية تمخضت من الخبرة التاريخية للمجتمعات الأوربية". وتؤكد على أنها لا تلتزم " إلا بالشرع الإلهي، والتشريع مصادره معروفة وهي الكتاب والسُنة والإجماع والقياس" لأن الناس في الإسلام "ليس لهم أي حق تشريعي حتى لو وافق كل الشعب على قضية ما". وتطالب بعدم إهدار "الطاقات المؤمنة في هذا الطريق المسدود". وتميز حركة الجهاد بين الشورى والديمقراطية وتراهما مختلفتين ثم تميز بين المعارضة في النظام الديمقراطي والأخذ بالرأي الآخر في النظام الإسلامي وتجد أن الأولى تعني تعدد الأحزاب، وتعني الثانية تعدد الآراء. وتنتهي الجهاد إلى رفض النظام الحزبي وترى أن الشورى واجبة لكنها غير ملزمة. فالحرية برأيها ليست سائبة بل مضبوطة.
وتتجه الجماعة الإسلامية إلى تبني المنهج نفسه الذي تعتمده حركة الجهاد من مسائل الديمقراطية والتعددية والأكثرية والانتخابات والائتلاف والتفاوض مع السلطة، وترى أن "الديمقراطية تخالف الإسلام" وترفض التعددية لأن "تعدد الأحزاب لا ينشأ إلا عن تعدد الأيديولوجيات". وهذا برأي الجماعة الإسلامية ممنوع من الدولة المسلمة، وترى الجماعة أن الديمقراطية" هي الابن المدلل للعلمانية"، وتساوي بين الكفر والإيمان و "تقر حكم الأغلبية"، بينما "ليست الأغلبية على الحق بالضرورة"، وترفض الجماعة محاولات الإخوان ربط الديمقراطية بالشورى وتنتقد موقف "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر لموقفها من الديمقراطية وقبولها خوض المعركة البرلمانية وموافقتها على الشروط الدستورية لمشروع الانتخابات (ص344-384).
وتكرر "الجماعة الإسلامية" وحركات الجهاد الموقف نفسه من الانتخابات والمشاركة في البرلمان وتعيب على المشاركين في اللعبة من حركات الإخوان والتنظيمات الإسلامية الأخرى لأنها تقع "في المحاذير الشرعية أثناء الدعاية الانتخابية من الوعود الكاذبة والتدليس مما يكون له أثره السيئ على الدعوة والدعاة" (ص356).
يلاحظ من البيانات والوثائق والتصريحات الصادرة أو المنسوبة لقادة الجماعات والجهاد طغيان المواقف والأفكار الطهرانية (التطهرية) في محاولتهم الابتعاد عن التلوث السياسي الذي قد يصيبهم في حال إتباعهم الأسلوب المرن والبراغماتي الذي تنتهجه حركة الإخوان في مصر أو الذي انتهجته "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر. ومن الواضح أن قادة الجماعات وحركات الجهاد يرفضون التكيف مع أي حال من الحالات، فالنصوص عندهم مطلقة ولا يجوز تفسيرها أو إعادة تفسيرها حسب الأصول ووفق قواعد القياس والسُنة والشروط التي وضعها أو اتبعها سابقاً، وفي حالات أخرى أو متشابهة، عشرات الأئمة ومئات الفقهاء، فهم يعتبرون أن الحكم الإسلامي حكم الهي وليس بشرياً ولا يميزون بين الحكم والحكام الذين هم في النهاية من البشر ويجب اختيارهم لا فرضهم بالقوة على الناس، ويسبب عدم تمييزهم بين حكم الشرع وحكم البشر فإنهم يخلطون بين أحكام الله والحكم الذي يمارسه وينفذه البشر وليس الله. ويفسر عدم وضوح ذاك التعارض المذكور بين المسألتين إقدامهم على احتقار الناس واستنكار فكرة الغالبية والأكثرية، في وقت تدعو منشوراتهم هؤلاء الناس إلى الحشد والالتحاق بهم للإطاحة بالحكومات الجاهلية وغير الشرعية. ويمكن القول إن مثل هذه الأفكار متأثرة بالفكر الأوربي الذي ساد القارة في القرون الوسطى (وقبل عصر التنوير) أكثر بكثير من الفكر الإسلامي وتجارب الدولة الإسلامية وتراثها السياسي الغني بالعبر والدروس، وهو تراث لا يشير إلى الحكم الإلهي بل إلى الحكم الشرعي والعادل.
ربما يوضح الفارق المذكور بين المفهومين أن مصادر تفكير الجماعات الإسلامية وحركات الجهاد أقرب بكثير إلى التجارب الأوربية ومناهجها من التجارب الإسلامية ومناهجها، كما يدل الفارق على مسألة مهمة وهي أن معظم قادة التيارات الإسلامية المعاصرة درس الإسلام في المعاهد والجامعات الحديثة أو السجون وربما تعلمه بجهده الخاص ولم يتعلمه كقواعد وأصول كما تذهب مناهج الأزهر وتطبيقاته التدريبية والتعليمية.
الإخوان والدولة والشورى
لعب اختلاف الجذور الاجتماعية والأيديولوجية ومنابت التربة السياسية دوره في تحديد انتماءات العناصر الحزبية وافتراق توجهها في قراءة التحولات الدولية والتعاطي مع الأزمات الإقليمية والمحلية، إلى ذلك يضاف موضوع الخبرة التي تعمق التجربة وتزيدها نضجاً وهي مسائل مشتركة لا تتوافر عند الجماعات الإسلامية الحديثة العهد في حين أنها موجودة في تكوين حركة الإخوان وان تفاوتت بين فرع وآخر.
يكفي التفسير المذكور لفهم الخلاف بين الإخوان والجماعات لكنه يساعد على وعي الاختلاف بين الطرفين وعلاقته بالجذور الاجتماعية والأيديولوجية والتربوية لكل فريق.
وبسبب ذاك الاختلاف اختار كل طرف طريقة الخاص والمستقبل، فاتجهت الجماعات نحو العنف والمواجهة المسلحة انطلاقاً من تحليلها الذي لا يسمح بالمساومة مع حكومات جاهلية لا تأتمر بالشرع بينما اتجهت حركة الإخوان نحو الحلول السلمية ورفض العنف والتأكيد على الطابع القانوني لعلمها السياسي والنقابي انطلاقاً من تحليلها الذي لا يتعارض مع المساومة والتسوية لأنها أصلاً لا تعتبر الحكومات جاهلية وترى أن مهمتها تقتصر على النصيحة والدعوة ولا علاقة لها بإصدار الأحكام المطلقة ضد الناس من دول وشعوب وطوائف ومذاهب.
ونتجت عن اختلاف التحليل في إدراك الواقع المعقد وفهم المشاكل المعاصرة سلسلة سياسات متناقضة، فالذي يرفض التعاطي مع الحكومات العربية بذريعة أنها جاهلية يقاتل الأقباط مثلاً بحجة انهم كفرة، والذي يفسر الأزمة الاجتماعية لأسباب تتعلق بالمسلك الفردي للمسئولين يلجأ إلى الأسلوب الإرادي للاقتصاص المباشر من عناصر الحكومة والشرطة والسياح، بينما الذي يطالب الحكومة بالحوار وتعزيز الديمقراطية وفتح الباب للنقاش تظهر عنده بوادر التعايش مع مختلف الجماعات الدينية التي يتكون منها المجتمع كذلك يلجأ إلى تحليل الأزمة المعيشية بطريقة موضوعية لا تقتصر مسئوليتها على الأفراد وعناصر الحكومة والشرطة والسياح، لذلك تميز فكر الإخوان وخصوصاً منذ مطلع التسعينات بالحكمة والموعظة ورفض العنف في مختلف أشكاله، ففي مقابلة نشرتها "الحياة" مع المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر المرحوم محمد حامد أبو النصر (4 أيلول - سبتمبر1995) يربط العنف بقلة الحرية وبالعوامل الاجتماعية ويشير إلى حل شامل "لأسباب العنف" وبرأيه أن معالجة الأسباب تبدأ بإطلاق "الحريات واحترام حقوق الإنسان وكرامته، وإجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية ومحاربة الفساد المادي والمعنوي" ويعرب عن اسفه لإصرار "السلطة على الاكتفاء بالمواجهة الأمنية حتى تمادت وقابلت العنف بالعنف وتكرر القتل الرسمي بمجرد الاشتباه" فتعقدت المشكلة وزادت خطورتها"، وعلى مدى السنوات السبعين الماضية، منذ نشأة الجماعة، لم يقع أي حادث يعكر صفوها، وكان للإمام حسن ألبنا مستشارون من الأقباط، وكان عدد من الأقباط يحرص على حضور محافل الجماعة، وحين ابعد الإمام ألبنا إلى قنا كتب القساوسة هناك مذكرات إلى الحكومة تنصفه".
لاشك في أن سنوات التسعينات (العقد العاشر من القرن العشرين) كانت حاسمة في كسر إمكانات اللقاء بين حركة الإخوان وتنظيمات الجماعة، ففي حين اتجهت الأخيرة نحو تصعيد العنف والمواجهة المسلحة مع السلطات المصرية اتجه الإخوان نحو تنضيج فكرهم السياسي وتطوير خطابهم الأيديولوجي وتحديثه ليتناسب مع ظروف مرحلة الانتقال التي تمر بها المجتمعات العربية والإسلامية، فأصدروا ثلاث وثائق تعتبر الأهم والأخطر في تاريخهم السياسي منذ عودتهم للنشاط الإعلامي في منتصف السبعينات.
يمكن اعتبار الوثائق الثلاث "التأسيس الثاني" لحركة الإخوان لأنها حسمت بشكل واضح وقاطع الإجابة عن ثلاثة أسئلة. الأول: مفهوم المواطن والمساواة بين المجموعات الدينية والمذهبية. والثاني: مفهوم المرأة ومساواتها بالرجل وحقها في الممارسة السياسية وتولي المسئوليات العامة والرسمية. الثالث: وهو الأهم، حدد أن الأمة هي مصدر السلطات وقطع الطريق على المفهوم المضاد الذي يتمسك بالشرع والشريعة فقط كمصدر للسلطات.
ونظراً لأهمية الوثائق الثلاث التي تم جمعها في كتب صدر بتاريخ تشرين الأول (أكتوبر) 1995 لابد من قراءة نصوصها التي تحسم توجه الأخوان القديم وتعيد بلورته وإنضاجه في ضوء أسئلة المرحلة المعاصرة.
تتناول وثيقة "بيان الناس" صدرت في القاهرة في 30 نيسان (إبريل) 1995 الموقف العام من المسلمين وغير المسلمين وعلاقة الدين بالسياسة والعمل السلمي ورفض العنف واستنكار الإرهاب والتأكيد على حقوق الإنسان فتذكر عن المسيحيين "لهم ما لنا وعليهم ما علينا وهم شركاء في الوطن، وأخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر بهم والتعاون معهم على الخير فرائض إسلامية لا يملك مسلم أن يستخف بها أو يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها، ومن قال غير ذلك أو فعل غير ذلك فنحن براء منه وما يقول ويفعل". وتؤكد أن "التعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر، كما تقتضي الاستعداد النفسي والعقلي للأخذ عن هذا الآخر فيما يجري على يديه من حق وخير ومصلحة" (ص6). وتميز الوثيقة بين الشريعة والحاكم في مجال علاقة الدين بالسياسة. فإقامة شرائع الإسلام فريضة من فرائضه "لكن الحكام -في نظر الإسلام- بشر من البشر، ليست لهم على الناس سلطة دينية بمقتضى حق الهي... وانما ترجع شرعية الحكم في مجتمع المسلمين إلى قيامه على رضا الناس واختيارهم" (ص7). وترفض الوثيقة العنف وكل أساليب القسر وجميع "صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبداً فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة". وتعلن الوثيقة البراءة من شتى أشكال العنف ومصادره وتستنكر شتى أشكال ومصادر الإرهاب لأن "الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم واقعون في المعصية" (ص8).
وأخيراً تؤكد على احترامها والتزامها حقوق الإنسان وتطالب بممارسة الحرية "في إطار النظم الأخلاقية والقانونية ايماناً بأن حرية الإنسان هي سبيله إلى كل خير، والى كل نهضة وكل إبداع" (ص10).
وتذهب وثيقة "المرأة المسلمة في المجتمع المسلم" التي صدرت في القاهرة بتاريخ آذار (مارس) 1994 في الاتجاه نفسه إذ تؤكد على حقها في العمل عموماً ومشاركتها في الانتخابات وترشيحها واختيارها في المجالس المنتخبة وتولي الوظائف العامة والحكومية.
وتأتي وثيقة "الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب" لتحسم أي لبس في موضوع خيار حركة الإخوان السلمي وقبولها بالتسوية السياسية والمساومة مع المختلف معها أيديولوجياً.
واستندت الوثيقة الثالثة على الأولى في توضيح موقفها، إذ كان "بيان للناس" قد أوضح أن "للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام، فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناسي دون أن يحيف بحق الاقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي وموقف آخران، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي والدعوة إلى ذلك الموقف" (ص7). وتعتبر المسألة المذكورة أهم إنجاز سياسي حققته حركة الإخوان في تطوير فكرة الديمقراطية إذ أنها لا تعتبر الديمقراطية هي حكم الأكثرية (الغالبية السكانية أو الانتخابية) بل أيضاً حكم الأقلية ومشاركتها في القرار أو الاعتراض عليه. ثم تعيد التذكير بأن الأخوان شاركوا في بعض المجالس النيابية والانتخابية التشريعية و "استبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره..." (ص8 و9).
انطلاقاً من تلك القناعات صاغ الإخوان فكرتهم الجديدة التي تعتبر خطوة حاسمة في تحديد مفهوم للشورى ومصدر السلطات وهي الفكرة التي تم إيضاحها في الوثيقة الثالثة.
يؤكد بيان "الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب" على "أن الأمة هي مصدر السلطات، فهي التي تولي من تثق في دينه وأمانته وخبرته وعلمه ومواهبه وكفاءته ما تحدده له من أمورها ليقوم عليها بالعدل والإحسان والإنصاف" (ص24). وتوجز تاريخ الشورى في الإسلام وتوضح فكرة تعدد الأحزاب في المجتمع المسلم وتؤكد على أن الخليفتين أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما) لم تدع أي منهما "عصمة أو ارتفاعاً عن احتمال الخطأ، بل قال كل منهما على الملأ أنه بشر كسائر البشر، يصيب ويخطئ وان من حق أفراد الأمة أن يصوبوه إذا أخطأ" (ص25).
تنطلق الوثيقة من فكرة فقهيه وهي "الدين هو الأساس، والسلطان حارس" لذلك فإن "الأمة هي مصدر السلطان (...) وان الشعب هو الذي له الحق أن يولي باختياره الصحيح من يرتضي دينه وأمانته وعلمه وكفاءته، ليقوم على ما يحدده له من أمور الدولة" وتطالب الوثيقة بتوازن مؤسسات الدولة وجعل الحكم "شورى استمداداً من سلطة الأمة ويحدد مسئولية الحكام أمام الشعب، وكيفية محاسبتهم وتصويبهم". وحتى تكتمل الصورة تؤكد على "وجود مجلس نيابي له سلطات تشريعية ورقابية ذات فعالية تتمثل فيه الإرادة الشعبية الحقيقية نتيجة انتخابات حرة ونزيهة وتكون قراراته ملزمة" (ص26).
بعدها تنتقل الوثيقة إلى نقطة لا تقل خطورة وهي صلاحيات السلطات التنفيذية والرئاسية فتذكر أن رئيس الدولة "ما هو إلا وكيل عن الشعب" وتطالب "أن تكون رئاسة الدولة لمدة محدودة، ولا يجوز تجديدها إلا لأمد محدود، وذلك ضماناً لعدم الطغيان" (ص27) وتنتهي إلى إعادة التأكيد على حق الاختلاف وتنظيم المباح وتعدد الآراء والتسامح وسعة الأفق والبعد عن التعصب وضيق النظرة، وتختم حركة الإخوان وثيقتها بقبول فكرة تعدد الأحزاب و "قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات دورية" (ص27).
السؤال كيف تعاطت السلطة في مصر مع هذا التطور الحاسم في فكر الإخوان ؟
شنت السلطة حملة اعتقالات واسعة وأعلنت عن إحالة 45 من قيادات الإخوان إلى القضاء العسكري كانت اعتقلتهم في 22 كانون الثاني (يناير) 1995 (مجموعة أمين مساعد نقابة الأطباء الدكتور عصام العريان) ومجموعة رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس في جامعة أسيوط الدكتور محمد السيد حبيب (اعتقلت في 18 تموز - يوليو1995) وتم حبسهم جميعاً على ذمة القضية رقم 136 لسنة 1995، ثم طورت هجومها علىالاخوان فأقدمت على إقفال مكتبهم الإعلامي في القاهرة بذريعة أن الحركة محظورة بموجب قرار صدر في العام 1954م وتعزز هجوم السلطة بشن حملات ضد معسكرات الشباب الكشفي (المرخص من قبل وزارة الداخلية) في منطقة العامرية في الإسكندرية واعتقلت 200 شاب، كذلك أخذت بمحاربة الأخوان ومنعهم من المشاركة أو تحمل مسئوليات نقابية ومهنية بتعطيل المؤسسات المدنية ومنع كل أنشطة الهيئات الأهلية وخصوصاً في الأحياء الشعبية وأدى موقف السلطة إلى استنكار واسع من القوى السياسية والنقابية التي طالبت بإلغاء قرار تحويل الأخوان إلى محاكم عسكرية. كذلك استنكرت صحيفة حزب التجمع المنافس لحركة الإخوان واعتبرت الخطوة "ظاهرة خطيرة، تدعو إلى القلق الشديد، ومؤشر غير مريح على نوع الأساليب التي تنوي الحكومة استخدامها ضد المعارضين في الانتخابات التشريعية القادمة" (الأهالي، أمينة القناش).
من الواضح أن تعاطي السلطة الأمنية في مصر بهذا الأسلوب الانتقالي ضد مبادرات الإخوان يعزز خط التطرف الذي تقوده تنظيمات الجماعات الإسلامية ويؤكد في الآن نفسه على أن مسألة الديمقراطية لا يكفي أن تحسم جهات المعارضة موقفها منها بل على الدولة نفسها أن تحسم خيارها أيضاً من المسألة. فالانغلاق على المعرضة والانقلاب على المجتمع ومحاولة السيطرة عليه وسد كل المنافذ أمام الناس للتعبير عن مواقفهم وطموحاتهم يغلق باب التطور نحو تأسيس مجتمع سياسي ويكرس استبداد النخبة وتحكمها في الحياة العامة المدنية والأهلية التي هي من أبسط حقوق المواطن، وتتحول الدولة من قوة دافعة تقود التحولات إلى قوة معرقلة تعطل إمكانات التوصل إلى صيغة تسوية تاريخية تنقذ المجتمع من التفكك والانهيار الشامل، ولا شك في أن تيار الاستئصال العلماني في السلطة المصرية يلعب دوره الخلفي لتوريط الدولة في مشاكل أمنية داخلية لا نهاية لها في وقت هي بأمس الحاجة إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية -السياسية لمواجهة المخاطر المتأنية من تصلب المشروع الصهيوني وتهديداته المستمرة للمنطقة عموماً وموقع مصر ودورها القيادي خصوصاً. فتيار الاستئصال يهدف من وراء تحريضه الدائم إلى منع تطور المجتمع المدني - الأهلي وملاقاة الدولة على منتصف الطريق حتى يبرهن بالملموس فكرة أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة بعد أن حلت نكبات الحروب الأهلية في لبنان وحصل ما حصل في السودان والجزائر وتونس وغيرها من البلدان.
4 - صدمة السودان 1989:
أدى الانسداد السياسي في المنطقة العربية إلى ردود فعل متباينة في أوساط المعارضة، وترافق الاحتقان مع سلسلة أزمات وانهيارات اقتصادية واجتماعية وفشل متتابع على المستويين الوطني والتنموي الأم الذي عكس نفسه أكثر ما يكون على التنظيمات والهيئات الإسلامية بصفتها أكثر دوائر المعارضة التصاقاً بالأحاسيس الشعبية وقرباً لها.
مع تراكم الأزمات كان لابد لها من الانفجار في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات سالكة قنوات أيديولوجية وسياسية متباينة تلونت بالمناخات الإقليمية وظروف كل دولة عربية، وفي النهاية شكلت تلك الانفجارات صدمات عميقة أحدثت موجات زادت من تباعدها.
لم تتفق القوى الإسلامية على موقف موحد وكان لابد لخلافاتها الفكرية والتنظيمية السابقة أن تتصاعد وتأخذ سلسلة أشكال أيديولوجية تفترق على أكثر من فكرة وسياسة.
لعبت ثورة الإنقاذ العسكرية في السودان دوراً خاصاً في إعادة إنتاج الخلافات السابقة ووضعت الإسلاميين للمرة الأولى في تاريخهم أمام خيار صعب: إما تأييد الانقلاب العسكري وهو أمر يتنافى مع تربيتهم العقائدية التي ترفض الأسلوب المذكور لأنه في النهاية يولد كتلة عسكرية - أيديولوجية حاكمة من طريق القوة والاستيلاء، وأما معارضة الانقلاب وبالتالي محاولة تفسير جديد لعلاقات القوى وموازينها ومسألة السلطة ودور الدولة والأسلوب السلمي في كسب الغالبية العددية.
حتى الآن تنفي "الجبهة الإسلامية القومية" مسئولياتها عن التخطيط للانقلاب وتصر على أن الجيش هو الذي نفذه بسبب الفوضى السياسية التي دبت بين أجنحة الحكم الديمقراطي ونتيجة عجز حكومة الصادق المهدي في الدفاع عن السودان وحدوده، الأمر الذي جعل حركة التمرد في الجنوب تسيطر على خمس مساحة البلاد وأخذت بالتخطيط لدخول العاصمة والاستيلاء على السلطة وفرض حكم الأقلية على الغالبية المسلمة. وترى الجبهة الإسلامية أنها كانت مضطرة لتأييد الانقلاب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضعف عام وفوضى سياسية أنهكت الدولة وجعلت أبوابها مشرعة لكل الطامعين من الخارج والطامعين من الداخل.
وبعيداً عن تقنية الجهة التي خططت، وصحة تحليل الجبهة الإسلامية لظروف الانقلاب وعوامله ودوافعه، يمكن القول انها الجهة المنظمة الكبيرة والوحيدة التي وافقت على شروط ضباط ثورة الإنقاذ للتعاون مع الدولة وهي: حل تنظيمات الحزب والاندماج بمؤسسات الحكومة وإداراتها كأفراد وليس كمجموعات ومنظمات.
أدى موقف الجبهة الإسلامية إلى إثارة زوبعة من الخلافات الحزبية في داخل السودان وخارجه ووضع الإسلاميين عموماً في موقف حرج لا يتناسب مع تقاليدهم السياسية، الإسلاميون عموماً وحسب الأعراف المتبعة هم دائماً يمثلون خط الناس الناس والأكثرية الساحقة من الشارع الأمر الذي جلبهم المصاعب والمصائب والويلات من النخب العسكرية العلمانية الانقلابية الحاكمة في معظم الدول العربية. وجاء انقلاب السودان ليقلب المعادل، فهذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها الإسلاميون، بعد تأييدهم ثورة الإنقاذ، إلى نخبة حاكمة أو مشاركة في الحكم وهو أمر جلب لهم الكثير من المتاعب من حيث تحميلهم مسئوليات أخطاء السلطة.
مرت سبع سنوات على الحركة الانقلابية السودانية وما تزال الجبهة الإسلامية مؤيدة لها بل انها تحولت إلى شريك رئيسي في صنع القرار بعد أن حلت تنظيماتها واندمجت بالدولة على مختلف المستويات، وعلى رغم مرور هذه الفترة الطويلة نسبياً في عمر الحكم ما تزال الخلافات قائمة بين التنظيمات السودانية والحكم واستتباعاً الجبهة الإسلامية التي تحملها قوى المعارضة المسئولية الكاملة عن كل ما حصل.
لم تقتصر الأضرار، وربما الوائد على السودان بل امتدت إلى خارجه لتزيد الخلافات وترفع من نسبة التباين بين الجهة الإسلامية المنحلة والقوى الإسلامية العربية التي انقسمت بدورها إلى تيارين: فريق أيد بتحفظ وضم في مجمله القوى الخارجة على حركة الإخوان المسلمين، وفريق عارض بتحفظ وضم في مجمله حركة الإخوان في معظم تفرعاتها وتنظيماتها.
ويذكر أن أصل الخلاف بين الجبهة الإسلامية وحركة الإخوان يعود إلى عهد سابق بكثير لفترة حركة الانقلاب في السودان، وجاءت الحركة لتعززه وتزيده تعقيداً، فالخلاف يعود إلى منتصف السبعينات وانتهي بالانقسام في 1978 وتجدد بعد حصول الانقلاب.
أدرك حسن الترابي باكراً، وهو دكتور دولة في القانون الدستوري وشارك في وضع دستور الإمارات العربية وباكستان، ان معركته الأساسية في السودان ليست ضد العلمانيين فقط بل ضد الإسلاميين التقليدين ايضاً، وبحكم معرفته بواقع السودان وتركيبه الاجتماعي المتفرع على مناطق متنوعة سكانياً وموزعة على مساحات جغرافية واسعة أدرك ايضاً أهمية الدولة ودورها المميز في لعب دور التوحيد السياسي في بلد شاسع وقليل السكان.
شكلت النقطتان المذكورتان خط تماس متوتر بين فكر الترابي الحديث والتقاليد الاخوانية المتوارثة فحاول قدر الإمكان دفع فرع الإخوان في السودان إلى تطوير لغته السياسية وتطويعها حتى تستوعب المشاكل المعقدة والتركيب الخاص لبلد استقل حديثاً عن بريطانيا (سنة1956) وضخم الحجم إذ تزيد مساحته ضعف مساحة ألمانيا الاتحادية وفرنسا وبريطانيا مجتمعة وقليل السكان (حوالي 35 مليون نسمة) ومتعدد الأعراق والجهات (عشر مناطق قبلية كبرى إلى عشرات المجموعات العرقية القبلية الصغيرة ) إلى تنوع في مصادر ثروته ودخله واختلاف في بيئاته الجغرافية والمناخية وتحيط به ثماني دول عربية وأفريقية.
بدأ التوتر حين تزعم الترابي حزب التجمع الإسلامي على أساس دستور "جبهة الميثاق الإسلامي" الذي مثل وجهات نظر مختلف القوى والتيارات الإسلامية الحديثة بين 1964،1969، وشكلت تلك الفترة أول خطوة لتأسيس الافتراق بين الترابي وفرع الإخوان في السودان وبدأ الخلاف ينصب على مسألتين الأولى فقهية عندما دعا الترابي إلى أحداث ثورة اجتهادية تقوم على تجديد الأصول فصاغ منهجه الفقهي الذي يجمع بين أهل الرأي وأهل الحديث وبين التفسير الظاهري والتفسير الباطني وأشار إلى ضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية وبين منهج الاستباط ومنهج الاستنتاج في محاولة منه للتوفيق ما بين الشرع والعلوم الاجتماعية والطبيعية المعاصرة لدراسة خصائص المجتمع السوداني، والثانية سياسية تقوم على معادلة كسب القوى الحديثة المتضررة من هيمنة القوى التقليدية وتأسيس تيار معاصر يشق طريقه المختلف بين القوتين الإسلاميتين المركزيتين طائفة الأنصار المهدية (حزب الأمة) والطائفة الختمية-المرغنية (الاتحاد الديمقراطي).
اعتبر الترابي في محاضرة ألقاها في السبعينات تحت عنوان "تجديد أصول الفقه" ان من حسن حظ السودان انه "بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلامية الموروثة" (ص223)، فالضعف التاريخي يعني بالنسبة له أن المجتمع غير موحد والدولة ضعيف، وشعف الثقافة الإسلامية الموروثة يعني أن التيارات التقليدية تقوم على العصبية والمذهبية وليست إسلامية وفق المنهج العقائدي المعاصر.
واعتبر الترابي أن ضعف تكوين السودان التاريخي والثقافي فرصة لتجديد الفقه وأحداث ثورة في الاجتهاد كذلك فرصة سياسية لاعادة تشكيله وفق صيغة دستورية معاصرة تجمع ما بين المطلق المنزل والواقع النسبي المتغير لذلك دعا في المحاضرة نفسها إلى "بسط الشورى والالتزام بها بدقة وانضباط، فالجماعة المسلمة تبقى منظمة جداً حيث تكون الشورى فيها سارية سائدة" (ص224)، وأكد على ن الدين هو محاولة دائمة للتوحيد بين الاستنتاج _من أدلة الشرع وأحكامه وهو الأصل) والاستباط (من بيئة الواقع وهو الأصل الأدنى) (ص238).
لا يستخدم الترابي كثيراً كثيراً كلمة الديمقراطية وربما لا يستخدمها اطلاقاً إلا في مجال الإشارة إلى حسناتها أو سيئاتها، لكنه يكثر من استخدام تعبئة الرأي العام "بالتناصح والشورى" ويؤكد على ضرورة ربطها بمنهج أصولي فقهي جديد يحقق الثورة الاجتهادية(ص242)، ويرى أن النظام الأمثل اليوم هو أن "نرد إلى المصطلحات الإسلامية -العلم الفقه الاجتهاد الشورى والإجماع- شعبيتها وان نعترف بالتعاون والتناصح والتذاكر مع اعترافنا بضرورة الاتحاد بين المسلمين في صياغة الأحكام التي يقتضيها الشرع في واقعهم" (ص251)، ويشدد في محاضرة أخرى ألقاها في الخرطوم بتاريخ 20 كانون الثاني(يناير)1987 بعنوان "منهجية التشريع الإسلامي" على مسائل القصور الفقهي واختلاف ظروف البيئات الإسلامية واختلاف التطور بين الزمن الماضي والزمن المعاصر ويرى أن أصول الفقه والتشريع خلافية أصلاً وليست قطعية لذلك يطالب بتأسيس منهجية جديدة تقوم على التوحيد والعدل والاستقامة والقصد والتوازن، ويفسر كل نقطة بأفكار تحليلية وتاريخية ليؤكد على تأخر الفقه التقليدي لأنه انقطع عن العالم الموصول وتقابل أنماطه الاجتماعية ويبدأ بشرح منهجه الفكري الذي يطلق عليه بعض أنصاره (فقه الترابي).
ينطلق فكر الترابي عن مسألة مركزية وهي أن التدين هو محاولة دائمة للتوحيد بين المثال المطلق (الشرع) والواقع النسبي (حركة المجتمع وتعاقبه الزمني). ثم ينتقل إلى فكرة ربط العلم الشرعي بالواقع المعاصر والعلوم الحديثة ويتساءل لماذا استخدم علماء الأصول في القدم المنطق الصوري (الارسطي) لتفسير بعض الأحكام ولا يحق لعملاء الأصول في عصرنا استخدام مناهج أكثر حداثة لتفسير الأحكام القرآنية من جديد. ويبدأ الترابي بعرض عناصر منهجه الذي يوحد بين الظاهر والباطن وبين الإجمال والتفصيل (العام والخاص) والتوازن بين الأحكام والقطع وتوازن النظام والحرية والعقل والنقل والاتباع والإبداع والتقليد والاجتهاد لينتهي أخيراً إلى تأكيد فكرة أن الاجتهاد لا تنقطع دواعيه فهو من الثوابت الفقهية، وأخيراً يركز على مسألة جديدة وخطيرة في تاريخ الفقه الإسلامي وهى أن مرحلة الاجتهاد الفردي قد تراجعت بسبب تطور الحياة المعاصرة وتعقد متطلباتها وهو ما يفيض عن قدرة فرد واحد الإجابة عن خصائصها وأسئلتها لذلك يطالب بإعادة النظر بالمنهج الأصولي للفقه (يقصد الأخوان ) وتجاوز العصبية الطائفية (يقصد المهدية والختمية) لينتهي إلى المطالبة بالتأسيس على نصوص الشريعة والاستئناس بالعلوم المنهجية.(من محاضرة منهجية التشريع الإسلامي، صفحات 227-274).
لم تغب فكرة الشورى والمسئولية الجماعية عن منهجية الترابي بل كان يركز دائماً عليها ويؤكد أهميتها، فأفكار الترابي التجديدية لم تبدأ في الثمانينات بل تأسست في الستينات وتبلورت في السبعينات. ففي محاضرة له ألقاها في جامعة الخرطوم في كانون الثاني (يناير) 1977 أكد على مقولة "تجديد الفكر الإسلامي" وشدد على ضرورة الشورى وتطور أنماطها منذ عهد الصحابة، وأكد فيها على أن الشعب المسلم "أو الجماعة المسلمة لها حق إلزام الفرد المسلم لسلطان الشورى والإجماع "ويسبب اتساع رقعة المسلمين وانتشارهم الجغرافي تعطل الإجماع وتأثر بالظروف التي طرأت على المسلمين لذلك حتى يأخذ أهل الحل والعقد دورهم لابد من "شورى نيابية تمثيلية" (ص10-11) ولأن الحياة تشعيب ولا يمكن لمجتهد واحد أن يحيط بكل الشهاب لا بد من دولة إسلامية حديثة تعتمد عن طريق الشورى والأمر التنفيذي بآراء الفقهاء المتوفرة والمتكاثرة على أن يدون القانون الإسلامي وتشريعاته المعتمدة "من قبل هيئات شورية تهتدي بالطبع بكل الاجتهاد الفقهي وتستند بالطبع إلى الدعم الاجتماعي".
منذ العام 1977 بدأت فكرة الدولة ودورها في صوغ شخصية الجماعة وأهمية القانون في تكوين المجتمع المعاصر المتصالح من شريعته وبيئته تتكون في استراتيجية الترابي السياسية.
وعندما أعلن الرئيس السوداني السابق جعفر النميري في عام 1983 عن نيته تحويل الدولة إلى دولة إسلامية أيده الترابي وساهم بصفته من رجال القانون وشارك بصفته صاحب وجهة نظر في عضوية لجنة مراجعة القوانين لتتماشي مع الشريعة الإسلامية، وأخذ من موقعة ذاك في لعب دور مميز إذ توافرت للمرة الأولى فرصة تحويل قناعاته الفكرية إلى مواد دستورية تعتمدها الدولة، ففي محاضرة ألقاها في الفترة المذكورة شدد لترابي على فكرة الربط بين وجدان المسلم وفطرته الدينية والسلطان ودور الدولة فأشار بوضوح إلى ضرورة "أن تقوم في مجتمع المسلمين دولة" (ص5) لكنه أكد على قصور القانون لأنه "لا يحيط إلا بعمومات" وضعف الدولة لأنها لا تستطيع "أن تفرض على المجتمع قانوناً مفصلاً كاملاً ينظم حياتهم بكل حذافيرها" (ص7)، ويرد الترابي الأمر إلى مسألة أن "قانون الأرض" محدود في أثره واحاطته وبرقابته بينما "قانون الإسلام يستند على سلطان الدولة ثم هو موصول بالوجدان المسلم وبحياة المجتمع" (ص10) لأن من وظائف القانون "أن يعبر عن قيم المجتمع والتعبير على القيم نوع من التذكير".
ويضع الترابي في المحاضرة نفسها (المسلم بين الوجدان والسلطان) ملاحظاته على الديمقراطية فيرى أنها "قاصرة على العلاقات السياسية" ولا تجدي شيئاً في علاقات الناس من جيرة وتكافل وتضامن، ويرى أن الانتخابات "قليلاً ما تمثل الناس تمثيلاً صادقاً" ويشير إلى قلة مشاركة الناس في الاقتراع ودور المال في تزييف اراداتهم (ص16-17)، وهو يؤدي إلى تعارض أهداف الديمقراطية مع وسائلها السياسية الأمر الذي يقضي بضرورة وجود نظام النصح والشورى لتستقيم الأهداف وتتساوى مع الوسائل (ص18-19).
عندما شارك الترابي في اللجنة الدستورية واشترك في صوغ قوانينها كان الخلاف قد وقع بينه وبين الأخوان المسلمين وأنهى ما عرف باسم "حزب التجمع الإسلامي" و "جبهة الميثاق الإسلامي" وبدأ منذ منتصف السبعينات بتأسيس تنظيمه المستقل ونجح في كسب معظم قواعد الإخوان وعزلهم إلى فرع صغير وضعيف لا تأثير عقائدياً له في الحياة السياسية السودانية.
استفاد الترابي من تجربته الاخوانية مضيفاً إليها خبرته كعميد لكلية القانون ثم عضو مراجعة القوانين في نهاية عهد النميري ليؤسس فكرته من جديد على قواعد تنظيمية ودستورية ويحدد مشروعه وأهدافه ووسائل تحقيق الغايات، فأقدم على تأسيس "الجبهة الإسلامية القومية" وعقد مؤتمرها التأسيسي في الخرطوم في 1985 بعد اندلاع ثورة "15 رجب" وسقوط نظام النميري.
توضح وثائق المؤتمر التأسيسي (خطاب الأمين العام، دستور الجبهة، والبيان الختامي" كل ما هو غامض في استراتيجية الجبهة الإسلامية وفكر الترابي ومنهجه السياسي وتبلور موضوعة الدولة وأهمية القانون في مجتمع واسع الارجاء وضعيف في تكامل بنيتيه التاريخية والثقافية.
كان الترابي قبل سقوط النميري قد تحول إلى لاعب كبير في تقرير الصياغة القانونية للدولة وبدأ رئيس النظام يتخوف منه، لذلك قرر اعتقاله لتأمين جانبه قبل أن يقوم النميري بزيارته الأخيرة إلى واشنطن بذريعة العلاج وإجراء الاتصالات مع المسئولين، وخلال وجوده في العاصمة الأمريكية اندلعت الثورة الشعبية وقام الجيش بإشراف المشير عبد الرحمن سوار الذهب بانقلاب لضبط الوضع الأمني ومنع الانهيار، وهكذا بقي النميري في المنفى وخرج الترابي من السجن بطلاً.
بين ثورة 1985 وانتخابات 1986 وضع الترابي استراتيجية الوصول إلى السلطة وبرزت الحساسيات بينه وبين القوى الإسلامية التقليدية (المهدية والختمية) والقوى الإسلامية السياسية الأخرى (فرع الإخوان والتيار السلفي والحلقات الصوفية) وأخذ النزاع يتبلور على بند "قوانين سبتمبر" إذ كانت الأحزاب الإسلامية التقليدية تطالب بإلغائها بينما تمسك الترابي بها محاولاً الفصل بينها وبين الحاكم.
أدى نمو الخلاف إلى اجتماع كل القوى السياسية من إسلامية وعلمانية والحادية إلى الاتفاق على ترشيح خصم واحد مشترك للترابي ودعمه بغية إسقاطه في المعركة الانتخابية، وسقط الترابي بفارق بسيط لكنه نجح في تسجيل أكبر مفاجأة في تاريخ السودان الحديث عندما اكتسح معظم المقاعد المخصصة للقوى الحديثة من اتحادات نقابية ومهنية وطلابية ومراكز المدن الرئيسية والعاصمة المركزية (الخرطوم) والعواصم الإقليمية، واحتلت الجبهة الإسلامية المركز الثالث في البرلمان المنتخب وجاءت بعد حزب الأمة (أكبر كمية من المقاعد) وحزب الاتحاد الديمقراطي (ثاني أكبر كتلة برلمانية) وثم حزب الترابي، وباتت القوة الثالثة هي التي تقرر ميزان التحالف في ظل الخصومات التقليدية (المذهبية والطائفية) بين الأنصار والختمية، وتحول البرلمان السوداني في عام 1986 إلى ما يشبه توازن البرلمان التركي في عام 1966 مع فارق يتكثف في نقطتين:
الأولى: إن حزب الرفاه الإسلامي التركي هو الكتلة البرلمانية الكبرى لكنه بحاجة إلى تحالف لتشكيل الغالبية. والثانية: ان خصوم الرفاه من العلمانيين ورجال الدولة والانتهازيين والوصوليين بينما خصوم الجبهة الإسلامية في السودان هم من الإسلاميين التقليديين ورجال المناطق والقبائل وبعض أصحاب الطرق الصوفية ومراكز القوى النافذة في المجتمع.
وضمن التوازن القلق عاش السودان أسوأ تجربة ديمقراطية عرفت الكثير من التقلبات والكثير من التحالفات اللزجة وغير الثابتة، مرت يتحالف الصادق المهدي مع الميرغني ويشكل حكومة ثنائية يعارضها الترابي في الشارع وحزبه في البرلمان، ومرة يتحالف المهدي مع الترابي وحزبه ويخرج حزب الاتحاد الديمقراطي فيقوم الأخير بتوقيع اتفاق مع جون قرنق لتوسيع رقعة التمرد في الجنوب ونقله إلى الشمال للضغط على الحكومة، ومرة يتحالف المهدي مع الطرفين الجبهة الإسلامية وحزب الاتحاد الديمقراطي وتبدأ المواجهة في الجنوب لعزل تمرد قرنق واستعادة الأراضي الجديدة التي سيطر عليها في مرحلة الخلاف السابق، وأخيراً اضطر المهدي إلى تشكيل حكومة ثنائية مع المرغني مستعيناً ببعض الوجوه العلمانية في البرلمان لكسر احتكار الترابي للقوى الحديثة في الشارع وهو أمر أدى إلى خلخلة المعادلة الداخلية وتفكك الوضع السياسي وأخيراً تقديم كل الذرائع والمبررات للجيش السوداني بالتدخل والانقلاب على التجربة الديمقراطية وحل البرلمان والأحزاب.
تعتبر فترة 1985-1989 مرحلة ذهبية في حياة الترابي السياسية إذ نجح خلالها في كسر الثنائية التقليدية السودانية (الأنصار والختمية) وانتاج فريق سياسي ثالث أطلق عليه (الترابيون) وبات النظام لا يستقر إلا بتوازن تقوم قواعده على ثلاث قوى.
غير أن قوة الترابي كانت في الآن نفسه نقطة ضعف، فالتيار الإسلامي الحديث الذي قام بتأسيسه خلال العقدين الأخيرين اقتصر نفوذه على المنظمات الطلابية والاتحادات المهنية والنقابات والعاصمة المركزية والعواصم الإقليمية بينما السودان كدولة جديدة لم تكتمل شخصيتها التاريخية يقوم توازنها السياسي على توازن القوى التقليدية في الأرياف والمناطق والولايات المترامية الأطراف، ولأن بنية السودان لنية قديمة فإن العلاقات التقليدية هي السائدة فيه وهي في النهاية تلعب الدور الأساسي في إنتاج السلطة وسياستها. إلى ذلك يتألف السودان من عشر مجموعات عرقية وقبلية كبيرة تنتشر بين جنوبه وشماله وشرقه وغربه وتتركز الأكثرية الساحقة في وسطه وهي أكثرية ريفية غير مدينية في غالبيتها وهو أمر يساعد كثيراً على محاصرة أي تحول سياسي حديث سواء جاء بواسطة الانتخابات الديمقراطية أو عن طريق الانقلاب العسكري.
لا شك في أن الترابي يعلم ذلك ويدركه لكنه تصرف على عكس علومه ومعارفه لظروف وأسباب لعبت فيها الصراعات السياسية الحزبية الدور الأساسي في وقوفه مع الانقلاب العسكري (ثورة الإنقاذ) ودعوته إلى حل تنظيم "الجبهة الإسلامية القومية" وتشجيع عناصرها في الاندماج بالدولة والالتحاق بالجيش الشعبي كرديف عسكري للجيش السوداني، وأدى موقف الترابي المذكور إلى ردود فعل متباينة بين أنصاره إذ انقسمت الجبهة إلى تيار يوافق على الاندماج والالتحاق وتيار يرفض الأمر ويطالب بالتمايز عن الدولة والاحتفاظ بشبكة التنظيم الشعبي بداعي التحوط من المستقبل (كتاب عبد الوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح السياسي في السودان).
لماذا إذن فعل الترابي ما فعله على رغم علمه بخصوصيات السودان وتركيبته القبلية والطائفية والريفية والمناطقية وأخيراً تحكم العلاقات التقليدية بالسياسة العامة للدولة وقيادتها للقوى الحديثة والمعاصرة ؟.
إذا قرأنا وثائق المؤتمر التأسيسي للجبهة الإسلامية في 1985 يزول العجب لأننا سنجد فيها ما يكفي لفهم النظرية السياسية في فكر الترابي وتركز انتباهه على موضوعة الدولة وقيادتها للتحولات في السودان وموقع الجيش المميز والخاص كقوة وطنية حديثة تمثل مختلف المناطق والطوائف والقبائل وهو كما يبدو قوة مشتركة لا خلاف سياسياً عليه بين السودان، فحجم السودان الجغرافي وقلة سكانه جعلا من الدولة قوة التوحيد السياسية الأولى وفي الآن فرض عليها علاقات فيديرالية لا مركزية (نظام الولايات) لضبط التنوع السكاني والسيطرة عليه مركزياً.
ماذا تقول وثائق الجبهة وخطابات أمينها العام ؟.
يحدد الترابي في كلمة الافتتاح أسباب قيام "الجبهة الإسلامية القومية" فيعلن انه جاء "ليوافي تهيؤ البلاد، لتحول جديد في حياتها العامة، وقد نشأت دواعي ذلك التغيير، عن تطورات في الوعي الديني والسياسي، أوهت أصول العصبيات التاريخية القديمة، وحلت عرى الولاءات التقليدية المطلقة، وغادرت الشعب نهباً لشتات مبعثر من النعرات المحلية، والصراعات الذاتية والفئوية، وعرضة لفتنة ركام مربك، من الدعوات الزائفة، والشعارات الدخيلة..." (خطاب الأمين العام، صفحة 3)، ويشرح في الخطاب الظروف السياسية والأحوال الاقتصادية الانتقالية ويتعرض للوحدة الوطنية وقضية الجنوب والسياسة الخارجية وقضية الشريعة الإسلامية، ويعطي أهمية خاصة للعاصمة القومية (الخرطوم) التي تنشأ فيها المبادرات في "النهضة الحضرية، من العلم والرأي، أو الصناعة والعمران، أو سائر أنماط الحياة" (ص14). وأخيراً وهذا هو الأهم يشدد على الأسلوب السلمي ويدعو إلى أن "تتوافق كل الأحزاب على مبادئ ديننا، تضبط العلاقات، وتبسط الخلاف، وذلك بالتزام الديمقراطية والشورى والعلن في البناء والأداء الحزبي والسياسي وفي التنظيم الدستوري والحكومي" (ص4).
من الواضح أن الترابي كان يراهن على الانتخابات الديمقراطية التي تم الاتفاق على عقد دورتها بعد سنة كذلك يلاحظ أن الأسلوب الانقلابي ليس وارداً إلا أن جذوره الأيديولوجية قد أخذت بالظهور في تحليل بنية المجتمع السياسية حين كرر كلامه عن تفكك المدينة ودور العاصمة كقوة تغيير جديدة، ولاشك تطغي على الكلام المذكور قراءة أيديولوجية إرادية وغير واقعية لأن السودان كان وما يزال يعيش مرحلة تاريخية تنتمي إلى ما قبل اكتمال شروط قيام الدولة الحديثة بل أن العلاقات التقليدية على أنواعها تشكل قوة فعل في الحياة العامة كموروث اجتماعي متداخل مع حالات التدين المختلفة السائدة في البلاد، وربما تكون نزعة التحليل الإرادية الأيديولوجية هي التي قادت لاحقاً إلى تغيير استراتيجية التغيير السلمي التدرجي واستبدالها بسياسة دعم الانقلاب والاضمحلال في الدولة بصفتها الطرف الوحيد القادر على صوغ الشخصية التاريخية والسياسية للسودان الحديث.
يمكن قراءة الرهان على الدولة وتأسيس أيديولوجيتها الدينية المعاصرة من خلال نصوص الدستور المقترح التي اعتمدها المؤتمر التأسيسي للجبهة وإصدارها في النهاية كبرنامج عمل في سياسته المقبلة، وهو دستور يشير إلى عقلية نخبوية وبداية نشوء بذور منهج انقلابي في تفكيره.
يركز دستور الجبهة في المادة الثالثة على سعيها لاقامة "الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية مصالح الناس والمؤسس على الشورى والمساواة وحق الجمهور في تقرير الشؤون العامة وفي اختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ..." وتؤكد المادة الرابعة على أنه "لا إكراه في الدين، وأن تضمن طلاقة التعبير عن الرأي، وحرية الحركة والاجتماع وحصانة الدم والمال والعرض، وحرمه المنزل والحياة الخاصة"، وتطالب في المادة التاسعة بترسيخ "النظام اللامركزي في حكم البلاد حتى تدار أطرافها المترامية بفاعلية وحرية وشورى مبسوطة". وتعد المادة العاشرة بصيانة "حقوق الكيانات الدينية غير المسلمة بمـــا لها البر والقسط والسماحة في المعاملات الخاصة، والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية، وحرية الاعتقاد والعبادة، واستقلال نظم الأحوال الشخصية والتعليم الديني".
وبعد أن يحدد الدستور في بابه الأول الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينتقل في الباب الثاني إلى تحديد وسائط تحقيق الأهداف فتنص المادة 32 على الاشتراك في مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية ترشيحاً وانتخاباً لتوجيه المجتمع وتنظيم حياته، بعدها ينتقل إلى الباب الثالث فيتحدث عن التنظيم في الماد 37 ويشير إلى أربع هيئات المؤتمر العام، وهيئة الشورى العامة، والقيادة التنفيذية، واخيراً الأمين العام، وتفصل المواد الباقية من 39 إلى 56 أسلوب تنفيذ إدارة التنظيم وكلها تركز على التمثيل النسبي والانتخاب والشورى والأساليب الدستورية الأمر الذي ينفي عن الجبهة تهمة التخطيط المسبق للإنقضاض على الدولة، ويبدو أن الفكرة الأخيرة تبلورت بعد الانتخابات وفشل التجربة الديمقراطية وسياسة التنسيق والتحالفات.
حتى البيان الختامي لمؤتمر الجبهة التأسيسي كرر مواد الدستور وحذر أولئك الذين "لا يؤمنون بقيم الحرية ولا يراعون مبادئ الديمقراطية ويعوزهم السند الشعبي" وطلب منهم أخذ العبرة من مصائر "تجربتي الديمقراطية منذ الاستقلال، حتى لا تتبدد طاقات الشعب الواحد في شعاب الحزبية الضيقة" (ص25). وشدد على أن وسائط الجبهة هي "طريق الانتخابات وتحقيق علاقات الموالاة السياسية" و "قاعدة الشورى الواسعة" (ص27).
يبدو من كلام الترابي انه كان على قناعة بأن الجبهة الإسلامية ستفوز بغالبية المقاعد البرلمانية انطلاقاً من تحليله الذي يقول بتفكك الولاءات التقليدية والعصبيات الطائفية والمذهبية ولجوء الناس إلى الإسلام المعاصر المنفتح على العالم وترك إسلامهم التقليدي الموروث والمندمج ببيئات محلية ضيقة وهامشية، وبسبب هذه العقلية الاستبدالية تشكلت ضده مواجهات شخصية قبل الانتخابات أدت كما ذكرنا، إلى إسقاطه بتحالف كل القوى التقليدية والعلمانية في دائرته كذلك اقتصر فوز حزبه على القطاعات الحديثة والفعاليات الاقتصادية المدينية بينما عجز عن اختراق معاقل الأنصار والختمية التي حافظت على ولاءاتهاالتقليدية القديمة واقترعت لحزب الأمة (الصادق المهدي) والاتحاد الديمقراطي (الميرغني)، ونجحت المناطق والأرياف في تأمين غالبية برلمانية للقوى التقليدية واستقرت مواقع الجبهة على تشكيل قوة ثالثة من رجال القانون والطب والدكاترة والمهندسين ورجال الأعمال وأصحاب المهن الحديثة.
لم تنجح فرضية الترابي انتخابياً على رغم انه افترض صحتها على أرض الواقع وربما يكون السبب المذكور هو الدافع الحقيقي لتأييد الانقلاب العسكري بعد أن شعر أن القوى التقليدية اتجهت برلمانياً واقليمياً إلى التحالف لعزل حزبه وابعاده عن صنع القرار السياسي، فتبدل المقال بعد أن تبدلت الأحوال.
لسنا هنا في صدد تقييم تجربة "ثورة الإنقاذ" إلا أنه يجب ملاحظة الاصطفاف ضدها من الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية إلى الحلقات الصوفية والحركة السلفية مضافاً إليها فرع الإخوان المسلمين في السودان كذلك الفرع الاخواني في مصر الذي بادر إلى توجيه انتقادات ووضع ملاحظات على التجربة.
قد نستطيع تفسير تلك المواقف بالحساسيات والمنافسات الحزبية والطموحات السياسية (خصوصاً حركة الإخوان في مصر والسودان) إلا أن الأساسي فيها يعود إلى اختلاف منهج الترابي نفسه وتأكيده الدائم على تجديد الأصول الفقهية بتوسيع القياس لأحداث ثورة اجتهادية دائمة، وهذا لا يتوافق مع كثير من الاتجاهات الإسلامية التقليدية والمعاصرة وهو أمر يفسر لماذا كانت معركة الترابي مع الإسلاميين لا تقل أهمية عن معاركه مع العلمانيين، فالسودان مجتمع إسلامي وتدينه الشعبي فطري ومتوارث تقليدياً ولم تنهض فيه دولة استبدادية علمانية على غرار دولة أتاتورك في تركيا لذلك كانت مشكلة الترابي مع هذا النوع من الإسلام فطرح أفكار التجديد والتنوير ليتمايز عن القوى السياسية الإسلامية الأخرى. بينما نرى في تركيا ان معركة اربكان الأساسية هي مع العلمانيين واستبداد الدولة الأتاتوركية، وربما تشبه معركة الجزائر تلك المعارك التي حصلت في تركيا منذ اكثر من 70 سنة، فالتجربة الجزائر الدموية هي اقرب إلى النموذج التركي منها إلى النموذج السوداني السلمي المسالم، فالدولة في الجزائر قوية ومسيطرة على المجتمع وتهيمن على البلد وثرواته، وتعتبر ثاني أكبر مساحة في أفريقيا بعد السودان.
5 - صدمة الجزائر 1991
استقر الخلاف بين جماعات حركة الأخوان ومختلف التنظيمات الجهادية على الانقسام النظري حول معظم الآراء المتعلقة بالحكم والحكومة والحكام وكان لابد من هزة سياسية تحدث صدمة كبرى لتعيد من جديد خلط الأوراق وفرزها وإعادة تقييم المواقف استناداً على تفاعلات تجربة ملموسة وعينية.
ومثل أي هزة أحدثت صدمة الجزائر ردود فعل متباينة انقسمت بدورها على محاور ثلاثة: الأول: قرأ التجربة وحاول استخلاص دروسها باتجاه ما يمكن تسميته بتطوير "الوعي الديمقراطي" وإنضاج أفكاره وقواعده وأصوله الشرعية. الثاني: استنفذه انقلاب السلطة على نتائج الانتخابات فتراجع عن مواقفه الإيجابية من الديمقراطية ودورها كوعاء سياسي أو كآلية تنظيم الخلافات وتعكس سلماً موازين القوى في المجتمع. الثالث: تمسك بموقفه الرافض أصلاً لفكرة الديمقراطية واللعبة البرلمانية واتخذ من الانقلاب الجزائري ضد الإسلاميين ذريعة إضافية ليؤكد وجهة نظره السابقة ودمج موقفه السلبي من الديمقراطية بمزيد من السخرية والشماتة من حركة الإخوان و "جبهة الإنقاذ" ومراهناتها الفاشلة على كذبة "الحرية" و "التعددية" و "الائتلاف" ثم كرر مواقفه الثابتة من موضوعه أن الشرعية تؤخذ بالسيف لا بالأكثرية العددية.
لا شك في أن الخلافات التي استجدت وتطايرت شظاياها في ضوء الصدمة الجزائرية ليست منعزلة عن الاختلافات السابقة بل هي أصلاً على صلة مباشرة بها وتعتبر مجرد امتداد لحالات مشابهة جرت سابقاً في مصر والسودان وغيرهما من الدول العربية والإسلامية، وجاءت الصدمة الجزائرية لتصب المزيد من زيت الخلافات على نار الموجهات الأيديولوجية المشحونة بالغضب المتبادل، وكأن مختلف التنظيمات كانت تنتظر مثل الحدث المذكور لتوضح مواقفها الثابتة وتعيد تأصيلها عقائدياً وسياسياً.
اختلفت القوى الإسلامية في الجزائر على فكرة الانتخابات قبل انقلاب الدولة على نتائجها وتوزعت إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: الأول: الجماعات المسلحة التي رفضت إضاعة الوقت مع نظام لا يقيم أي اعتبار للإنسان ودعت إلى إطاحته بالقوة. الثاني: الجماعات المعتدلة وتمثلت في حزب "النهضة" الإسلامي الجزائري وحركة "حماس" الجزائرية وكانت تطالب بالحد الأدنى من الديمقراطية حتى لا تقلق السلطة وتخاف من حرية الناس لأن المطلوب إعادة تنظيم التعددية بالتوافق مع الدولة وليس الإطاحة بها. الثالث: تيار "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" وهو الغالب والأكثري وضم مختلف القوى المتضررة من نظام حكم الحزب الواحد وتسلط الأقلية السياسية وطفيليات الدولة وجنرالاتها على الناس.
شكل تيار "الجبهة الإسلامية" قوة إنقاذ للشعب الجزائري ونجح في كسب مختلف قطاعات الناس وتمكن من عزل الدولة ومختلف القوى الإسلامية سواء تلك التي تدفع نحو الجهاد أو تلك المعتدلة التي تغلب أسلوب التفاوض وتتفهم مخاوف النخبة الحاكمة.
راهنت "الجبهة الإسلامية" على الديمقراطية والطريق البرلماني للوصول إلى السلطة، وربما مصادرتها، معتمدة على جماهيريتها وأكثريتها وثقة الناس بها ونقمة المتضررين من حكم الحزب الواحد، وطفيليات الدولة، ووصل رهان جبهة الإنقاذ إلى حد التهور فلم تلحظ دور القوى المستفيدة من النظام وسيطرتها على أجهزة الدولة وأدوات قمعها ولم تنتبه إلى انعكاسات التجربة في محيطها الإقليمي (تونس، المغرب، ليبيا) ولا إطارها المتوسطي ومخاوف دول جنوب القارة الأوربية من جارها الجزائري.
وبسبب مبالغة جبهة الإنقاذ في رهانها على الديمقراطية المجردة من كل مراكز القوى التي شكلها حكم الحزب الواحد ونشوء "نخبة" عسكرية مستفيدة من ثروات الجزائر وطاقاتها تشكلت تيارات تتجاذبها المواقف النظرية بين متخوف من نجاح الجبهة في الانتخابات والنتائج الدولية والإقليمية والمحلية المحتملة وبين دافع لمواصلة التجربة بغض النظر عن تفاعلاتها وبين متردد الشيخ المخضرم والمجرب عباسي مدني الذي راهن على اللعبة الديمقراطية وثقة الشعب به وبين تردد القوى الحذرة في قبول المبدأ نفسه وتخوفها من انقلاب السلطة على النتائج إذا جاءت لمصلحة جبهة الإنقاذ.
لم يبدأ الانقسام في تقييم تجربة "الديمقراطية" الجزائرية بعد فشلها وقيام نخبة الدولة بالانقلاب على خيار المجتمع بل شق طريقه بين صفوف القوى الإسلامية قبل خوض التجربة وحصول الدمة.
كان للصدمة دويها الكبير ليس على القوى الإسلامية في العالم العربي بل على مختلف القوى السياسية العربية التي انقسمت بدورها بين مؤيد لحق الإسلاميين في استلام السلطة شرط القبول بتداولها السلمي وبين رافض لذاك الحق وداع لاعتماد أسلوب الاستئصال ولو كلف الأمر سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى وتدمير اقتصاد البلد ومصادر ثرواته وهو الأمر الذي حصل.
يصف رئيس حركة "النهضة" الجزائرية عبد الله جاب الله الوضع الذي آلت إليه الصدمة الديمقراطية في محاضرة ألقاها في لندن بتاريخ الأول من نيسان (إبريل) 1:16 م1996 إذ يقول "بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991 بدأ التآمر على الحقوق والحريات العامة الفردية والجماعية وأخذ صوراً شتى بهدف تفريغ وسائل ضمان الممارسة الديمقراطية من محتواها الحقيقي، والطعن في قداستها، وتوفير الشروط التي تسمح بإقامة ديمقراطية نخبوية محصورة في فئة من الناس، وفي نوع واحد من المثقفين، فتم إلغاء المسار الانتخابي، والتجميد العملي للدستور منذ انقلاب 11/1/1992 وصدر المرسوم التشريعي رقم (92-03) في 30 سبتمبر (أيلول) 1992 والمتعلق بمكافحة الإرهاب، ووقع الدوس على مبدأ سيادة القانون واستقلالية القضاء، وحرية النشر والصحافة، وحرية تنظيم التجمعات والمسيرات، وشهد الوطن عمليات تدمير للبنية التحتية للاقتصاد الوطني، وعرف الشعب عمليات قتل واسعة، حتى أصبح الحجز والاعتقال والاختطاف والاغتيال والتعذيب والتمثيل والأعمال الانتقامية والتشويه والقمع هو النصيب اليومي للجزائريين والجزائريات، وأصبح التعتيم الإعلامي والتضييق السياسي هو حليف الأحزاب التمثيلية الداعية للحوار من أجل المصالحة الوطنية (...) ونجم عن ذلك تقهقر فظيع في الواقع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي حيث قارب عدد القتلى الستين ألف قتيل، وارتفعت البطالة من مليون و 850 ألفاً سنة 1995 أي بنسبة 27 في المائة من عدد العمال، وانخفض متوسط دخل الفرد السنوي من 3000 دولار سنة 1985 إلى 1000 دولار سنة 1995، وارتفع عدد المحتاجين للمساعدة - حسب مقاييسي صندوق النقد الدولي - من 14 مليوناً سنة 1992 إلى 20 مليوناً سنة 1995، وانخفضت العملة الوطنية بنسبة 66% في المائة في سنتي 94/95 وانخفضت القدرة الشرائية خلال السنتين بنسبة 45 % في المائة، وارتفعت المديونية من 25.724 مليار (بليون) دولار سنة 1993 إلى 32 مليار دولار سنة 1995". ويعلق جاب الله مستغرباً "والغريب انهم يعملون كل هذا باسم الحداثة والمعاصرة واقامة دولة حديثة وقوية".
لم ينشأ الوضع المأسوي الذي وصفه بمرارة رئيس "النهضة" الجزائرية بسبب الديمقراطية كما يحاول البعض أن يفسر بل بسبب استبداد نخبة الدولة وانقلابها على المجتمع وخياراته.
والسؤال كيف انعكس الانقلاب على نتائج الانتخابات على القوى الإسلامية المحلية وفي جوارها (تونس) وغيرها من الحركات والمنظمات ؟.
احثت الصدمة الجزائرية ردود فعل متباينة وصلت إلى حد التناقض بين معلن أكد تجديد تمسكه بالديمقراطية وبين رافض جدد شكوكه السابقة وبين متردد ومحتار وشامت.
منذ اليوم الأول للانقلاب واعتقال معظم الفائزين في الانتخابات واسرهم في معسكرات معزولة في الصحراء الحارقة شكلت القوة المسلحة التي ترفض مقولة الديمقراطية رأس الحربة لمواجهة انقلاب الموقف وانفلاته من كل الضوابط الدستورية والإنسانية بينما انفكأت القوى المسالمة التي تلتزم الديمقراطية وتؤيد شروطها ونتائجها والتزمت الصمت بعد أن أصابها الذهول من ردة فعل نخبة الدولة وشرا�