You are here:الرئيسية>النشر>بحوث وأوراق عمل>علي خليفة الكواري: الإصلاح الجذري هو مدخل التنمية الحميدة

علي فياض - نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر

الإثنين، 08 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1052 مرة
الكاتب  علي فياض

عرض: هاني نسيرة

يتميز هذا الكتاب بميزات عديدة، أولها عمق المعرفة وخلفية الكاتب النظرية التي أتاحت له جدلا نقديا معمقا مع العديد من طروحات الفلسفة السياسية والدينية، بشكل واضح، كما يتميز بموضوعه الذي يملأ ثغرة في مجال الفكر السياسي الإسلامي بالخصوص، حيث يضيء جوانب مهمة منه: معاصرة ركزت على نماذج محددة من هذا الفكر، ولكن أيضا تراثية في تراث الطائفة الإمامية وجهود علمائها التي تمثلت سياسيا كما تمركزت عقديا من خلال جدلية الإمامة والغيبة.

تحديدات أولية

يحدد الباحث على فياض، وهو أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في حزب الله اللبناني، ويشغل منصبا سياسيا فيه، مفهومه للفكر السياسي الشيعي المعاصر، بأنه ما ينطوي على إسهامات فقهية وفكرية في آن، إذ أنهما لا ينفكان بل يتلازمان، ويؤكد أنه في غمرة تنامي الفكر لا يعود كافيا الاقتصار على الفقه وحده، رغم أن القيمة الحاسمة في تأسيس النظرية السياسية تبقى للفقه بما يتجاوز الفكر أضعافا، أما المعاصر فيتعلق زمنيا بالعقود الأخيرة من النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري وصولا إلى أيامنا الراهنة (النصف الثاني من القرن العشرين).(1)

وقد اختار الكتاب ثلاثة نماذج فكرية وفقهية معاصرة:

ولاية الفقيه عند آية الله الخميني.
ولاية الأمة على نفسها عند العلامة محمد مهدي شمس الدين.
ولاية الفقيه على قاعدة الشورى عند العلامة محمد باقر الصدر.
ومسوغات الاختيار هي كون الثلاثة فقهاء وروادا في الفكر الإسلامي في الآن نفسه، ومن أقطار عدة تمثل حضورا معبرا عن الطائفة الشيعية، هي إيران والعراق ولبنان، كما تمثل أطروحاتهم على ما بينها من تفاوت الاتجاهات النظرية الأساسية في مجال الفكر السياسي الشيعي المعاصر.

ويستخدم الباحث ما يطلق عليه المنهج التكاملي أو التعددية المنهجية عبر الدمج بين البنيوية والتاريخانية، بما يسمح بمقاربة الفكر السياسي كبنية نظرية يعبر عنها النص، وكسيرورة أخذت في التشكل في إطار اجتماعي- تاريخي، وبالاستعانة برزت من المفاهيم المنهجية والنظرية المعاصرة، التي تساعد على توسيع أفق المعالجة.

ومن أجل الربط المنهجي والتاريخاني المشار إليه كتب الكاتب فصلين نظريين قدم بها لدراسة حالاته ونماذجه الثلاث المشار إليها سابقا، وقد مثلا معا الإطار النظري والمنهجي الذي دخل به إلى موضوعه وإشكالية بحثه التي تتبعها في الفصول الثلاثة التالية حول "نظرية السلطة" في الفكر السياسي الشيعي من خلال ثلاثة من أبرز ممثليه في التاريخ المعاصر، من أرضية نظرية ومنهجية صارمة، اعتنت بالتنظير دون التطبيق، دون التطرق إلى تطبيقات هذا الفكر المعاصرة، التي تجلى بعضها في الدولة الإسلامية الإيرانية، أو الاهتمام بتمظهراتها العملية في تجارب سياسية أو حزبية أخرى، كما لم يتجه في كتابه إلى إصدار أحكام قيمية على أي منها، حيث لم يكن ذلك من أهدافه أو مقاصده أساسا، بل كان هدفها الأبعد- كما يذكر فياض- هو محاولة الفهم التي تدفع أوهام المبالغة والادعاء، كما يقول، عبر التفكيك للخطابات والتركيب معا.(2)

أما دوافع الباحث لكتابة هذا الموضوع فقد ولدت في الأصل في خضم اهتمامات غير أكاديمية، فضلا عن الدراسات الشبيهة في اللغة العربية في هذا الاتجاه، بينما نشطت فيها الكتابات باللغة الإيرانية وكتابات كثير من المستشرقين الغربيين، فالموضوع حسب الباحث محايث لحياتنا ولتوقنا أن نحياها كريمة، إذ في السلطة وعنها، سؤال لا ينفك عن صلة صميمة بهذا المأزق الحضاري، الذي لا يكل عن استدامة لا يحط رحالا".(3)

في مفهوم السلطة

ناقش الباحث في المقدمة تعريف مفهوم إشكالي هو "السياسي" الذي تذهب كلاسيكيات علم الاجتماع السياسي لاعتبار السلطة موضوعا له، إما بالاستناد إلى عنصر الدولة أو بالاستناد إلى عنصر السلطة، بينما يذهب البعض الآخر إلى اعتبار" القدرة" موضوعا لهذا العلم، والقدرة تشمل السلطة ( Authority ) كما تشمل النفوذ (ifluence ) كما تشمل القوة والعنف، ويرى فياض أن ذلك لن يكون كافيا ما لم يجر تحديد مفهوم السلطة، لأن " سعته وإبهامه وربطه فقط بالتمييز بين الحاكمين والمحكومين، سيفضى إلى الانطباق على أي علاقة إنسانية غير متساوية"(4). ومن هنا يعرض فياض لطرح ناصيف نصار في كتابه الشهير "منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر"الذي يميز فيه بين ثلاثة مستويات من الأمرية، هي السلطة والسلطان والسيطرة، محددا السلطة بالحق في الأمر، وهو ما يستلزم أمرا و آمرا ومأمورا به، ويحدد فيه مقولة السلطان بأنها لا تتركز على عنصر الأمر بحق، بقدر ما تتركز على عنصر النفوذ كأمر واقع، أما السيطرة بمعناها العام، فهي الإخضاع المفروض بالقوة وتسخير الأضعف لأغراض الأقوى، فهي علاقة أمر وطاعة بين طرفين متغالبين يسعى أحدهما إلى فرض إرادته على الآخر فرضا، وإلى حمل هذا الآخر على تنفيذ أمره بالقوة الجبرية".(5)

ويشير فياض إلى أن مفهوم الشرعية أو المشروعية (التي تستخدم بشكل أغلب في النصوص الشيعية السياسية) سيؤدي دورا جوهريا، بوصفه معيارا في بناء معنى السلطة، إلا أن مفهوم السلطة في التراث الشيعي لا يمكن أن يكون متعلقا بالسياسي فقط، فالسلطة في التلاقي الديني والسياسي تمتد من رتبة التدبير السياسي حتى رتبة التوجيه والامتلاك الروحي (رتبة: أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، يقول فياض: "السلطة في المجال الإسلامي الشيعي هي ولاية.. تكون الدولة فيه غاية من غايات السلطة، إلا أنها لا تنحصر بها، فقد يكتب لها الأسبقية عليها دون أن يكون للدولة تحقق فعلي، وقد تنفصل عنها فتجاوزها، وقد تقترن بها فتكون إحدى تعبيراتها"(6).

ويكشف لنا فياض أن "الفكر السياسي الشيعي قليل الاكتراث بالدولة، اصطلاحا ومفهوما، إذا ما قيس ذلك بالولاية والسلطة" ويستنتج فياض من ذلك أن "الفكر السياسي الشيعي لا يزال في جانب منه في طوره التأسيسي، فلا يزال ينطبق عليه فكر السلطة أكثر مما يصح تسميته بفكر الدولة" ويؤكد أنه "على الرغم من التقدم الكبير والتحول النوعي الذي طرأ على هذا الفكر بفعل ولادة دولة دينية شيعية معاصرة، فإن ذلك لم يطو كشحا عن أدبيات السلطة وأسئلتها التأسيسية".(7)

الولاية بين الفقيه والأمة

كانت غيبة الإمام المعصوم، الإشكالية الكبرى التي سعى الفقه السياسي الشيعي، وفي أزمنة لاحقة لمعالجتها هي في الأصل وليدة القرن الرابع الهجري وبالضبط منذ غيبة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" عام 329 هجرية، وهو ما يوضحه فياض بقوله:" إن غيبة الإمام المعصوم صاحب الولاية المطلقة، تركت فراغا في الموقع الشرعي للسلطة، كان على الفقهاء الشيعة أن يحددوا صيغة فقهية- سياسية للتعاطي معه" ومن هنا يعرض لنا الكاتب مسار الفكر السياسي الشيعي وتحدياته التي أحدثت نقلاته فيما بعد، من أنه كان عليه أن يخوض مخاضا معقدا في مواجهة السلطة الغصبية- غير الشرعية في تصوره- من ناحية، وأن يسعى إلى إيقاف اغتراب الزمن السياسي من ناحية أخرى من خلال صيغة أصيلة، تشرعن للسلطة وجودها وقوامها"(8). وحسب فياض يعني ذلك إيجاد نظرية سياسية بديلة، تمثلت في نظرية ولاية الفقيه أو ولاية الأمة، وهو ما كان ممكنا عبر تحولين كبيرين: أولهما أدى إلى موضعة الفقيه في سدة الهرمية الشيعية بوصفه نائبا عن الإمام الغائب في القرن العاشر الميلادي، وثانيهما: أفضى إلى موضعة الأمة في خضم عملية بناء السياسة وتأسيس مشروعيتها، في بدايات القرن الرابع عشر الهجري، وهو ما آل تاريخيا -حسب فياض- إلى انفتاح المجال السياسي الشيعي أمام الفقيه بوصفه تأسيسا، وأمام الأمة بوصفه تحديثا، حين وطئ الفكر السياسي الشيعي أرض الحداثة المعاصرة، دون أن يغادر أطر التسويغ الشرعي.

ويستنتج فياض أن السؤال الأكبر والمعاصر الذي واجه الفكر السياسي المعاصر، كان لمن الولاية: للفقيه الجامع للشرائط، أم للأمة أم لكليهما في الآن نفسه"(9).

ويرى فياض أن ثمة أطرا مرجعية ثلاثا، متداخلة ومتفاوتة في حجم حضورها، ينطلق منها الفكر السياسي الشرعي المعاصر، في طريقته إجابته على هذا السؤال الكبير، هي:

1- الإطار المرجعي الديني العقائدي الذي تعبر عنه نظرية الإمامة الشيعية بنصوصها ومفاهيمها ومبادئها، وهو ركيزة ثابتة ومشتركة بين مختلف تأويلات الفكر السياسي المعاصر

2- الإطار الفقهي التاريخي لتطور إشكاليات السلطة

3- الإطار الواقعي الراهن بتحولاته الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، وبتأثيرات الحداثة المعاصرة مناخات وضرورات وطغيانا مفهوميا، ويكون التباين والاختلاف في النظرية السياسية الشيعية المعاصرة في هذا الإطار الثالث الواقعي بشكل رئيس، أو الإطار السابق الفقهي وتأويلاته، دون الإطار المرجعي الأول الذي يكون مشتركا بين الجميع. (10)

في الإطار المنهجي

في بداية تحديده لإطاره المنهجي وتفصيلاته يشير الدكتور على فياض إلى أن إشكال المنهج إشكال بحثي عربي دائم لم ينته، وهو ما يرده لنقل واتباع اتجاهات علم الاجتماع الغربي وإسهامات رواده الكبار، كما ترد لطبيعة مناهج علم الاجتماع نفيه التي تبدو معالجتها عسيرة كما يشير ربمون بودون،(11) وفي عبارة كثيفة يشير فياض إلى أن" تنوع القضايا الاجتماعية واختلاف المجتمعات اختلافا متفاوتا، يشكل الركيزة الموضوعية لأزمة المناهج السوسيولوجية في مدى مواءمتها على الإنجاب المعرفي السليم. كما يستعرض مفهوم الإيديولوجيا متتبعا تطوره في الحقل الأكاديمي الغربي والتلقي ثم النحت والتعاطي العربي مع هذا المفهوم خصوصا عند عبد الله العروي ومحمد سبيلا.

وقد لجأ الباحث إلى هذا المفهوم في دراسته وعيا منه بأن منهجيته "تنحو باتجاه تفسير الخطاب، وتحليل حمولته الأيديولوجية وبناء معالمه النظرية، دون ضفة قيمية هدفها كذب الفكرة أو صدقها"

كما ناقش فياض علاقة الدين بالأيديولوجيا وتتبعها عند عدد من المفكرين الأجانب والعرب مثل موريس دوفيرجييه في كتابه" العلوم السياسية" الذي سمى الأيدولوجيات بالديانات المحايثة، إلى ماكس فيبر والبولوني ميلتون روكيتش والمصري نصر حامد أبوزيد الذي حاول أن يحدد عددا من الآليات الذهنية الكبرى التي يتحول بها الخطاب الديني إلى خطاب أيديولوجي، وهو ما يناقشه الباحث جميعا مقدما رؤيته المنهجية له.

ويؤكد فياض على أهمية استثنائية لمنهج ميلتون روكيتش بالذات في فهم الأيديولوجيا، والذي قضى فترة طويلة يدرس آليات عمل الأيديولوجيا كاعتقاد، ويلقي إضاءات قيمة على دراسة الشحنة الاعتقادية التي يحملها الخطاب، والتي تطال دراساته كل منظومات المعتقدات الأيديولوجية، وهو ما يعرض له تفصيلا ثم يستخلص منه رؤيته المنهجية لخصوصية الفكر السياسي الشيعي.(12)

كما يعرض فياض لعلاقة الفكر بالواقع (الإطار السوسيولوجي) بدءا من هيغل وماركس وموريس غودولييه ومحمد أركون ومرتضى مطهري وباقر الصدر، ويرى أن الأخيرين قد ساهما في محاولة تأسيس أولى لعلم اجتماع إسلامي بإطار أبستمولوجي إسلامي، ويعرض في هذا السياق لاستنتاجاته من آراء كل من مرتضى مطهري وباقر الصدر في علاقة الفكر الديني بالواقع.(13)

ثم يعرض فياض ل (مفهوم الخطاب وآليات تحليله) واصفا الفكر السياسي الشيعي أنه خطاب شمولي مكثف" له تشكله المفهومي، وآليات اشتغاله ووظائف ومنطق ضمني، ويستدعي في هذا السياق مفهوم فوكو للخطاب كآلية سلطة ونزوع إليها وشكل من أشكال الممارسة السيادية كما يقول فوكو، وتتحدد ضرورة بحثه في حفريات الخطاب أو أركيولوجيا المعرفة، ولكن يرى فياض أن الاكتفاء بالتحليل البنيوي دون التركيب، أو الانحباس في المفاهيم كما أراد فوكو أمر غير مجدي، ومن هنا اتخذ الباحث أسلوب التفكيك والتركيب في بحث عينات خطابه، وفق ما سبق إليه مفكرنا العربي الدكتور ناصيف نصار، وأشار إليه بمنهج التصورات الأيديولوجية" وهو منهج تم استلهامه من قبل العديد من الباحثين والكتاب العربي، لتكامليته وتعدديته المنهجية، ولا زلنا نرى أن صاحبه وصاحب منطق السلطة لم يأخذ حقه بعد في فضاء الفكر والاهتمام العربي، وقد نشره نصار في مجلة الفكر العربي آواخر الثمانينيات، ثم سجله في كتابه" الأيديولوجية على المحك".

يقوم منهج نصار للتصورات الأيديولوجية على تحليل عدد من الأنساق هي نسق المقومات، وهو نسق المفاهيم التأسيسية والشغالة في الخطاب، ثم نسق العلاقات الذي يتحدد من خلال ثلاثة حقول: أولها علاقة التصورات الرئيسية بعلاقات أخرى، والثاني هو العلاقة بالسياق والثالث هو حقل التصورات المعارضة، ونسق العوامل وهو نسق يقوم على القول بعدم اكتمال معنى التصور الإيديولوجي بتحليل مضمونه في ذاته، كما أرادت البنيوية، بل يمتد للبحث عن معنى للتصور خارجا عن دائرة التكوين المنطقي لمفهومه ونسق الوظائف الذي ينتج عن العوامل ويكون أقرب للتصورات منها.

وفي إطار تحدده المنهجي قرأ فياض محاولة مرسيا إلياد في دراسة المقدس وخصوصية المعطى الديني، كما قرأ مفهوم ريجيس دوبريه عن" اللاشعور السياسي" الذي صكه بعد تحوله عن الماركسية.

وربطا بين إطاره المنهجي النظري وبين الفكر والفقه الشيعي عرض الباحث منهجيا لطرحي كل من مرتضى مطهري ومجتهد شبستري عن قبليات الفقه واختلافات الفتاوى، وحاجة الفقيه لعلوم ليست فقهية في المجمل كما يقول شبستري، بينما يرى الشهيد مطهري وهو رائد ما يسمى الكلام الجديد، أن نظرة الفقيه للعالم تؤثر على طريقة استنباطه للأحكام، ومن هنا تختلف فتوى العربي عن العجمي، والقروى عن المدني والعكس.

وبعد كل هذا العرض المنهجي ينتهي فياض للقول بـ"خصوصية الفكر السياسي الإسلامي، وعدم صحة دراسته إلا بالاستناد لمنطقة ومرجعياته، دون أن ننفي تأثيرات الواقع عليه، وذلك بالارتكاز إلى قاعدة منهجية ترى أن علاقة الفكر بالواقع علاقة إنتاج، أما علاقة الواقع بالفكر فهي علاقة تأثير"(14) وهنا نرى أهمية جوهرية للفكر والخطاب وتأثيراته تلتقي مع المدخل البنيوي والفيبري وتتعارض كلية مع المدخل الماركسي الذي وقف بالفكر عند كونه بنية فوقية ينتجها الواقع وعلاقات إنتاجه.

الولاية الشيعية من التاريخ إلى المعاصرة

في الفصل الثاني قرأ الباحث تحت تطورات علاقة الدين والسلطة من التأسيس إلى التحديث الشيعي، بادئا من الإشكالية التاريخية التي بدأت مع الفتنة واختلافات الصحابة حتى غيبة الإمام الثاني عشر، ومناقشا في ذلك لآراء عدد من المفكرين والباحثين العرب الآخرين شأن برهان غليون في" الدين والدولة" ومحمد سعيد العشماوي في" الإسلام السياسي" ورضوان السيد في طرحه المتميز حول" الجماعة والمجتمع والدولة" ومحمد عابد الجابري في عدد من كتاباته والذي ركز فيه على التأثير الفارسي على الأدب السياسي والسلطاني الإسلامي دون تأسيس علمه بشكل مدني ومنفصل غيرهم.

كما بسط الباحث تتبعه وقراءته للتأسيس والتحولات في المجال الشيعي، فقد قام التأسيس على مقولات الإمامة التي تقوم على الوصية عند الشيعة، فهي عند الشيعة منصب ديني وضرورة عقدية، بينما تبدو عند السنة أقرب إلى كونها منصبا سياسيا رغم إلحاح الأدب السني منذ قديم على جوهريتها وأهميتها في حراسة الدين وسياسة الدنيا.(15)

ثم قام التأسيس الثاني على" الغيبة فراغ السلطة الشرعية وفقه الانتظار"يقول فياض أنه منذ غياب الإمام الثاني عشر: " كان على الفقهاء الشيعة أن يتصدوا لقيادة الجماعة الشيعية، في مواجهة نظام لا يعترفون بشرعيته، وبعد تاريخ طويل لم يسلم فيه أئمتهم من القتل والملاحقة من الدولتين الأموية والعباسية" ومثل ميلاد الدولة البويهية وصعودها حتى إحالتها الخلافة العباسية لمنصب معنوي فقط بعد دخول معز الدولة البويهي بغداد سنة 334 هجرية، إطار مواتيا لاندفاع الصيرورة السياسية الشيعية قدما، وفي إطارها ولدت المؤلفات الشيعية المرجعية ل محمد بن يعقوب الكليني ت 329 هجرية، ثم الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381 هجرية، ثم الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هجرية، وبعده الشيخ الطوسي شيخ الطائفة المتوفى 460 هجرية وغيرها.(16)

وتؤكد العديد من النصوص الشيعية وخاصة للشيخ المفيد والطوسي والشريف المرتضي، على دور للفقيه في التأمر والولاية على الناس ورد المظالم، ولكن يستدرك فياض، بعودته لنص المفيد، أن ذلك يكون شريطة استئذان الإمام، ونص الطوسي الذي يرى أن الرياسة من الأمور التي تثبت عقلا، وهو ما يراه فياض في مجموعه" دلالات تحملها قابليات النص الفقهي الشيعي في تأسيس صلاحيات ولائيات الفقيه"رغم محدوديته دون مبالغة واشتراطاته، ولكنه مهد لنظرية ولاية الفقيه فيما بعد.(17)

ويبدو أن انفتاح المجال السياسي أمام الفقيه جاء مع الدولة الصفوية ودور المحقق الكركي ت 940 ميلادية الذي صار معتمد حكام الدولة الصفوية ومرجع أحكامهم ومواقفهم، وقد وصفهم الشاه طهماسب الصفوي بأنه" الأحق بالملك، لأنه نائب الإمام عليه السلام" وقال له" إنما أكون من عمالك، أقوم بأوامرك ونواهيك" وقد قام الكركي بدور فاعل ومهيمن في وسط الملك الصفوي وعلى سائر ولاياته ثم كان التحول الثاني مع النائيني والمشروطة( الدستور) حيث انفتح المجال السياسي الشيعي أمام الأمة، مع كتاب الشيخ محمد حسين النائيني( ت 1936 ميلادية)" تنبيه الأمة وتنزيه الملة" وهو يعد به مؤسس الفقه السياسي الشيعي الحديث، وهو محاولة لتسويغ النظام الدستوري وفق الضوابط الإسلامية، وقد ألفه النائيني سنة 1909، إبان الثورة التي عاشتها إيران في ظل الدولة القاجارية، وهو ما مثل الفكر السياسي الشيعي من تطورات مهمة فيما بعد، في النصف الثاني من القرن العشرين على يد الخميني وشمس الدين وباقر الصدر وغيرهم لم يكونوا من حالات الكتاب، ولم يكن من هدفه أو من مهامه الجدل معها، شأن على شريعتي وموسى الصدر وآية الله طالقاني ومرتضى مطهري ومجتهد شبستري وعبد الكريم سروش وغيرهم ممن لا نراهم جديري بالاهتمام في رصد التطور الفكري السياسي الشيعي بلا شك! وهو ما يمكن رصده كذلك من خلال تجربة الصحوة الشيعية في العراق، وفعل المرجعية فيه وبخاصة السيستاني ودوره في هذا السياق، بل وكثير من مفكري الشيعة العرب الآخرين كذلك، شأن الشيرازي والخوئي وبعض المفكرين الشيعة في الخليج العربي.

الحالات الثلاث

ينطلق الفصل الثالث يقرأ فياض" نظرية السلطة عند الإمام الخميني: ولاية الفقيه العامة" محاولا منذ البداية فهم المنهج الخميني الذي يدعوه" المماثلة العرفانية والتأسيسان الفقهي والعقلي" مؤكدا أن الخميني يتجاوز الصورة المعهودة لمرجع التقليد، التي اقتصرت في الأغلب على حضور مقتصر على التفوق الفقهي، فهناك العديد من الأبعاد الأخرى التي تلازم مع فقاهته، تجلت في إقباله على الفلسفة والعرفان وعلم الأخلاق، فضلا عن سيرته التي لم تنفصل يوما عن الاهتمامات السياسية، فقد كان استثناء وخروجا عن المألوف في بنية حوزوية اتسمت بالتقليد والتحفظ(18).

ويرى فياض بعد تتبعه للمناهج والأدلة العقلية والنقلية والواقعية ودور الأمة فيها وعلاقته بها أن نظرية السلطة عند صاحب ولاية الفقيه" تؤول إلى ما يتجاوز المستوى السياسي، إذ إنها استمرار للإمامة عبر التاريخ، وتعويض عن الغيبة بما يقوم مقام الإمامة من حيث الوظائف والصلاحيات، دون الرتبة والمقام" ويرى فياض أن" الولي الفقيه في هذه النظرية هو من يشغل رأس هرم السلطة في الحكومة الإسلامية، بينما تشغل الأمة قاعدته العريضة، أما ضلعا هذا الهرم اللذان يصلان ما بين الرأس والقاعدة، فهما ما تقوم به السياسة الإسلامية، الدين بصورة أساسية، والمصالح في حالات تفرضها الضرورات"

ووضع الباحث الفصل الرابع حول" نظرية السلطة عند العلامة شمس الدين: ولاية الأمة على نفسها" ويصفه فياض بأنه تندمج في شخصيته" الأبعاد الفكرية والفقهية والتاريخية والمعاصرة، على قاعدة نقدية صارمة" ويؤكد فياض أن العلامة محمد محمد مهدي شمس الدين ينطلق من" المسلمات والثوابت الشيعية المعروفة في علم الكلام والفقه الشيعييين" .

ويشيد شمس الدين قطيعة بين زمنين هما الزمن السياسي للسلطة، بما هو شأن إلهي غيبي، ويسميها بالحكومة الإلهية، وبين الزمن السياسي للأمة التي تكتسي فيه السلطة طابعا دنيويا، يقول فياض:" ومن رحم هذه القطيعة يبنى العلامة شمس الدين حداثته السياسية، ويفتح أفق التجديد السياسي على مصراعيه" .

ويحاول الباحث عبر صفحات عديدة تفسير كيف حدثت هذه النقلة في فكر العلامة محمد مهدي شمس الدين، وشروط الرؤية التجديدية التي أنتجها في إطار الاجتماع السياسي، وتركت آثارها على مساحات الإنتاج الفقهي والفكري المتنوع، من فقه المرأة التي أجاز توليها للسلطة، وتجويزه ولاية الحاكم الجائر والتعاون معه، إلى مقولته المركزية في الاجتماع السياسي الشيعي القائمة على ولاية الأمة- وليس الفقيه- على نفسها، وهو ما يرده فياض إلى مرونة أصولية جريئة تلف قراءة العلامة الراحل للنص وتأويله له، وهو ما يتصح بالخصوص في كتابه" الاجتماع السياسي في الإسلام" الذي لم يسبق له كما يؤكد كاتبه والباحث معه سنة 1992.

في نطاق بحثه يكشف فياض عن المرتكزات المنهجية التي اعتمد عليها شمس الدين وهي النظرة المتحركة للنص التشريعي، ورفض الاستدلال النصي على مسألة الحكم واعتبارها ملازمة للتركيب الكلي للشريعة، وتسويغ السلطة على أساس أسلمة المعطى الفقهي لا مذهبته .

كما يفصل العلامة شمس الدين رحمه الله بين مفهومين أساسيين وتحليلين مهمين هما الإطلاق الزماني والإطلاق الأحوالي، وكذلك معالم ومبادئ نظرية السلطة عنده، التي تتضح فيها صبغة أخلاقية وعقلانية واضحة لا نراها متاحة لكثير من فقهاء الشيعة والسنة ومفكريهم على السواء.

وفي الفصل الخامس يقرأ الباحث نظرية السلطة عند الإمام" محمد باقر الصدر" الذي لم تقف جهوده التجديدية عند الفقه او الفكر الإسلامي، بل امتدت لمختلف مناحي الفكر الإنساني، وهو الموقع الذي لا يجارى، ويصفه بابن خلدون الفكر الديني المعاصر، فهو الأوسع والأعمق في مضمار التجديد حسب الباحث على فياض، وهو ما يعرض له في الجزء الأول من هذا الفصل.

ثم يعرض فياض للإطار النظري عند الصدر الذي كان مسكونا بهاجس التأصيل النظري الذي يطغي عليه ويدفعه دائما لوضع الأنساق المعرفية الكلية، ثم يقرأ فياض لمفهوم مركزي في فكره ألا وهو السنن التاريخية، والصراع والتغير داخل التشكيلات الاجتماعية.

وفي المبحث الثالث من هذا الفصل يعرض فياض لنظرية السلطة عند الصدر، بدءا من مرتكزات الفكر السياسي عنده بدءا من المسوغ الشرعي القائم على مقولة خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، والمسوغ العقلي القائم على نظرية " منطقة الفراغ" التي تنسب للصدر، والمسوغ الواقعي القائم على الحاجة للدولة والبناء الحضاري.

ثم يتتبع الباحث تطور تصور السلطة عند الصدر وكيف انتهى للإدماج بين المشروعية الدينية والشعبية، ولاية الفقيه والأمة معا، ثم ينتهى فياض لخاتمة يحدد فيها أهم نتائجه ومستخلصاته.

إن هذا الكتاب جدير بالقراءة بشكل معمق وتفصيلي، ليس فقط لقيمة نماذجه، ولكن لقيمة تحليلاته المعرفية والجدلية مع كثير من مناهج وأدوات قراءة النص الديني بعموم، والإسلامي الشيعي بخصوص، وكذلك محاولات تأسيس علم اجتماع سياسي إسلامي، يتجاوز التعلق في فضاءات الفكر التراثي والأدب السلطاني التي دأبت عليه بعض المدارس الفكرية والساعية لتجديد الفكر السياسي الإسلامي، اعتمادا بالأساس على التراث وبنيته دون تطورات الاجتماع الإسلامي.
_______________
الإحالات:
1 - نظريات السلطة... ص 15.
2 - نفس المرجع... ص 18.
3 - نفس المرجع... ص 19.
4 - نفس المرجع... ص 8.
5 - نفس المرجع... ص 9.
6 - نفس المرجع... ص 10.
7 - نفس المرجع ونفس الصفحة السابقة.
8 - نفس المرجع... ص 11.
9 - نفس المرجع... ص 14.
10 - نفس المرجع ونفس الصفحة السابقة.
11 - ريمون بودون، مناهج علم الاجتماع، ترجمة هاله شبؤون الحاج، منشورات عويدات، بيروت سنة 1988 ص 5، نقلا عن الكتاب ص 23.
12 - نفس المرجع... ص 36 وما بعدها.
13 - نفس المرجع... ص 48.
14 - نفس المرجع... ص 71.
15 - نفس المرجع... ص 110 - 111.
16 - نفس المرجع... ص ص 114 - 116.
17 - نفس المرجع... ص 122.
18 - نفس المرجع... ص 170 وما بعدها.
-------

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة